عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 30-08-2019, 04:11 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,619
الدولة : Egypt
افتراضي رد: النحو العربي والنص

النحو العربي والنص
د. عبد السلام السيد حامد


ثالثاً ـ جدوى منهج نحو النص ومدى أهميته بالنسبة للنحو العربي :
تجديد مناهج البحث والنظر أمر ضروري في البحث العلمي مادامت الحاجات تتغير والمطالب تتجدد، والنحو العربي أحوج ما يكون إلى ذلك لتقادم عهده وطول أمد العربية.
ولقد أدركنا من الفقرة السابقة أن النحو العربي برغم كونه نحو جملة، قدم جهوداً نصية تأصيلية ونظرية وتطبيقية متنوعة، وأنه كان له أثر واضح في لسانيات النص العربية خاصة البلاغة والتفسير، وقد بينا ما يمكن أن يقدمه لنحو النص في عدة جوانب هي المناسبة الصوتية في الصيغ، وكيفية تعليق الوظائف النحوية بعضها ببعض، والربط بصوره المختلفة، والاستعمال العدولي . وهذه الجهود والثمار التي قدمها النحو بالرغم من أنها طيبة وليست بالشيء القليل، لكن تظل هناك مطالب كثيرة للنص لم تتحقق، يشهد بهذا أن الجوانب النصية للنحو العربي موسومة في الغالب بسيما الجملة وطابعها؛ فالمعنى في غير الشعر هو معنى الجملة أو الجملتين أو الثلاث، وفي الشعر المعنى هو معنى البيت أي الشاهد معزولاً عن قصيدته أو البيتين، وكذلك السياق سياق جزئي على قدر المثال أو الموضع، والمعنى كثيراً ما يكون هو المعنى المحايد الذي يرتبط بالقاعدة المجردة أكثر من غيرها.
وإن نحو النص بالنسبة للدراسات اللغوية العربية، لا شك أنه منهج مفيد من جهات عديدة أهمها :
1 ـ شمول نظرته إلى النص ووسائل تماسكه وبنائه وعدم قصرها على الحدود والوسائل التقليدية المعروفة والمحدودة في النحو، بل إدخال عناصر من مجالات أخرى منها المعجم.
2 ـ كون مبدأي التناص ورعاية الموقف يسهمان كثيراً في فهم النص ويزيلان كثيراً من أوجه اللبس، ويساعدان على تقليل احتمال الموضع الواحد لأكثر من وجه إعرابي في المواضع التي يشيع فيها تعدد أوجه الإعراب والغموض، ولا تكفي فيها القرائن اللفظية والمعنوية، ومن ذلك مواضع: الإضافة إلى المصدر مثل (مساعدة الوالدين) والتشبيه بعد النفي مثل (لا يكتب الولد مثل أخيه) والجار والمجرور ومتعلقهما، والموصوف والصفة المنسوبة مثل (التوجيه الجماعيّ) والعطف، ووقوع الصفة بعد الإضافة ([79]) والاختلاف في تحديد صاحب الحال. والسبب في تقليل الغموض اعتماداً على التناص ورعاية الموقف يرجع إلى أن السياق كلما امتد واتسعت رقعته من التركيب إلى الجملة إلى الفقرة إلى النص كله، زاد وضوح الدلالة وزاد احتمال تشابه الاستجابات لدى المتلقين ([80]). ومن أمثلة الاستعانة بالتناصّ ورعاية الموقف في التفسير هذان المثالان :
أ ـ من المعلوم أن فعل "الظن" يدل على التردد في النسبة بين أمرين مع الميل إلى الترجيح ومثال ذلك قوله تعالى: " فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنّا أن يقيما حدود الله " [البقرة :230] وكذلك : " وإني لأظنك يا فرعون مثبورا " [الإسراء : 202]، لكن أشكل على النحاة ـ كما يبدو في الرأي المشهور ـ استعمال هذا الفعل في القرآن الكريم في مواضع يبدو فيها أنها للعلم واليقين، فكان رأيهم الذي استقروا عليه أن هذا الفعل يستعمل للرجحان واليقين وإن كان الغالب فيه أن يكون للرجحان ([81]). ومن أشهر المواضع التي ورد فيها "الظن" بمعنى العلم واليقين في رأيهم قوله تعالى:
ـ " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين . الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون " [البقرة:45،46].
