عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 29-01-2020, 05:51 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,238
الدولة : Egypt
افتراضي {لا يُسألُ عمَّا يَفعل وهُم يُسْألُون}

{لا يُسألُ عمَّا يَفعل وهُم يُسْألُون}


الشيخ خالد بن عبدالمنعم الرفاعي


السؤال
السلام عليكم.
أنا طالبة في السنة الأخيرة في الجامعة، مررت مؤخرًا بتجربة قاسية جدًّا، كنت قد أرسلت لكم عنها في استشارةٍ خاصة قبل فترة، أخطأتُ كثيرًا؛ ولكني ظُلمت أكثر، جعلتني هذه التجربة أكره النَّاسَ، والدنيا، وحتى نفسي، وبدأت أتساءل: لماذا فعل الله هذا بي؟! خاصة أنني استخرته قبل بداية قصتي كلها، ولكنه جعلها تستمر؛ لتنتهي بكسري، وإن كان هذا اختبارًا، فلماذا وضعني في اختبارٍ يعلم أني أضعف بكثيرٍ من أن أنجح فيه؟ لماذا جعلني أمرُّ بكلِّ ما مررت به، ولا زلت أعاني حتى الآن منه، ولا زلت أعيش حياتي خائفة؟
والآن وبعد مرور أشهر على تجربتي تلك؛ أصبحَتْ تدورُ في عقلي الكثيرُ من الأسئلة، ولم يعد الأمر يقتصر على سخطي مما مررت به، فأنا الآن أتساءل: لماذا خلقنا الله؟ ستقول لي: كي نعبده، ولكن لماذا خلقنا لنعبدَه وهو الله وهو الغني عن عبادتنا؟ لماذا يجعلنا نعيشُ ونبكي ونتألم ونفرح ونحاسب ونخطئ؟ كل هذه التفاصيل إن كان هو غنيًّا عنَّا جميعنا وغني عن عبادتنا وعن مكافأتنا أو عقابنا، فما حاجته لعبادتِنا له؟ وإن كان خلقنا كي نعبده، ألا يجب أن نكون جميعًا بنفس الظروف؛ كي تكون المحاكمة عادلة؟ فأنا لا أرى أيَّ تكافؤ في الفرص بين الناس؛ فهناك من يولد في بيئةٍ متدينة، ومستقيمة؛ ومن الطبيعي أن تكون تربيته ملتزمة، رغم أنه لا يَدَ له في ذلك، وهناك العكس؛ من يولَدُ في بيئةٍ سيئة منحرفة، وتربيته تؤثر عليه سلبًا، ولا يَدَ له في ذلك، ولا ذنب له سوى أنه ولد في بيئة سيئة.
هذا إن كنَّا نتحدثُ عن المسلمين، ولكن حتى غير المسلمين؛ ما ذنبهم إن كانوا وُلِدوا على دينٍ غير دين الإسلام؛ ليتم زجُّهم في جهنم ومحاكمتُهم؟ خاصَّةً أنَّ زمن الرسل انتهى، وهم لا ذنب لهم، لماذا يحاكمهم الله وهو خلقهم هكذا؟ لماذا لا يوجد أي تكافؤ في الفرصِ بين الناس، لا في الدين، ولا في الظروف، ولا حتى في الاختباراتِ التي يمرُّون بها؟ إن الله لا يكلِّفُ نفسًا إلا وسعها، أليس كذلك؟ ولكن لماذا يجعلنا الله أحيانًا نختبر أمورًا ليست بوسعنا أصلاً؟ ولهذا تكون نتيجتها؛ إمَّا أن يجنَّ أصحابُها، أو يمرضون، أو يتفلتون للكفر والإلحاد؟ لماذا كل هذا الظلم في العالم؟ أي مغزًى يمكن أن نقولَه لفتاة تعرضت للاغتصابِ مثلاً؟ أو أب تعرَّض ابنه للقتل؟ أو وطن بكامله تعرض للاحتلال؟ ويقولون: إنَّ الابتلاء بقدر محبة الله، وهل كتب للمؤمن أن يعاني ويتألم ويذوق المر فقط لأنه مؤمن؟ ولأنَّ هناك جنة في انتظاره؟! حتى وصف جهنم؛ أجده أسطوريًّا بعض الشيء، وبه الكثير الكثير من الترهيب، هناك الكثيرُ من الأمورِ تثبت أنَّ الديانة المسيحية هي الصحيحة، ومثلما هناك إعجاز في القرآن، هناك مثله في الإنجيلِ والتوراة، فكيف أعرفُ أني على الدِّينِ الصحيح؟ أو كيف يعرف كلُّ واحدٍ هذا؟ وكل واحد يملك الأدلة على صحة دينه؟ حتى معجزة القرآن، وأنَّ آياته لا يستطيعُ أن يكتب أحدٌ مثلها؛ أيُّ متمكنٍ في الأدبِ يستطيع أن يكتبَ لك كلامًا يشبه آيات القرآن كثيرًا، وقد قرأت ذلك بنفسي، فأين الإعجاز في ذلك؟
