عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 07-07-2022, 10:42 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة

ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة (3)
محمد السيد حسن محمد





المنحة؛ يعني: المنيحة التي يُعطيها الإنسانُ لفقيرٍ، مثل شاة ليحلبها، وليستفيد من حليبها ودرِّها، فإنه يردُّها إلى صاحبها؛ لأنه أعطاه المنفعة، ولم يعطه العَيْن، فالعَيْنُ للمالك، والمنفعةُ للممنوح، فهو يستفيد منها في حال وجود المنفعة، ثم يردُّها إلى صاحبها[1].

والمنحة والمنيحة مؤدَّاة، والعارية مُؤدَّاة، قيل: يا نبي الله، فعهد الله عز وجل؟ قال: ((عهدُ اللهِ أحَقُّ ما أُدِّيَ))[2].

والمنحة نوعٌ من العارية، ولكن فيها معنى العطية، فإن من أعار غيره شاةً أو ناقةً ليشرب لبنها يسمى ذلك منحة؛ ولهذا قلنا: إن من منح غيره شيئًا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه؛ كالدار والدابة والثوب يكون عاريةً، ولا يكون منحةً، وإن منحه شيئًا لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يكون هِبةً لا عاريةً، والإعارة في مثله تكون قرضًا، وفيه دليلٌ أن ردَّ العارية على المستعير، وردَّ المنحة على الممنوح له؛ لأن منفعة النقل حصلت له[3].

ومنح: منحه الشاة والناقة يمنَحه، ويمنِحه: أعاره إياها، الفراء: مَنَحْتُه أَمْنَحُه وأَمْنِحُه فِي بَابِ يَفْعَلُ ويَفْعِلُ، وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: مَنَحَه الناقةَ: جَعَلَ لَهُ وَبَرَها ووَلدَها وَلَبَنَهَا، وَهِيَ المِنْحة والمَنِيحة[4].

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: والمَنِيحة مِنْحةُ اللَّبَنِ؛ كَالنَّاقَةِ أَو الشَّاةِ تُعْطِيهَا غَيْرَكَ يَحْتَلِبُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا عَلَيْكَ، وَفِي الْحَدِيثِ: ((هَلْ مِنْ أَحد يَمْنَحُ مِنْ إِبله نَاقَةً أَهلَ بيتٍ لَا دَرَّ لَهُمْ؟))، وَفِي الْحَدِيثِ: ((ويَرْعَى عَلَيْهِمَا مِنْحةً مِنْ لَبَنٍ))؛ أَي: غَنَمٍ فِيهَا لَبَنٌ؛ وَقَدْ تَقَعُ المِنْحةُ عَلَى الْهِبَةِ مُطْلَقًا لَا قَرْضًا وَلَا عَارِيَةً، وَفِي الْحَدِيثِ: ((أَفضلُ الصَّدَقَةِ المَنِيحةُ تَغْدُو بعِشاء وَتَرُوحُ بعِشاء))، وَفِي الْحَدِيثِ: (( مَنْ مَنَحه الْمُشْرِكُونَ أَرضًا فَلَا أَرض لَهُ))؛ لأَن مَنْ أَعاره مُشْرِكٌ أَرضًا لِيَزْرَعَهَا فإِن خَراجها عَلَى صَاحِبِهَا الْمُشْرِكِ، لَا يُسْقِطُ الخَراجَ عَنْهُ مِنْحَتُه إِياها المسلمَ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُسْلِمِ خَراجُها؛ وَقِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ تَقْصِد بِهِ قَصْدَ شَيْءٍ فَقَدْ مَنَحْتَه إِياه كَمَا تَمْنَحُ المرأَةُ وجهَها المرأَةَ[5].

وَفِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الأَثير: ((كَانَ لَهُ كعَدْلِ رَقَبَةٍ))، قَالَ أَحمد بْنُ حَنْبَلٍ: مِنْحةُ الوَرِق: القَرْضُ، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: المِنْحَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
أَحدهما: أَن يُعْطِيَ الرجلُ صَاحِبَهُ الْمَالَ هِبَةً أَو صِلَةً فَيَكُونُ لَهُ.

