عرض مشاركة واحدة
  #19  
قديم 12-05-2011, 01:26 AM
الصورة الرمزية oummati2025
oummati2025 oummati2025 غير متصل
مشروع حراس الفضيلة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
مكان الإقامة: morocco
الجنس :
المشاركات: 877
الدولة : Morocco
افتراضي رد: خيوط النور.... رواية

الحلقة الحادية عشرة بعنوان:


وانتفض الوجع

تسارعت الأحداث متلاحقة على أسرة أحمد وجيرانه...

فقد عثرت الشرطة أخيرا على سعيد في كوخ قصي، كان يعيش فيه قبل الزواج بسوسن بعد أن بحثوا عنه لمدة أسبوع كامل.

وألقي القبض عليه وهو في حالة سكر شديد.

ثم تمت محاكمته بعد أيام من اعتقاله بخمس سنوات نافذة، فوقع الخبر عليه كالصاعقة وانقبض قلبه قبل جسده، وهو المنطلق المتحرر الذي يفعل أي شيء يريد في أي وقت...

دخل إلى الزنزانة يسب ويلعن ويغمغم بكلمات يائسة...

ثم التفت حوله متفحصا المكان بعينيه فكشفت له عن وجوه النزلاء في هذا الفندق الفريد...

لعله خير.. هكذا قال له رفيقه في الزنزانة...

الزنزانة... العالم الجديد لسعيد، قبو مظلم شحت عليه نوافذه الضيقة بنور الشمس. فأعلنت هذه الأخيرة تحديها بإرسال بعض أشعتها، وكأنها تخبر الجميع أن الأمل في الله دائم مهما اشتدت رياح البلاء، وأن المنحة هي الوجه الثاني للمحنة...

بدأت حياة السجن والروتين القاتل، في مكان تكاد رائحته تطبق على الأنفاس...

عالم آخر، ووجوه أخرى لم يعهد سعيد مثلها من قبل.

ألفاظ بذيئة ولهجة أكثر قذارة من قاموسه، والشتائم سيمفونية صباحية يعزفها الحراس على مسامع المساجين، والذلة مطبقة على المكان تأبى أن ترحل.

أما القلوب فلو عصرتها لجادت بسواد نادر، درجة جديدة من السواد القاتم...

وفي الجانب الآخر حيث الحرية ترفرف بجناحيها...

عادت سوسن إلى بيتها بعد أيام من ملازمتها السرير في المستشفى، محملة بذكريات الماضي الأليمة وجراح القلب لم تلتئم بعد.

وكان عزاؤها الوحيد ابنتها وفاء التي عادت البسمة إلى شفاهها بعد عودة أمها...

فبدأت من فورها في إتمام إجراءات رفع قضية طلاق على سعيد...

بينما كان جيرانها يستعدون لاستقبال أحمد بعدما بدأ يعود للحياة الطبيعية شيئا فشيئا وأذن له الطبيب بمغادرة المستشفى...

كان صباح يوم جمعة حين وصل أحمد لبيته رفقة أسرته الصغيرة وعائلته.

وكان الكل فرحا بخروجه سالما من ذلك الحادث المؤلم إلا واحدا كان قلبه يشتاط غيظا...

كان يتمنى من كل قلبه أن يموت أخوه، مع أنه كان يظهر عكس ما يبطن...كالتقية التي تحل الكذب الذي حرمه الله لأجل أباطيل وأوهام، ما أنزل الله بها من سلطان.

إنه أدهم الشقيق الأصغر لأحمد.

نشأ أدهم في صراع داخلي متذبذب، تطغى عليه مفسدات القلب، فتحيله إلى عتمة تعشش العنكبوت في أركانها.

فمذ كانوا صغارا، وهو يعتبر أحمد خصمه وعدوه لأنه كان المفضل في البيت.

ومنذ نعومة أظفاره وهو يرى الجميع يشهد لأخيه بالذكاء والجدية والاتزان.

أما هو فغالبا ما كان يوصف بالغباء والتهور في كل تصرفاته. ويحرم من حنان الأبوين، وكذا الدعوات الطيبة والرضا الذي تتفتق ينابيعه...فيغدق بلا حساب على باقي الأبناء، إما لجمالهم أو مالهم أو نجاحهم في حياتهم العملية...