ـ " وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه " [التوبة : 118].
ـ " ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً " [الكهف : 53].
ـ " إني ظننتُ أني ملاقٍ حسابيه " [الحاقة : 20] .
ـ " ووجوه يومئذ باسرة . تظنّ أن يُفعل بها فاقرة " [القيامة : 24،25].
والذي أراه ـ كما قال بعض المفسرين وكما يحتم منطق أسلوب القرآن وإعجازه ـ أن "الظن" هنا على بابه للشك والرجحان بما يناسب الموقف والسياق في كل موضع من هذه المواضع، يؤكد هذا أن استعمال "الظن" بمعنى العلم غير مشهور في كلام العرب، قال ابن عطية عند تفسير (فظنوا أنهم مواقعوها) : " ولو قال تعالى بدل "ظنوا" : "أيقنوا" لكان الكلام متسقاً على مبالغة فيه، ولكن العبارة بالظن لا تجيء أبداً في موقع يقين تام قد ناله الحس، بل أعظم درجاته أن يجيء في موضع علم متحقق لكنه لم يقع ذلك المظنون، وإلا فما يقع ويُحَسّ لا يكاد يوجد في كلام العرب العبارة عنه بالظن، وتأمل هذه الآية، وتأمل قول دريد :
فقلتُ لهم ظُنّوا بألفَيْ مُدجّجٍ سَراتُـهمُ بالفارسيّ المُسرّدِ ([82]) "
ففي آية البقرة (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) المقبول أحد هذه الاحتمالات : أن يكون المعنى منصرفاً إلى ظن الموت وتوقعه في كل لحظة، أو أنهم يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم، أو يظنون أنهم ملاقو ثواب ربهم، أو أن يكون عبر بالظن عن العلم تهويلاً للأمر وتنبيهاً على أنه يكفي العاقل في الحث على ملازمة الطاعة، فكيف والأمر متيقن !
وفي آية التوبة (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه) عبر بالظن إيذاناً بأنهم لشدة الحيرة كانت قلوبهم لا تستقر على حال أو أنهم لم يكونوا قاطعين بأنه سينزل في شأنهم وحي، أو للإشارة إلى أن أعلى درجات اليقين في التوحيد لا تبلغ الحقيقة على ما هي عليه من باب " لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ". وفي آية الكهف (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها) استخدم الظن للدلالة على جريهم على عادتهم في الجهل والإجرام وأنهم عريقون فيهما، فبالرغم من رؤيتهم للنار ما زلوا يشكون في معاقبتهم بها، ويطمعون في عدم دخولها. وفي آية الحاقة (إني ظننت أني ملاق حسابيه) إذا كان الظن في الآخرة فقد استعمل للإشارة إلى الخوف والرجاء، وإذا كان في الدنيا فقد عبر به "عن اليقين إشارة إلى أنه يكفي العاقل في الخوف الحامل له على العمل ظن الخطر، وفيه إشعار بهضم النفس لأن الإنسان لا ينفك عن خطرات من الشبه تعرض له وتهجم عليه، وإيذان بأن مثل ذلك لا يقدح في الجزم بالاعتقاد وتنبيه على أنه يكفي في إيجاب العمل الظن فيكون حينئذ تعليلاً لإعطاء الكتاب باليمين ، وفيه تبكيت للكفار بأنهم لم يصلوا في هذا الأمر المحقق إلى مرتبة الظن ... " ([83]). وفي آية القيامة (تظن أن يفعل بها فاقرة) الظن معناه التوقع ([84]). ولعلنا أدركنا من تأمل هذه المواضع المختلفة لاستعمال "الظن" والنظر في تناصّها أنها يجمعها معنى واحد هو التعبير عن علم متحقق لم يقع بعد وقد عومل هذا معاملة الشك والظن لمناسبتهما للسياق .