وأَما المِنْحةُ الأُخرى: فأَن يَمْنَح الرجلُ أَخاه نَاقَةً أَو شَاةً يَحْلُبها زَمَانًا وأَيامًا ثُمَّ يَرُدُّهَا، وَهُوَ تأْويل قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((المِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ)).

والمِنْحة أَيضًا تَكُونُ فِي الأَرض، يَمْنَحُ الرجلُ آخَرَ أَرضًا لِيَزْرَعَهَا؛ وَمِنْهُ حَدِيث النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرضٌ فليزرعْها))؛ أَي يَمْنَحها أَخاه أَو يَدْفَعهَا إِليه حَتَّى يزرعَها، فإِذا رَفَع زَرْعَها ردَّها إِلى صاحبها، وَرَجُلٌ مَنَّاح فَيَّاح: إِذا كَانَ كَثِيرَ الْعَطَايَا، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: وآكُلُ فأَتَمَنَّحُ؛ أَي: أُطْعِمُ غَيْرِي، وَهُوَ تَفَعُّل مِنَ المَنْحِ الْعَطِيَّةِ، قَالَ: والأَصلُ فِي المَنِيحة أَن يَجْعَلَ الرجلُ لبنَ شَاتِهِ أَو نَاقَتِهِ لِآخِرِ سَنَةٍ، ثُمَّ جُعِلَتْ كُلُّ عَطِيَّةٍ مَنِيحَةً.

الْجَوْهَرِيُّ: المَنْحُ: الْعَطَاءُ، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: لِلْعَرَبِ أَربعة أَسماء تَضَعُهَا مَوَاضِعَ الْعَارِيَةِ: المَنِيحةُ والعَرِيَّةُ والإِفْقارُ والإِخْبال[6].

وتعرف المنحة: بأنها تمليك منفعة عقار أو غيره لشخص بغير عوض مدة حياته، فإذا مات المعمر له رجع الشيء المعمر لمن أعمره له، إن كان حيًّا، ولورثته إن كان ميتًا.

ومثال الإيجاب المقترن بالمنفعة (المنحة): أن يقول: (هذه الدار لك سكنى)، أو (هذه الشاة، أو هذه الأرض لك منحة) فهي عارية باتفاق الحنفية؛ لأنه لما ذكر (السكنى) دلَّ على أنه أراد تمليك المنافع، ولأن المنحة عبارة عن بذل المنافع، فإذا أضاف ذلك إلى عين ينتفع بها مع بقائها، عمل بحقيقته، أما إذا أضاف إلى شيء لا ينتفع به إلا باستهلاكه، كما إذا منحه طعامًا، أو لبنًا، فإنه يكون هِبةً؛ لأنه لا منفعة له مع قيام عينه.

وبِناءً على هذه التفرقة قالوا: إن عارية الأعيان تمليك المنافع، وعارية المكيل والموزون ومنها الدراهم والدنانير قرض، ويكون تمليك العين، فالعارية: هي عارية استعمال، والقرض: هو عارية استهلاك.

وكذا لو قال: هذه الدار لك سكنى عمري، أو عمري سكنى، فهي عارية؛ لأنه لما ذكر السكنى دلَّ على أنه أراد تمليك المنافع[7].

وعلى كل حال فإنه قد يطلق على العارية المنحة، من باب اللغة أصالة كما أنف قوله: منح: مَنَحَه الشاةَ والناقَةَ يَمْنَحه ويَمْنِحُه: أَعاره إِيَّاها، ولكن المنحة هي الهبة تمامًا.

وقال: واعلم أن خروج المال بالتبرع يكون هبةً، ويكون هديةً، ويكون صدقةً، فما قصد به ثواب الآخرة بذاته فهو صدقة، وما قصد به التودُّد والتأليف فهو هدية، وما قصد به نفع المعطَى فهو هبة، فهذا هو الفرق بينها، والتودُّد والتأليف من الأمور المقصودة شرعًا، ويقصد بها ثواب الآخرة، لكن ثواب الآخرة لم يقصد فيها قصدًا أوليًّا؛ ولهذا يخصها بشخص معين، أما الصدقة فلا يخصها بشخص معين؛ بل أي فقير يواجهه يُعطيه، وكلها تتفق في أنها تبرُّع محض، لا يطلب الباذل عليها شيئًا.

