عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 07-03-2010, 10:58 AM
الصورة الرمزية ابو هاله
ابو هاله ابو هاله غير متصل
قلم برونزي
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 1,783
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرد على ابو مالك ومن على مذهبه فى بيان حقيقة المواطنه

المواطنة في تصورات بعض الإسلاميين:
يحاول بعض الإسلاميين إيجاد علاقة تربط بين فكرة المواطنة في معناها الاصطلاحي
وبين الإسلام، ويدور كلامهم في ذلك على عدة أمور:
1-الصحيفة:
وهي الصحفية التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين
المسلمين وغيرهم من سكان المدينة وحدد فيها أسس العلاقة بينهم، وهؤلاء
الإسلاميون اعتمدوا فيما يذهبون على تصورات شكلية بعيدة وأهملوا الصحيفة
نفسها، والمتأمل في الصحيفة نفسها أو في كيفية كتابتها يدرك أنه لا علاقة
بينها وبين المواطنة، فالصحيفة تجعل الحاكم في كل ما يشتجر بين الناس في
المدينة على اختلافهم شرع الله ودينه والذي يمثله رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحقوق الممنوحة أو الواجبات الملزمة فإنما أخذت من
هذه الشريعة الغراء وهذا يناقض المواطنة مناقضة تامة،
حيث لا تعويل على الدين فيما يقوم بين الناس المشمولين
بعلاقة المواطنة، بل العلاقات والحقوق والواجبات تقرر من
خلال القوانين السائدة في المجتمع والتي تتعامل مع الإنسان
بوصفه أحد أفراد هذا المجتمع دون النظر إلى أية محددات أخرى
كالدين ونحوه، كما أن ما جاء في الصحيفة لم يأت عن طريق الاتفاق
بين مكونات مجتمع المدينة، بل هي قواعد وأحكام وضعها الرسول
صلى الله عليه وسلم، التزم بها هو والمسلمون وألزم غيرهم من السكان بها،
بينما القوانين التي تحكم مسألة المواطنة جاءت-كما يصورون- عن الطريق
الديمقراطي الذي ينيط بالنواب الممثلين للشعب مهمة التشريع ووضع القوانين
وإنشاء الحقوق والواجبات والعلاقات.
2- الحقوق والواجبات المنصوص عليها في الشرع والتي تخص الرعية من جانب،
وتخص ولاة الأمر من جانب آخر، وتخص الكفار ساكني دار الإسلام من جانب ثالث
، فيحمل هذا النفر من الإسلاميين ما تقرر هنا على ما تقرر في فكرة المواطنة،
وهذا فيه انتقاص للشرع ووضعه في منزلة أدنى من فكرة المواطنة، فالشرع في
تقرير الحقوق والواجبات التي هي لكل أحد من دار الإسلام أميرا كان أو مأمورا
مسلما كان أو كافرا، هو أسبق مما جاء في المواطنة بقرون وأكمل، ولا يجوز إهمال
الأسبق الأكمل والتعويل على المتأخر الناقص، كما أن مصدر الحقوق والواجبات في الإسلام هو الشرع، بينما مصدرها في المواطنة الاشتراك في وطن واحد،
ولا يمكن حمل واحدة على الأخرى حتى لو وجدت بعض الموافقات
وذلك للاختلاف الجذري بين مصدر كل من الأمرين، وهذا ليس مجرد مسألة
شكلية أو غير ذلك، لأن هذا الاختلاف في المصدر يترتب عليه اختلافات
جوهرية بين الأمرين، فكون مصدر الحقوق والحريات هو شرع الله تعالى
يمنحها حصانة بحيث تكون ثابتة لا يملك أحدا تغييرها أو العبث بها
ولو اجتمع على ذلك الناس، بينما الأمر في المواطنة على العكس
من ذلك حيث يمكن لمجموع من الناس إدخال تعديلات على أحكام
هذه العلاقة.
إن محاولة إيجاد مشابهة بين ما عندنا وعند الآخرين، والحصول
على شهادة بالحكم على صواب ما عندنا بدليل موافقته لما عند
الآخرين يعبر عن شعور بالهزيمة والدونية، عند من يقومون بذلك.
3-صرف الأدلة المخالفة لما يذهبون إليه:
يصرف هؤلاء الإسلاميون
الأدلة الدالة على خطأ ما يذهبون إليه، بأنواع من الصوارف هي أقرب
إلى التحريف منها إلى التأويل، فتراهم يقولون عن الأدلة المبينة لخطئهم
: إنها لم تأت للتعريف أو البيان الذي يستدل به على الأحكام، بل هي
وصف للحالة القائمة أو السائدة في ذلك المكان أو الزمان، فلا يؤخذ
منها حكم عام، ومن ذلك أن هذه الأدلة تدل على أحكام انتقالية ليست
أحكاما عامة دائمة وهو ما يسمونه بتاريخية الشريعة، أي أن تلك
الأحكام مناسبة لذلك التاريخ الغابر بسبب الأوضاع الدولية التي كانت سائدة
وقتها، أما الآن-كما يقولون-فإن الأوضاع الدولية تغيرت ولم تعد الأوضاع
القديمة مؤثرة، ومن ثم فإن ما بني عليها-كما يقولون-لم تعد له الآن حاجة.