ب ـ بناءً على قول النحاة المشهور تكون " أنْ " بعد "لمّا" زائدة للتوكيد في قوله تعالى : " ولما أن جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً " [العنكبوت :33] وقوله : "فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني " [القصص :19] وقوله : " فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيراً " [يوسف:96] ولا فرق بين تراكيب "لمّا" و"أنْ" في هذه الآيات واستعمال "لمّا" وحدها في قوله تعالى : " ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ..." [العنكبوت :31] إلا في هذا المعنى وهو زيادة "أن" للتوكيد([85])، ولكن ابن الأثير يرى أن النحاة لم يفطنوا هنا إلى المعنى الصحيح الذي تفيده "أن" في هذا الموضع وهو معنى الإبطاء والتراخي، وبناءً على هذا يدل عدم وجودها على معنى السرعة والفور ([86]).
3 ـ أن نحو النص منهج تطبيقي يسمح بأن يوجه الدراسة النحوية وجهة عملية مثمرة وفعالة في فهم النصوص وتفسيرها، بدلاً من الاقتصار على الجانب النظري الجاف.
وفي مقابل ذلك ثمة مآخذ أو انتقادات يمكن أن توجه إلى الأخذ بهذا المنهج في الدراسات العربية، من أهمها في رأيي:
أ ـ أن نحو النص ليس منهجاً جديداً بالنسبة للتراث العربي، فهو مليء بالدراسات النصية التي دار قسط كبير منها حول أعظم نص قامت حوله دراسات وبذلت أقصى ما تستطيع لتفهمه، أعني القرآن الكريم"، وقد نتج عن ذلك نظريات صالحة للتطبيق والاستفادة منها. ويُفهَم من خلال الإشارة السابقة إلى المقارنة بين الجهود العربية والجهود الغربية في الدراسات النصية أن كل جانب قد أعطى لنحو النص ما لا يقل عن جهد الآخر، إن لم يزد جهد الجانب العربي في جانب طول النص؛ إذ إن معظم الأمثلة التي مثل بها الفكر الغربي في هذا المجال تعد نصوصاً قصيرة مشتملة على جمل محدودة، على عكس الإسهامات العربية التي دار كثير منها حول نص القرآن الكريم . بل من الباحثين من يرى أن جهود الغربيين الحثيثة في نحو النص لم تخرج عن أربع مقولات مهمة وردت عند العرب في جهودهم النصية هي : فاعلية أدوات الربط في بناء النصوص وتماسكها، ودراسة الدلالة وأنواعها، ودراسة النص ضمن إطار معرفة العالم، وجزئية التفكير في النص ([87]) .
ب ـ أن منهج نحو النص لا يلبي الطموح العلمي الذي يريده النحو العربي المعاصر بحالته الراهنة القائمة في أحسن الأحوال على محاولة الجمع والتوفيق بين اجترار القديم العربي واستيراد الحديث الغربي، والحركة الحائرة بينهما كبندول الساعة دون أن ننتبه إلى مواطئ الأقدام ومعرفة المناسب لنا على وجه الدقة.
إن منهج علم لغة النص أو نحو النص ـ في رأيي ـ لا يسعفنا إلا في جانب واحد فقط هو الجانب التطبيقي، أي تحليل النصوص وفهمها واستيعابها. ونحن نريد نظرية عربية خالصة تلبي هذه الحاجات والمطالب الملحة التي تغيب عنا رؤيتها رؤية كلية وإدراك ملامحها وجمع شتاتها :
1 ـ تطوير قواعد النحو العربي وربطه بالاستعمال، ولست أقصد بهذا قضية تيسير قواعد النحو، فهذه قضية جزئية، وإنما الذي أعنيه دراسة التطور النحوي للعربية المعاصرة من خلال نظرة متوازنة يدخل فيها اعتبارات مختلفة أهمها الحفاظ على الجانب المعياري والإفادة من جهود المجامع اللغوية.
2 ـ تضييق الهوة بين اللغة العربية الفصيحة والعاميات المختلفة من أجل الإسهام في توسيع دائرة استخدام اللغة الفصيحة؛ حتى لا نظل نعاني من انفصام لغوي ظاهر بين اللغة التي نحاول أن نعلمها للتلاميذ والطلاب في المدارس والجامعات ولغة الواقع والحياة.
3 ـ تطوير قواعد النحو العربي وربطها بالمعاني، وذلك بدمج النحو بعلم المعاني؛ لأن هذين في الحقيقة مجالان لعلم واحد موضوعه التراكيب، وأحد المجالين هو صحة التركيب والآخر هو حسن التركيب وتميزه .