والعطية معطوفة على الهبة من باب عطف الخاص على العام؛ لأن العطية هي التبرُّع بالمال في مرض الموت المخوف، فهي أخص من الهبة، والهبة أن يتبرع بالمال في حال الصحة، أو في مرضٍ غير مخوف، أو في مخوف لم يمت به[8].

المسألة الحادية عشرة: الدَّيْنُ مَقْضِيٌّ:
وقد عدَّها الناسُ قاعدةً أصوليةً شرعيةً؛ لما لها من أهمية في ضبط سلوك الناس، وطمأنتهم أن دَيْنًا أقرضوه، فإنه مقضي، لا أن يتلف الناس بعضهم أموال بعض، فتهتز الثقة؛ ومن ثَمَّ فإنه لا قرض حسن، ومنه يتَّجِه الناس مُرْغمين، أو غير مرغمين إلى القرض الربوي، بما يحمله من شروط تقضُّ المضاجع، وبما ينتابه من همٍّ يحرم الناسَ نومَهم، ويُنغِّص عليهم حياتهم.

ولكن هذا الأخبار عمومًا، ولئن جاءت في صورتها كأخبار، إلا أنها تحمل معنى الإنشاء، ومنه دل على وجوب ردِّ العارية، وضمان الهبة، والمنيحة، وقضاء الدين.

هذا وقد ثبت في أصول الناس أن الجمل الخبرية حين تحمل إنشاءها، فإن ذلك أبلغ، وإنه لأقطع، وإنه لأولى، ومقدم دلالة واعتبارًا أصالة! ومن حيث دلت القرائن على ذلك.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة: 233]، ومعناها: ليرضع الوالدات أولادهن، ومنه قوله تعالى:﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، ومعناها: الأمر بوجوب ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي: ليتربَّصْنَ المطلقات.

وقد بلغ من عظم هذا الدين مبلغه، حين يُغفَر للشهيد كل ذنب قد فعله، إلا هذا الدَّيْن؛ لأنه حق للدائن، وهذا من جانب آخر، وكيف يتبدَّى منه تقدير هذا الدين للملكية الشخصية، وعدم التعدي عليها، وبإلزامها ما لم يلزم، وهو التنازل عن حقها دون موجب شرعي، أو نفس راضية!

فعن عبدالله بن عمرو: يُغْفَر للشهيد كُلُّ ذنْبٍ إلا الدَّيْن[9].

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى اللهُ عنه، ومن أخذ يريد إتلافَها أتلفَه اللهُ))[10].

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((نَفْسُ المؤمنِ مُعلَّقةٌ بدَيْنه حتَّى يُقضى عنه))[11].

وكل هذا مقيدٌ بالنية الحسنة أو عدمها، فإن من أخذ أموال الناس، وعزيمته ماضية في الأداء، وعلى ما اتفق، وإحسانًا أيضًا، فإن الله تعالى يُعينه على ذلك، وإن قدر أنه ابتُلي، ولم يستطع الأداء مع حرصه على ذلك، وقلبه وضميره هما اللذان يقودانه في ذلك، ودليله، فإن الله تعالى يؤدي عنه، وهذه رحمةُ ربِّنا بعبيده المساكين.

وشرط ذلك بداهة، هو العقد والقصد الحسنان، والنية العازمة على الأداء، ودعاء الله تعالى العون على هذا القضاء.

وأما حين يكون أحدٌ سيئًا قصدُه، وهو إذ يأخذ أموال الناس لا يريد أداءها، بل عازمٌ على إتلافها، وحرمان ذوي الحقوق من حقوقهم، وأن ترد عليهم، وعلى الأقل أصولها، وإذ حسن ردها، وجائزتها معها؛ إحسانًا، وشكرًا، وفضلًا، فإنه والحال هكذا، فإن الله تعالى يتلفه! ليس بعضه، بل كله؛ وبنظم الحديث، وبما يحمل من ترهيب، يقطع دابر الإتلاف، أو الانتواء به، وإنما يفتح بابًا مشرعًا، واسعًا، فضفاضًا، ينتوي منه أداء حقوق الناس، ولتشيع الطمأنينة والثقة بين الناس.

