الموضوع: التبرج
عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 08-11-2019, 07:24 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التبرج

التبرج
نعمت ناصف

فيا أيتها الذاهلة المقلدة، التي تقلد غيرها تقليداً أعمى، واهمة أن ما يعلمه كل الناس لابد أن يكون حقاً، لأنه رأي الأغلبية الغالبة.
لقد جرفك تيار مدنية عصرك الكاذبة وأغرقك سيل الفسق والفجور لأنك أسيرة الهوى ضعيفة الإيمان، جاهلة بدينك هاجرة للقرآن، فلو كنت راسخة في العلم بدينك وتشريعه وأوامره لما استحسنت ما ترين عليه النساء، ولقبح في نظرك ما تقلدين عن غير تفكير. فإن السيل لا يجرف إلا الغثاء والزبد، أما القوي الراسخ فإنه لا يتزعزع من مكانه، ولا يستطيع السيل أن يزحزحه مهما كان قوياً جارفاً.
أيتها المسلمة الغافلة! نساء عصرك استهترن بأحكام الله فلم تقلدينهن؟! نساء عصرك سيدخلن الجحيم، فلم تحرصين على أن ترافقيهن؟!
ألا تعلمين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أحب قوماً حُشِر معهم»، وقال أيضاً: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وقال «لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت. ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم»، وهو - صلى الله عليه وسلم - الذي قال أيضاً: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)).
وأعجب لزعم المتبرجة أنها تتبرج لتكون كبقية الناس.
وحتى لا تمتاز عن غيرها بالاحتشام الذي يستلفت إليها الأنظار، ويحوطها بالتهكم ونظرات السخرية والاحتقار.
فويحك أيتها المغرورة المتغطرسة كيف تتجنبين الاحتشام، تخجلين من استلفات الأنظار إلى تقواك وحيائك، ولا تخجلين من استلفات الأنظار إلى تبرجك واستهتارك، فأيتهما أولى بالخجل أن تظهري بالأدب والرزانة، أم أن تظهري بهذا التبرج والاستهتار؟
كيف لا تخجلين من أن تجهري بالفسق والعصيان وتخجلين من أن تجهري بالتقوى والإيمان؟ بل كيف لا تفخرين بامتيازك عن غيرك بالاحتشام، وتشرفك بآداب وشرائع الإسلام. فيا للعجب أتخجلين مما يشرف ويبجل ولا تخجلين - بل وتفخرين - بما يحقِّر ويسفِّل؟!
أتفسقين مع مَن فسق لتكوني مثلهم، فلا يسخرون منك، أتسرقين مع من سرق لئلا يسخر منك اللصوص؟ أتشربين الخمر لئلا يسخر منك المدمنون! أتظلمين لئلا يسخر منك الظالمون؟ أتستبدلين الذي هو شر بالذي هو خير خوفاً من نظرة تهكم من الفسقة العصاة، وتقدمين رضاهم على رضا الله؟
إن هؤلاء الناس ينظرون إليك ساخرين مدهوشين لأنهم لم يروا الاحتشام من أمد بعيد ونسوا أوامر الإسلام وآدابه من زمن مديد فذكريهم وعرفيهم يا سيدتي ما لم يعرفوه وكوني قدوة حسنة للنساء الغافلات وسراجاً منيراً للعيون النائمة والقلوب المظلمة، وتيهي فخراً بأدبك واحتشامك وازدهي بنور تقاك وإسلامك. فإنك على قمة الكرامة وفي أوج الفخار وهم في الدرك الأسفل من العار أنت تتبعين سبيل المؤمنين الأبرار وهم يتبعون سبيل العصاة الفجار فانظري إليهم من عليائك بعين الاحتقار، ولا تبالي بنظرات السخرية والاستهتار وقولي كما قال نوح - عليه السلام -: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) [هود: 38- 39].
وواصلي دعوتك لهم سائلة الله توفيقهم كما وفقك: إن الاحتشام لا يمنع الأناقة، ولا يدعو إلى التهكم، بل قد يكون التبرج أدعى إلى السخرية وبعيداً عن الأناقة وقد يكون الاحتشام في أناقة لا يمكن للتبرج أن يجاريها.
