عرض مشاركة واحدة
  #54  
قديم 18-05-2019, 02:22 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 16,793
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح

المسجد الأقصى.. الاصطفاء والبداية


عيسى القدومي







قال الله -تعالى-: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}(القصص: 68)، وقال -سبحانه-: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}(الأعراف: 144)، وقال -جلّ في علاه-: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ}(آل عمران: 42)، وقال -تبارك- وتقدّس عن أنبياءِه الكرام: {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ}(الصافات: 49).
تأمّل هذه الآيات الكريمة؛ فهي تخبرك بأنّ من سُنّة الله -سبحانه- في خلقه، أن يختار من النّاس أو الأماكن، أو الأوقات، ما يجعل له مميّزات وفضائل، ويربط به القلوب، ويعلّق به الأرواح؛ لأنّ أرواح المؤمنين تعظّم ما يعظّم ربّها، وتتعلّق به، وتحبُّه، وتضحّي في سبيله إذا لزم الأمر.
اصطفاء الأنبياء
اصطفى الله الأنبياء: لنؤمن بهم، ونصدّق أخبارهم، ونتّبع أوامرهم، ونجتنب نواهيهم؛ لأنّهم يبلّغون عن الله ما أمرهم بتبليغه لعباده، قال -تعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}(النساء: 64).
اصطفاء الأزمنة
واصطفى الله الأزمنة: مثل يوم عرفة، وشهر رمضان، والأيام العشر من ذي الحجّة، لكي نؤدّي له فيها من العبادات المشروعة ما يحبّه ويرضى به عنّا، ونتعرّض فيها لنفحات رحمته وفيض إحسانه، ونؤمن كذلك بما ميّز الله به هذه الأزمنة من الخصائص والمزايا، من مضاعفة الأجور والحسنات، وتنزيل البركات، وغفران السيئات.
اصطفاء الأمكنة
واصطفى الله الأمكنة: لنقدّس منها ما جعله مقدّساً، ونصونه ونطهّره عمّا لا يجوز أن يُفعل فيه، ولنعبد الله فيه بما شرع، ولنخدمه بما يليق به، ولنؤمن بفضائله وخصائصه، وندافع عنه بأنواع الدّفاع كلها التي نقدر عليها، بالسيف والدم إذا اعتُدي على هذه الأماكن، وبالمال إذا احتاجت إلى النفقة، وبالكلمةِ والعلمِ والدعوة والتوعية إذا غفل النّاس عن قيمتها وفضائلها، واحتاجوا إلى من يذكّرهم بها.
التعظيم الواجب
هذا التعظيم الواجب والاهتمام اللّازم، لابدّ للمؤمن منه؛ لأنّه داخلٌ في معنى تعظيم شعائر الله، التي قال فيها: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}(الحج: 32)، قال الإمام ابن عاشور: «تعظيمُ الشّعائر: اعتقادٌ قلبيٌّ ينشأُ عنه العمل»، وهذا مهمٌّ جدًّا؛ فتعظيم ما عظّمه الله من الأماكن والأزمنة والأشخاص، ليس بالإحساس والمشاعر المجرّدة فقط، وإنّما لا بدّ أن يُترجَم ذلك بالعمل الجادّ، وإلّا لم يكنْ الإنسان معظّماً لدين الله وشعائره إذا كان يعظّمها بلسانه فقط.
والشعائر: جمع شعيرة، وهي كلُّ ما أمر الله بزيارته أو بفعلٍ يُفعَل فيه أو عنده؛ ولذلك لقّب الله الأماكن التي تُفعل عندها أعمال الحجّ بأنّها شعائر، فقال: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ}(البقرة: 158).
من شعائر الله المعظمة
فالمساجد من شعائر الله؛ لأنّ الله أشعرنا بقيمتها وميّزها عن بقيّة البقاع والأماكن، وأعلى المساجد شرفاً وقيمةً: الكعبة المشرّفة، قال عبد الله بن عمر: «أعظمُ الشّعائر: البيت»، تعظيم شعائر الله، دليلٌ على حياة القلب، وصحّة العقيدة، وسلامة الإيمان، وعمارة القلب بالمعاني الفاضلة، والقِيَم النّبيلة.
بناءً على هذا؛ فالمسجد الأقصى المبارك من شعائر الله المعظّمة، ومن البقاع المقدّسة، ومن الأماكن المطهّرة، التي أوجبَ الله تعظيمَها على كلّ مؤمن، وكلّفه ألا ينسى قيمتها ولا واجبه تجاهها؛ لأنّ الله اصطفاه، وجعله مقرًّا لعددٍ لا يُحصى من أنبيائه الكرام، وجعله مهبطاً لوحيه عليهم، وجعله مجتمعهم في ليلة الإسراء والمعراج، ومنطلقاً لرحلة خاتم النّبيّين صلى الله عليه وسلم إلى السماء.
كيف كانت البداية؟
هذا السؤال المهمّ، طرحه الصحابيُّ الجليل أبو ذر الغفاريّ رضي الله عنه، على نبيّنا -عليه أفضل الصّلاة والسلام-، قال أبو ذرّ: يا رسول الله! أيّ مسجدٍ وُضع في الأرض أوّل؟ قال: المسجد الحرام، قال أبو ذرّ: ثمّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى؛ فسأل أبو ذرّ: كم كان بينهما: فقال -عليه الصلاة والسلام-: أربعون سنة، ثم أينما أَدْرَكَتْكَ الصلاةُ بعدُ فصَلِّهْ؛ فإنّ الفضل فيه. تأمّل؛ فإنّ هذا الحديث يدلُّ على الكثير.
