عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 18-09-2020, 05:12 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 52,994
الدولة : Egypt
افتراضي الاستدلال بين الاستقراء والاستنباط

الاستدلال بين الاستقراء والاستنباط


م. خيري السوفي




بسم الله الذي لا إله إلا هو، والحمد لله الذي لا يُحمد على كل حالٍ إلا هو، وصلى ربُّنا وسلم على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه الذين له اجتبى.

اللهم لا سهلَ إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا، اللهم افتح لنا أبواب حكمتك، وانشر علينا من رحمتك، وامنُنْ علينا بحُسن الفهم والحفظ، سبحانك لا علمَ لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

وبعد، فإن طرقَ الاستدلال التي يعود إليها العقلُ الإنساني قصدَ الحصولِ على المعرفة والمعلومات، وإدراك النتائج والاستنتاجات - تعود في أصلها إلى قسمين رئيسين:
الأول: الاستنباط(déduction) ، والآخر: الاستقراء (induction).
ولكل من الدليل الاستنباطي والدليل الاستقرائي منهجٌ ومسلَك خاص به، يُميِّزه عن الآخر.

فباستخدام الاستنباط يمكننا الحصولُ على معلومة خاصة من معلومة عامة، كأن نقول - مثلًا -: كلُّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عدول (معلومة عامة)، زيدٌ صحابي، إذًا زيدٌ عدْلٌ (معلومة خاصة)، أو كقولنا: البشر إما ذكرٌ أو أنثى، والذكر يموت والأنثى تموت، إذًا فالبشر يموتون.

فالاستنباط إخواني الكرام هو: كلُّ استدلال تكون نتيجتُه أصغرَ أو مساوية للمقدمات التي تكوَّن منها ذلك الاستدلال.
ففي المثال الأول: استنتجنا أن زيدًا من العدول عن طريق دليل استنباطيٍّ، أو بطريقة استنباطيَّة، وهذه النتيجة - أي: زيد عدل - أصغر من مقدماتها؛ لأنها تخص فردًا من الصحابة، في حين إن المقدمة تقول: كل الصحابة عدول، وهي تشمل جميع الصحابة.
وبذلك يتخذ الاستدلال العقلي هنا طريقه من الكلي إلى الفردي، أو من العام إلى الخاص.

أما في المثال الثاني، فقد استنتجنا أن البشر يموتون - كل البشر- بطريقة استنباطيَّة، لكن النتيجة هنا مساوية للمقدمة التي ساهمت في تكوينها؛ لأن الذكر والأنثى يمثِّلان جميع البشر.

وأما الاستقراء، فيمكِّنُنا من الحصول على معلومة عامة من معلومة خاصة، وهو تتبعٌ لجزئيات نوع معيَّن لأجل معرفة الحكم الكلي لذلك النوع؛ ولأجل استخراج قاعدة عامة أو قانون عام له.

فنقول - مثلًا -: إننا بتتبعنا لكلام العرب ولسانهم، وجدنا أن كلَّ فاعل في اللغة مرفوع، فنستخلص من ذلك قانونًا عامًّا مُفاده: أن (كل فاعل مرفوع)، أو أن نقول - مثلًا -: هذه القطعة من المعدن تتمدَّد بالحرارة، وهذه القطعة كذلك، والأخرى أيضًا، فنصل إلى نتيجة كلية، وهي: (كلُّ معدن يتمدَّد بالحرارة).

فالاستقراء معشر المسلمين والمسلمات هو: كلُّ استدلالٍ تكون فيه النتيجة أكبرَ من المقدمات.
فنحن عند حكمنا على المعدن بالتمدُّد بالحرارة لم نتتبع جميع القطع المعدنية، بينما تناولت النتيجة جميع القطع بغير استثناء.

وبالتالي: فإن العقلَ البشري عند الاستدلال الاستقرائي يكون معاكسًا في سيره وطريقة حكمه لما هو عليه عند الاستدلال الاستنباطي، فبينما يسيرُ الدليل الاستنباطي وفقًا للطريقة القياسية من العام إلى الخاص، يسير الدليل الاستقرائي خلافًا لذلك من الخاص إلى العام.

والاستقراء يقوم على التجربة والمشاهدة، وقراءةِ الواقع، وجمع ما يمكن جمعُه من الملاحظات؛ قصدَ تكوينِ قانون عام جامعٍ للمعاني الكلية لمختلف الجزئيات - من نفس النوع.

أمَّا الاستنباط، فهو عمليَّة عقلية تحليليَّة، ترتكز أساسًا على استنتاج النتيجة من مقدماتها، وهنا سؤال رئيسي مهم:
ما مدى صحة النتائج المقررة من خلال الاستقراء أو الاستنباط؟


يعدُّ هذا السؤال من أهم الأسئلة المطروحة في هذا المجال؛ لتعلُّقه بثمرة هذه الاستدلالات العقلية، فهل هي نتائج ومعلومات يقينيَّة؟ أما أنها ظنية فحسب؟
والحقيقة: أن الدليلَ الاستنباطي أوثقُ الطرق، وأسلم المسالك، للحصول على المعلومة، فإذا صحَّت المقدمات والكليات، لزم من ذلك أن تصحَّ النتائج المستنبطة منها ضرورة.

ومثال ذلك: أن علم الرياضيات يعدُّ من أصح العلوم العقلية؛ لقيامه على جملة من البديهيَّات القطعية والمسلَّمات الرياضية، التي تُبنى عليها النتائج والاستنباطات بعد ذلك - يمكن مراجعة مقالتي: مقدمة في البديهيات والمسلَّمات في علم الرياضيات، وهي مرفوعة على شبكة الألوكة بفضل الله - وكذلك إخواني الأفاضل فإن الاستنباط يستمدُّ أفضليته من مبادئ منطقية، تقوم أساسًا على عدم التناقض؛ ذلك أن استنتاج المعرفة أو المعلومة من طريقه يمرُّ بالاعتماد على آليات منطقية سابقة.

فالنتائج المستفادة من الاستنباط مساويةٌ لمقدماتها - أو أصغر - كما أشرنا سابقًا، فمن الضروري أن يتعلَّق صدق النتيجة بصدق المقدمات.

وأما الدليل الاستقرائي، فإنه يمرُّ من الخاص إلى العام، وهذا الانتقال لا يمكن تبريره وفقًا لأسس منطقية محضة؛ لإمكان صدق المقدمات وعدم صحة النتيجة أو القانون الكلي المقرَّر، فنحن - مثلًا - إن عاينَّا ألفَ حصان أمامنا، ثم لاحظنا عدم وجود أجنحة لهم، فيمكننا تقرير نتيجة - من طريق الاستقراء - تقول: إن الأحصنة لا تملك أجنحة، ولكن الخطأ في الحكم واردٌ؛ لإمكانية وجود نوع من الأحصنة يملك أجنحة، بَيْدَ أن المعلومة تبقى في أصلها على درجة عالية من الصحة - وإن لم تصل إلى اليقين في بعض الأحيان.


وهنا إشارة إلى أن عملية إنتاج المعرفة - في عصرنا الحاضر - قد عرَفت تطورًا كبيرًا، خاصة في العلوم الطبيعية، مستندة في ذلك على علم الإحصاء والاحتمالات الرياضية التي تنطلق من الجزئي إلى الكلي لتعميم النتائج، وهذا محل بحث واسع.
وصلى الله وسلم على سيدنا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لي ولوالدي وللمسلمين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.67 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.92%)]