ولا شك أن هذا القول يمثل قدحا في كمال الشريعة وعمومها وشمولها
لظرفي الزمان والمكان وديمومتها، وهو قول لم يقل به إلا أمثال هؤلاء
المعاصرين الخارجين على أصول الاستدلال، وهو مسلك يتبعونه في كل
ما لا يقدرون على دفعه من الأدلة، ولا يقدمون برهانا على ذلك سوى
الدعوى التي يدعونها وهي ليست برهانا، كما أنه يجعلها شريعة قاصرة
خاصة بزمن الرسول صلى الله عليه وسلم وما قرب منه، وهو يعني
عمليا نسخ الشريعة وتقديم الاجتهادات العصرية-على النصوص الشرعية
وأقول الثقات من أهل العلم-التي هي في حقيقتها مجاراة للأفكار والتصورات
الوافدة بعد أن يتم تلميعها وطلائها بطلاء خداع مزور باسم الإسلام،
وبمرور الأيام فإن اصطلاحات الكفار وأفكارهم تتغير وتتبدل حسب
ما يتاح لهم من معرفة أو هوى إذ لا ضابط لها غير ذلك، ولأن من
اعتقادات الكثيرين منهم أنه لا توجد حقائق مطلقة بل الحقائق نسبية،
ومتابعة المسلمين لهم في قبول تلك الاصطلاحات والعمل بها يلقي في
وعي المسلمين وحسهم عدم عصمة الشريعة وانقطاع عمومها وديمومتها.
4-حشر بعض الأمور التي لا علاقة لها بالمواطنة ومحاولة الاستدلال بها عليها:

بعض من الإسلاميين يجتهد في جمع بعض المسائل الفقهية الفرعية التي
يحاول أن يبين دلالتها على المواطنة، وذلك كمن يستدل بإجازة بعض الفقهاء
الصدقة على غير المسلم، أو يستدل بحسن معاملة المسلمين للكفار المقيمين
في دار الإسلام ونحو ذلك من الأمور، كالعدل مع المخالفين وعدم ظلمهم،
على اعتماد الإسلام لمبدأ المواطنة، وهذا خلل بين في الفهم والاستدلال،
فأين دلالة تلك المسائل المقررة شرعا على المواطنة التي تقدم الولاء للوطن
على ما عداه، وتقيم الحقوق والواجبات انطلاقا من الاشتراك في الوطن،
ولا شيء غير ذلك
5-الاستفادة مما فيها من الخير وتجنب ما فيها من الشر:
يرى هؤلاء
الإسلاميون أن في المواطنة جوانب مضيئة وإيجابية، ويعقبون على تلك
المقولة برغبتهم في الاستفادة مما في هذا المصطلح من تلك الإيجابيات
وفي الوقت نفسه اجتناب واتقاء ما فيه من المساوئ والعيوب، ويرون
أن هذا لا يعارض الشريعة بل يمثل روحها في التعامل والاستفادة مما عند الآخرين،
ورغم ما قد يظهر في هذا الكلام من التوازن الذي قد ينطلي على كثير من الناس،
إلا أنه في الحقيقة يحمل في جنباته مخاطر عظيمة، لأن هذه الأدوات المعنوية
(فكرية-ثقافية) ليست كأدوات التقنية المادية التي يمكن أن يقال فيها هذا الكلام،
وللجواب على ما قد يطرحه هذا الكلام من تساؤل: ما الذي يمنع من الأخذ بهذا
المصطلح مع تنقيته مما فيه من المساوئ؟ ويقال جوابا على ذلك:
1-هذا المصطلح يتناول قضية مهمة وهي قضية الحقوق والواجبات المتبادلة
بين الدولة (السلطة) والرعية، والقول بالأخذ بما في هذا المصطلح من الإيجابيات
يتضمن خلو الشريعة من مصطلح يجمع تلك الإيجابيات، وإلا لم يلجأ إليه من لجأ،
وهذا فيه خطورة كبيرة على عقيدة القائلين بهذا اللازم.
