عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 06-09-2019, 05:10 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 19,183
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الصّوتيات عند ابن جني في ضَوء الدراسات اللغوية العربية والمعاصرة

الصّوتيات عند ابن جني في ضَوء الدراسات اللغوية العربية والمعاصرة
عبد الفتاح المصري



3-أسباب العناية بالصوتيات:‏

*لعله قد ظهر لنا من خلال العرض السابق أن أئمتنا الأوائل اعتنوا بالظواهر الصوتية عناية واضحة، أما لماذا كانت هذه العناية؟ فلقد سبق أن أشرنا إلى أن الصوتيات العربية نشأت في أحضان لغة القرآن، ونؤكد الآن أن عنايتهم بها كانت، بالدرجة الأولى، سعياً وراء هدف سام نبيل هو المحافظة على كتاب الله وصيانته من اللحن والتحريف، أضف إلى ذلك أنهم أدركوا منزلة الدراسة الصوتية في العلوم اللغوية وارتباطها الوثيق بما عالجوا من قضايا نحوية وصرفية ودلالية وبلاغية. وهذا يذكرنا بما نعرفه في اللسانيات الحديثة من صلة درس الجانب الصوتي في اللغة بدرس الجوانب الأخرى التي أشرنا إليها في مطلع هذه الدراسة.‏

*ثم إن علوم العرب اللغوية نشأت أول ما نشأت على السماع، فبه حملوا الشعر عن الرواة وحملوا القرآن الكريم والحديث النبوي، وعليه اعتمدوا في نقد عيوب الشعر، وفي تقعيد القواعد، وعليه أيضاً انبنى علم التجويد والقراءات، وعلى هدي منه اتخذت بعض معايير الفصاحة وبه قبست لغات القبائل المذمومة ولهجاتها(17).‏

*فهذه الأمور الثلاثة كانت من جملة الأسباب التي تضافرت على جعل علمائنا الأقدمين يهتمون بالدرس الصوتي على النحو الذي رأيناه، وسنراه عند ابن جني.‏

4-الأصالة والسبق:‏

*رأينا فيما تقدم، أن للعرب قدماً ثابتة وباعاً طويلة في الدراسات الصوتية، ونذكر الآن أن لهم فضل السبق في الوصول إلى نتائج وحقائق علمية صوتية في غاية الدقة، ذلك أن من العلماء والمستشرقين الأجانب، بل من الباحثين العرب المحدثين من يقول أن الصوتيات العربية متأثرة ببحوث الأمم السابقة على العرب كالهنود واليونان، وعنهم نقلوها(18)، ولعل ما ساعد على هذا القول أمران اثنان هما إهمال المسلمين للدراسات الصوتية في عصر الدول المتتابعة، وكون المستشرقين أول من تحدثوا عنها في عصر النهضة(19).‏

*وممن تولى الرد على الآخذين بهذا الرأي الدكتور كمال بشر، وهو أحد العلماء المختصين، فقال(20): (في رأينا أن دراسة العرب لأصوات لغتهم إنما هي دراسة أصيلة، ليست منقولة في منهجها أو طريق التفكير فيها عن غيرهم من الأمم، والقول بأنها ترجع إلى أعمال الهنود أو اليونان في دراساتهم الصوتية قول تعوزه الأدلة العلمية التي تستطيع أن تؤكد هذا الزعم أو تنفيه، على أن النظر الدقيق في جملة ما طلع علينا به علماء العربية في مجال الأصوات اللغوية يحملنا على الجزم بأن هؤلاء العلماء كانوا يصدرون عن عقليتهم الخاصة وثقافتهم العربية).‏

*ثم أتى بدليل على صدق قوله يتصل بمنهجهم في الدراسة الصوتية، فرأى أن هذه الدراسة تقوم على أساس نطقي، كما عند الغربيين، يعنى بالخواص النطقية للأصوات ووظائف جهاز النطق وحركات أعضائه عند إخراج الأصوات، وهذا مخالف لما سلكه اليونان، إذ اعتمد هؤلاء أولاً على الخواص السمعية للأصوات، وإذا كان منهج العرب يشابه منهج الهنود عامة، فإن فيه اختلافات كثيرة في التفصيلات، وهو منهج وصفي يعنى بدراسة الظاهرة اللغوية في معزل عن تطوراتها التاريخية، ويخلو من الافتراضات العقلية والمتاهات الفلسفية، ويقوم على أساس من أهم أسس البحث الصوتي اليوم وهو الملاحظة الذاتية.‏

