الشاهد الثاني: ما رُوي عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ؛ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ»، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثًا في هذه وثلاثًا في هذه.
ورُوِيَ من نفس الطريق، ولكن بلفظ: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم مكحلة، يكتحل منها ثلاثًا، في كل عين.
قلت: وهذا منكر.
فأما اللفظ الأول: فأخرجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (2803)، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
وأخرجه من طريق الطيالسي: الترمذي في «الجامع» (1757)، وفي «العلل» (528)، والبيهقي في «الكبير» (8257)، وفي «الشعب» (6008)، وفي «الآداب» (613)، والبغوي في «شرح السنة» (3201).
وأخرجه من طريق عباد بن منصور: الترمذي في «جامعه» (2048)، والبغوي في «شرح السنة» (3203).
قال الترمذي في «العلل»: «سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث محفوظ، وعباد بن منصور صدوق».
وقال في «الجامع» في الموضع الأول: «حديث حسن، لا نعرفه على هذا اللفظ، إلا من حديث عباد بن منصور».
وقال في الموضع الثاني: «هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عباد بن منصور».
وقال البيهقي: «هذا أصح ما رُوِي في اكتحال النبي صلى الله عليه وسلم».
وقال في «الشعب»: «من أفراد عباد بن منصور عن عكرمة».
قلت: إن كان الإمام البيهقي يعني بقوله: «أصح»؛ أي: صحيح؛ فلا.
ولذلك فقد تعقبه ابن التركماني في «الجوهر النقي» (4/ 262)، فقال: «قلت: ظاهر هذا الكلام يقتضي صحة هذا الحديث؛ وكيف يصح وعباد بن منصور ضعيف عندهم، وقال الترمذي: لا نعرفه على هذا اللفظ إلا من حديث عباد بن منصور. انتهى كلامه. وللحديث علة أخرى وهي أن عبادًا لم يسمعه من عكرمة، بل بينهما رجلان»اهـ.
وأما اللفظ الثاني: فأخرجه ابن أبي شيبة (23490) و(25636)، وأحمد (3318) و(3320)، وعبد بن حميد في «المنتخب من مسنده» (573)، والترمذي في «الشمائل» (51)، وأبو يعلى في «مسنده» (2694)، وابن الأعرابي في «معجمه» (1580)، والطبري في «تهذيب الآثار» (1/ 472)، والطبراني في «الكبير» (11/ 325) (11888)، وابن حبان في «المجروحين» (2/ 156)، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي» (523)، والحاكم في «المستدرك» (8249)، من نفس الطريق السابق: عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال الطبري: «وهذا خبر عندنا صحيح سنده».
وقال الحاكم: «حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه؛ وعباد لم يُتَكلم فيه بحجة».
وتعقبه الذهبي بقوله: «ولا هو بحجة».
وأخرجه العقيلي في «الضعفاء» (3827)، من مناكير عباد بن منصور، ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُ مَا اكْتَحَلْتُمْ بِهِ الْإِثْمِدُ»، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثًا في كل عين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مَرَرْتُ بِمَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ».
قلت: عباد بن منصور الناجي.
روى ابن أبي حاتم بإسناده، عن علي بن المديني، قال: «قلت: ليحيى بن سعيد: عباد بن منصور تغير؟ قال لا أدري؛ إلا أنَّا حين رأيناه نحن كان لا يحفظ، ولم أر يحيى يرضاه».
وقال ابن معين في «تاريخه» رواية الدوري (3278): «عباد بن منصور ليس بشيء».
وفي «سؤالات ابن أبي شيبة» (13): «وسألت عليًّا عن عباد بن منصور، فقال: ضعيف عندنا، وكان قدريًّا».
وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/ 86): «سألت أبي عن عباد بن منصور، قال: كان ضعيف الحديث، يُكتب حديثه.
وسئل أبو زرعة عن عباد بن منصور، فقال: بصري ليِّن»اهـ.
وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (6/ 86): «في روايته عن عكرمة وأيوب ضعف».
قلت: ثم إنه قد ثبت أن عباد بن منصور لم يأخذ هذا الحديث عن عكرمة مباشرة.
قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/ 86): «سألت أبي عن عباد بن منصور، قال: كان ضعيف الحديث، يُكتب حديثه، ونرى أنه أخذ هذه الأحاديث عن ابن أبي يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس»اهـ.
وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (6/ 16، 17): «سألت أبي عن حديث رواه زياد ابن الربيع، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مررت بملإ من الملائكة ليلة أسري بي إلا كلهم يقول لي: عليك بالحجامة يا محمد»؟
قال أبي: هذا حديث منكر.