4 ـ بناء نظرية دلالية تطبيقية متكاملة نحلل بها النصوص ونفسرها بها والإفادة من الجهود القيمة التي بذلت في هذه السبيل ([88])؛ وذلك لأن الجانب الدلالي في النحو العربي القديم يوصف أو يتهم بأنه من أضعف جوانبه، بعد أن عُزلت النظرية النحوية الدلالية التي وضعها عبد القاهر الجرجاني وقيّدت في اتجاه آخر. ومن أمارات ذلك : غمز ابن الأثير النحاة وقوله إنهم لا فتيا لهم في الفصاحة([89])، وقول البغدادي صاحب خزانة الأدب عند المقارنة بين شرح ابن هشام وشرح أحمد بن محمد البجليّ البغداديّ لقصيدة بانت سعاد : إن شرح البغداديّ أكثر استنباطاً لمعاني الشعر وأدق تفتيشاً للمزايا والنكت، وشرح ابن هشام أوعى للمسائل النحوية وتفسير الألفاظ اللغوية، وقد كان ابن هشام نفسه أيضاً من أكثر النحاة إحساساً بهذه المشكلة في كتابه " المغني "، نلاحظ هذا في تلميحه الدائم للفرق بين تناول النحاة وتناول من سمّاهم " البيانيين " أي البلاغيين؛ حتى إننا نجده يصرح ذات مرة بأن ذكر النحاة لأغراض بناء الفعل للمجهول كالجهل به أو الخوف منه أو عليه ـ تطفّل منهم على صناعة البيان وأنه لم يهتم بمثل هذا جرياً على عادتهم، ولإحساسه بأن هذا الموقف يشوبه الخطأ والانحراف عما يجب أن تكمل به صناعة النحو تمثل بقول الشاعر([90]) :
وهل أنا إلا من غَزيّة : إن غوتْ غوَيْـتُ وإن ترشُدْ غزيّـةُ أرِشُدِ
وبإدراك التشابه والعلاقة بين المطلبين الأول والثاني، والمطلبين الثالث والرابع ـ نستنتج أننا نحتاج إلى نظريتين نحويّتين : واحدة لتطوير القواعد والاستعمال وتوسيع دائرة استخدام اللغة الفصيحة في الواقع ([91])، أي نظرية عربية وظيفية واقعية للنحو وهي أقرب ما يكون إلى الجمع بين منهج علم اللغة الاجتماعي والتداولية (pragmatics) معاً وهما فعلاً يتداخلان ([92])، وأخرى لتطوير الدلالة في النحو والإفادة منها في التطبيق. ونستطيع أن نصف النظرية الأولى بأنها للاستعمال العادي والتواصل في المناسبات المختلفة وكل ما يمكن أن يبتعد عن مجالات العامية والخصوصية الشديدة ، وأن نصف الثانية بأنها للأدب ومقام اللغة البليغة . والنظرية الأولى يمكن أن نقول إن الوصول إليها عملياً ليس سهلاً وأنها تحتاج إلى جهود كبيرة، أما الثانية فهي قريبة المنال والمعطيات أمامها سهلة وميسورة، ومن أهمها نظرية نحو النص نفسه الذي ينبغي أن يكون أهم ما يشغلنا منه الإفادة منه في تحليل النصوص وتفسيرها ([93]). وينبغي أن يكون من أول ما تعنى به هذه النظرية الثانية مهمتان هما :
أ ـ تفسير النص وفهمه وتحليله جملة وتفصيلاً .