أنا لا أكفر بوجودِ الله، شيء ما في داخلي يخبرني أنه موجود، ولكني لا أفهمُه، لا أفهمه أبدًا، وأكاد أُجَن من كثرة الأسئلة التشكيكية التي تمرُّ ببالي، رغم أني دعوتُ الله أن يريحني، ورغم أني تعوذتُ من الشيطان، وقد قيل: إنَّ التعوُّذ يطرد الوسوسة، ولكنها بقيت، فكيف ذلك؟ أعلم أنَّ أفكاري غير مترابطة، وأسئلتي أيضًا، ولكن اعذرني؛ فأنا موقنةٌ إنْ قرأتَ رسالتي، فستشعر بالحيرةِ التي أمرُّ بها، أنا متعبة جدًّا واللهِ، حتى إني بدأت أشعرُ أنَّ الأحاديث التي تصف ما بعد الموت وجهنم والصراط والبراق والجنة أشبه بالأساطيرِ اليونانية! أنا لست سيئة، لكني متعبة أكثر مما تتخيل، وتعبي قادني لكلِّ هذه الأسئلة التي أتمنَّى من كلِّ قلبي أن تجيبني عنها بإقناع؛ لأعود إلى الله؛ كما يحبُّ ويرضى؛ خاصة أني ومنذ بدأت كل هذه الأسئلة تدورُ في ذهني، وأنا بعيدة كليًّا عن الله، رغم أني أحوجُ ما أكون إلى قربه بعد أخطائي الماضية.

أتمنى أن تصلَكم رسالتي، وتُعَجِّلوا بإجابتي عن كلِّ ما ورد فيها بطريقةٍ تريحني؛ فأنا بي من الهمومِ ما يكفيني، ادع لي؛ أعتذر عن كثرةِ استشاراتي، وربما تجاوزي للحدودِ بأسئلتي.


الجواب
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:
فلا داعيَ للاعتذار عن كثرة الاستشارات؛ فنحن هنا لنجيب عليكم، ونبذل الوسعَ لمساعدتكم، وإنما - حقًّا - ما يحتاج للاعتذار منه لله - تعالى - هو التجاوز والاسترسال في العباراتِ التي يظهرُ فيها الاعتراض، وكان الواجب الوقوف عند قوله - تعالى -: ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء : 23]،
فالواجِب على كلِّ مسلمٍ أن يعتقِدَ بأنَّ الله - تعالى - ربُّ كلِّ شيء ومليكُه، له التَّصرُّف المطْلَق، وله الحكْمة البالغة، يفعل ما يشاء ويحكم بما أراد، لا يُسأَل عمَّا يفعل، ولا معقِّبَ لحُكْمِه، ولا رادَّ لقضائِه، وأنَّه عليم حكيم عدْل، لا يظلمُ أحدًا؛ بل حرَّم - سبحانه - الظلمَ على نفسِه؛ قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء : 40]، وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت : 46]، وقال - تعالى -: ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف : 49].
أمَّا الاحتجاجُ بأنَّ الله - سبحانه وتعالى - يخلُق الإنسانَ، ويكتُب مصيرَه من السَّعادة أو الشَّقاء، فهذا أمرٌ طبيعي للإلَه القادِر العليم، الَّذي يحيطُ علمُه بكلِّ شيءٍ من مَخلوقاته؛ ولذا قال: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾[الملك : 14]، وكيف يكون ربًّا للأشياءِ وهو لا يعْلمُ مصيرَها، ولا ما تؤُول إليْه؟!