ومما يدهش له أن تزدري المتبرجة المسلمة المحتشمة، كأن قيمة المرأة بأصباغها وطول مخالبها، لا بكمال عقلها وتقواها وأدبها. فتسخر الطائشة المقلدة لنساء باريس المتهتكات من التقية المتبعة لنساء النبي المؤمنات.
فهل بلغ حد الكفر والجهل في عصرنا أن يضحك الباطل من الحق، والجنون من العقل، والفسق من التقوى، والتهتك من التعفف؟!
مهلاً أيتها الساخرات الضحاكات. فإن تضحكن منهن فسيضحكن منكن غداً، والفوز لا يكون إلا للضاحك الأخير: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَامَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)[المطففين: 29- 36].
قد يظن الآباء والأمهات أن تبرج بناتهن واستعرض جمالهن يعجل بزواجهن، فيعرضون لذلك بناتهم كما يعرض التاجر سلعته للبيع ولم يفطن هؤلاء الآباء والأمهات إلى أن الذي يطلب الزواج بابنتهم لجمالها ودلالها، ولا يستنكر تجردها من الحياء والاحتشام وخروجها عن آداب الإسلام هو رجل فاسق شهواني يبحث عن جسم جميل خليع ليتمتع، ولا يعبأ ولا يبحث عن قلب سليم تقي ليسعد، فلن يكون هذا الرجل زوجاً صالحاً كريماً.
أما الرجل الذي يطلب الزواج الصالح من ابنتهم لتقواها واحتشامها ويعجبه حياؤها وتدينها فهو الرجل المسلم المستقيم، وهو الزوج الصالح الكريم، ولا سعادة حقة بلا تقوى ولا دين فتقوى الله أس الاستقامة، والاستقامة أس السعادة، ومن يخش الله لا يخشى منه فزوجوا ابنتكم من التقي، فإذا أحبها أكرمها، وإذا كرهها لم يظلمها، ولا تزوجوها من حيوان شهواني، إذا فرغت منها حاجته، وأكلها لحماً طرحها ونبذها عظماً، بدون حياء ولا خوف من الله، لأنه إنما كان ينشد المتعة البهيمية ولا يفهم معنى السعادة الإنسانية.
وأنت أيتها السيدة التي تزعم أنها تتبرج إرضاء لزوجها، وتخرج متزينة طاعة لأمره، أتظنين أن هذا العذر ينفع عند الله بعد ما أبطل عذرك بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))، و: ((لا طاعة إلا في معروف))، قال الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)[النساء: 59].
كيف تغضبين ربك الخالق لترضي زوجك الفاسق فأيهما أولى بالطاعة والخشية؟! هذا الزوج الفاسق الذي يأمرك بالفسق والذي لا يستحي ولا يغار وسيهوي بك وبنفسه في عذاب النار. تبررين فسوقك بزعم أنك تخافين أن يهجرك إلى غيرك، أو يطلقك فتحرمي أولادك وسعادتك، فهل هذه السعادة البيتية الوقتية أهم وأعظم من سعادة الجنة الأزلية. فما هي هذه السعادة الموهومة المهددة؟ بل لو كنت مؤمنة عاقلة لعلمت أنه من المحال أن تكون سعادة مع زوج فاسق فقد صفات الرجولة، وغفل عن أمر ربه بل جاهر بالخروج الدين والأخلاق.
نعم لو كنت صادقة الإيمان لما شعرت مع مثل هذا الزوج بسعادة تخافين ضياعها بل لشعرت بشقوة تتمنين الخلاص منها ولا تطيقين احتمالها، لأنه من المحال أن تنسجم الروح الطاهرة مع الروح الفاجرة، وأن يحب المؤمن المنافق ويوده، ويسعد بمعاشرته، كما قال الله - تعالى -: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا - رضي الله عنهم - وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[المجادلة: 22].
فحاولي إصلاح حال زوجك معتمدة على الله واذكري له أنك ترغبين في أن تكوني له وحده.