*ورأى الدكتور بشر أيضاً أن فيما قام به العرب سبقاً تاريخياً وعلمياً، وإذا كان الهنود قد سبقوهم تاريخياً في الدرس الصوتي، فإن هذا لا ينفي أن يكون العرب رواداً فيه، فأبجديتهم، - كما يقول(21)- فيها مبادئ صوتية رائعة، ويتحقق فيها أحدث الآراء في الدرس الصوتي إذ أن فيها رمزاً واحداً لكل واحدة صوتية، ثم إن لهم سبقاً في إدراك معنى الجهاز النطقي ومعرفة وظيفته وطبيعته. وهذا سيتضح عند ابن جني خاصة، ولهم سبق أيضاً في ترتيب الأصوات حسب المخارج بدقة والعناية بتصنيفها وتقسيمها إلى مجموعات متداخلة.‏

*فحقيقة الأمر، إذن، أن دراسات العرب الصوتية تتسم بالأصالة، وفضل السبق، وقد عرف شيئاً من هذا غير واحد من العلماء المنصفين والباحثين المدققين الأجانب كالمستشرق برجشتراس، وفيرث الذي يقرر أن الدراسات الصوتية نشأت في أحضان لغتين مقدستين هما العربية والسنسكريتية، وقد اعترف جورج مونين صراحة بجودة الدرس الصوتي عند العرب فقال(22): (منذ القرن الثامن الميلادي كان علماء اللغة في البصرة يسعون إلى وصف لغتهم وصفاً صوتياً، وسواء أوجدوا تلقائياً علماً للأصوات جديراً بأن يذكرنا بالعلامة بانيني، أم أنهم اقتبسوا هذا العلم عنه، فتلك مشكلة على حدة، ولكن لا بد لنا –بادئ ذي بدء- أن نعترف بوجود هذا العلم في الأصوات وأنه علم فذ ممتاز)، ثم أن عالماً ألمانياً محدثاً هو (شاده) جعل موضوع رسالته لنيل شهادة الدكتوراه (علم الأصوات عند سيبويه) وفي هذا دليل على قيمة كتاب سيبويه –وقد رجح فيه أن العرب لم يقتبسوا علم الأصوات من أحد، وأنه من وضعهم واستنباطهم خدمة للقرآن الكريم وأدائه(23).‏

* على أنّ قضيتي الأصالة والسبق في درس العرب الصوتي، قد تبدوان على نحو أوضح إذا دققنا عند دراسات ابن جني خاصة وقفة تأمل وتدبر.‏

جـ-الصوتيات عند ابن جني‏

1-اللغة أصوات:‏

عرّف ابن جني اللغة بقوله(24) (إنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم)، وهو تعريف هام يستوقف الباحث اللغوي الحديث، ذلك أنه تعريف دقيق يذكر أبرز الجوانب المميزة للغة، فهو يؤكد أولاً الطبيعة الصوتية لها، ويذكر وظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر، كما يشير إلى اختلاف البنية اللغوية باختلاف المجتمعات الإنسانية، وهذه الجوانب الثلاثة تتناولها التعريفات الحديثة للغة(25)، والذي يهمنا في هذا المقام أولها، فقد نظر ابن جني إلى اللغة على أنها أصوات أو لا تحمل دلالات يقوم بها التفاهم بين البشر حين يتخاطبون، وعرف أن الأساس في الظاهرة اللغوية النطق، وهو أساس تقوم عليه أكثر الدراسات المعاصرة. إذ تعنى بالكلام المنطوق أولاً، وتدرسه من جوانب أربعة سبق ذكرها أولها وأهمها الجانب الصوتي، أما الكتابة فترى أنها تأتي في الدرجة الثانية، وما هي إلا محاولة لتصوير المنطوق قد تنجح وقد تخفق.‏

*ويتصل بما نحن فيه نص نقع عليه عند ابن جني يستوقف النظر، وهو قوله(26) (ذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل)، وهذا النص يتعلق بإحدى النظريات المعروفة في نشأة اللغة، هي نظرية المحاكاة Onomatopoeia التي تقول إن اللغة محاكاة لأصوات الطبيعة،ولم يعز ابن جني هذا القول إليه، إلا أن أحداً لم يسبقه إلى ذكره، أضف إلى هذا أنه ركز القواعد التأسيسية لهذه النظرية في تراثنا العربي، فقلبها على أوجهها الممكنة، وجعل للمحاكاة مراتب أربعاً هي المحاكاة الصوتية أي تسمية الأشياء بأصواتها ومحاكاة هيكل اللفظ لجملة الدلالة ثم المحاكاة التعاملية أي تعامل دلالة الأصوات الفيزيائية ودلالة الهيكل الوزني، وأخيراً التركيب السياقي(27). ومن الواضح عناية ابن جني بهذه النظرية، بل إن الجملة الأخيرة في القول الذي سقناه هنا صريحة في بيان رضاه عنها، ولا تحتاج إلى تأويل.‏