بينما هو لا يناله من كل ذلك سوى رذاذ بارد في أوقات قليلة...

والسبب أنه كان بدين الجسم، لا يشبه إخوته جمالا ولا هيئة. تخرج أدهم من الجامعة بمعدل متوسط، فلم يجد عملا.

مما زاد الطين بلة، فأغرقه في وحل المشاعر الحانقة ونار الانتقام الحارقة.

فكان يزداد حقدا وغلا لأحمد ولكل من حوله مع كل إهانة في البيت أو الشارع.

أما أحمد فقد كان رفيقا به حريصا على صحبته، غير راض عن هذا التفريق والتمييز في المعاملة بينه وبين أخيه.

لكن هيهات هيهات فإن تربية والديهما الخاطئة وعدم مراعاتهما العدل بين أولادهما، وإغداق الحنان أكثر على الضعيف منهم بدل إهانته وتحقيره.

قد أشعلت نار الغيرة والحسد والضغينة، ودمرت نفسية أدهم الذي لا ذنب له، بل كان ابتلاء ابتلاهم الله به...

كان أدهم طفلا ساذجا بشوشا، وكان يصغر أحمد بثلاث سنوات، وكان يعاني الأمرين منذ طفولته... فهو آخر إخوته الستة.

وحين بشرت أمه بحمله، اكفهر وجهها حزنا، وعادت إلى بيتها وكأنها ارتكبت جرما في حق البشرية.

ولما أخبرت أباه بالخبر، انفجر في وجهها غاضبا، وقال مهددا ومتوعدا:

- هذا الجنين لابد أن يجهض، وإلا كان هذا آخر يوم لك في بيتي.

فلما سألته: - لم؟

قال في غضب:

- ألا ترين أن البيت يعج بالأفواه الجائعة وراتبي محدود ؟ من أين سأنفق عليكم؟ لا ينقصني سوى هذا الوافد الجديد. خذي هذا المبلغ من المال واذهبي غدا إلى المستشفى لإجهاضه، ولا تأتي إلا وقد انتهى كل شيء، ثم أشاح بوجهه عنها وانصرف...

وفي صباح اليوم التالي، ذهبت أم أحمد إلى المستشفى حائرة بين طاعة زوجها وطاعة ربها.

وأسرت بالأمر لممرضة هناك، فقالت لها:

- اتقي الله يا امرأة، هل تطيعين زوجك وتغضبين ربك؟

فقالت الأم بصوت وجل:

- إذا لم أطعه سيطردني، فهو صعب الطباع، وإذا قال شيئا فإنه ينفذه دون نقاش.

- فأجابتها الممرضة: إذن الجئي إلى ربه وربك وقفي له بالمرصاد. ويقينا لن يخذلك الله.

وبعد حديث طويل مع الممرضة، اقتنعت أم أحمد بكلامها واطمأن قلبها لرأيها.

عادت الزوجة إلى البيت مسرعة الخطى، قبل أن يعود زوجها من العمل والأولاد من مدارسهم.

توضأت فأسبغت الوضوء، ودخلت غرفتها فصلت ركعتين، وجلست تثني على الله وتذكره بأسمائه الحسنى، وتصلي على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. وبدأت مناجاة ربها بكل ما يجول في خاطرها، وهو الأعلم بها من نفسها، وانهمرت دموعها الحارة، وقد طفت كل أوجاعها التي تسكن بين جنبيها، فأجهشت بالبكاء وتذللت لله وانكسرت بين يديه، وأحسنت اللجوء والخضوع بين يديه والتوكل عليه وهي تدعوه وتلح عليه أن يهدي زوجها ويحفظ عليها جنينها.

وكلما ذرفت الدموع، اشتد دعاؤها ورافقه يقين وليد، أن الله هو الوحيد الذي بيده نجاتها مما فات ومما هو آت. وأحست لأول مرة في حياتها بقرب، تعجز اللغة عن نسج كلمات وصفه. وبدأت الأوجاع تسكن رويدا رويدا، والألم يرحل فيترك مجالا للأمل والطمأنينة...

خرجت أم أحمد من غرفتها، وقد نفذت وصفة الممرضة بحذافيرها، فكانت النتائج الأولية مبشرة بكل خير، وهدأ روعها فذهبت لإعداد وجبة الغداء.