وكم غر الشيطان المتبرجات زاعماً لهن أنهن لا يزلن في معية الشباب وزهرة الصبا، ولم يحن وقت الاحتشام كأن الخمار جعل لستر الشيب والشيخوخة لا لستر الجمال والزينة.
ولكن كلما كانت المرأة صغيرة وجملية كانت أدعى للفتنة فيجب عليها ستر هذا الجمال والشباب عن أعين الشرهين الفاسقين وعن أعين المؤمنين الورعين، الذين يتألمون من سرقة أبصارهم لجمال ليس لهم حلالاً، ويخشون الله، ويعلمون أنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
ومن السيدات من تزعم أنها كبيرة في السن، فلن ينظر إليها رجل، وفي الوقت نفسه تتصابى وتتجمل وتتزين، وتحاول ما استطاعت أن تصلح ما أفسده الدهر، وهي ليست من القواعد كما تدعي، وإنما تفعل ذلك لتبرر عملها، وتبيح تبرجها، مع أن الله - تعالى - نهى القواعد عن التبرج بزينة، وهي تعلم جيداً خداعها، وتوقن أن هناك من الرجال من هو في سنها، أو أكبر منها يرغبها ويستحسنها.
ومن السيدات من تزعم أنها دميمة أنها دميمة لا تسترعي أنظار الرجال وهي تقول ما لا تعتقد، وتعمل ما ينادي بكذبها إذ إنها تكثر من التجمل والتزين لتخفي هذه الدمامة. فإذا كانت تعتقد حقيقة أنها لم ينظر إليها رجل، فلماذا تحاول إذن ستر هذه الدمامة بالأصباغ والزينة لتستلفت إليها الأنظار، ولماذا لا تسترها بالاختمار والتحجب.
مهلاً يا سيدتي، فأذواق الرجال وميولهم تختلف وتتفاوت فيمن يفضل النحيفة غير من يفضل البدينة، ومن يحب الشقراء غير من يحب السمراء، فتأكدي من وجود من يستحسنك من الرجال، وإن "كل فولة ولها كيال" وإن "لكل ساقطة في الحي لاقطة" وربما يوجد من يرى دمامتك جمالاً، بل ويوجد من الرجال الشره الذي يشتهي كل امرأة مهما كانت دميمة، فالنفس الخبيثة تستسيغ كل طعام، والنفس المحرومة الجائعة يعجبها أي غذاء. إذن فلا يجوز لأي امرأة دميمة أو كبيرة أن تتبرج، مهما كانت سنها أو شكلها.
كم من حكمة عظيمة في الاحتشام والاختمار والتحجب وعدم الاختلاط لا يفطن إليها إلا العاقل.
فبذلك لا تستر الجمال فحسب بل وتستر الدمامة فلا تخجل الدميمة من قبحها، ولا تزدهي الجميلة بحسنها، ولا يرى زوج الدميمة محاسن غيرها فيتحسر على حظه ويحسد غيره، بل هناك من الرجال (كما قلنا) من يصبو إلى من هي أدنى من زوجه جمالاً وكلما رأى نوعاً من الجمال تمناه، وكلما رأى حسناً لم يمتلكه اشتهاه، وكره جمال زوجه، وأصبح لا يرى منه ما كان يراه، ثم يتوق إلى كل ما لم تمتلكه يداه.
وإلى تذوق كل ما لم يعرفه ولو كان في ذلك أذاه، فيسعى ما استطاع لإشباع شهوته، وإرضاء هواه، ولا يبالي بهتك عرض ولا بشقاء أسرة، ولا بغضب الله.
فتبرج المرأة ضرر جسيم، وخطر عظيم، يخرب الديار ويجلب الخزي والعار. فكم دعا إلى العدواة والبغضاء بين الأخت وأختها والأخ وأخيه، وكم فصل الزوج عن زوجه وحرمه وبناته وبنيه وكم خيب الآمال، وحسر قلوب النساء والرجال، ودعا إلى الحرام وترك الحلال؟
فأخفي جمالك الفتان أيتها المرأة ولا تؤذي النفوس وتغويها ولا تضيعي به الآداب والأخلاق وتفسديها، والزمي حدود ربك ولا تتعديها واستري زينتك كما أمر ربك ولا تبديها.