قال أبي: يقال: إن عباد بن منصور أخذ جزءًا من إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ فما كان من المناكير فهو من ذاك»اهـ.
وقال ابن ابي حاتم في «العلل» (6/ 215، 216): «سألت أبي عن حديث رواه عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكحل؟
قال أبي: عباد ليس بقوي الحديث، ويروي عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود ابن حصين، عن عكرمة، فأنا أخشى أن يكون ما لم يُسَمِّ: إبراهيم؛ فإنما هي عنه مُدَلَّسة»اهـ.
وروى العقيلي في «الضعفاء» (4/ 102)، بإسناده، عن علي بن المديني، قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: قلت لعباد بن منصور الناجي: سمعت ما مررت بملإ من الملائكة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل ثلاثًا؟ فقال: «حدثني ابن أبي يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس».
وقال ابن حبان في «المجروحين» (2/ 156) في ترجمة عباد بن منصور: «وكل ما روى عن عكرمة، سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، فدلسها عن عكرمة؛ منها: عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له مكحلة يكتحل بها في كل ليلة ثلاثًا في هذه وثلاثًا في هذه»اهـ.
قلت: وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، كذاب.
روى العقيلي في «الضعفاء» (1/ 218)، بإسناده إلى يحيى بن سعيد، قال: «سألت مالك بن أنس عن إبراهيم بن أبي يحيى؛ أكان ثقة في الحديث؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه»اهـ.
قال الدوري في «تاريخه» (721): «سمعت يحيى يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كان كذابًا، وكان رافضيًّا».
وقال ابن أبي شيبة في «سؤالاته لابن المديني» (153): «سمعت عليًّا يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب، وكان يقول بالقدر».
وقال العقيلي في «الضعفاء» (1/ 218): «حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، فقال: ثقة، ولكن ابنه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ترك الناس حديثه»اهـ.
وفيه أيضًا، عن أحمد بن حنبل أنه ذَكَر إبراهيم بن أبي يحيى، فقال: يأخذ حديث الناس فيجعله في كتبه ويرويه عنهم يدلسه، فقيل له: مَن هذا؟ فقال: إبراهيم بن أبي يحيى.
وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 323): «كان يرى القدر، وكلام جهم.
عن يحيى بن سعيد: تركه ابن المبارك، والناس.
حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: نهاني مالك، عن إبراهيم بن أبي يحيى، قلت: من أجل القدر تنهاني عنه؟ قال: ليس في دينه بذاك.
قال يحيى: كنا نتهمه بالكذب»اهـ.
وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 126): «سمعت أبي يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب متروك الحديث، ترك ابن المبارك حديثه.
وسئل أبو زرعة عن إبراهيم بن أبي يحيى، فقال: ليس بشيء»اهـ.
وفيه أيضًا، عن بشر بن المفضل، قال: «سألت فقهاء المدينة عن إبراهيم بن أبي يحيى فكلهم يقول: كذاب، أو نحو هذا».
وروى العقيلي في الضعفاء» (1/ 219)، عن أبي داود قال: «إبراهيم بن أبي يحيى، قدري، رافضي، كذاب».
وفيه أيضًا، كذبه يزيد بن هارون.
• وداود بن الحصين، قال علي بن المديني كما في «الجرح والتعديل» (3/ 409): ما روى عن عكرمة، فمنكر الحديث.
وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير، وأحاديثه عن شيوخه مستقيمة.
فتبيَّن أنه حديث منكر، خلافًا لمن صححه.
وقد روي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق أخرى بلفظ مقارب؛ وهو:
الشاهد الثالث: ما رواه أبو يعلى في «مسنده» (2611)، والطبراني في «الكبير» (10/ 314) (10766)، وفي «الدعاء» (402)، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي» (524)، من طريق عمرو بن الحصين، عن يحيى بن العلاء، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اكتحل، جعل في كل عين اثنتين، وواحدة بينهما.
قلت: وهذا موضوع.
• عمرو بن الحصين؛ هو الكلابي البصري، متروك.
قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/ 229): «سمع منه أبي، وقال: تركت الرواية عنه، ولم يحدثنا بحديثه، وقال: هو ذاهب الحديث، ليس بشيء، أخرج أول شيء أحاديث مشبَّهة حسانًا، ثم أخرج بعد لابن علاثة أحاديث موضوعة، فأفسد علينا ما كتبنا عنه، فتركنا حديثه.
وسئل أبو زرعة عنه عند ما امتنع من التحديث عنه؛ فقال: ليس هو في موضع يُحدَّث عنه؛ هو واهي الحديث»اهـ.
وقال ابن عدي في «الكامل» (8/ 6): «حدَّث بغير حديث عن الثقات منكر، وهو مظلم الحديث».