*بقي أن نقول إن الكثير من الباحثين اللسانيين اليوم يرون أن الحديث عن نشأة اللغة أمر غير ذي فائدة، ذلك أنه بحث في الغيبيات، ولا يوصل إلى حقائق يقينية يمكن الركون إليها والتسليم بها، وهو أقرب إلى الفلسفة اللغوية منه إلى البحث اللغوي العلمي(28)، ولكن إذا ما تحدث باحثون عن هذه النشأة رأيت منهم من يميل إلى الانتصار لما قاله ابن جني قبل عشرة قرون، فالقول بالمحاكاة اليوم أحد مذهبين مفترضين عند من يقول إنّ أصل اللغة اصطلاح ومواضعة لا توقيف وإلهام، وقد أخذ به معظم العلماء المحدثين مع تعديل طفيف، وعلى رأسهم العالم الإنكليزي وتني في القرن التاسع عشر(29)، فلابن جني إذن فضل السبق العلمي، وإن كان القول بالمحاكاة في اللغة لا يخلو من مبالغة، وإذا صح في ألفاظ قليلة، فإنه لا يصح إطلاقه وتعميمه على ألفاظ اللغة كافة.‏

2-علم الأصوات:‏

*كانت الأصوات الشغل الشاغل لابن جني، ولها في تفكيره اللغوي جذور عميقة، وعلى هدي منها عالج كثيراً من القضايا اللغوية، وخاصة ما اتصل منها بالصرف الذي كان فيه العلم الأول بلا منازع، ونرى هذا بوضوح في كتابيه سر الصناعة، والخصائص(30)، بل إن الصوتيات تطل بين الحين والحين من ثنايا ما شرحه من أشعار.‏

*وابن جني أول من جعل الأصوات علماً، وأطلق عليها هذا اللفظ الواضح الصريح قبل الغربيين بقرون، ودل به على دراسة الأصوات والبحث في مشكلاتها المختلفة على نحو مشابه للدرس الصوتي الحديث، أسمعه يقول(31) (هذا القبيل من هذا العلم. –أعني علم الأصوات والحروف- له تعلق ومشاركة للموسيقا لما فيه من صنعة الأصوات والنغم)، فقد أدرك إذن أن علم الأصوات علم قائم بذاته، وإن كانت كلمة علم لا تعني يومذاك ما نعنيه اليوم من أسس وقواعد منهجية دقيقة. وكلام ابن جني واضح الدلالة على أن الأصوات أخذ ينظر إليها في القرن الرابع الهجري على أنها يمكن أن تدرس درساً مستقلاً، كما كانت تدرس علوم اللغة، بالاصطلاح القديم، من نحو وصرف وبلاغة وغيرها، ويرى الدكتور كمال بشر أن مصطلح علم الأصوات عند ابن جني على الصورة التي رسمها لهذا العلم جاء سابقاً للمصطلح الأوروبي المقابل له وهو الفونيتيك Phonetics(32).‏

*وقد وردت تسمية علم الأصوات في كتاب من أهم كتب ابن جني هو (سر صناعة الإعراب)(33) وهو أول كتاب مستقل يؤلف في هذا العلم، إذ لم يعرف العرب قبله كتاباً موقوفاً على الأصوات وحدها، وهناك من يرى أنه أول كتاب في العالم مختص بالأصوات، ولا يقارن بكتاب بانيني العالم الهندي (القرن الخامس أو الرابع قبل الميلاد)، لأن ذلك الكتاب – ويسمى المثمن – لم يكن خاصاً بالأصوات، بل هو في النحو السنسكريتي عامة(34).‏

