عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 04-07-2022, 08:08 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة

ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة (1)
محمد السيد حسن محمد
هذا وقد أنف الكلامُ حول خطبته صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، وبين أيدينا هذه الخطبة الجامعة الأخرى، وإذ تقوم على أساسها أممٌ، وتنهض من عرفها دول!

وإذ شملت أصولًا عدة من أصول شريعتنا، وحين كان العض على هذه الأصول زعيمًا، وضامنًا وكافلًا لتنشئة أمة قائدة رائدة، وحين تتلمس هذا الهدي كله، ولما كانت تترسم هذا المعين أجمعه، وإذ بك تراها في الآفاق محلقة، وقد تسربلت المجد، وقد كان رداؤها السؤدد، والسلطان والأبهة، والتقلد لزمام عالم أمواجه متلاطمة، ومن حيرته من أمره، ولما ابتغى العزة في غير هذا الدين والصراط المستقيم.

وإذ بك تراه مترنحًا شرقًا مرة، وإذ بك تلفاه متمايلًا متهافتًا غربًا كرة!

وآهٍ لو جاء عند الوسط - الإسلام - أبدًا، لاستراح الدارين، ولسعد الحياتين!

وأبينه في اثنتي عشرة مسألة:
المسألة الأولى: مشروعية الخطبة راكبًا:
ولكنه صلى الله عليه وسلم كان قد خطب الناس راكبًا بعيرًا قائمًا في الركابين؛ أي: إن رجليه كانتا في ركابي البعير، والركاب: هو الحلقة التي يدخل الفارس رجله فيها، فعن خالد بن العداء بن هوذة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم في الركابين[1].

وفيه دلالة على جواز الخطبة راكبًا.

المسألة الثانية: القياس الصحيح والاستدلال الصريح:
وإلا أن تحريم الدماء والأموال والأعراض، وإنما قيس على حرمة الشهر الحرام، وتقريبًا للأفهام، ولأن قريشًا كانت تعتقد حرمته، ولأن المسلمين يعتقدون حرمته أيضًا، وإلا أن هذه الحرمة باقية، قياسًا على شهر الله الحرام، تقريبًا للأذهان، وعلى غير قياس على شهر الله الحرام هذا، أو غيره من الأشهر الحرم الأخرى، أو يوم الناس هذا أو بلدهم هذا، ولاتحاد العلة ها هنا، ولأن هذه هي الضرورات الخمس في ديننا، ولأن هذا هو نداء الفطرة الرفيع، وحين تكبح جماح نفوس، وألا تتعدى على غيرها، من دين، أو نفس، أو مال، أو عرض، أو عقلٍ.

وسبحان الله وتعالى، وما أجمل قياسه صلى الله عليه وسلم! ويوم أن قال لأحدهم: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم.

فعن أبي أمامة الباهلي إن فتى شابًّا أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه! مه! فقال: ادنه، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتُحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء[2].

وقس عليه غيره من المحرمات.

وهذ مدرسة الإسلام الأولى، ولتخريج أمة يغمرها عفافُها، ويحوطها طهرُها، ويعبقها اتباعها، وحين تقرب إليها القياسات، فتعمل فيها عملها، وهذه مائدة التربية الإيمانية العملية، وحين استشعار خطر داهم يهز البنيان الاجتماعي للأمة بأسرها.

ولكن مسألة قياس نبينا صلى الله عليه وسلم ليس بحثًا محلُّها الآن، وإنما تعريج، ولما كان من عمدتهم استدلالًا، وحين قال رجل: يا نبي الله، إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق[3].

المسألة الثالثة: تيسير الملة برفع الحرج عن الأمة:
وإلا أنه صلى الله عليه وسلم قد وسع، ورفع الحرج، ويسَّر على غير القادرين، أو الذين لا يجدون إلا جهدهم، ومن حيث جواز لبس الخفين بدلًا عن النعلين للمحرم، وكذا لبس السراويل، ولمن لم يجد إزارًا، وللمحرم أيضًا.

وهذا من باب رفع الحرج عن الأمة، وهذا موجب التيسير عليها، وكما أنف، ولأن الله تعالى قال: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة:185]، وكما قال تعالى أيضًا: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج:78].


فعن عبدالله بن عباس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل للمحرم[4].