فما أسعد المرأة التي تشعر بأن جمالها بريء لم يقترف إثماً ولم يؤذ أحداً ولم يسبب حسرة ولم يثر شهوة ولم تلتهم لحمها الأنظار ولم تلُك عرضها الأفواه.
فجمالك إذا صنته كان سعادة ونعمة وإذا ابتذلته حولته شقوة ونقمة.
فكم من جميلة أغراها شيطان جمالها بالانغماس في التبرج والتزين والإفراط في الخروج والتجول، تهيم على وجهها مستعرضة لزينتها في كل وادٍ وتجول مستلفتة إليها الأنظار في كل ناد. فذهب شبابها، وخسرت مستقبلها في الدارين، ورغب الرجال عنها ونفروا منها مستنكرين، ولم يتزوجها واحد ممن كان يحوم حولها متملقاً، وكان ينظر إلى هذا الجمال العاري معجباً محملقاً. بل كان يتزلف إليها ويجزل لها الهدايا حتى ظنته عاشقاً وهي ربما لم تفرط في عرضها ولكنها عملت ما يوجب الشك وكانت مستهترة. فخسرت بجهلها وطيشها الدنيا والآخرة.
فبالله عليك أيتها المتبرجة، اعلمي أن الله يراك وأنه معك أينما حللت ففكري هل هو راض عنك؟ وتصوري كيف يكون انتقامه منك؟ فكيف تخدعين نفسك أيتها القاسية على نفسك إذ تتجاهلين مستهترة وأنت على يقين من أن الله يغضب عليك والرسول بريء منك والإسلام غريب عنك. ولن تعتبري من المسلمات يوم القيامة ولن تدخلي الجنة، بل ولن تشمي ريحها كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «صنفان من أمتي من أهل النار: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة سنة".
لقد اتبعت خطوات الشيطان، وخالفت أوامر القرآن، وتعديت حدود الرحمن، واجترأت على الفسق والعصيان: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)[النساء: 14].

فاحذري أيتها المسلمة غضب الله فقد صرت مع الهوى، فلم ترى التبرج ضلالاً وزين لك الشيطان سوء عملك فرأيت الحرام حلالا: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)[فاطر: 8].
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب يعي. فيا أيتها الغافلة انتبهي واسمعي وأنصتي لآيات الله بقلبك واخشعي، واقنتي لربك واسجدي واركعي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى وبادري إلى التوبة قبل فوات الوقت.
أسرعي، وأسرعي، فطوبى لمن اهتدى، وويل لمن أصر بعد أن دُعي.
كلمة إلى الرجال
إن واجب الحق والنصح يقتضي أن أوجِّه كلمة إلى الرجال، كما وجهت كلمتي السابقة إلى النساء. إذ ليس النساء وحدهن مسؤولات عما وصلن إليه من انهيار في الأخلاق بهذا التبرج والتبذل. بل كان الأحق والأولى أن يوجه الكلام كله إلى الرجال، لأن السبب في انتشار داء التبرج واستفحال شره إنما يرجع إلى إهمال الرجل في القيام بواجبه نحو المرأة وهذا الإهمال ناشئ عن جهله أو تجاهله أنه مسؤول عنها نفساً وعقلاً وجسماً وأنه قيم عليها مكلف برعايتها أباً كان أو زوجاً أو أخاً، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته)) (رواه البخاري ومسلم) وأنه مأمور بالقيام على تهذيبها والعناية بخلقها ودينها ودنياها وآخرتها، كما قال - تعالى -: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)[النساء: 34].
وأنه رقيب على أعمالها وأحوالها وتقواها وأدبها، كما أمره ربه بقوله: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ)[النساء: 34].
فما أفسد المرأة إلا فساد الرجل واستهتاره بدينه.