وهذا لا يُنافِي عدْله - سبحانه - لأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - إنَّما يُحاسِب الخلقَ بمقتضى عمَلِهم وسعْيِهم، واختِيارهم لأنفسهم الخيرَ أو الشَّرَّ، ولا يُحاسبهم بمقتضى ما علِمَه منهم، وجعل للعبد اختيارًا ومشيئة وإرادة، بها يَختار طريقَ الخير أو الشَّرِّ، وبها يَفْعل ما يريد، وعلى أساسِها يُحاسب على أفعاله التي اختارها لنفسِه، فالاختِيار مع وجودِ العقل وعدم الإكْراه هو مناطُ التَّكليف، وإذا فُقِد ارتفع التَّكليف؛ قال - تعالى -: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [آل عمران : 182]، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ما منكُم من أحدٍ، وما من نفس منفوسةٍ، إلاَّ كُتِبَ مكانها من الجنَّة والنَّار، وإلاَّ قد كتبت شقيَّة أو سعيدة))، قال رجُلٌ: يا رسول الله، أفلا نتَّكل على كتابِنا وندعُ العمل؛ فمَن كان من أهلِ السَّعادة فسيصير إلى عملِ أهل السَّعادة، ومن كان من أهلِ الشَّقاء فسيصير إلى أهل الشَّقاوة؟ قال: ((أمَّا أهلُ السَّعادة، فييسَّرون لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا أهل الشَّقاوة، فييسَّرون لعمل أهل الشَّقاء))، ثمَّ قرأ: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ [الليل : 5 - 7]؛ رواه البخاري.
فالمرْء لن يعمل إلاَّ بما قدَّر الله له في كتابِه، ولكنَّه لما أُتيح له من الأسباب ما يُمكنه من سلوك الطَّريق السوي، وبيَّن له ذلك، وجهل ما قدره الله له مِن السَّعادة أو الشَّقاوة يوم القيامة - كان عليه أن يعمَل ويأخذ بالأسبابِ الشَّرعيَّة ويدع ما سواها، ويدعو الله أن يرزُقَه الثَّباتَ على الدِّين.
فإذا اطمأنَّت نفسُ المسلِم لذلك، فلا ينبغي له البحْثُ وكثرة السؤال، والاستِرْسال مع وساوِس الشَّيطان التي يُريدُ أن يفسِدَ بها دين المرْء ودُنياه وأُخراه.
وقد سُئِل شيخُ الإسلام - قدَّس الله روحه - عن قومٍ قد خصُّوا بالسَّعادة، وقوم قد خصُّوا بالشَّقاوة، والسَّعيد لا يشقَى، والشَّقِي لا يسعد، وفي الأعمال لا تراد لذاتِها؛ بل لجلْب السَّعادة ودفْع الشَّقاوة، وقد سبقنا وجود الأعمال، فلا وجْه لإتْعاب النفس في عمل، ولا كفِّها عن ملذوذ؛ فإنَّ المكتوب في القِدَم واقع لا محالة، بيِّنوا ذلك.
فأجاب - رحمه الله -: "الحمد لله، هذه المسألة قد أجابَ فيها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في غيرِ حديث؛ ففي "الصَّحيحين": عن عمران بن حصين قال: قيل: يا رسولَ الله، أعُلِم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: ((نعم)) قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: ((كلٌّ ميسَّر لِما خُلِق له))، وفي رواية البُخاري: قُلْت: يا رسولَ الله، كلٌّ يَعمل لما خُلِق له أو لِما يسِّر له؟ رواه مسلم في "صحيحه".
عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عِمران بن حصين: أرأيتَ ما يعمل النَّاس اليوم ويكدحون فيه، أشيءٌ قُضِي عليهم ومضى عليْهم من قدر سابق، أو فيما يستقْبِلون به ممَّا أتاهم به نبيُّهم وثبتت الحجَّة عليهم؟ فقلت: بل شيء قُضِي عليهم ومضى عليهم، قال: فقال: أفلا يكونُ ذلك ظلمًا، قال: ففزِعْتُ من ذلك فزعًا شديدًا، وقلت: كلُّ شيء خَلْقُ الله ومِلْكُ يده، فلا يُسْأل عمَّا يفعل وهم يسألون، فقال: يرحَمك الله، إنِّي لم أُرِد بما سألتُك إلاَّ لأجود عقلك؛ إنَّ رجُلين من مزينة أتَيَا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالا: يا رسولَ الله، أرأيتَ ما يعمل النَّاس اليوم ويكدحون فيه، أشيءٌ قُضِي عليْهِم ومضى فيهم من قدَرٍ سابق، أو فيما يستقبلون به ممَّا أتاهم به نبيُّهم وثبتت الحجَّة عليهم؟ فقال: ((لا، بل شيءٌ قُضِي عليْهِم ومضى فيهم، وتصْديق ذلك في كتاب الله: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ [الشمس : 7 ، 8])).
وروى مسلم في "صحيحِه": عن زهيرٍ عن أبي الزبير عن جابر بن عبدالله قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسولَ الله، بيِّن لنا دينَنا كأنَّا خُلِقْنا الآن، فيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفَّت به الأقْلام وجرت به المقادير؟ أم فيما يستقبل؟ قال: ((لا، بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير))، قال: ففيم العمل؟ قال زهيرٌ: ثمَّ تكلَّم أبو الزُّبير بشيءٍ لَم أفهمْه، فسألت عمَّا قال، فقال: ((اعملوا فكلٌّ ميسَّر))، وفي لفظ آخر: فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كلُّ عامل ميسَّر بعملِه)).
وفي "الصَّحيحين": عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: كنَّا في جنازة في بقيع الغرْقد، فأتانا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقعد وقعدنا حوْلَه ومعه مخصرة، فنكس فجعل ينكُتُ بمخصرتِه، ثمَّ قال: ((ما منكم من أحدٍ، وما من نفسٍ منفوسة، إلاَّ وقد كتب الله مكانَها من الجنَّةِ والنَّار، إلاَّ وقد كتبتْ شقيَّة أو سعيدة))، فقال رجل: يا رسولَ الله، أفلا نتَّكل على كتابِنا وندَع العمل، مَن كان من أهل السَّعادة فسيصيرُ إلى عملِ أهل السَّعادة، ومَن كان من أهل الشَّقاوة فسيصير إلى عملِ أهل الشَّقاوة؟ فقال: ((اعمَلوا فكلٌّ ميسَّر؛ أمَّا أهل السَّعادة فسيُيَسَّرون لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا أهل الشَّقاوة فسيُيَسَّرون إلى عمل أهل الشَّقاوة))، ثمَّ قرأ: {﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل : 5 - 10]، وفي روايةِ البخاري: أفلا نتَّكل على كتابِنا وندع العمل؛ فمَن كان منَّا من أهلِ السَّعادة سيصير إلى عمل أهل السَّعادة، ومن كان من أهْل الشَّقاوة سيصير إلى عمل أهل الشَّقاوة؟ وقال: ((أمَّا عمل أهل السَّعادة..))، الحديث.
وفي روايةٍ في "الصَّحيحين" عن علي قال: كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذات يوم وفي يدِه عود ينكُت به، فرفع رأسَه فقال: ((ما منكم من نفسٍ إلاَّ وقد علم منزلها من الجنَّة والنَّار))، فقالوا: يا رسولَ الله، فلِمَ نعمل؟ أولا نتَّكل؟ قال: ((لا، اعملوا فكلٌّ ميسَّر لِما خُلِق له)) ثمَّ قرأ: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ إلى قولِه: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل: 5 - 10].