ب ـ دراسة الفروق وأجه الشبه في التراكيب الناشئة عن التكرار أي في التراكيب والاستعمالات المتشابهة مع بعض الاختلاف، مثل محاولة تبين الفرق بين النفي بليس والنفي بما كما في قوله تعالى : " قل لست عليكم بوكيل " [الأنعام : 66] وقوله تعالى : "وما أنا عليكم بوكيل " [يونس : 108]. ومعنى ذلك أن يدخل في هذا المجال دراسة الأدوات أو التراكيب والاستعمالات ذات المجال أو الباب النحوي الواحد في مواضع النص المختلفة كالفرق بين التعليل باللام وكي والباء ومِن ، وكحصر الأسماء التي أضيفت إلى ذات الله سبحانه في القرآن واستنباط دلالة التشريف والتبجيل منها، أو النظر في مواضع إبدال الذات من المعنى وربط بعضها بمجال الثواب ([94]). وهذا النوع من الدراسة وثيق الصلة بفكرة التناصّ وهو أكثر صلة وشبهاً بما يسمى في مجال تفسير القرآن بالتفسير الموضوعي، وهو نوع دعا إلي ضرورته وأهميته الداعون، وإذا كان مصطلح "الموضوع" في التفسير يراد به الكلمة بمعناها المعجمي والدلالي العام "كالجهاد" أو "الإنسان" أو "المرأة" في القرآن الكريم، فالموضوع في النحو هو الباب أو المعنى النحوي كالفاعل والتوكيد والحال مثلاً.









الخاتمة
أستطيع أن أجمل التعليق على هذا البحث في النقاط الآتية:
1 ـ كانت هناك ثلاثة مواقف للنحو العربي من النص: موقف توثيق، وموقف استشهاد واحتجاج وتقعيد، وموقف تطبيق. والملحوظة المهمة هنا أن الشعر ـ بحكم حاجته إلى توثيق وبحكم التحرز الديني من القرآن وتأخر الاعتماد على الحديث النبوي ـ سيطر على موقفي التوثيق، والاستشهاد والاحتجاج والتقعيد، وأن القرآن الكريم كان التوجه إليه أكثر في مجال التطبيق. وهيمنة الشعر في المجالين الأولين تبين أنه داخله كثير من الخَبَث ومظاهر الضعف والتحريف وعدم الصحة. وكل ذلك يجعله بالنسبة لنا الآن في حاجة إلى مراجعة وتمحيص. وقد تبين أيضاً أن النحاة كان يعنيهم في المقام الأول مراعاة القواعد على حساب النصوص، وقد نتج عن هذا ظواهر من أهمها تلحين بعض القراءات، والتأويل الذي كان تأويل ربط النص بالقاعدة لا تأويل تفسير. وبناءً على ذلك كله، ندرك أن موقف النحاة من توثيق النص والاستشهاد به هو موقف من النص على مستوى الأصول أي في علم أصول النحو والتقعيد، وأود أن أضيف هنا أن النظرة الأصولية في هذا العلم، كان يحكمها أحياناً الجفاف والافتراضات العقلية والنظرية غير المجدية، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ مسألة إثبات الحكم في محل النص: بماذا يثبت بالنص أم بالعلة([95])؟
2 ـ أهم المظاهر التي من الممكن أن تكون جهداً غير معلن أو غير واضح للنحاة في مجال "تنميط النصوص" جاء في الشعر من خلال تحديد مبدأ "الضرورة الشعرية" الذي يعنى أن للشعر لغته الخاصة التي تميزه عن غيره. أما تحديد الأبنية الرئيسة وأنماط أهم النصوص ـ وهو القرآن الكريم ـ فالنحاة القدماء في المستوى التقعيدي لم يقوموا بهذا، وكل ما فعلوه في هذا الجانب تأويل بعض ظواهر التراكيب القرآنية التي تدل على خصوصية نمط القرآن وأساليب تعبيره.
3 ـ النحو العربي ـ بمقياس نظرية نحو النص الحديثة ـ ليس نحو نص، بل هو نحو جملة، ومع هذا نجد مظاهر متعددة لنحو النص في النحو العربي، ومما يتجلى فيه هذا: النظرات والمفاهيم النصية لدى بعض النحاة الذين عنوا بالنص نظراً وتطبيقاً، والتأثير الواضح لمعطيات النحو العربي في لسانيات النص العربية ـ خاصة البلاغة وتفسير القرآن ـ من خلال ما يدخل في إطار مفهوم "التماسك" أو "السبك". ومعنى هذا أن النحو العربي علم نصي بالفهم العام لا الخاص.