والنعل والنعلة: ما وقيت به القدم من الأرض، مؤنثة، وفي الحديث: أن رجلًا شكا إليه رجلًا من الأنصار، فقال: يا خير من يمشي بنعل فرد، قال ابن الأثير: النعل مؤنثة وهي التي تلبس في المشي تسمى الآن تاسومة، ووصفها بالفرد وهو مذكر؛ لأن تأنيثها غير حقيقي[5].
والغالب فيه أنه لا يستر القدم.
والخُف: هو ما يلبس في الرجل من جلد رقيق[6].

والخف في الأرض أغلظ من النعل... وخف الإنسان: ما أصاب الأرض من باطن قدمه... والخف: الذي يلبس، والجمع من كل ذلك أخفاف وخفاف[7].

ويكون ساترًا للكعبين فأكثر، ويلبسه المحرم بعد أن يقطع أسفل من الكعبين، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم.

والإزار: ما يتَّزر به الإنسان، لتغطية العورة، وهو لباس يلفه الإنسان عادة أكثر ما بين السرة والركبة، لستر العورة، والإزار في باب تكفين الميت يقصد به: ما يغطي تمام جسد الميت، قال في الجواهر: بلا خلاف أجده[8].

وقيل: الإزار كل ما واراك وسترك[9].

المسألة الرابعة: معالم السعادة وروافد الريادة:
وثمة بيان آخر من بيانات يوم عرفة المتلاحقة، ويكأننا أمام هذا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أراد أن يسلم الأمانة، وموجزًا أحكامها، وأصولها، وأركانها، ونظامها، وأبوابها، وفروعها! وإذا جاز قول إن هنالك فروعًا! ولأن الأصل أن ديننا كل حميد، وأصل مجيد، وإذ ليس قد هون من سلطانه في القلوب إلا قول: إن هذا أصل، وإن هذا فرع.

وإنما نقول: وإنه وإن كان هذا الكل هو منهج الله تعالى، ومن ثم تكون النظرة إليه، ومن هذا الجانب، وأنه قد صدر من السلطة العليا في التشريع، وعند النظر إليه، ومن باب العبودية هذا، فإن النفوس تتلقاه، وبهذا المستوى العالي من التلقي، والقبول، والإذعان، والتسليم، والانقياد، والمتابعة عليه قدرًا قدرًا!

وإذ كان من هذا البيان الضافي ما يلي:
المسألة الخامسة: لا وصية لوارث:
وهذا مقتضاه ألا يأخذ وارث ومن فوق نصيبه المقدر شرعًا نصيبًا آخر، ومن مقتضى هذه الوصية، وإذ تعتبر ها هنا مخالفة لنصوص الشرع في توزيع الأنصباء من التركة التي تركها المورث.

وفي هذا قضاء على ما قد تتلبَّسه النفوس من ظلم، حماية لها من شررها، وسدًّا لباب بطرها، والذي سيتطاير شررُه على الورثة من بعد، وبما يمكن أن يفتح عليهم بابًا يلج عليهم منه ما هم في غنى عنه، ولما يمكن أن يتولد بينهم من حنق وبغضاء، ومن سببه، ومن موجبه.

وها هو الدين، الإسلام الحنيف الخالد، قد جاء سدًّا لكل ذريعة يُمكنها أن تكون سببًا في شحناء بين المتوارثين، والأصل أنهم يحكمهم نسب وقرابة وصهر ودم! وها هو ديننا، وقد أعلى من قيمة هذه العلائق علية خفاقة سامية سامقة رفيعة أبية على اختلاف، عصية على تفرُّق، حريصة للجماعة والألفة والمحبة والمودة والصلة.

وليس يقال: قال الله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة:180].

ولأن هذه الآية الكريمة نُسخت بقول نبينا صلى الله عليه وسلم: إن الله أعطى كل ذي حق حقَّه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر[10].

ولأن الله تعالى قسم المواريث، وبحيث يقطع قولًا آخر، وباستدلال من آية البقرة الآنفة الذكر، وكما قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء:11].

