وأخرج الإمام مسلم وغيره عن ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ((دَخَلَ عَلَيْنَا النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عِنْدَنَا، فَعَرِقَ، وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ، فَجَعَلَتْ تَسْلِتُ الْعَرَقَ فِيهَا، فَاسْتَيْقَظَ النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ))[39].
وأقرَّها صلى الله عليه وسلم على فِعلِها بقوله: ((أصبْتِ))، بعد إقراره لها بضحكه، وهو يدل على رضاه كما علمت في حديث النسائي؛ وأخرج الإمام مسلم وغيره، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا، فَأُتِيَتْ فَقِيلَ لَهَا: هَذَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ، قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ، عَلَى الْفِرَاشِ، فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ، فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا، فَفَزِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، قَالَ: أَصَبْتِ))[40]، وأخرج البخاري عَنْ أَنَسٍ: ((أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كَانَتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نِطْعًا، فَيَقِيلُ عِنْدَهَا عَلَى ذَلِكَ النِّطعِ، قَالَ: فَإِذَا نَامَ النبي صلى الله عليه وسلم أَخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعَرِهِ، فَجَمَعَتْهُ فِي قَارُورَةٍ، ثُمَّ جَمَعَتْهُ فِي سُكٍّ))[41].
قال ابن حجر: "وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ اطِّلَاعُ النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى فِعْلِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَتَصْوِيبُهُ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ قَوْلِهَا إِنَّهَا كَانَتْ تَجْمَعُهُ لِأَجْلِ طِيبِهِ، وَبَيْنَ قَوْلِهَا لِلْبَرَكَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا"[42].
والجدير بالذكر أن الذي أوصل الشَّعر إلى أم سليم هو زوجها أبو طلحة؛ فأخرج الإمام أحمد بسنده عَنْ ثَابِتٍ الْبنانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحْلِقَ الْحَجَّامُ رَأْسَهُ، أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِشَعْرِ أَحَدِ شِقَّيْ رَأْسِهِ بِيَدِهِ، فَأَخَذَ شَعَرَهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، قَالَ: فَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ تَدُوفُهُ فِي طِيبِهَا))[43].
فَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ تَدُوفُهُ فِي طِيبِهَا؛ فأخرج الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحْلِقَ الْحَجَّامُ رَأْسَهُ، أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِشَعْرِ أَحَدِ شِقَّيْ رَأْسِهِ بِيَدِهِ، فَأَخَذَ شَعَرَهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، قَالَ: فَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ تَدُوفُهُ فِي طِيبِهَا))[44]، وفي رواية ((فَجَعَلَتْ تَجْعَلُهُ فِي طِيبِهَا)).
وأخرج الإمام أحمد وغيره عَنْ أَنَسٍ، ((أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، قَبَضَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْ رَأْسِهِ، فَلَمَّا حَلَقَهُ الْحَجَّامُ أَخَذَهُ، فَجَاءَ بِهِ أُمَّ سُلَيْمٍ فَجَعَلَتْ تَجْعَلُهُ فِي طِيبِهَا))[45]، وفي رواية: ((تَجْعَلُهُ فِي سُكِّهَا))؛ فعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، ((أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ بِمِنًى، أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ شِقَّ رَأْسِهِ، فَحَلَقَ الْحَجَّامُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ تَجْعَلُهُ فِي سُكِّهَا[46]))[47].
وأبو طلحة زوج أم سُليم هو صاحبُ بَيرُحاء، الذي تصدق به في سبيل الله؛ فعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: ((كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92]، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92]، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ، تَابَعَهُ رَوْحٌ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ: رَايِحٌ))[48].