4 ـ خلاصة المفاهيم التي يمكن أن يقدمها النحو العربي بصورته المعروفة إلى نحو النص في المجال الأدبي، تتمثل في : المناسبة الصوتية في الصيغ، وكيفية تعليق الوظائف النحوية بعضها ببعض، والربط بصوره المختلفة، والاستعمال العدولي.
5 ـ من حيث جدوى منهج نظرية نحو النص بالنسبة إلى النحو العربي، تبين لنا أن هذه النظرية مفيدة من جهات عديدة، من أهمها ما يسهم به مفهوم التناص ومفهوم رعاية الموقف في فهم النص كله وإزالة كثير من أوجه اللبس وتقليل أوجه تعدد الإعراب، ومع هذا قلنا إن هذه النظرية لا تلبي حاجات النحو العربي ولا تسد الفراغ التنظيري له بحالته الراهنة؛ إذ إنها تسعفه في جانب واحد فقط هو جانب التطبيق. والذي يجب تقديمه لهذا النحو نظريتان: نظرية وظيفية لتطوير القواعد في الاستعمال العادي وتوسيع دائرة استخدام العربية الفصيحة في الواقع، ونظرية أخرى لتطوير دراسة الدلالة في النحو والإفادة منها في التطبيق في مجال اللغة الأدبية، بحيث يكون من أهم مهام هذه النظرية دراسة الفروق وأوجه الشبه بين التراكيب المتشابهة واستثمار نتائج ذلك في التحليل الأسلوبي.
6 ـ على الرغم من أن النحاة عُنُوا في مجال التطبيق والإعراب بالنص القرآني كثيراً والنص الشعري بصورة أقل، يبدو أن النظر في النص العلمي ـ خاصة نص كتاب سيبويه ـ شغلهم أحياناً عن النظر في نصوص اللغة نفسها لتفسيرها وفهمها ومتابعتها، وكثيراً ما حملوا النصوص العلمية ـ على أهميتها وقدرها العظيم ـ أكثر مما تحتمل من التعليقات والشروح والحواشي والاختلاف في أوجه التفسير([96])، وجرهم هذا إلى ظواهر من أوضحها كثرة الدوران في فلكها، والانصراف أحياناً عن بعض الأمور الأخرى المهمة، ونشأة بعض الأبواب التي تبحث في أصول فهم أقوال العلماء، كالباب الذي عقده ابن جني في الخصائص بعنوان (باب في اللفظين على المعنى الواحد يردان عن العالم متضادين) ([97]).
--------------------------------
المصادر والمراجع
أولاً ـ الكتب:
ـ الإغراب في جدل الإعراب ولمع الأدلة، لأبي البركات الأنباري، قدم لهما وعني بتحقيقهما سعيد الأفغاني ( مطبعة الجامعة السورية ـ 1377هـ ـ1957).
ـ الاقتراح للسيوطي، تحقيق الدكتور أحمد قاسم (القاهرة ـ 1976).
ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، تأليف ابن هشام الأنصاري، ومعه كتاب عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك لمحمد محيي الدين عبد الحميد (المكتبة العصرية ـ بيروت ـ 1418هـ ـ 1998م).
ـ بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيرزآبادي (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ـ القاهرة).
ـ تفسير البحر المحيط لأبي حيان :
طبعة مكتبة النصر الحديثة ـ الرياض ـ د.ت .
طبعة دار الفكر ـ بيروت ـ 1412هـ ـ 1992.
ـ التأويل النحوي في القرآن الكريم ، تأليف الدكتور عبد الفتاح الحموز (مكتبة الرشد ـ الرياض ـ ط1 ـ 1984).
ـ الجنى الداني في حروف المعاني، صنعة الحسن بن القاسم المرادي، تحقيق د. فخرالدين قباوة، ومحمد فاضل (دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط1 ـ 1413 هـ ـ 1992م).
ـ حاشية الأمير على المغني (مغني اللبيب وبهامشه حاشية الشيح محمد الأمير) ـ القاهرة ـ دار إحياء الكتب العربية ـ 1955.
ـ حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك (مطبعة دار إحياء الكتب العربية ـ القاهرة ـ د.ت).
ـ الحديث النبوي في النحو العربي، تأليف الدكتور محمود فجال (أضواء السلف ـ الرياض ـ ط2 ـ 1417 هـ ـ 1997م) .