اهتمامِ الصحابة -رضي الله عنهم
يدلُّ على أنّ اهتمامِ الصحابة -رضي الله عنهم- بمعرفة تاريخ المقدّسات الإسلاميّة، ومراتبها، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أعجبه هذا الاهتمام وأحبّه، وأقرّ أبا ذرٍّ على سؤاله واهتمامه، ولم ينكر عليه شيئاً منه، وأجابه عليه، بل أجابه على أكثر ممّا سأل عنه؛ وذلك لأنّ معرفة تاريخ المقدّسات يمكّن الإيمان بقدسيّتها ومكانتها في نفوس المؤمنين، ويجعلهم يستندون في تعظيمهم لها على اعتقادٍ جازمٍ لإيمانهم بما بيّنه لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في شأنها.
بطلان ادّعاء اليهود
وهذا الحديثُ الشريف يُبطل ادّعاء اليهود الذين يزعمون أنّ مكان المسجد الأقصى صار مقدّساً في عهدِهم، وأنّهم هم عُمّار المكان وبُناتُه؛ فها هو ذا الرسول صلى الله عليه وسلم يفضح ادّعاءاتهم ببيان أنّ هذا مكانٌ قدّسه الله واصطفاه قبل وُجُودهم، وقبل تكوين الأمّة التي ينتمون إليها أصلاً، بل قبل مولد أحدٍ من الأنبياء سوى آدم -عليه السلام- أبي البشر جميعا؛ فالذي خلق هذا المكان إذاً، واصطفاه وطهّره وقدّسه، الله ربُّ العالمين، وهو الذي يُخبر من صاحب الحقّ فيه، وأمام خبر الله -تعالى-، تُصبح الدّعاوى والأكاذيب كلّها ساقطةً مفضوحة.
ويبيّن هذا الحديث أيضاً، تفسيراً لآيةٍ من كتاب الله -تعالى-، ولحديثٍ نبويٍّ آخر؛ فقد نقرأ القرآن ونجد أنّه يخبرنا ما قد نفهم منه أنّ الكعبة المشرّفة بناها إبراهيم -عليه السلام-، ونقرأ السُّنَّة المطهّرة؛ فنجدها تخبرنا أنّ الذي بنى المسجد الأقصى هو سليمان -عليه السّلام-، قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(البقرة: 127)، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لمّا فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثا، حكْمًا يصادف حُكْمَه، ومُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدِه، وألّا يأتي هذا المسجد أحدٌ لا يريد إلا الصلاةَ فيه، إلّا خرج من ذنوبِه كيومَ ولدَتْه أمُّه»؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أمّا اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة».
لا تعارُض بين النّصوص
لكن في الحقيقة لا تعارُض بين هذه النّصوص جميعاً؛ لأنّ الحديث الذي يخبرنا بأنّ أوّل مسجدٍ وُضع في الأرض هو المسجد الحرام، ثمّ تلاه المسجد الأقصى بأربعين سنة، يخبرنا عن اختيار الله -تعالى- لهاتين البقعتين لتكونا مسجدين مقدّسَيْن، وأنّ تعيين مكانهما كان من الله -تعالى- وحدَه، لكن تم بناؤهما ورفعُهما بعد ذلك؛ فمن الذي بناهما إذاً.
الكعبة المشرّفة
أمّا الكعبة المشرّفة؛ فوجود أساسها وتمييز مكانها سابقٌ على بناء إبراهيم -عليه السلام- لها على الأرجح، وأئمّة التفسير من السلف مجمل أقوالهم تدلُّ على هذا، بل الآية السابقة صريحةٌ في ذلك كما قال الإمام الفخر الرازي؛ لأنّ الله -تعالى- جعل لإبراهيم رفع القواعد، ولم يجعل له التأسيس، ويدلُّ على ذلك على نحوٍ واضحٍ قولُه -تعالى-: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا}(الحج: 26).
المسجد الأقصى المبارك
وأمّا المسجد الأقصى المبارك؛ فقد رجّح الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني أنّ الذي وضع أساسه هو آدم -عليه السلام- أيضًا، كما وضع أساس الكعبة؛ لأنّ قُربَ الزّمان بين وضع المسجدين وهو أربعون سنةً يؤيّد ذلك، وقد أيّد ذلك بروايةٍ نقلها عن ابن هشام في كتاب (التيجان)، ونصُّها: أنّ آدم لمّا بنى الكعبةَ أمَرَه اللهُ بالسَّيْرِ إلى بيت المقدس، وأنْ يبنيه، فبناه ونَسَكَ فيه.
بناء تأسيس
وعلى هذا يكون بناء آدم للمسجدَيْن بناء تأسيس، لا تشييد ورفع، ثمّ رفع إبراهيم الكعبةَ بعد ذلك، ورفع بعض أبنائِه من الأنبياء، أو الصالحين من عباد الله وأوليائه بناء المسجد الأقصى، وكان الذي فعله سليمان -عليه السلام-، هو أن أجرى الله على يديه واحدةً من نَوْباتِ تجديد البناء، كما وقع ذلك التجديد قبله وبعده أيضاً.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.42 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.70%)]