ومنه فليس يحمل همًّا ذو حاجة؛ إذ سيجد الناس يتسابقون لإقراضه؛ ولمعاملته الحسنة، ورده أموال الناس، وبه ينتعش اقتصاد الأمة، حين يقضي الناس بعضهم حوائج بعض، وعلى العكس من ذلك، حين يأخذ بعضهم أموال بعض متلفين، ولأنه والحال هكذا، فلا تسل عن كساد، ولا تسل عن تضخُّم، ولا تسل عن ربا، ولا تسل عن انتهاز الأغنياء فرصتهم للنيل من الفقراء المعوزين، حين قدموا بين أيديهم وبأنفسهم عدم الثقة فيهم!

وهذا قول نبينا صلى الله عليه وسلم: ((لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ)) قال ابن المبارك: يُحِلُّ عِرْضَهُ: يُغَلَّظُ لَهُ، وَعُقُوبَتَهُ: يُحْبَسُ لَهُ[12].

واستحلال عرض المدين مشاهد! لأنك تجده محلًّا ومناطًا للقيل والقال، والسيرة المنبوذة، والأخلاق الرديئة، واهتزاز ثقة الناس فيه؛ من جراء مَطْلِه هذا! لأن الأصل أنه واجد؛ أي: قادر على الأداء!

ويحمل الحديث همَّين: هما: هم استحلال عرض المدين المماطل، والحال أنه القادر على الوفاء، وكذا هم عقوبته، وحال رفع أمره إلى القضاء الإسلامي؛ ليقول فيه كلمته، وليُبْرم فيه حُكْمَه، وهذا هو الهمُّ الثاني.

المسألة الثانية عشرة: والزعيم غارم
والزعيم هو الكفيل الضامن لأداء الدين، حين لم يؤدِّه المدين، فأصبح إذًا بمثابة المدين الأصلي، وإن للدائن حقَّ الرجوع عليه، ومطالبته بما كفل فيه أخاه المدين الغارم.

وهذه فسحة ربانية أخرى؛ إذ جعلت الناس مطمئنين إلى تحصيل أموالهم، إما بطريق الرجوع على المدين الأصلي، وإما بسبيل مطالبة هذا الكفيل الضامن، وبه تزداد ثقة الناس بعضهم ببعض، ومنه يتداول رأس المال، حين كان قرضًا حسنًا، وعلى وجه حسن، فشجَّعْنا الموسرين أن يُقرِضوا، ويسَّرنا على المعسرين وأقرضناهم، وبقيت حقوق الدائن محفوظةً، لما كانت أصالة بالرجوع على المدين المقترض، أو فرعًا على الكفيل الضامن.

فعن عبدالله بن عباس: أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيكَهُ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تَقْضِيَنِي أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ، فَجَرَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَمْ تَسْتَنْظِرُهُ؟))، فَقَالَ: شَهْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَأَنَا أَحْمِلُ لَهُ))، فَجَاءَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا؟))، قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ، قَالَ: ((لَا خَيْرَ فِيهَا))، وَقَضَاهَا عَنْهُ[13].

وقد ذهبوا إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه ذَهَبَه؛ لأنه لم يعطه صلى الله عليه وسلم ذهبًا خالصًا بل مخلوطًا، وهذا توجيه القائلين على سبب أنه قال قوله هذا: ((لا خير فيها)).

قال بعض أهل العلم: إن المنع لم يكن من أجل أنها مَعْدِن، وإنما من أجل أمور أخرى، قيل: إنه لم يعطه ذهبًا، وإنما أعطاه ذهبًا مخلوطًا بترابه، ولم يكن متميزًا، ومعلوم أنه اتفق معه على دنانير، والدنانير معروفة المقدار والوزن، ولم تكن مخلوطة بالتراب، فهو لم يأتِ بالشيء الذي يكون مطابقًا لحقه حتى يكون موفيًا له، وإنما أعطاه ذهبًا مع ترابه، فهو ذهب غير معروف المقدار، وليس مساويًا لما يطالبه به، وهو عشرة دنانير، وليس المقصود من المنع كونه من مَعْدِن؛ لأن الذهب مثل غيره من المعادن أودعها الله في الأرض[14].