ولما جاء زوجها، سألها عما فعلته بالجنين، فأخبرته برفق أنها لن تقتل نفسا، وأخذت تذكره بأن الله هو الرزاق وهو من أمر عباده ألا يقتلوا أولادهم خشية أن يطعموا معهم.

واجتهدت في إقناعه بكل ما أوتيت من قوة علم بمفاتيح شخصيته، وبعد عدة دقائق تهللت أساريرها، وقد وافق على مضض...

ولد أدهم وكان طفلا جميلا ينشرح له القلب، لكن به عيبا لم يتنبه له الوالدان إلا بعد خمسة أعوام.

مرت الأيام وكبر أدهم، فكبرت معه الإهانات في البيت والشارع، بين أطفال يلقبونه بالأعرج، وكبار تزدريه أعينهم.

أما إخوته، فكانوا عند الشجار الذي يفرز عن مكنونات النفوس، يصفونه بأقبح الألفاظ، التي تعلموها من الكبار، ويركضون بعيدا حتى لا يضطروا للعب معه.

أما جارات أمه، فكان يرى نظرة الشفقة في أعينهن: وسئم من سماع قولهن: المسكين قليل الحظ، اصبري واحتسبي.

كل هذه التصرفات، كانت شظايا تشعل فتيلها في قلبه الصغير.

فينزوي في الحمام ليبكي بعيدا عن الأعين، حتى يفرغ ما في قلبه من جمرات لاهبة من الإحساس المرير بالاحتقار، ويدعو الله أن يعوضه خيرا في يوم من الأيام.

وزادت وتيرة الإهانات حين زاد وزنه، فبات يسمع ألقابا إضافية يهتز لها وجدانه...

والغريب في الأمر، أنه كان يحولها إلى شراهة في الأكل، نتيجة الحرمان من الحنان والجوع العاطفي الذي يعاني منه.

وكان كلما أنهى طعامه، أحس بألم نفسي فظيع لكنه ما يفتأ أن يعاود الكرة.

فلما جاوز العشرين من عمره، أصبح يحس بحجم الكارثة التي يسير إليها فقد صار وزنه كبيرا جدا، لكنه اعتاد على نظام حياة وعادات أقنع نفسه أنه لن يستطيع تغييرها.

فتواكل عن تغيير نفسه ووهنت رجله المريضة نتيجة الوزن الكبير، فصار كالمعاق جسديا والمعقد نفسيا.

كل هذا وأحمد لا يتوانى عن نصحه بكل الطرق، ويحاول أن ينقذه من الهاوية التي يسير إليها، لكنه يزداد عنادا وشراسة على نفسه، وكأنه ينتحر ببطء...

اشتعل قلبه غيرة على هذا الاهتمام بأحمد والسعادة التي تنطق بها أعين الجميع حبا لأخيه...

انفض الجمع بعد ساعات من التواصل الجميل والسرور الذي يريح القلب العليل، وعاد الهدوء إلى بيت أحمد وانهمك كل في اهتماماته وأشغاله...

مرت أيام استعادت فيها الأسرة عافيتها النفسية وأزاحت عنها غبار الدنيا الذي بدأ يترسب على القلوب وعادت إلى حضن أحمد الدافئ، الذي استعاد عافيته بعد ابتلاء

جعله أًصلب عودا. فاستعاد رباطة جأشه وزاد صبره ويقينه بالله عز وجل.

وذات صباح بينما كانت الأسرة تتناول وجبة الإفطار، رن جرس الهاتف فرد أحمد على الهاتف وإذا بأبيه يخبره بارتباك أن أخاه أدهم قد وجد في غرفته وقد قطع شرايين يده فتم نقله إلى المستشفى بسرعة...

يتبع بإذن الله
__________________
أحيانا نحتاج وقفة من اللهاث المتسارع، لنعيد التصالح مع أنفسنا وإعادة حساباتنا في الحياة الدنيا، وتصحيح المسار والقناعات والمفاهيم لتناسب حقيقة الحياة ومآلها وما ينتظرنا من سعادة أو شقاء والعياذ بالله

أختكم: نزهة الفلاح
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.84 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.66%)]