وهو من كان سببًا في معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير الخبز؛ فعَنْ أَنَسٍ، ((أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ رَأَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم طَاوِيًا، فَجَاءَ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم طَاوِيًا، فَهَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا نَحْوٌ مِنْ مُدٍّ مِنْ دَقِيقِ شَعِيرٍ، قَالَ: فَاعْجِنِيهِ وَأَصْلِحِيهِ عَسَى أَنْ نَدْعُوَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَأْكُلَ عِنْدَنَا، قَالَ: فَعَجَنَتْهُ وَخَبَزَتْهُ فَجَاءَ قُرْصًا، قَالَ: فَقَالَ لِي: ادْعُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ نَاسٌ - قَالَ مُبَارَكٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: بِضْعَةً وَثَمَانِينَ - قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبُو طَلْحَةَ يَدْعُوكَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَجِيبُوا أَبَا طَلْحَةَ، فَجِئْتُ مُسْرِعًا حَتَّى أَخْبَرْتُهُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَصْحَابُهُ، قَالَ بَكْرٌ: فَقَفَدَنِي قَفْدَةً، فَقَالَ ثَابِتٌ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: رَسُولُ اللَّهِ أَعْلَمُ بِمَا فِي بَيْتِي مِنِّي، وَقَالَا جَمِيعًا عَنْ أَنَسٍ: فَاسْتَقْبَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَّا قُرْصٌ، رَأَيْتُكَ طَاوِيًا فَأَمَرْتُ أُمَّ سُلَيْمٍ فَجَعَلَتْ لَكَ قُرْصًا، قَالَ: دَعَا بِالْقُرْصِ، وَدَعَا بِالْجَفْنَةِ فَوَضَعَهُ فِيهَا، فَقَالَ: هَلْ مِنْ سَمْنٍ؟ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قَدْ كَانَ فِي الْعُكَّةِ شَيْءٌ، قَالَ: فَجَاءَ بِهَا، قَالَ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو طَلْحَةَ يَعْصرَانِهَا حَتَّى خَرَجَ شَيْءٌ، فَمَسَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَبَّابَتَهُ، ثُمَّ مَسَحَ الْقُرْصَ، فَانْتَفَخَ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَانْتَفَخَ الْقُرْصُ فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَالْقُرْصُ يَنْتَفِخُ حَتَّى رَأَيْتُ الْقُرْصَ فِي الْجَفْنَةِ يَتَصَيَّعُ، فَقَالَ: ادْعُ عَشَرَةً مِنْ أَصْحَابِي، فَدَعَوْتُ لَهُ عَشَرَةً، قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ وَسَطَ الْقُرْصِ، فَقَالَ: كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلُوا حَوَالَيِ الْقُرْصِ حَتَّى شَبِعُوا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عَشَرَةً آخَرِينَ، فَدَعَوْتُ لَهُ عَشَرَةً آخَرِينَ، فَقَالَ: كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلُوا مِنْ حَوَالَيِ الْقُرْصِ حَتَّى شَبِعُوا، فَلَمْ يَزَلْ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ مِنْ ذَلِكَ الْقُرْصِ حَتَّى شَبِعُوا، وَإِنَّ وَسَطَ الْقُرْصِ حَيْثُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ كَمَا هُوَ))[49].
وفي رواية أنَّ الذي أوصل الشَّعْرَ الشريف إلى أمِّ سُليم هو ابنها سيدنا أنسٌ، ولا تناقُضَ بينهما؛ فأخرج الإمام أحمد عن ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ((لَمَّا حَلَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ بِمِنًى، أَخَذَ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ بِيَدِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ نَاوَلَنِي، فَقَالَ: يَا أَنَسُ، انْطَلِقْ بِهَذَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ مَا خَصَّهَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ تَنَافَسُوا فِي الشِّقِّ الْآخَرِ، هَذَا يَأْخُذُ الشَّيْءَ، وَهَذَا يَأْخُذُ الشَّيْءَ))[50].
والظاهر من النصوص أنها جمعته مع عرقه صلى الله عليه وسلم الذي كانت تجمعه عند نومه صلى الله عليه وسلم في بيتها، في قارورة أو قوارير؛ وأخرج النسائي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ((أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم اضْطَجَعَ عَلَى نَطْعٍ، فَعَرِقَ، فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى عَرَقِهِ فَنَشَّفَتْهُ، فَجَعَلَتْهُ فِي قَارُورَةٍ، فَرَآهَا النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ قَالَتْ: أَجْعَلُ عَرَقَكَ فِي طِيبِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم))[51].
وأخرج الإمام مسلم وغيره عن ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ((دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عِنْدَنَا، فَعَرِقَ، وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ، فَجَعَلَتْ تَسْلِتُ الْعَرَقَ فِيهَا، فَاسْتَيْقَظَ النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ))[52].
وأقرَّها صلى الله عليه وسلم على فعلها بقوله: ((أصبتِ))، بعد إقراره لها بضحكه، وهو يدل على رضاه كما علمت في حديث النسائي؛ وأخرج الإمام مسلم وغيره، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا، فَأُتِيَتْ فَقِيلَ لَهَا: هَذَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ، قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ، عَلَى الْفِرَاشِ، فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا، فَفَزِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، قَالَ: أَصَبْتِ))[53].
وأخرجه البخاري عَنْ أَنَسٍ: ((أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كَانَتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نِطَعًا، فَيَقِيلُ عِنْدَهَا عَلَى ذَلِكَ النِّطَعِ، قَالَ: فَإِذَا نَامَ النبي صلى الله عليه وسلم أَخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعَرِهِ، فَجَمَعَتْهُ فِي قَارُورَةٍ، ثُمَّ جَمَعَتْهُ فِي سُكٍّ، قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الوَفَاةُ، أَوْصَى إِلَيَّ أَنْ يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ مِنْ ذَلِكَ السُّكِّ، قَالَ: فَجُعِلَ فِي حَنُوطِهِ))[54].
