
06-11-2023, 07:31 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,550
الدولة :
|
|
رد: تواضع ليرفعك الله
قال بعضهم: عجبت لمن يدخل الحمام في اليوم مرتين، كيف يتكبر!
يا مدعي الكبر إعجابًا بصورته 
انظر خلاك فإن النتن تثريب
لو فكر الناس فيما في بطونهم 
ما استشعر الكبر شبان ولا شيب
يابن التراب ومأكول التراب غدًا 
أقصر فإنك مأكول ومشروب
لقد كان صاحب الخلق العظيم حليمًا رفيقًا، متواضعًا حتى مع الأطفال، لم تكن له نظرة دونية أو احتقارية واستصغارية للأطفال، كما يفعله بعض القساة الأجلاف.
روى البخاري في صحيحه أن النبي عليه الصلاة والسلام «وضع صبيًّا في حجره وهو يحنكه، فبال عليه، فدعا بماء فنضحه، وكأن شيئًا لم يكن» [12].
لم يغضب عليه، ولم يتكلم على أمه، وإنما دعا بماء فنضح أثر البول! كان يداعب الحسن - كما صح عنه - فيخرج لسانه إليه، فيرى الحسن حمرة اللسان، فيُعجبه ذلك ويسرع إليه، ويلقي بنفسه عليه عليه الصلاة والسلام.
ويخرج إلى سوق بني قينقاع يومًا - كما صحح ذلك الألباني رحمه الله - فطاف فيها ثم دخل، فاحتبى في المسجد، فجاء الحسن فاشتد حتى وثب في حبوته، فأدخل النبي عليه الصلاة والسلام فمه في فمه، ثم قال: «اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه، اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه ثلاث مرات، وأبو هريرة ينظر، ويرقب الموقف، فقال: والله ما رأيت الحسن بعدها إلا فاضت عيناي» [13] رضي الله عن الحسن، وعن جميع آل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام!
هكذا كانت محبة أصحاب رسول الله للحسن، والحسين رضي الله عنهما وصحح الألباني رحمه الله أنه عليه الصلاة والسلام خرج مرة يحمل الحسن، والحسين، هذا على عاتق وهذا على العاتق الآخر، حتى انتهى إلى أصحابه، فقال له رجل: كأنك تحبهما؟ فقال: «من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني!»[14].
وروى الترمذي وصححه الألباني رحمهما الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب يومًا فدخل الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فقطع خطبته ونزل إليهما، واحتضنهما، وصعد بهما على المنبر فوضعهما ثم قال: «صدق الله: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التغابن: 15]، رأيت ابنيَّ هذين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ورفعتهما» [15].
أكرم به من مرسل ومعلم 
وله الشفاعة يوم نحشر في الورى
ومن مواقف رحمته وتواضعه مع الصبيان ما أخرجه النسائي، والحاكم رحمة الله عليهما - عن شداد رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله
صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي وهو حاملٌ حسنًا أو حسينًا؛ فتقدم فوضعه عند قدمه اليمنى، ثم كبر للصلاة، فسجد سجدة أطالها حتى ظننا أن قد حدث شيء، قال شداد: فرفعت رأسي من بين الناس، فإذا الصبي على ظهر رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، قال فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت في صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظننا أن قد حدث أمر، أو أنه يُوحى إليك، فقال: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني هذا ارتحلني، فكرهت أن أُعجله حتى يقضي حاجته» [16].
والله، وبالله، وتالله لن نجد أرحم، ولا أرفق، ولا أحلم بالأطفال من رسول الله عليه الصلاة والسلام!
نهدي هذه المواقف إلى بعض الآباء، إلى الذين حرموا أولادهم عطفهم، وحنانهم، إلى أولئك الآباء الذين يتعاملون مع أولادهم معاملة شرسة، قاسية، ونقول لهم: تأملوا في حياة نبيكم، وتعامله مع الصبيان، بل مع الناس أجمعين. كم قد سمعنا - للأسف الشديد - عن بعض الآباء له عدد من الأبناء، وما يَذكر أنه قد قبَّل يوما واحدًا منهم! كم هم أولئك الآباء الذين يعبثون بأموالهم، ويحرمون أولادهم وزوجاتهم كثيرًا من ضروريات حياتهم، والله المستعان!
فانتبهوا رحمكم الله أيها الآباء، واقتدوا بسيد الرحماء، والكرماء، فقد كان رحمة للأمة جمعاء عليه صلوات ربي ما دامت الأرض والسماء والسلام.
أسأل الله أن يرزُقنا الاقتداء بأخلاقه، والسير على منهجه وطريقه، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي، ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم!
الخطبة الثانية
الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فمعاشر المسلمين، لقد علمنا نبينا عليه الصلاة والسلام التواضع، وربى لنا أقوامًا مشوا على منواله، وعلى تواضعه، وأخلاقه، وعلى رأس هؤلاء خلفاؤه من بعده رضي الله عنهم، وأرضاهم.
هذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، خرج يومًا فمر بمكان كان يرعى فيه الغنم في الجاهلية، فقال: لا إله إلا الله! قد كنت أرعى الغنم بهذا الوادي وأتعب، وإذا قصَّرت أُضرب، وقد أمسيت ليس بيني وبين الله من أحد، ويردد: يا بن الخطاب كنت وضيعًا فرفعك الله، وضالًّا فهداك الله، وذليلًا فأعزك الله، فما حملك على رقاب الناس؟! فماذا تقول لربك غدًا إذا أتيته يا عمر؟ ثم يندفع بالبكاء رضي الله عنه وأرضاه، ويقول لابنه وهو يودع الدنيا: «ضع خدي على التراب لا أم لك يا عبد الله»، ويقول:«ويل عمر إن لم يغفر الله له! ويل عمر إن لم يتجاوز الله عنه!».
وعثمان رضي الله عنهيخطب يوم الجمعة وعليه ثوب بأربعة دراهم، وهو أمير المؤمنين.
وهذا سلمان الفارسي رضي الله عنه كان يلبس جبة خشنة، فلامه بعض الناس، فقال: «إنما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد، فإذا عُتقت لبست ثيابًا لا تبلى حواشيها، في جنات وعيون»، نسأل الله الكريم من فضله!
والإمام أحمد رحمه اللهكان يقول: «نحن قوم مساكين، نحن قوم مساكين».
ولما قيل له: ما أكثر الذين يدعون لك يا إمام! تغرغرت عيناه وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا من رب العالمين.
وأخذ الفضيل بيد سفيان بن عيينة رحمه الله وقال: «إن كنت يا سفيان تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك، فبئس ما تظن!».
ويأتي ابن المبارك على سقاية والناس يشربون، فدنا ليشرب، ولم يعرفه الناس، فدفعوه، فلما خرج قال: ما العيش إلا هكذا حيث لم نُعرف، ولم نُوقَّر.
فيا عباد الله، مقادير العباد لا يعلمها إلا الله، والكبر، والفخر، والخيلاء، أمام الناس ليست دليل الهيبة، ولا القبول، ولا المحبة.
أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره، فاعرف قدر نفسك يا عبد الله، ولا تضعها في غير موضعها، وإذا خرجت من بيتك فلا يقعن بصرُك على مسلم إلا ظننت أنه قد يكون عند الله خيرًا منك.
وتواضع، ولا تحقر من هو أصغر منك سنًّا، أو أقل منك قدرًا، أو نسبًا، وحسبًا، فقد يكون أسلمَ منك قلبًا، وأقلَّ ذنبًا.
قد يكون العبد عزيزًا في أعين الناس، وهو عند الله في أخبث المنازل، قد يكون الإنسان وضيعًا بين الناس وهو عند الله بأعلى المنازل.
انتسب رجلان على عهد موسى عليه السلام كما في السلسلة الصحيحة للعلامة الألباني - رحمه الله - فقال أحدهما: «أنا فلان بن فلان وعد تسعة، فمن أنت لا أم لك؟ فقال الآخر: أنا فلان ابن فلان ابن الإسلام، فأوحى الله إلى موسى أن قل لهذين المتسبَين: أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة في النار، فأنت عاشرهم، وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين فأنت في الجنة ثالثهم»[17].
نسأل الله السلامة والعافية! فليست العبرة بالنسب، ولا بالحسب، إن الميزان والمعيار: إن أكرمكم عند الله أتقاكم!
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه 
فلا تترك الدين وتركن إلى النسب
لقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ 
وقد وضع الشرك الشقي أبا لهب
أسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يرزُقنا معرفة قدر أنفسنا، وأن يرزقنا التواضع ويحببه إلى قلوبنا...............
[1] رواه الترمذي (9092).
[2] رواه مسلم (2588).
[3] رواه الترمذي (2352).
[4] رواه البخاري (3445).
[5] رواه البخاري (63).
[6] رواه مسلم (2326).
[7] رواه مسلم (6072)
[8] رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (36454).
[9] رواه البخاري (5191).
[10] رواه أحمد (4009)، (ن) (8807)، (حب) (4733)، (ك) (2453)، انظر الصحيحة: (2257)، و فقه السيرة (ص218)ن و هداية الرواة (3838).
[11] رواه ابن ماجه (3312).
[12] رواه البخاري (5468).
[13] رواه البخاري (5884)، وراه الترمذي (10891).
[14] رواه أحمد (7876).
[15] رواه الترمذي (3774).
[16] رواه أحمد (16033).
[17] رواه أحمد في مسنده (21178)، والصحيحة (1270) للألباني رحمه الله.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|