فقد أخبر النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في هذه الأحاديث وغيرِها بما دلَّ عليه القُرآن أيضًا، من أنَّ الله - سبحانه وتعالى - تقدَّم علمُه وكتابه وقضاؤه بِما سيصيرُ إليه العِباد من السَّعادة والشَّقاوة، كما تقدَّم علمُه وكِتابه بغير ذلك من أحْوال العباد وغيرهم؛ كما في الصَّحيحين عن عبدالله بن مسعود قال: حدَّثنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو الصَّادق المصْدوق: ((إنَّ أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمِّه أرْبعين يومًا نُطْفة، ثمَّ يكون علقةً مثلَ ذلك، ثمَّ يكون مضغةً مثْل ذلك، ثمَّ يبعث الله ملكًا بأرْبَع كلِمات، فيكتب عمله، وأجلَه، ورزقَه، وشقي أو سعيد، ثمَّ ينفخ فيه الرُّوح، فوالَّذي لا إلهَ غيرُه، إنَّ أحدَكم ليعملُ بعمل أهل الجنَّة حتَّى ما يكون بيْنه وبيْنها إلاَّ ذراع، فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخُلها، وإنَّ أحدَكم ليعملُ بعمل أهل النَّار حتَّى ما يكون بيْنه وبيْنها إلاَّ ذراع، فيسبقُ عليه الكتاب فيعْمل بعمل أهل الجنَّة فيدخُلها)).
وفي "الصَّحيحين": عن أنسِ بن مالك - رضي الله عنه - ورفَع الحديث، قال: ((إنَّ الله وكل بالرَّحم ملكًا فيقول: أيْ ربِّ نطفة، أيْ ربِّ علقة، أيْ رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقه قال الملك: أيْ رب ذكرٌ أو أنثى؟ شقيٌّ أو سعيدٌ؟ فما الرِّزق؟ فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمِّه))، وهذا المعنى في صحيحِ مسلم من حديث حُذيفة بن أسيد الغفاري أيضًا.

والنُّصوصُ والآثار في تقدُّم عِلْم الله وكتابته وقضائه، وتقْديره الأشياء قبل خلْقِها، وأنواعها - كثيرة جدًّا، وقد بيَّن النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ ذلك لا يُنافي وجودَ الأعْمال التي بها تكون السَّعادةُ والشَّقاوة، وأنَّ مَن كان من أهْل السَّعادة، فإنَّه ييسر لعملِ أهل السَّعادة، ومَن كان من أهل الشَّقاوة، فإنَّه ييسَّر لعمل أهل الشقاوة، وقد نَهَى أن يتَّكلَ الإنسان على القدَر السَّابق، ويدَع العمل؛ ولهذا كان من اتَّكلَ على القدَر السابق، وترك ما أُمِر به من الأعمال - هو من الأخْسرين أعمالاً، الَّذين ضلَّ سعْيُهم في الحياة الدُّنيا، وكان ترْكهم لما يجب عليْهم من العملِ من جُملة المقْدور الَّذي يسِّروا به لعمل أهل الشَّقاوة؛ فإنَّ أهل السَّعادة هم الَّذين يفعلون المأْمور، ويتركون المحْظور، فمَن ترك العمل الواجب الَّذي أُمِر به وفعل المحْظور متَّكلاً على القدر، كان من جملةِ أهل الشَّقاوة الميسَّرين لعمل أهل الشَّقاوة.
وهذا الجواب الذي أجاب به النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في غايةِ السَّداد والاستِقامة، وهو نظيرُ ما أجابَ به في الحديث الَّذي رواه التِّرمذيُّ أنَّه قيل: يا رسولَ الله، أرأيتَ أدويةً نتداوى بِها، ورقًى نسترْقِي بها، وتقاةً نتَّقيها، هل تردُّ من قدَر الله شيئًا؟ فقال: ((هي من قدَر الله))؛ وذلك لأنَّ الله - سبحانه وتعالى - هو يعلَم الأشياء على ما هي عليه، وكذلك يكتُبها، فإذا كان قد علِم أنَّها تكون بأسبابٍ من عمل وغيرِه، وقضى أنَّها تكون كذلك وقدَّر ذلك - لم يَجُز أن يظنَّ أنَّ تلك الأمورَ تكون بدون الأسْباب التي جعلَها الله أسبابًا، وهذا عامٌّ في جَميع الحوادثِ.
مثال ذلك: إذا علم الله وكتَب أنه سيُولد لهذَين ولدٌ، وجعل الله - سبحانه - ذلِك معلَّقًا باجتِماع الأبويْن على النِّكاح، وإنزال الماء المهين الَّذي ينعقِد منه الولد - فلا يجوز أن يكون وجود الولَد بدون السَّبب الَّذي علق به وجود الولد، والأسباب وإن كانت نوعين: معتادة وغريبة.