فكل امرأة فاسدة إنما دفعها إلى الفساد وفتح لها بابه أب أو زوج فاسد، لم يعرف الله ربه فعمي عن الصراط السوي، وجاهر بالخروج على الدين والأخلاق أو أب أو زوج ضعيف الإرادة مستضعف فقد نخوة الرجال وغبرتهم ضعيف الإيمان متغافل عن أوامر الله مستهين بمعصيته.
فكم من ابنة منكودة شقية أضلها أبوها بضلاله! وعداها بفساده! فشبت لا تعرف الحياء ولا الدين، إذ نشأت في أحضان الرذيلة، ولم تعاشر وتخالط إلا الشياطين. ثم قذف بها ذلك الأب إلى زوج فاجر مثله من الفاسدين المفسدين فراحت فريسة فساد واستهتار الأب والزوج، وهامت مثلهما في غياهب الضلال، وساقاها معهما إلى الجحيم.
وكم ابنة بائسة نكبت بأب ضعيف الإرادة استعبده هواه يزعم الإسلام بالله وكتابه ويصلي ويصوم ويقرأ القرآن، ولكنه لا يعرف معروفاً ولا يستنكر منكراً إذ يعشق التبرج، ويمقت الاحتشام، ويسخر من الحجاب ويعتبره قيوداً ثقيلة بغيضة، تحرم ابنته العزيزة حريتها بجمالها الفتان وشبابها الغض، فيغريها بالتبرج ويدفعها إلى العصيان بلا رحمة ولا يبالي بغضب الله، وهو يكرر قوله - تعالى -في القرآن: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ).
وذلك لأنه أسير الهوى مفتون بحب ابنته أعمى حبها قلبه وفتن لبه، فأضلها وعصى ربه.
فأعجب لهذا الأب الحنون الذي يشفق على ابنته من الاختمار ولا يشفق عليها من غضب الله وعذاب النار.
وأعجب لهذا الأب المغرور المفتون بجمال ابنته الذي ينظر إليها متغزلاً مبهوراً ويقدمها لكل العيون مباهياً فخوراً، ولا يطيق أن يحبس حريتها في سجن الاحتشام وأن يدفن جمالها في قبر الخمار، كما يدعي. فكأنما بذلك يعترض على الله ويزعم أنه ظلمها وينتقد سنة الحكيم الخبير، كأنه أخطأ - سبحانه - وأساء التصرف، فحكم على المرأة بالعذاب والحرمان فلو كان هذا المخلوق حقاً من المؤمنين لما عارض مولاه وخالقه إذا هو أمر أمراً: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[النور: 51].
ولو كان حقاً من المؤمنين لما تجاهل وتغافل عن أمر ربه ولانتفع بالذكرى كما قال الله - تعالى -: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)[الذاريات: 55]، فقل لي بربك أيها الأب الذي يزعم الإيمان بالقرآن هل من التقوى والإيمان أن تفهم أمر الله بالاختمار والاحتشام، ثم لا تغضب لتبرج ابنتك ولا تنهاها عن العصيان؟ وهل من الحب والحنان ألا تبالي بتعرضها لغضب الله وعقابه، ولا تحاول إنقاذها من مخالب الشيطان، ألم تسمع قول الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)[التحريم: 6].
وإنك أيها الأب القاسي أهملت تربية ابنتك الدينية ولم تعبأ بسعادتها الأبدية، في حين أنك عنيت أشد العناية بمتعها الدنيوية وسعيت إلى تعليمها العادات والتقاليد الغربية، وتركتها ترتع في المدارس على غير هدى تتعلم ما لا ينفعها وتعتنق بعصبية مذاهب دعاة السفور والفجور، وتتشبع بآراء محرري المرأة بل مضليها ومقيديها بأغلال الجهل والعصيان لقد أضللتها في سبل ملتوية من فلسفات عصرية تناهض الأديان، وتقوم حجر عثرة في سبيل طاعة الله وتنفيذ أوامر القرآن فما أشقاها بل وأشقاك بها يوم تقفان بين يدي الملك الديان؟
وكم زوج وأب يزعم أنه مسلم وأنه رجل، يرافق زوجه وبناته إلى النوادي والملاهي وغيرها، وهن كاسيات عاريات مائلات مميلات، يمشين مشية خليعة تهز الصدور والأرداف، وترسل الشعور تداعب الأعناق والأكتاف، خجلا ًمن أن يتهادى بين الغيد الحسان من أهله، بل يفرح إن استرعى جمالهن الأنظار، ويفخر بأن تزوج أو أنجب جمالاً جذاباً بهر الأبصار، ويطيق أن يرى أو أن يسمع التغزل في زوجه أو ابنته، ولا يبالي بعين ترمقها، وقد تتبعها نظرة تفحصها وقبيحة تسمعها.
