عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 28-10-2020, 05:54 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 52,994
الدولة : Egypt
افتراضي المُرُوءَةُ في ظلالِ الشِّعِْر

المُرُوءَةُ في ظلالِ الشِّعِْر


د. أسامة عثمان


كلمةُ اللغويين والأدباء في معنى المروءة، فمِنْ قاصرٍ لها على معنى معين ومِنْ راءٍ أنها تعم المحاسن الخلقية كلَّها.


قال ابن منظور في لسان العرب: "والمُرُوءَة: الإِنسانية... يقال من المُرُوءَةِ: مَرُؤَ الرجلُ يَمْرُؤُ مُرُوءَةً، ومَرُؤَ الطعامُ يَمْرُؤُ مَراءَةً، وليس بينهما فرق إلا اختلاف المصدرين. وكَتَب عمرُ بنُ الخطاب إلى أبي موسى: خُذِ الناسَ بالعَرَبيَّةِ، فإِنه يَزيدُ في العَقْل ويُثبتُ المروءَةَ. وقيل للأَحْنَفِ: ما المُرُوءَةُ؟ فقال: العِفَّةُ والحِرْفةُ. وسئل آخَرُ عن المُروءَة، فقال: المُرُوءَة أَن لا تفعل في السِّرِّ أَمراً، وأَنت تَسْتَحْيِي أَن تَفْعَلَه جَهْراً. وطعامٌ مَريءٌ هَنِيءٌ: حَمِيدُ المَغَبَّةِ بَيِّنُ المَرْأَةِ، على مثال تَمْرةٍ."


ومن هذا يُلمح أن المروءة تلتقي أيضًا ومعنى السهولة، فهي في الأخلاق السهلة الكريمة التي تستسيغها الطباع السليمة، وتسعى إلى بلوغها النفوس النازعةُ نحو الكمال.


هذا، ومن تصريفات الفعل الأصلي (مرأ) صيغةُ: تفعَّل (تمرَّأَ) التي تفيد معنى الصَّيْرُورَة: تَمَرَّأ أي صار ذا مرُوُءة. أو التكلّف، أي بذلَ جهدًا ومعاناة حتى يتصف بالمروءة ويكتسبها، وهذا يعني أنّ للإنسان يدًا في بعث المروءة في نفسه وتربيتها فيها.



وجاء في كتاب الكامل للمبرِّد: "...يروى عن ابن عمر أنه كان يقول: إنا معشر قريش، كنا نَعُدُّ الجودَ والحِلمَ السوددَ، ونعد العفافَ وإصلاحَ المال المروءةَ.



قال الأحنف بن قيس: كثرةُ الضحك تُذهِب الهيبة، وكثرة المزح تذهب المروءة،



وقيل لعبد الملك بن مروان: ما المروءة؟ فقال: موالاة الأكفاء، ومداجاة الأعداء.


وتأويل المداجاة المداراة؛ أي لا تظهر لهم ما عندك من العداوة.


وقيل لمعاوية: ما المروءة؟ فقال: احتمال الجريرة، وإصلاح أمر العشيرة. فقيل له: وما النُّبْلُ؟ فقال: الحِلْمُ عند الغضب، والعفو عند القدرة...".


ويبدو أنهم قد اختلفوا في أيِّ الصفات أقرب إلى تحقيق المروءة، وأيها أولى برفع المنزلة واستجلاب الهيبة؛ فرآها بعضُهم في إصلاح المال، ورآها آخرون في صفات معنوية أخرى.


وتلتقي المروءة في الاشتقاق مع المَرْء، وهو الواحد من بني آدم، فكأنها إذ تصبغه بتلك الصفات الجميلة، تردُّه إلى إنسانيته التي خُلق عليها: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] أما رَدُّهُ أسفلَ سافلين فقد يكون بالهوى الذي تميل النفوس إليه، أو بالاستجابة إلى وساوس الشيطان: أي أن الله عز وجل خلق جنس الإنسان في أحسن شكل، متصفًا بأجمل الصفات وأكملها... لكن الله سبحانه قد رده أسفل سافلين؛ بكفره وعصيانه واتّباعه لهواه.



ومن هنا جاء قول الشاعر لبيد بن ربيعة:




ما عاتبَ المرءَ الكريمَ كنفسِه والمرءُ يصلحُهُ الجليسُ الصالحُ





فالفطرة الإنسانية التي فطر الله الإنسان عليها كريمةٌ، لكنها معرضة للتلوث والانحراف، أو الانحطاط باتباع الهوى؛ فجاء الدين للحفاظ عليها نقيةً قويمةً، وجاءت الأنظمة والتشريعات لضبطها وإرشاد الإنسان إلى ما لا يُضمن اهتداؤه إليه بنفسه.