وهذا ما فعله سيدنا عليٌّ مع فضل حَنُوطِ[55] النبي صلى الله عليه وسلم مما كان يحتفظ به؛ فعَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ، ((أَنَّ عَلِيًّا أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ مِسْكٌ، وَقَالَ: هُوَ فَضْلُ حَنُوطِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم))[56].
ومن شدة حِرْصِ الصحابة بعدما علموا هذا التوجيه النبوي، وهذه الإشارة النبوية القولية والفعلية، حرَصوا ألَّا تقع شعرات النبي صلى الله عليه وسلم في الأرض، وأن تقع في يد رجل منهم؛ فعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ))[57].
وهذا فِعْلُ كبار الأصحاب، فهذا هو سيدنا خالد يأخذ من ناصية شعر المصطفى صلى الله عليه وسلم فيحتفظ به في قَلَنْسُوَتِهِ؛ فأخرج الطبراني عن عَبْدِالْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، ((أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَقَدَ قَلَنْسُوَةً لَهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَقَالَ: اطْلُبُوهَا فَلَمْ يَجِدُوها، فَقَالَ: اطْلُبُوهَا، فَوَجَدُوهَا فَإِذَا هِي قَلَنْسُوَةٌ خَلَقَةٌ، فَقَالَ خَالِدٌ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَابْتَدَرَ النَّاسُ جَوَانِبَ شَعْرِهِ، فَسَبَقْتُهُمْ إِلَى نَاصِيَتِهِ فَجَعَلْتُهَا فِي هَذِهِ الْقَلَنْسُوَةِ، فَلَمْ أَشْهَدْ قِتَالًا وَهِيَ مَعِي إِلَّا رُزِقْتُ النَّصْرَ))[58].
وفي رواية: ((فَاسْتَبَقَ النَّاسُ إِلَى شَعَرِهِ، فَسَبَقْتُ إِلَى النَّاصِيَةِ))؛ فعَنْ عَبْدِالْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: ((اعْتَمَرْنَا مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم فِي عُمْرَةٍ اعْتَمَرَهَا، فَحَلَقَ شَعَرَهُ، فَاسْتَبَقَ النَّاسُ إِلَى شَعَرِهِ، فَسَبَقْتُ إِلَى النَّاصِيَةِ فَأَخَذْتُهَا، فَاتَّخَذْتُ قَلَنْسُوَةً فَجَعَلْتُهَا فِي مُقَدِّمَةِ الْقَلَنْسُوَةِ، فَمَا وُجِّهْتُ فِي وَجْهٍ إِلَّا فُتِحَ لِي))[59].
وفي رواية: ((فَلَمْ أَشْهَدْ قِتَالًا وَهِيَ مَعِي إِلَّا رُزِقْتُ النَّصْرَ))؛ فعن عَبْدِالْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ((أَنَّهُ فَقَدَ قَلَنْسُوَةً لَهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ فَقَالَ: اطْلُبُوهَا فَلَمْ يَجِدُوهَا فَقَالَ: اطْلُبُوهَا فَوَجَدُوهَا، فَإِذَا هِيَ قَلَنْسُوَةٌ خَلَقَةٌ، فَقَالَ خَالِدٌ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَابْتَدَرَ النَّاسُ جَوَانِبَ شَعْرِهِ، قَالَ: فَسَبَقْتُهُمْ إِلَى نَاصِيَته، فَجَعَلْتُهَا فِي هَذِهِ الْقَلَنْسُوَةِ، فَلَمْ أَشْهَدْ قِتَالًا وَهِيَ مَعِي، إِلَّا رُزِقْتُ النَّصْرَ))[60].
وذكر الذهبي في السير عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: ((بَعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم خالدًا إلى الحارث بن كعب أميرًا وداعيًا، وخرج مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فلما حلق رأسه، أعطاه ناصيته، فعُملت في مقدمة قلنسوة خالد، فكان لا يلقى عدوًّا إلَّا هزمه))[61].
وذكرها ابن حجر بإسناده وفيها قوله: ((فلم أشهد قتالًا وهي معي إلا تبيَّن لي النصر))[62].
ومما ينبغي أن يُعلمَ أنَّ سيدنا أنسًا أوصى أَنْ يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ مِنْ ذَلِكَ السُّكِّ، قَالَ: فَجُعِلَ فِي حَنُوطِهِ؛ فعَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ: ((أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كَانَتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نِطَعًا، فَيَقِيلُ عِنْدَهَا عَلَى ذَلِكَ النِّطَعِ، قَالَ: فَإِذَا نَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعَرِهِ، فَجَمَعَتْهُ فِي قَارُورَةٍ، ثُمَّ جَمَعَتْهُ فِي سُكٍّ، قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الوَفَاةُ، أَوْصَى إِلَيَّ أَنْ يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ مِنْ ذَلِكَ السُّكِّ، قَالَ: فَجُعِلَ فِي حَنُوطِهِ))[63].