*جمع ابن جني في كتابه الدراسات الصوتية السابقة التي نشأت ضئيلة عند الخليل وسيبويه ثم تتابع عليها المعنيون بها من بعدهما، حتى وصلت على يده إلى القدر الذي يحويه هذا الكتاب، فقد كان القرن الرابع عصر تطور ونهضة في العلوم الإسلامية عامة، وجاء كتاب سر الصناعة موضحاً لمعالم الدراسات الصوتية التي عني بها أهل اللغة في هذا القرن في جملة ما عنوا به من علوم، ووسع مجال القول فيها، وقوى تأثيرها في فروع الثقافة الأخرى(35).‏

*أما موضوعات الكتاب فيمكن إجمالها فيما يلي:‏

1-وصف جهاز المنطق.‏

2-عدد حروف المعجم وترتيبها وذوقها.‏

3-وصف مخارج الحروف وصفاً تشريحياً دقيقاً.‏

4-الأجراس الطبيعية للحروف، وبيان صفاتها الطبيعية وتقسيمها إلى أقسام مختلفة.‏

5-ما يعرض للصوت عند بناء الكلمة ومقاربته لآخر من تغيير يؤدي إلى الإعلال أو الإبدال أو الإدغام أو النقل أو الحذف.‏

6-بيان الشاذ والمقيس من أنواع التغيير في الحروف، والاستشهاد عليه.‏

7-نظرية الفصاحة في اللفظ المفرد ورجوعها إلى تأليفه من أصوات متباعدة المخارج.‏

*وقد ذكر ابن جني أن غرضه من الكتاب هو الحديث عن الحروف، أي الأصوات، منفردة، لا على أساس أنها مؤلفة لأن الحديث عند ذاك يطول كثيراً، ويقود إلى استيعاب جميع اللغة، ودراسة الأصوات على هذا النهج يسميها علماً، لكن هذا لا يعني أنه لم يدرس الأصوات في حالة اجتماعها، بل قد فعل ذلك في ثنايا كتبه وخاصة كتابه الأشهر الخصائص، وهذا ما سيتضح في مراحل البحث التالية.‏

3-جهاز النطق:‏

يصدر الأصوات اللغوية جهاز في الإنسان يسمى تجوُّزاً بجهاز النطق Organs of Speech ذلك أن النطق وظيفة ثانوية له، ساعدت على خلقها الضرورة الاجتماعية والذكاء الإنساني، وهذا الجهاز مكوّن من جملة من الأعضاء أكثرها ثابت وهي الأسنان واللثة والغار والجدار الخلفي للحلق، وبعضها قابل للحركة وهي الشفتان، والأسنان والفك الأسفل والطبق، وفيه اللهاة والحنجرة والأوتار الصوتية(36).‏

*ولو تتبعنا رحلة الصوت منذ خروجه من الرئتين، لرأيناه – باختصار – يسير في مجرى القصبة الهوائية. وفي أعلاها وأسفل الفراغ الحلقي تستقبله الحنجرة، فيمر بالوترين الصوتيين، ثم يخرج إلى فراغ الحلق، فيلتقي باللسان والحنك، ثم يمر بعدهما بالشفتين خارجاً من الفم.‏

*والنطق (عملية مركبة بمعنى أن الصوت لا يتكون إلا بعدة عمليات متكاملة. فلا تكفي استدارة الشفتين لنطق الصوت ومجرد وضع اللسان في أي موضع من الفم لا يكفي لنطق أي صوت، ولذا فهناك مقومات أساسية لنطق الأصوات اللغوية)(37). ويتحكم في الصوت عدة أعضاء في جهاز النطق كالوترين الصوتيين واللسان ومناطق التقائه بالحنك في مقدمه أو وسطه أو أقصاه، وكالتقائه بالأسنان، كما أن لوضع الشفتين دوراً هاماً في نوع الأصوات وصفاتها، وللتجويف الأنفي دوره أيضاً في نطق بعض الأصوات وغير خاف، بعد هذا، أن النطق يختلف من إنسان لآخر، كما يختلف من قوم لآخرين تبعاً لظروف عقلية ونفسية واجتماعية، ليس هنا مجال بحثها.‏

*هذا ما قرره المحدثون، ونصل إلى ابن جني لنرى ماذا قال في جهاز النطق، فيستوقفنا نص هام، يحسن أن نقرأه لنرى ما فيه(38) (وقد شبه بعضهم الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلاً أملس ساذجاً، كما يجري الصوت في الألف غفلاً بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة وراوح بين أنامله، اختلفت الأصوات، وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم باعتماد على جهات مختلفة كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة).‏