ـ الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص، تأليف د. عبد العزيز حمودة (سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت ـ نوفمبر 2003 م) .
ـ خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، لعبد القادر البغدادي ، تحقيق عبد السلام هارون (الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 1979).
ـ الخصائص لابن جني ، تحقيق محمد علي النجار (الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ ط 3) .
ـ دراسات لأسلوب القرآن الكريم، تأليف محمد عبد الخالق عضيمة (دار الحديث ـ القاهرة).
ـ دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني، قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود شاكر (مكتبة الخانجي ـ القاهرة ـ ط3 ـ 1413 هـ ـ 1992م).
ـ رؤى لسانية في نظرية النحو العربي، للدكتور حسن الملخ (دار الشروق ـ عمّان ـ ط1 ـ 2007) .
ـ الرواية والاستشهاد باللغة: دراسة ... في ضوء علم اللغة الحديث، للدكتور محمد عيد، (عالم الكتب ـ القاهرة ـ 1976م) .
ـ شرح شذور الذهب، لابن هشام، ضبط وتشكيل وتصحيح يوسف البقاعي (دار الفكر ـ بيروت ـ ط2 ـ 1998) .
ـ شرح الرضي على الكافية، تصحيح وتعليق يوسف حسن عمر ( منشورات جامعة قاريونس ـ ليبيا ـ 1978).
ـ شرح قصيدة بانت سعاد لابن هشام، ضبطه وفهرسه الدكتور محمد مفتاح (المكتب العالمي للطباعة والنشر ـ ط1 ـ 1996).
ـ شرح المفصل لابن يعيش ـ مكتبة المتنبي بالقاهرة ـ د.ت .
ـ شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح، تحقيق الدكتور طه محسن (وزارة الأوقاف العراقية ـ 1985) .
ـ الصورة والصيرورة: بصائر في أحوال الظاهرة النحوية ، للدكتور نهاد الموسى (دار الشروق ـ عمّان ـ ط1 ـ 2002) .
ـ الضرورة الشعرية في النحو العربي ، للدكتور محمد حماسة عبد اللطيف (مكتبة دار العلوم ـ القاهرة ـ 1979) .
ـ عبقري اللغويين أبو الفتح عثمان بن جني للدكتور عبد الغفار هلال (دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ ط1 ـ 2006) .
ـ العربية والدراسات البينية (كتاب مؤتمر عقد بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة ـ 2007م) ـ بحث للدكتور عبد السلام حامد بعنوان: "من جوانب المعنى في العلوم العربية، مقدمة دلالية".
ـ علم الدلالة:علم المعنى، للدكتور محمد الخولي (دار الفلاح ـ عمّان ـ 2001م).
ـ علم لغة النص: المفاهيم والاتجاهات، للدكتور سعيد بحيري (الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان – مصر – ط1 – 1997م).
ـ علم المعاني، للدكتور درويش الجندي (دار نهضة مصر ـ القاهرة ـ د.ت).
ـ علم النص:مدخل متداخل الاختصاصات، تأليف تون أ. فان دايك، ترجمة الدكتور سعيد بحيري (دار القاهرة للكتاب ـ القاهرة ـ ط1 ـ 1421هـ ـ 2001م).
ـ فيض نشر الانشراح من روض طي الاقتراح،لأبي عبد الله محمد بن الطيب الفاسي، تحقيق د. محمود فجال (دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث ـ دبي ـ ط1 ـ 1421 هـ ـ 2000م).
ـ قضية التحول إلى الفصحى في العالم العربي الحديث ، للدكتور نهاد الموسى (دار الفكر ـ عمّان ـ ط1 ـ 1987 م) .
ـ الكتاب، لسيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون (مكتبة الخانجي ـ القاهرة ـ ط3) .
ـ لسانيات النص: مدخل إلى انسجام الخطاب، لمحمد الخطابي (المركز الثقافي العربي – بيروت – ط1 – 1991م).
ـ مبادئ النقد الأدبي والعلم والشعر، تأليف أ.أ. ريتشاردز، ترجمة محمد مصطفى بدوي (المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة ـ 2005).