والحميل: هو الكفيل الضامن، وهو الزعيم المنوط به التحمل عمن كفله؛ ولمصلحة الغريم الدائن.

والحميل من: حمَلَ به حَمَالةً بالفتح؛ أي: كفل[15].

وإنما كان من مقتضى هذه الكفالة، سلطة الدائن في الرجوع على هذا الكفيل الزعيم الضامن، وحين لم يوفِ بالتزامه في مواجهة الدائن الغريم، إما لهروب أو مماطلة أو إفلاس أو ما سوى ذلك. والذي لولاه، لما أقدم على إعطاء المدين الغارم ما أعطى.

وقد جعل الناس قوله صلى الله عليه وسلم: ((الزعيمُ غارمٌ)) قاعدةً أصوليةً أيضًا، والأصل في هذه القاعدة، هو حديث الباب، وكما قال تعالى أيضًا: ﴿ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ [يوسف: 72].

وليس يقال: إن هذا شرع من قبلنا؛ لأن شرع من قبلنا شرْعٌ لنا، ما لم ينسخه شرعُنا، بل إنه في حالتنا جاء النصُّ على الكفالة صريحًا، من قوله صلى الله عليه وسلم: ((والزعيمُ غارمٌ)).

ولا يُقال: إن الذي جعل الكفالة هو نبي الله تعالى يوسف عليه السلام، من تلقاء نفسه؛ ومنه فإنها ليست ملزمة؛ لأن حديث الباب ردَّ على ذلك أيضًا، علاوة على حديث الإمام الحَبْر الترجمان آنف الذكر، كما رواه الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى أيضًا.

وعلى كل حال، فإن شأن الدين عظيم، لو يعلمون! وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لم يصلِّ على مدين بدينارين!

وإنه، ولئن كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد ضمن، حين وسَّع ربُّه تعالى عليه، فإن هذا جانبٌ للمسألة آخر؛ إذ ليس بيننا الآن نبينا صلى الله عليه وسلم، وإذ ليست بيوت أموال المسلمين قد أعلنت أنها ضامنةٌ وفاء ديون الناس.

ومنه فجملت، وحسنت، بل وجبت تقواه تعالى في شأن هذه الديون أجمعها.

فعن جابر بن عبد الله: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأُتِيَ بِمَيْتٍ، فَسَأَلَ: ((أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، عَلَيْهِ دِينَارَانِ، قَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ))[16].

ودلَّك على صحة مذهبنا هذا ما رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه: سمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته عام حجة الوداع: ((إنَّ الله تبارك وتعالى قد أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارثٍ، الولَدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَر، وحسابُهم على الله تعالى، ومن ادَّعَى إلى غير أبيه أو انْتَمى إلى غير مواليه، فعليه لعنةُ الله التابعةُ إلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلا بإذن زوجها))، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: ((ذاكَ أفضلُ أموالنا))، وقال: ((العاريةُ مُؤدَّاةٌ، والمنْحةُ مردودةٌ، والدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، والزعيمُ غارمٌ))[17].


[1] [شرح سنن أبي داود، العباد: 404/10].

[2] [كنز العمال، المتقي الهندي: ج 10 /60]، و[سنن الدارقطني: ج 3 / 36].

[3] [المبسوط، السرخسي: ج 20 / 28].

[4] [لسان العرب، ابن منظور: ج 2 / 607].

[5] [لسان العرب، ابن منظور: ج 2 / 607].

[6] [لسان العرب، ابن منظور: ج 2 / 607].

[7] [كتاب الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي: 5/ 3986].

[8] [كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع، ابن عثيمين: 11 /65].

[9] [صحيح مسلم: 1886].

[10] [صحيح البخاري: 2387].

[11] [صحيح الترمذي، الألباني: 1078].

[12] [صحيح أبي داود، الألباني: 3628].

[13] [صحيح ابن ماجه، الألباني: 1965].

[14] [كتاب شرح سنن أبي داود، عبد المحسن العباد: 8/255].

[15] [مختار الصحاح، زين الدين الرازي: 1 / 82].

[16] [صحيح النسائي، الألباني: 1961].

[17] [سنن الترمذي: 2120]، خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.87 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.98%)]