*ثم يبين ابن جني في وضوح سر اختلاف الأصوات الخارجة من جهاز النطق، وكيف يتم هذا الاختلاف فيقول (ونظير ذلك أيضاً وتر العود، فإن الضارب إذا ضربه، وهو مرسل سمعت له صوتاً فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه أدى صوتاً آخر، فإن أدناها قليلاً سمعت غير الاثنين، ثم كذلك كلما أدنى إصبعه من أول الوتر تشكلت لك أصداء مختلفة، إلا أن الصوت الذي يؤديه الوتر غفلاً غير محصور تجده – بالإضافة إلى ما أداه وهو مضغوط محصور – أملس مهتزاً، ويختلف ذلك بقدرة قوة الوتر وصلابته وضغطه ورخاوته، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق، والخفقة بالضرب عليه كأول الصوت من أقصى الحلق، وجريان الصوت فيه غفلاً غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا). وهو بهذا يصف ميكانيكية النطق.‏

*ونشير أولاً إلى أن ذكر كلمة بعضهم في قول ابن جني يوحي بأن تشبيه الحلق والفم بالناي، ليس من صنعه، وأغلب الظن أنه للخليل، فقد عرف عنه اشتغاله بالموسيقا وإتقانها. وكثيراً ما أورد ابن جني آراءه في كتبه(39) ولكنه تشبيه بارع كبراعة تشبيه الحلق بوتر العود، وفي القول ذكر أن الحلق يكون صلباً ورخواً، ولصلابته أو رخاوته أثر فيما ينطق من أصوات، ومن المعروف اليوم أن في الفم حنكاً صلباً ثابتاً لا يتحرك، وحنكاً ليناً قابلاً للحركة، قد يرفع أو يخفض فيغير في الأصوات(40)، فلعل الحلق عنده يعني الحنك عند المحدثين، والمهم في الأمر أن ابن جني عرف أن الأصوات تختلف فيما بينها تبعاً لأوضاع أعضاء جهاز النطق، وأن من الأصوات ما تعترضه العوائق التي مثلها بأنامل الزامر على الناس أو أصابع ضارب العود على الوتر، وهي عند المحدثين عوائق الوترين الصوتيين واللسان وغير ذلك.‏

*وينبغي أن نتنبه إلى ما يقصده ابن جني بكلمة المقطع في قوله الذي نتحدث عنه، فليس المقصود منها ما نعنيه نحن اليوم من اجتماع صوتين أو أكثر، بل تعني – كما يفهم من كلام له –المكان الذي يعترض فيه الصوت عائق يمنعه عن جريه واستطالته، وفي هذا يقول(41) (اعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلاً حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته) فالمقطع عنده إذن، هو مخرج الحرف كما في اصطلاح المحدثين، ويلاحظ هنا أيضاً إشارة ابن جني الواضحة إلى أن اعتراض الصوت في جريانه قد يكون في واحد من أعضاء النطق التي ذكرها.‏

*وابن جني لم يصف جهاز النطق على نحو ما يفعل المحدثون، بل اكتفى بالتشبيه الذي رأيت، وبذكر مختلف أعضاء هذا الجهاز في خلال حديثه عن مخارج الحروف، وهي الصدر والحلق والفم والخياشيم، فالصدر يساعد على إطلاق النفس المؤدي إلى إحداث الصوت، وليس مساوياً للأعضاء الأخرى، لأنه لا يضم مدارج الأصوات، وهو لا يذكره إلا نادراً، أما الحلق فيتدخل تدخلاً مباشراً في عملية النطق، كما أشرنا منذ قليل، وقد قسمه إلى أقصى الحلق وأوسطه وأدناه ولكل جزء مخارجه، وفرق بين أول الفم ووسطه ومقدمه، وفي الفم جملة أعضاء تنهض بالنطق فهناك اللسان الذي ميّز فيه أقصاه ووسطه وطرفه بالإضافة إلى حافتيه، وكان العرب قد خصوا كل قسم منه باسم خاص، وهناك الأسنان، ولها دورها الهام في النطق، وقد فرق ابن جني فيها بين الثنايا والرباعيات والأنياب والضواحك، وذكر الشفتين وهما تسهمان أيضاً في النطق وخاصة الشفة السفلى، وذكر الخياشيم التي تساعد على مخرج النون الخفيفة الساكنة(42). ولكنه أغفل الحديث عن الوترين الصوتيين، كما فعل غيره من القدماء، والمحدثون يرون لهما دوراً كبيراً في همس الأصوات أو جهرها، وفي نطق همزة القطع خاصة.‏
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.60 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.98 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.25%)]