فيا للداهية الدهياء ترى كم فَقَدَ الرجال من رجولتهم حتى أصبحوا أشباه الرجال ولا رجال؟! فإن الرجولة شخصية وروح وغيرة ونخوة قبل أن تكون خشونة صوت وشارباً ولحية، أهذه هي الرجولة أيها المدعي الرجولة أن تسمح للعيون الدنيئة الطفيلية أن تجسر فتنظر إلى جسم نسائك وتنعم بحسنه ومفاتنه وكأن هذا الحسن وليمة قد قمت بالدعوة إليها وكأن هذا الجمال مشاع بينك وبين غيرك من الرجال حلال مشترك لهم قبل أن يكون حلالك!.
إنك تغضب يا هذا أشد الغضب ممن يحاول أن يطلع على دخائلك وخصائصك، وتخجل ممن يكشف سراً من أسرارك فهل هناك أمر أخص بك، وسراً أقدس وأجدر بالصون من جسم زوجك وابنتك؟
فويل ثم ويل لأولئك الذين لا يعرفون كرامتهم ولا يحفظون رعيتهم ولا يحسنون القيام على ما استرعاهم الله من الزوجات والبنات كما أمرهم.
أيها المسلمون: ماذا جرى لعقوكم حتى رضيتم أن تفجر أمامكم نساؤكم وأنتم تنظرون.
(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[الحج: 46].
فإن أعراضكم كأرواحكم، وقد فرطتم فيها كثيراً، أفلا تعقلون؟
أيها المسلمون: ما بلغ النساء هذا الحد من الفساد إلا بإغرائكم وما الله يغافل عما تعملون فإنه ولاكم أمر نسائكم لتصلحوا الولاية، فأسأتم باستهتاركم، أفلا تتقون؟!
أيها المسلمون: لقد أهملتم الرعاية وأغفلتم الحذر، وشجعتم الغواية وركبتم الخطر، وإن تهلكون إلا أنفسكم وما تشعرون.
إنكم لتتمردون على ربكم، ولا تبالون بغضبه وعقابه، وتلقون بأيديكم إلى التهلكة فهل أنتم منتهون! (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)[الأعراف: 201].
فاتقوا الله أيها المسلمون ولا تفرطوا في القيام على ما استرعاكم من النساء وولاكم أمرهن بقوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)[النساء: 34].
فقوموا بأقدس واجب كلفكم به وصونوا أنفس أمانة أمركم بالمحافظة عليها ورعايتها، وقد حذركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونبهكم إلى مسؤوليتكم عنها بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))[رواه البخاري ومسلم].
فكل أب مسؤول عن ابنته، وكل زوج مسؤول عن زوجه، كما أن كل رجل مسؤول عن نسائه وأولاده وكل أهل بيته وأسرته، وكل مسلم مسؤول عما كلفه الله به ووضعه في يده وتحت نفوذه وملكه قياده وزمامه. فمن أرخى الزمام كان مسؤولاً عن نتيجة إهماله، ولن ينجو مستهتر من عواقب استهتاره، ولا مفرط مقصر من العقاب على تقصيره ولا مستهين بأمر الله مستخف بغضبه من انتقامه وقصاصه في الدنيا والآخرة. فتوبوا إلى الله جميعاً أيها المسلمون المؤمنون لعلكم تفلحون واذكروا دائماً هذه الآية الكريمة، ولا تتغافلوا عنها وتتجاهلوها: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[النور: 31].
واذكروا دائماً الوعيد الرهيب في قوله - تعالى -: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ)[السجدة: 22]
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.06 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.44 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]