عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 21-05-2023, 06:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خطبة: وقفات مع آيات

خطبة: وقفات مع آيات(2)
يحيى سليمان العقيلي


معاشر المؤمنين:
نواصل اليوم التدبر لبعض آيات كتاب الله، وكما أمر ربنا جل وعلا وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 29].

فالتدبر والفَهم يُعلِّم الجاهل، ويُذكِّر الناسي، وينبِّه الغافل، ويعِظ المدَّبِّر، ويُثبِّت المستقيم على أمر الله، ونقف اليوم مع آيات من سورة آل عمران، لنجد العَجب العُجاب من سعة رحمة الله ومغفرته وكرمه، لنتأمل هذه الآيات - عباد الله - في استهلالها، ثم فيما جاء في وسطها، ثم لنتدبر ما جاء في خاتمتها من البشارة.

قال تعالى:
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133].

بدأت الآيات بالأمر بالمبادرة والمسارعة لِنَيلِ مغفرة الله، التي هي سبب للفوز بجنة سَعَتُها السماوات والأرض، أعدها الله تعالى لعباده المتقين، الذين اتَّقَوا مخالفة أمره، وتجنبوا التعرض لسخطه؛ بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، ثم شرعت الآيات بذكر خصال وأفعال أولئك المتقين، التي كانت سببًا لفوزهم بهذا النعيم المقيم؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 134].

فهم يبذلون أموالهم في سبيل الله، وابتغاء مرضاته في وقت السعة والسراء، وكذلك في وقت الشدة والضراء، ثم هم متسامحون مع من يخطئ فيهم، يأخذون بالعفو والمسامحة وكظم الغيظ، مع القدرة على الرد؛ وذلك لعلمهم بثواب ذلك عند الله تعالى، وكما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ((من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنْفِذَه، دعاه الله سبحانه على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يخيِّرَه من الحور العين ما شاء))؛ [صحيح الترغيب]؛ ولذلك وصفهم الله تعالى بالمحسنين، وكافأهم بمحبته جل وعلا، فهم قد أنفقوا من أموالهم، كما بذلوا من سعة صدورهم وأخلاقهم، والله يحب المحسنين.

معاشر المؤمنين:
ومع هذه الخصال الكريمة والأفعال الصالحة لأولئك المتقين، فإنهم لم يخرجوا عن بشريَّتِهم، فأصابهم ما يصيب بني آدم؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون))؛ [صحيح الترمذي].

وتأملوا - عباد الله - كيف أن هؤلاء المتقين وقعوا فيما وصف ربنا جل وعلا وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 135].

أسمعتم عباد الله؟ فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم، والفاحشة هي ما قبُح من الذنوب، وظلموا أنفسهم، ومع ذلك، لم يقعوا فريسةً لتَيْئِييس الشيطان وإغوائه، كما يقع البعض، هداهم الله، إذا أذنب أحدهم ذنبًا، وسوس له الشيطان: "أنت ميؤوس منك ولا خير فيك"، وإذا تردد على المساجد قال له: "إنك منافق، كيف تذنب وتأتي لتصلي مع أولئك الصالحين الذين ليسوا مثلك؟ هذا نفاق، والخير ألَّا تأتي المسجد؛ فأنت لا تصلح لهداية ولا لاستقامة، واستمرَّ في غيِّك أفضل".

وهكذا حتى ييأس هذا المذنب من رحمة الله؛ كما في قصة قاتل المائة نفس التي قصها صلى الله عليه وسلم لصحابته، عن رجل قتل تسعةً وتسعين نفسًا ثم ندم، وسأل عمن يفتيه، فدلوه على عابد ولكنه ليس بعالم، فذهب إليه وسأله: هل له من توبة، فرده هذا العابد وصدَّه، وقال: "لا توبة لك"، فلما أيأسه، قتله وكمل به المائة، ثم ندم وعاد يسأل، فدلوه على عالم، فلما سأله قال العالم: ((نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء)).

وهكذا عباد الله، فإن هؤلاء الذين فعلوا الفاحشة أو ظلموا أنفسهم، ذكروا الله تعالى، فندِموا، وأنابوا إلى ربهم، وتابوا من ذنوبهم، ولم يصروا ويقيموا عليها، بل أقلعوا عنها؛ وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53].

وفَّقنا الله لِما يحب ويرضى، وأعاننا على البر والتقوى، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
معاشر المؤمنين:
وماذا كانت عاقبة أولئك؟ وماذا كان جزاؤهم؟ قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: 136].

نعم، عباد الله، جزاء أولئك الذين اتصفوا بتلك الصفات الجليلة الجميلة مغفرة وستر لذنوبهم، ثم جنات فيها البهجة والسرور والبهاء، والقصور، والمنازل العالية الأنيقة، والأشجار المثمرة البهية، والأنهار الجارية في تلك المساكن الطيبة، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا [آل عمران: 136]، لا يَحُولون عنها، ولا يبغون عنها بدلًا، ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: 136]؛ عمِلوا لله قليلًا فأُجِروا كثيرًا، فتأملوا - أثابكم الله - في سَعَةِ رحمة الله، وانظروا في تلك الخصال الكريمة التي امتدح ربنا أهلها، وتدبروا فيما ينبغي على المؤمن فعله إذا أذنب أن يبادر إلى التوبة والأوبة والاستغفار، كما رغَّبنا ربنا جل وعلا؛ وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133].


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.18 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.34%)]