هذا، و(إن الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصيةَ لوارثٍ): دليلٌ واضح على أن الناسخ لآية الوصية هي آية المواريث المشار إليها بقوله: (إن الله قد آتى كل ذي حقٍّ حقَّه)، والحديث إنما هو بيان لما دل عليه القرآن في هذا، فكأن قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد آتى كل ذي حقٍّ حقَّه): من باب ذكر الملزوم على سبيل الاستدلال، ثم عقَّبه بقوله: (فلا وصية لوارث) بيانًا للازم؛ أي: قد ثبت إيتاء الله كلَّ ذي حق حقَّه، فلَزِم منه أنْ لا وصية لوارث، وذلك أن الوصية للوارث إنما شُرعت أولًا لأجل أداء ما لَه من الحق، ثم علم الله تعالى أن ابن آدم لا يمكنه الوفاء بمقتضى الحق لعدم علمه، قال تعالى: ﴿ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾ [النساء: 11]، ففرض المواريث بحكمه كما قال تعالى عقب ذلك: (وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) [النساء: 12]؛ أي حالَّة محل الوصية التي أُمرتم بها.

والآية واضحة في نسخ آية الوصية، وبيَّنَها الحديث، فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: إن الوصية للوارث إنما شُرعت لأداء ما له من الحق، ثم إن الله تعالى فرض لكل ذي حق حقَّه، فلم يبقَ للوصية معنى؛ لأنها إنْ وقعت بمقدار ميراثه كانت تحصيل حاصل، وإن وقعت بأكثر، كان فيها زيادة عن حقه الذي علمه الله له وفرضه مِن عنده، مع ما في ذلك من ظلم غيرِه بنقصان أنْصِبائهم، وإن وقعت بأقل، كان فيها زيادةُ غيره وظلمُه[11].

ولكنه، وعلى قول بأن الحديث مخصص لا ناسخ لآية البقرة، فإنه لا تعارض أيضًا، ويبقى القول بأن الوصية ليست للوارثين، وإنما ما جاءت به الشريعة من جوازها للأقربين بالمعروف حقًّا على المتقين، وهذا أولًا.

وأما ثانيًا: ومن باب جواز الوصية في حدود الثلث، وكما جاء من حديث سعد بن أبي وقاص: عادني النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع من مرض أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فأتصدق بشطره؟ قال: الثلث يا سعد، والثلث كثير، إنك أن تذر ذريتك أغنياءَ، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ولست بنافق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا آجرك الله بها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك، قلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي بها وجه الله، إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفي بمكة، [وفي رواية]: أن تذر ورثتك[12].

والملاحظ أن حديث سعد بن أبي وقاص هذا كان عام حجة الوداع، وكذا خطبة حجة الوداع التي بين أيدينا، وهما من آخر ما عهد به النبي إلى هذه الأمة المرحومة، وبالتالي فيكون هذا هو التشريع والمستقر، وبه يكون عليه العمل، والأخذ، والاستنان، والهدي، والرشد، والحجة، والبرهان، والدليل، والمحجة.

وهذا هو قول جماهير أهل العلم، وهو الذي يتبدى به طريقًا للجمع بين الأدلة تخصيصًا، وإخراجًا للورثة، وللقضاء على ما قد يترتب عليه من وقيعة وشحناء وبغضاء، ومن شعور أحدهم بالغبن، وغير ذلك.

وفي نفس الوقت إتاحة الفرصة أمام المورث، ليوصي في حدود الثلث، وصية عامة أو خاصة للأقربين غير الوارثين، وهذه أيضًا طريقة أخرى للجمع بين الآية وحديث الوصية في حدود الثلث.

وأما قول الإمام مالك - رحمه الله تعالى -: إن الوصية جائزة، وليس للوارث أن ينتزعه منه، فخطأ فاحش، وقول لا نعلم أحدًا قاله قبله، وقول لا برهان على صحته[13].

ولكنَّ فصلًا آخر في المسألة، وحين نعلم تقدم آية البقرة والمبينة للوصية على آية النساء والمحددة للمواريث وأنصبائها قدرًا مقدورًا، وبه أيضًا يحل النزاع.

واشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصيةٍ، ولا تحمل منه الموصي، ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: "إن الله قد أعطى كلَّ ذي حق حقَّه، فلا وصية لوارثٍ"، وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الآية: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ [البقرة: 180]، فقال: نسخت هذه الآية، وكذا رواه سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس به ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرطهما، وقال: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: "الوصية للوالدين والأقربين"، قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل الله آية الميراث، فبيَّن ميراث الوالدين وأقرَّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت، وقال: ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج بن محمد أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس في قوله: "الوصية للوالدين والأقربين"، نسختها هذه الآية: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ [النساء: 7]، ثم قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن ابن عمر وأبي موسى وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وعكرمة وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وطاوس وإبراهيم النخعي وشريح والضحاك والزهري - أن هذه الآية منسوخة نسختها آية الميراث، والعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي رحمه الله كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11].