فالمعتادة: كولادةِ الآدمي من أبوَيْن.
والغريبة: كوِلادة الإنسان من أمٍّ فقطْ؛ كما وُلد عيسى، أو من أبٍ فقط؛ كما وُلِدتْ حوَّاء، أو من غير أبويْن؛ كما خُلِق آدم أبو البشر من طين.
فجميع الأسباب قد تقدَّم عِلْم الله بها وكتابتُه لها، وتقْديره إيَّاها وقضاؤُه بها، كما تقدَّم ربْط ذلك بالمسبِّبات، كذلك أيْضًا الأسباب التي بها يخلق النَّبات - من إنزال المطَر وغيره - من هذا الباب؛ كما قال - تعالى -: ﴿ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ﴾ [البقرة : 164]، وقال: ﴿ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ [الأعراف : 57]، وقال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ [الأنبياء : 30]، وأمثال ذلك.
فجميعُ ذلك مقدَّرٌ معلوم، مقْضيٌّ مكتوب قبل تكْوينه، فمَن ظنَّ أنَّ الشَّيء إذا عُلم وكتب أنَّه يكفي ذلك في وجودِه، ولا يحتاج إلى ما به يكونُ من الفاعل الَّذي يفعله وسائر الأسباب - فهو جاهلٌ ضالٌّ ضلالاً مبينًا؛ من وجهين:

أحدهما: من جِهة كونِه جعل العِلْم جهلاً؛ فإنَّ العِلْم يُطابق المعلوم، ويتعلَّق به على ما هو عليْه، وهو - سبحانه - قد علم أنَّ المكوَّنات تكون بما يخلقه من الأسباب؛ لأنَّ ذلك هو الواقع، فمَن قال: إنَّه يعلم شيئًا بدون الأسباب، فقد قال على الله الباطل، وهو بمنزلة مَن قال: إنَّ الله يعلمُ أنَّ هذا الولد ولد بِلا أبويْن، وأنَّ هذا النَّبات نبت بلا ماء، فإنَّ تعلُّقَ العلمِ بالماضي والمستقْبل سواء، فكما أنَّ مَن أخبر عن الماضي بعِلْم الله بوقوعِه بدون الأسباب يكون مبطلاً، فكذلك مَن أخْبر عن المستقبل، كقوْل القائل: إنَّ الله علم أنَّه خلق آدم من غير طين، وعلم أنَّه يتناسل النَّاس من غيرِ تناكُح، وأنَّه أنبت الزُّروعَ من غيرِ ماء ولا تراب، فهو باطلٌ ظاهرٌ بطلانُه لكلِّ أحد، وكذلك إخباره عن المستقبل، وكذلك "الأعمال" هي سببٌ في الثَّواب والعِقاب، فلو قال قائل: إنَّ الله أخْرج آدم من الجنَّةِ بلا ذنب، وأنَّه قدر ذلك، أو قال: إنَّه غفر لآدم بلا توبة، وإنَّه علم ذلك - كان هذا كذبًا وبهتانًا، بخلافِ ما إذا قال: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ [البقرة : 37]، ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾ [طه : 121]، فإنَّه يكون صادقًا في ذلك.
والله - سبحانه - علِم ما يكون من آدمَ قبل أن يكون، وهو عالِمٌ به بعد أنْ كان، وكذلك كل ما أخبر به من "قصص الأنبِياء"، فإنَّه علم أنَّه أهلك قومَ نوح وعاد وثمود، وفرعون ولوط ومدْين وغيرهم بذنوبهم، وأنَّه نجَّى الأنبياءَ ومن اتَّبعهم بإيمانهم وتقْواهم؛ كما قال: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف : 165]، وقال: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ﴾ الآية [العنكبوت : 40]، وقال: ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ﴾ [الأنعام : 146]، وقال: ﴿ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾ [غافر : 21]، وقال: ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ [الأنعام : 6]، وقال: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [النمل : 52 ، 53]، وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود : 102]، وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف : 56]، وقال: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ [الإسراء : 3]، وقال: ﴿ إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ﴾} [القمر : 34 ، 35]، وقال: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ﴾ [الأعراف : 137]، وأمثال ذلك في القرآنِ كثير.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.79 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.92%)]