CENTER]
جلست تحت تلك الشجرة الملتفة الأغصان بجسدي المتهالك يكاد بصري الذي ألقيه بصعوبة على هذا البهرج الطبيعي الذي يحتضنني كما تحتضن الأم وليدها يستقر على أوراق هذه الشجرة الرائعة التي تنعكس عليها إشعاعات الشمس الذهبية ممتزجة بقطرات الندى المنحدرة من أوراق الشجرة لتعطي أضواء فاتنة تداعب عيناي المنهكتين فتخرجها من غفوتها تارة ويتغلب النوم عليها تارة أخرى...
يبدو أني لن أستطيع الصمود طويلا فقد بدأ النوم يتسلل إلى عيناي بكل استماتة يا الله ما أعنده إنه لا يستسلم بسهولة فلا زلت أدفعه دون جدوى ولكن أنا أيضا لم استسلم بسهولة صرخت في وجهه بيقين لا يتزعزع صرخة مدوية انبعثت من اعماق الأعماق ليذهب بعدها موليا و هو يجر أذيال خيبته أمام رغبتي الملحة الجامحة في تأمل هذه الطبيعة البهية: أيها النوم صبرا لازلت لم أشبع من هذا المنظر المتألق. أخدت أجول ببصري من حولي لعلي أجد سلوة تستخرجني من بين مخالب هذا النوم المتربص بي...
ذاك العشب الذي كنت مستلقيا عليه أخضر خفيف الخضرة ناعم الملمس دافئ أكاد أجزم بأنك لا تكاد تجد سريرا بهذه المواصفات في دنيا الناس يا الله ما أعذب ذلك الأثر الذي يتركه هذا المنظر الخلاب في نفسي سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه.نعم هذا البساط الأخضر الممتد حولي ما أبدع تنسيقه وما أجمل رائحته.مددت يدي لألامسه فإذا هو كالحرير لينا ورقة إن لم يكن أحسن منه. أخدت نفسا طويلا فإذا بأريج الربيع الزاهي يملئ صدري وينعش كياني
كما ينتعش المستحم بالماء الدافئ تماما بتمام لذلك جعلت أخد النفس تلو النفس مستمتعا بهذا الهواء العذب النمير و بينما أنا على تلكم الحال هائم في هذه الروضة إذا بنسيم عليل يداعب أنفي بهدوء وسكينة كما يداعب أغصان هذه الشجرة فتتمايل ذات اليمين وذات الشمال بل إني أرى أن كل شيئ حولي يتمايل معه في نظام عجيب لا يضاهيه سوى نظام المصلين وراء الإمام في الصلاة الكل يستجيب في وقت واحد ودون تأخر الشيئ نفسه هنا الكل يتمايل استجابة لهذه الأنسام الرقيقة الرفيقة في تناغم عجيب لن تجده إلا هنا .تشتد قليلا فيسمع لها صفير
ثم تتراجع لتكف هذه الطبيعة عن التمايل ولترجع الأمور الى مجرياتها فيدخل كل شيئ في هدوء وصمت كصمت القبور إنه النظام في أقوى تجلياته إنها الروعة في أسمى صورها.
شيئ جميل ما أراه هنا فجدع هذه الشجرة الذي أستند عليه غريب التكوين لونه مبهم وتركيبه أكثر من ذلك و هو في حد ذاته كفيل بأن ينسيك جميع همومك و مشاكلك و يجعلك لا تفكر إلا في هذه اللحظة التي تعيشها نعم إنها اللحظة التي تقف فيها حائرا أمام روعة خلق الله سبحانه و تعالى و التي لا يمثل فيها هذا الجدع سوى جزءا حقيرا منسيا
هذه اللحظة لها قوتها و سحرها على الإنسان فهي تجعله يقف وجها لوجه أمام روعة الطبيعة روعة رائعة بل أكثر من رائعة وهي أحيانا لا تخلو من بعض الغموض وهذا الغموض في حد ذاته غامض فقد نحاول فك رموزه بشكل أو بآخر فنجد أنفسنا في حلقة مفرغة....
استلقيت على ظهري محولا وجهتى إلى هذه السماء الزرقاء الصافية علي أجد فيها شيئا مختلفا أطلقت العنان لبصري الذي أصبح شغوفا باستكشاف هذه الطبيعة فلا يلبث أن يلتفت هنا و هناك ليسبح بعيدا بعيدا في هذا الخضم الممتد في الأفق اللامتناهي.خضم يصعب حقيقة أن تحيط به وإنما تكتفي ببعض التأملات التي لا تسمن ولا تغني من جوع وكلنا يقين أنه لا يحيط به إلا الذي خلقه قائلا كن فكان كما أراد...
سبحان الخالق العظيم المبدع
الأحد
31-05-2009
مصطفى المسلم
خاص لملتقى الشفاء