قال ابن حجر: "وروى ابن السكن، من طريق صفوان بن هبيرة، عن أبيه، قال: قال لي ثابت البناني: قال لي أنس بن مالك: ((هذه شعرة من شعر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فضعها تحت لساني، قال: فوضعتها تحت لسانه، فدُفن وهي تحت لسانه))"[64].
وكذا فعل محمد بن سيرين، وكان قد استوهب بعض الشعرات الشريفة من أم سليم؛ فأخرج البخاري وغيره عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: ((قُلْتُ لِعبيدَةَ: عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النبي صلى الله عليه وسلم أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ، فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))[65].
قال الطبراني: (... وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: وَاسْتَوْهَبْتُ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ مِنْ ذَلِكَ السُّكِّ، فَوَهَبَتْ لِي مِنْهُ، فَلَمَّا مَاتَ مُحَمَّدٌ حَنَّطَ بِذَلِكَ السُّكِّ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ يُعْجِبُهُ أَنْ يُحَنِّطَ الْمَيِّتَ بِالسُّكِّ))[66].
قال ابن حجر: "هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات"[67].
وكذا فعل سيدنا عمر بن عبدالعزيز؛ قال الإمام النووي: "وأحوال عمر بن عبدالعزيز وفضائله غير منحصرة، وفيما أشرنا إليه كفاية، وكان مرضه الذي تُوفِّيَ فيه عشرين يومًا، وقيل له: مَن توصى بأهلك؟ فقال: إن وليي فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، وأوصى أن يُدفن معه شيء كان عنده من شعر النبي صلى الله عليه وسلم، وأظفار من أظفاره، وقال: إذا مت فاجعلوه في كفني، ففعلوا ذلك"[68].
وكذا فعل وعاء أهل السنة والجماعة الإمامُ أحمدُ، عندما وُهِبَ له ثلاث شعرات من هذه الشعرات، وأوصى أن تُوضَعَ ثنتان منها في كل عين، والثالثة على لسانه عند موته؛ فذكر الذهبي عن الخَلَّالِ: "أَخْبَرَنِي عِصْمَةُ بنُ عِصَامٍ، حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ، قَالَ: أَعطَى بَعْضُ وَلَدِ الفَضْلِ بنِ الرَّبِيْعِ أَبَا عَبْدِ اللهِ - وَهُوَ فِي الحَبْسِ - ثَلاثَ شَعرَاتٍ، فَقَالَ: هَذِهِ مِنْ شَعْرِ النبي صلى الله عليه وسلم.
فَأَوْصَى أَبُو عَبْدِاللهِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُجعَلَ عَلَى كُلِّ عَيْنٍ شَعرَةٌ، وَشَعرَةٌ عَلَى لِسَانِهِ، فَفُعِلَ ذَلِكَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ"[69].
ولم يتعامل الصحابة رضي الله عنهم مع هذه الشعرات للتبرُّك بها، أو لدفنها في الأرض معهم في أكفانهم فحسب، وإنَّما كان الصحابة يستخدمونها في الرُّقْيَةِ وإزالة أثر العين والحسد، بل كانوا يستخدمونها في طِيبِهم، فيُزاد طيبًا، فيكون من أطيب الطيب، كما مر بك في حديث أم سليم في البخاري ومسلم والنسائي، وهذا أيضًا فِعْلُ أمِّنا أمِّ سَلمةَ رضي الله عنها، زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأخرج البخاري وغيره عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: ((أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ - وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ ثَلاَثَ أَصَابِعَ مِنْ قُصَّةٍ - فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ، فَاطَّلَعْتُ فِي الجُلْجُلِ، فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا))[70].
وعَنْ ابْنِ مَوْهَبٍ: ((أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَرَتْهُ شَعَرَ النبي صلى الله عليه وسلم أَحْمَرَ))، كما أخرجه البخاري وغيره[71].
وكانت رضي الله عنها تنقع هذه الشعرات الشريفة في الماء، وتسقيها الناس رجاءَ بركتها؛ فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ: ((أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبي صلى الله عليه وسلم فَأَخْرَجَتْ لَهُ جُلْجُلًا فِيهِ مِنْ شَعْرِ النبي صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا هُوَ قَدْ صُبِغَ أَحْمَرَ، وَكَانَ إِذَا اشْتَكَى أَحَدٌ وَأَصَابَتْهُ عَيْنٌ جَاءَ بِإِنَاءٍ فَحَصْحَصَتْ لَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ))[72].
يتبع