فمن أصاب من الشعراء صفةً من الصفات الكريمة التي فطر الله الإنسان عليها فقد تضمن شعرُه ما يحيي المروءة، ويذكي ذكرها تنويها وتمجيدًا، وبناء على كون المروءة جامعةً للمحاسن كلِّها، فإنك واجدُها في الكرم، وعزة النفس، والحفاظ على الجار، والكرم والجود، والإيثار، والشجاعة والنجدة، والقناعة والزهد بمتاع الدنيا الفانية، وطهارة العرض، والحياء، والحفاظ على العهد والوفاء بالوعد، وعدم احتمال الضيم، وفي الصبر وعدم الملل أو الضجر، وفي نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف، وغيرها من المناقب والمحاسن الخلقية.



وتنشأ المروءة العربية إِمّا من تأثُّرات العرب بما تبقى من رسالات سماوية، وأديان وشرائع أوحى الله بها إلى الرسل الذين لم تخلُ أمةٌ منهم، أو أنها تكون من الفِطَر السليمة التي لم تُلوث، أو من العقول الحكيمة التي تعمقت في النظر في معاني الحياة وتجارِب الناس؛ فاهتدت إلى تلك المعاني وصاغتها شعرًا.



ولا يخفى أن العربيَّ والعرب لم يكونوا أقلَّ من غيرهم اتصافا بالشمائل والمناقب والصفات الكريمة والأخلاق الرفيعة، إن لم يكونوا أفضلَهم في شدة بأسهم وفروسية أخلاقهم؛ وذلك أهَّلهم لتنزُّلِ رسالة الإسلام عليهم، واختيارهم لأن يكونوا مادة الإسلام الأولى. وقد عقد ابن خلدون فصلا في مقدمته بيَّنَ فيه "أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير..." وقال في موضع آخر: "وهم مع ذلك أسرع الناس قبولا للحق والهدى؛ لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتهم من ذميم الأخلاق..."، مع ما هم عليه من ضلال في الأديان، وظلم في التشريعات، وتواضع منزلتهم السياسية بين الأمم.



ونظرًا للتقدير الكبير والمكانة العالية التي كان الشعر يتبوؤها في الحياة العربية؛ تلك المكانة التي أمدته بالسيرورة والانتشار وشرف الاستقبال، فقد كان من الطبيعي أن ينهض الشعر بتلك المهمة؛ بأن يكون هو الخطابَ الأدبيَّ الحافلَ بالقواعد الأخلاقية المحكَّمة، والمثل العليا التي يسعى العربي إلى تمثُّلها.



وقد كانت النفس العربية آنذاك؛ تتصف بالاستعصاء أنفةً وإباءً، وتستصعب أن يعظها أحدٌ غيرها. وهي لا بد لها من وعظ وتذكير، ولا ينفعها مثلُ اتعاظها من نفسها.


لن ترجع الأنفسُ عن غَيِّها = حتى يُرى منها لها واعظ

فلو لم يأتِ الوعظ يومَها من الشعر بسلطته المحترمة المقدَّرة، فلربما لم يكن له مثل ذلك القبول. فهو أسرع الأساليب البشرية تأثيرا في الوجدان واختلاطا في النفوس، وهو أقربها إلى الصدق، وأوفاها بحمل التجارب الإنسانية واختزالها.


هذا، ولم يُعْنَ الإسلام بإنزال الشعر عن تلك المكانة، ولم يقلِّل من دوره في التهذيب والتثقيف، بل إنه أقره على ذلك، مادام داعيا إلى المعالي، مبرَّأً من الدعوات الكافرة، ومترفعا عن المجون وتزيين القبيح. قال رسول الله:" إن مِنَ الشعرِ حكمةً".



وقد أتى النابغةُ الجَعْدِيُّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وأنشده:




أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ إِذْ جاءَ بالهُدَى ويَتْلُو كتاباً كالمَجَرَّةِ نَيِّرَا
بَلَغَنا السَّماءَ مَجْدَُنا وجُدُوَدَُنا وإِنَّا لنَرْجُو فَوْقَ ذلك مَظْهَرا


فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إلى أين أبا ليلى؟" فقال: إلى الجنة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن شاء الله". وأنشده:




ولا خَيْرَ في حِلْمٍ إِذَا لم تَكُنْ له بَوَادِرُ تَحْمِى صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرا
ولا خَيْرَ في جَهْلٍ إِذَا لم يكن له حَلِيمٌ إِذَا ما أَوْرَدَ الأَمْرَ أَصْدَرا


فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يفضض اللهُ فاك"، قال: فبقي عمره لم تنقص له سنٌّ، وكان مُعَمَّراً.



