عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 14-01-2020, 05:56 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 27,357
الدولة : Egypt
افتراضي رمضان وسنَّة التغافل

رمضان وسنَّة التغافل



د. حسام الدين السامرائي





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.





أما بعد:


فقد روى الطبراني وابن حبان بسند صحيح من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يطَّلع الله إلى جميع خلقِه ليلة النصف من شعبان، فيَغفر لجميع خلقه، إلا لمُشرك أو مُشاحن)).





قبل رمضان يتهيأ المسلم بإصلاح شأنه بينه وبين الله من ناحية (عدم الشرك)، وبينه وبين الخلق من ناحية ثانية (عدم المُشاحَنة)، فالمشاحن هو الحاقد المُبغِض المعادي.





وكأن الله - جل في علاه - يريد من المسلم أن يستقبل رمضان بنزع تلك الشحْناء والبَغضاء والأحقاد، فيدخل في سُنَّة عظيمة منسية اسمها: (التغافُل)، ومضمونها تعمُّد الغفلة عن الأخطاء التي تقع من الآخرين تجاهه.





فمطلوب منك أخي الحبيب التغافل قبل رمضان عن الهفوات والزلات، والسقطات والأخطاء؛ لتدخُلَ رمضان بصدر مُنشرِح مُتفائل طيِّب.





لقد كان الإمام أحمد من أشد الناس حرصًا على باب التغافل، حتى قال - رحمه الله -: "تسعة أعشار العافية بالتغافُل"، فكما هو معلوم أن كل إنسان إذا حاسَب الآخَرين على الصغيرة والكبيرة، وجعل عنده سجلات ودواوين لأخطاء الآخرين، فإنه سيَبقى يُحاسب هذا وذاك؛ حتى يُصاب في أعصابه، ويُرهق نفسه، ويُتعب بدنه، واذهب إلى المستشفيات فإنك سترى مَن أُصيب بالضغط والسكري والجلطات؛ بسبب البُعد عن خلُق التغافل.





والتغافل غير الغفلة؛ فالغفلة هي عدم إدراك الشيء، بخلاف التغافُل، وهو تعمُّد الغفلة عن الشيء، وبينهما خيط رفيع من الانتباه والتركيز، فالغفلة داء، والتغافل دواء، والغفلة منهي عنها، والتغافل مأمور به.





ولا يتحلى بخلق التغافل إلا السادة النبلاء العقلاء، فمَن نضج عقله، وصفَتْ نفسه، وسما قلبه، فإنه أقرب إلى هذا الخلُق، انظر إلى أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه يوم أن سبَّه رجل فردَّ عليه قائلاً: إنَّ سبَّك يدخل معك في قبرك، ولا يدخل معي في قبري؛ ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63].





ويُروى عن قتيبة بن مسلم القائد المُجاهد أنه استقبل رجلاً يشكو إليه حاله وفي يد الرجل سيف أسنده إلى الأرض قد أصاب قدم قتيبة وهو لا يَشعُر، حتى إذا انتهى الرجل من شكواه وانصرف، قال قتيبة لأصحابه: ناوِلوني المناديل وإذا بالدم قد خرج من قدمه، فقال القوم: رحمك الله! لو أخبرت الرجل، لرفَع سيفه، فقال: ما كنتُ لأقطع عليه حاجته، ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199].






قال ابن الأثير: إن صلاح الدين كان صبورًا كثير التغافل؛ من ذلك أنه مر بالسوق فألقى رجل على رجل نعالاً، فوافق مرور صلاح الدين، فسقطت النعال قريبًا منه، فتغافل ونظر إلى الناحية الثانية.





كان أحد القضاة إذا جاءته شكاية من زوج على زوجته أو زوجة على زوجها، قدَّم لهم ورقة مكتوب فيها: (حقل الحسنات، وحقل السيئات)، وفي الغالب فإن حقل الحسنات سيكون أكثر بكثير من حقل السيئات، فإذا ما أتم المشتكي - أو المشتكية - كتابة الورقة، قال له: أفلا تغفِر هذه الحسناتُ الكثيرة لتلك السيئات القليلة؟!





مطلوب منك - أيها المسلم - أن تتغافل عن الهفوات، وخصوصًا في حقِّ الأبناء والزوجة والأرحام؛ ليَستقيم الأمر، وتبقى الوشائج والروابط بين الأحبة.





أخي الحبيب، إذا أردت للسفينة أن تسير، فتغافل، وإذا أردت للحياة أن تستمر، فتغافل، ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴾ [القصص: 55].





هذا، والله من وراء القصد، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.45 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.44%)]