2-يكاد ألا يوجد شيء في الدنيا إلا له إيجابيات وسلبيات، (إلا ما كان محرما لذاته)،
ولو اتبعنا هذه الطريقة لأوشك ذلك أن نهجر كل مصطلحاتنا الشرعية واستبدال
مصطلحات وافدة بها بحجة وجود إيجابيات بها، فوجود بعض الإيجابيات
لا يكفي بمجرده، فإن اجتماع المصالح والمفاسد في الشيء الواحد كثير،
قال الله تعالى: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما أثم كبير ومنافع للناس
وإثمهما أكبر من نفعهما"، فلم تكن المنافع فيهما مسوغا لحل أحدها، بل هناك
شروط لجواز مثل هذا، منها: أن لا يوجد مصطلح خال من السلبيات،
وأن تكون الإيجابيات أعظم من السلبيات في الحال والمآل، وأن تكون هناك
حاجة حقيقية لاستعمال ذلك الاصطلاح
3-إمكانية تنقية هذا المصطلح من الأمور السيئة التي يتضمنها، وهم من الأوهام،
فالأمور التي يراد تنقيتها منه هي أصله وجوهره، فإذا عزلت عنه سقط المصطلح
ولم يعد ذا معنى، ومن ثم تضيع المنافع التي كانوا يودون تحقيقها من استخدامه،
ثم إن هذه المصطلح نشأ في بيئة غير إسلامية لتحقيق أغراض تأباها الشريعة
وقد تسربت مضامين هذه البيئة في كل مسارب المصطلح بحيث لا يمكن التخلص
منها، فأصبح المصطلح غير إسلامي قلبا وقالبا، وعند استخدام هذا المصطلح
سينصرف الذهن إلى معناه المصطلح عليه لأنه أسبق في الوجود، ولأن بقية
السكان من أهل الذمة ومن العلمانيين وأشباههم لن يسلموا بذلك أو يعولوا عليه.
4-ليس من المقبول ولا من المعقول أن يترك الإنسان ما هو معتقد لسلامته
وصحته وخلوه من العيوب والمساوئ، والانتقال إلى غيره مما يقر ويعتقد
باشتماله على العيوب والمساوئ، بزعم إمكانية تنقيته وإصلاحه، إلا أن يكون
ضعيف العقل أو شاكا في الحقيقة السابقة وإن ادعى إيمانه بها، أو مكرها على
ما لا يريده، أو سيء الطوية.
5-هذه المصطلحات الدخيلة لا تحمل أي شحنة إيمانية بل هي كلمات جافة
لا يحمل الناس على احترام مضمونها والتقيد بها إلا بمقدار ما يؤملونه
من النفع فيها، أو ما يخافونه من العقوبة التي تحل بهم، وذلك بعكس المصطلحات
الشرعية المحملة بالشحنات الإيمانية التي تحمل المسلم على الالتزام والتقيد
بها تدينا وعبادة حيث لا يخالف مقتضاها وإن كان خاليا.
6-ترك مصطلحاتنا إلى غيرها من
المصطلحات-بزعم تحقيق بعض الإيجابيات-من شأنه
أن يحدث قطيعة فكرية وثقافية بين الأجيال المعاصرة والأجيال السابقة،
ومن ثم قطيعة عملية تطبيقية مع الأحكام الشرعية، لاسيما أن المصطلحات
الحادثة القادمة من الغرب غير ثابتة بل هي في حالة حركة وتغير لا تكاد تتوقف،
ومتابعتهم في ذلك مما يعمق القطيعة ويجعل الأجيال أسرى لتلك المصطلحات.

أخطار إدماج مفهوم المواطنة في النسيج الثقافي للأمة:
إن محاولة إدماج مفهوم المواطنة في النسيج الثقافي والفكري لأجيال المسلمين
ينطوي على خطورة كبيرة من ذلك:
1-إضاعة المفاهيم والأحكام المتعلقة بالولاء والبراء، حيث يؤسس الولاء
والبراء في المواطنة على أساس الحدود الجغرافية ولا يؤسس على الحقائق
الإيمانية،
2-تشتيت الأمة والتأكيد على انعزال أقطارها والمعاونة على عناية كل فرد
بوطنه بقطع النظر عن بقية أوطان المسلمين
3-إظهار أن مفهوم الوطن والأمة أمران مترابطان أو متلازمان، ومن ثم فإنه
يرتب على ذلك إدخال أو إدماج مفهوم المواطنة في مفهوم الأمة ويخلع على
مفهوم المواطنة الصفات والأحكام التي لمفهوم الأمة.
4-ضياع المصطلحات الإسلامية وذوبانها في المصطلحات الوافدة من أمم الكفر.
5-الاعتراف بلسان الحال-وليس بلسان المقال-بسيادة المصطلحات الوافدة وغلبتها للمصطلحات الإسلامية وقدرتها على الوفاء بحاجات المسلمين أكثر من
مصطلحاتهم الواردة في الكتاب والسنة
6-تجذر الهزيمة النفسية والثقافية أمام أعداء الأمة والقنوع بمكانة
التابع لهم، والرضا بالواقع وضعف الهمة للتغيير.
7-إيجاد نوع من الشك عند بعض المسلمين إذ يتبين من هذا المسلك
أنه لا علاج للمشكلات التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية إلا بمتابعة
المجتمعات الكافرة في معالجتها لمشكلاتها، مما يفقدهم الإيمان بصلاحية
الشريعة وجدوى اتباعها لإصلاح الواقع.
والمعلوم المقطوع به لدي المسلمين كلهم أنه لا صلاح للأمة إلا بما صلح
عليه أولها وهو اتباع كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.



رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.47 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (2.16%)]