قال: وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء.

قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة، فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاووس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد "قلت"، وبه قال أيضًا سعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان، ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر؛ لأن آية المواريث إنما رُفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية؛ لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لا يرث، فرفع حكم من يرث بما عين له وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يأتي على قول بعضهم أن الوصاية في ابتداء الإسلام، إنما كانت ندبًا حتى نُسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة، وهو الظاهر من سياق الآية، فيتعيَّن أن تكون منسوخة بآية الميراث، كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقَّه فلا وصية لوارثٍ".

فآيةُ الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، يرفع بها حكم هذه بالكلية.

بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصي لهم من الثُّلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، قال ابن عمر: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي[14].

وقال: وصفوة القول: إن الآية غير منسوخة بآية المواريث؛ لأنها لا تعارضها بل تؤيدها، ولا دليل على أنها بعدها، ولا بالحديث; لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب، فهي محكمة وحكمها باق، ولك أن تجعله خاصًّا بمن لا يرث من الوالدين والأقربين، كما رُوي عن بعض الصحابة، وأن تجعله على إطلاقه، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ، فتنبذ ما كتبه الله عليك بغير عذرٍ، ولا سيما بعدما أكده بقوله: ﴿ حقًّا على المتقين ﴾؛ أي: حق ذلك الذي كتب عليكم من الوصية أو حقَّقته حقًّا على المتقين لي، المطيعين لكتابي، والمتبادر أن معنى المكتوب: المفروض، وبه قال بعضهم هنا، وقال آخرون: إنه للندب، ويؤيد الفرضية قوله تعالى في وعيد المبدلين له: ﴿ فمن بدله ﴾؛ أي: بدل ما أوصى به الموصي ﴿ بعدما سمعه ﴾ من الموصي أو علم به علمًا صحيحًا من كتابة الوصية وهو مشروع كما سيأتي، ومن الحكم بها: ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ [البقرة: 181]، من ولي ووصي وشاهد، وقد بَرئت منه ذمة الموصي وثبت أجره عند الله تعالى، ﴿ إن الله سميع ﴾ لما يقوله المبدلون في ذلك، ﴿ عليم ﴾ بأعمالهم فيه، فيجازيهم عليها، وهو يتضمَّن تأكيد الوعيد، والضمير في المواضع الثلاثة راجع إلى الحق أو الإيصاء; أي: أثره ومتعلقه[15].

وعلى كل حال، فإن الخلاف في مسألة النسخ من عدمه، وعلى مدى حمله على التخصيص أيضًا، ليس يخرجنا عن اتفاق الفرقاء على الإيصاء للأقربين غير الوارثين، ومنه يخرج الوارثون عن هذه الوصية، ولورود الدليل على تفصيل أنصبائهم مستقلًّا، وبه يحل الإشكال.

وليس من شأننا بحث آخر أن حديث الوصية ليس موجبًا وإنما مجيزٌ، ولأنه مفرغ منه لمعناه!


[1] [صحيح أبي داود، الألباني: 1917].

[2] [الصحيح المسند، الوادعي: 501]، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

[3] [حجة الوداع، ابن حزم: 464]، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

[4] [صحيح البخاري: 1841].

[5] [لسان العرب، ابن منظور: ج ١١ / ٦٦٧].


[6] [الدر المختار، الحصكفي: 1/281].

[7] [لسان العرب، ابن منظور: ج ٩ / ٨١].

[8] [المعاني الجامع، مادة: أزر].

[9] [لسان العرب - ابن منظور - ج ٤ - الصفحة ١٧].

[10] [صحيح الجامع الألباني: 1720].

[11] [كتاب آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني: 24/172].

[12] [صحيح البخاري: 3936].

[13] [المحلى، ابن حزم: ج ٩ / ٣٣٠].

[14] [تفسير ابن كثير: ج ١ / ٢١٧و218].

[15] [تفسير المنار، محمد رشيد رضا، سورة البقرة، الآية: 180].





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.56 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.87%)]