في قدرة الشعر على استمالة الكريم:


وكأنّ من وظيفة الشعر أن يذكِّر الكريمَ بكرامة أصله، وما يقتضيه ذلك من خلق أو موقف، ومن هنا جاء قولُ عمرَ بن الخطّاب -رضي الله عنه-: أفضلُ صِناعات الرَّجل الأبيات من الشِّعر، يُقدِّمها في حاجاته، يَستعطف بها قلبَ الكريم، ويستميل بها قلبَ اللئيم. (العقد الفريد- ابن عبد ربه الأندلسي)


في بعثه المروءة:


وفي معرض دعوة معاوية للحارث بن نوفل لرواية الشعر، وحفظه وبيان فضله في إيقاظ المروءة، أشاد ببيتين من الشعر كانا من أسباب ثباته وتشجُّعِه، وهما:



أبتْ لي عفتي وأبى بلائي وأخذي الحمدَ بالثمن الربيحِ
وإعطائي على المكروه مالي وضربي هامةَ الشيخِ المشيحِ


وهما لعمرو بن الإطنابة. وبعدهما قولُه:




وقولي كلَّما جشَأتْ وجاشتْ مكانَكِ تُحمَدي أو تَسْتَريحي
لأدفعَ عن مآثِرَ صالحاتٍ وأَحمِي بعدُ عن عِرضٍ صحيحِ


(ديوان المعاني- أبو هلال العسكري)



وقد كان الخلفاء والقادة يحرصون على رواية الرفيع من الشعر، ويرغبون في ذلك لأبنائهم، فقد قال عبدُ الملك بن مروان لمؤدِّب ولده: "روِّهم الشِّعر يَمْجُدوا ويَنْجُدوا". كما كانوا يتمثلون الأبيات من الشعر حين يكون واقعُها.




فقد أخبر العتبى عن أبيه: أن عبد الملك بن مروان -رحمه الله- كان يوجه إلى مصعب جيشًا بعد جيش فيهزمون، فلما طال ذلك عليه واشتد غمُّه أمر الناس فعسكروا، ودعا بسلاحه فلبسه، فلما أراد الركوب قامت إليه أم يزيد ابنه -وهي عاتكة بنت يزيد بن معاوية- فقالت: يا أمير المؤمنين، لو أقمت وبعثت إليه لكان الرأي، فقال: ما إلى ذلك من سبيل، فلم تزل تمشي معه، وتكلمه حتى قرب من الباب، فلما يئست منه رجعت فبكت، وبكى حشمها معها، فلما علا الصوت رجع إليها عبد الملك فقال: وأنت أيضاً ممن يبكي! قاتل الله كُثيِّراً، كأنه كان يرى يومنا هذا حيث يقول:




إذا ما أراد الغزو لم تثن همَّه حَصَانٌ عليها نظمُ درٍّ يزينها







ولكن مضى ذو مرةٍ متثبت بسنة حق واضحٍ مستبينها





( الأمالي- أبو علي القالي)


و(المروءة) في الإيجابيات والمناقب نقيضةُ (العيب) في السلبيات والمثالب؛ كلمةٌ جامعة، أو وصفٌ عام كأنها قانون للأخلاق يصنفها، ويقدمها، أو يؤخرها.




لَيسَ المُروءَةُ في الثِيابِ وَبطنَة إِنَّ المُروءَةُ في نَدىً وَصَلاحِ
وَتَرى الفَتى رَثَّ الثِيابِ وَهَمُّهُ طَلَبُ المَكارِمِ في تُقىً وَصَلاحِ


(أحمد بن طيفور)



روافد شعرية إلى دوحة المروءة:


ويفيض الشعر العربي في عصوره المتعاقبة بالمعاني الإنسانية التي تصقل النفوس وتهذبها، أقتطف منها أبياتًا.


معنى الأمانة:


قال عمرُ بن الخطّاب للوَفد الذين قَدموا عليه من غَطفان: من الذي يقول:



حلفتُ فلم أتركْ لنَفْسك رِيبةً وليس وراء الله للمرءِ مَذْهَبُ





قالوا: نابغة بني ذُبيان. قال لهم: فمن الذي يقول هذا الشعر:



أتيتُك عارياً خَلَقاً ثِيابي على وَجَل تُظنُّ بيَ الظُنونُ
فألفيتُ الأَمانةَ لم تَخنْها كذلك كَان نُوحٌ لا يَخونُ


قالوا‏:‏ هو النابغة‏.‏ قال‏:‏ هو أشعرُ شُعرائكم‏.‏ (العقد الفريد- ابن عبد ربه)







وللموضوع تتمة


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.93 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.04%)]