ـ المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير، تحقيق د. أحمد الحوفي ود. بدوي طبانة (مكتبة نهضة مصر ـ ط1 ـ 1381هـ ـ 1962م).
ـ المحتسب، تحقيق علي النجدي ناصف وآخرين (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ـ القاهرة ـ 1966 ـ 1969).
ـ المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي تحقيق الرحالة الفاروق وآخرين (مطبوعات وزارة الأوقاف ـ قطر ـ ط2 ـ 1428 هـ ـ 2007م).
ـ مدخل إلى علم اللغة النصي، تأليف لولفجانج هاتيه وديتر فيهفيجر، ترجمة د. فالح بن شبيب العجمي (جامعة الملك سعود ـ النشر العلمي والمطابع – سلسلة اللغويات الجرمانية –1419هـ ـ 1999م) .
ـ معاني النحو، للدكتور فاضل السامرائي (وزارة التعليم العالي ـ جامعة بغداد ـ 1989م).
ـ مغني اللبيب لابن هشام ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (مكتبة صبيح ـ القاهرة ـ د.ت) .
ـ مقالات في اللغة والأدب ، للدكتور تمام حسان، (عالم الكتب ـ القاهرة ـ ط1 ـ 2005) .
ـ منهاج البلغاء وسراج الأدباء، لحازم القرطاجني، تقديم وتحقيق محمد الحبيب بن الخوجة (تونس ـ 1996) .
ـ منهج ابن هشام في شرح بانت سعاد، للدكتور محمود ياقوت، (دار قطريّ بن الفجاءة ـ الدوحة ـ قطر ـ 1986) .
ـ الموسوعة اللغوية، تحرير ن.ي. كولنج، ترجمة د. محيي الدين حميدي ود . عبد الله الحميدان (النشر العلمي والمطابع ـ جامعة الملك سعود ـ الرياض ـ 1421هـ).
ـ نحو النص: اتجاه جديد في الدراسات النحوية ، للدكتور أحمد عفيفي (مكتبة زهراء الشرق ـ القاهرة ـ 2001) .
ـ نحو النص في ضوء التحليل اللساني للخطاب ، للدكتور مصطفى النحاس (ذات السلاسل ـ الكويت ـ ط1 ـ 2001) .
ـ نحو النص، نقد النظرية وبناء أخرى، للدكتور عمر أبو خرمة (عالم الكتب الحديث ـ إربد ـ الأردن ـ ط1 ـ 2004).
ـ النحو والدلالة: مدخل لدراسة المعنى النحوي الدلالي، للدكتور محمد حماسة عبد اللطيف (دار الشروق ـ القاهرة ـ ط1 ـ 1420هـ ـ 2000 م).
ـ النحو وكتب التفسير، للدكتور إبراهيم عبد الله رفيدة (مصراته ـ ليبيا ـ ط3 ـ 1990).
ـ النص والخطاب والإجراء، لروبرتت دي بوجراند ترجمة د. تمام حسان (عالم الكتب – القاهرة – ط1 – 1998م) .
ـ نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية ـ حيدر آباد ـ الهند ـ ط1،ط2 بين سنتي 1975 و1986م).
ـ همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، للسيوطي، تحقيق أحمد شمس الدين (دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط 1 ـ 1998).
ثانياً ـ الدوريات والرسائل:
ـ الدراسة النحوية للشعر عند ابن جني" : رسالة ماجستير للدكتور عبد السلام حامد ـ مكتبة كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة ـ 1992م .
ـ صحيفة دار العلوم للغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية (تصدرها جماعة دار العلوم بالقاهرة) أكتوبر ـ 2001 ـ بحث للدكتور عبد السلام حامد بعنوان: "التكرار في النص الشعري الحديث رؤية نحوية" .
ـ فصول (المجلد العاشر ـ العددين 1، 2 ـ يوليو وأغسطس 1991 ـ بحث للدكتور سعد مصلوح بعنوان: "نحو أجرومية للنص الشعري: دراسة في قصيدة جاهلية") .
ـ نحو الجملة ونحو النص، للدكتور تمام حسان (محاضرة الصيف في الموسم الثقافي لمعهد اللغة العربية بجامعة أم القرى ـ 1995م ـ مخطوطة).
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.75 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.13 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]