وقال الدارقطني في «الضعفاء والمتروكين» (2/ 165): «متروك».
وقال ابن حجر في «التقريب»: «متروك».
• ويحيى بن العلاء.
روى العقيلي في «الضعفاء» (6/ 414)، عن عبد الرزاق، قال: سمعت وكيعًا، وذكر يحيى بن العلاء، فقال: كان يكذب، وحدَّث في خلع النعال نحو عشرين حديثًا.
قال أحمد كما في «الضعفاء» لابن الجوزي (3/ 200): «كذاب يضع الحديث».
وقال البخاري في «الأوسط» (2/ 141): «تكلم فيه وكيع وغيره».
وقال النسائي في «الضعفاء والمتروكين» (627): «يحيى بن العلاء، متروك الحديث».
وروى العقيلي في «الضعفاء» (6/ 415)، عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال: يحيى بن العلاء، شيخ واه.
وقال ابن عدي في «الكامل» (4/ 248): «أحاديثه موضوعات».
وروى له ابن عدي (10/ 531) أحاديث، ثم قال: وله غير ما ذكرت، والذي ذكرت مع ما لم أذكره كله لا يتابع عليه، وكلها غير محفوظة، والضعف على رواياته وحديثه بيِّن.
وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (9/ 180): «عن عبد الرزاق، قال: قلت لوكيع: ما تقول في يحيى بن العلاء الرازي؟ فقال: ما ترى ما كان أجمله ما كان أفصحه، فقلت ما تقول فيه؟ فقال: ما أقول في رجل حدَّث بعشرة أحاديث في خلع النعل إذا وُضِع الطعام.
سمعت أبي يقول: سألت يحيى بن معين عن يحيى بن العلاء، فقال: ليس بشيء.
وعن عمرو بن علي قال: يحيى بن العلاء الرازي، متروك الحديث جدًّا.
سمعت أبي يقول: رأيت أبا سلمة ضعف يحيى بن العلاء وكان قد سمع منه.
سألت أبي عنه، فقال: تكلم فيه وكيع.
وقال أبو زرعة: في حديثه ضعف.
سمعت أبي يقول: ليس بالقوى»اهـ.
وقال ابن حجر في «التقريب»: «رُمي بالوضع».
• وعطاء بن يسار، وصفوان بن سليم، ثقتان مشهوران.
الشاهد الرابع: أخرجه الطبراني في «الأوسط» (8340)، عن موسى ابن زكريا، عن النضر بن طاهر، عن سويد أبي حاتم، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائْتَدِمُوا مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، يَعْنِي: الزَّيْتَ، وَاكْتَحِلُوا بِهَذَا الْإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ مَجْلَاةٌ لِلْبَصَرِ، وَمَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلْيُصِبْ مِنْهُ».
قلت: وهذا موضوع أيضًا.
قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن ليث عن مجاهد إلا سويد أبو حاتم».
قلت: وسويد أبو حاتم، صدوق سيئ الحفظ له أغلاط؛ كما قال ابن حجر في «التقريب».
• وشيخه، ليث بن أبي سُليم، ضعفه الأئمة؛ كما في «التهذيب»، وقال عنه ابن حجر في «التقريب»: «صدوق، اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه، فَتُرِك».
• والراوي عنه، النضر بن طاهر.
قال ابن عدي في الكامل (10/ 164): «ضعيف جدًّا، يسرق الحديث، ويُحدِّث عمن لم يرهم، ولا يحتمل سِنُّهُ أن يراهم»اهـ.
وذكر له ابن عدي عدة أحاديث وقال: إنه سرقها.
وقال المزي في «تهذيب الكمال» (19/ 118) في ترجمة عبيد الله بن عكراش: «روى عنه أبو الحجاج النضر ابن طاهر البصري؛ أحد الضعفاء المتروكين».
• وشيخ الطبراني، موسى بن زكريا؛ ذكره ابن حجر في «لسان الميزان» (6/ 117)، وقال: «تكلم فيه الدارقطني، وحكى الحاكم عن الدارقطني أنه متروك».
الشاهد الخامس: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ كُحْلِكُمُ الْإِثْمِدُ، أَجْلَاهُ لِلْبَصَرِ وَأَنْبَتَهُ لْلَأَشْعَارِ، وَخَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبِيضُ، أَلْبِسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا بِهَا مَوْتَاكُمْ».
قلت: وهذا ضعيف جدًّا.
أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (1042)، ومن طريقه الشهاب في «مسنده» (1254)، عن إبراهيم بن سليمان، عن عثمان بن سعيد البصري الطبيب، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، به.
• وفيه إبراهيم بن سليمان؛ وهو: النهمي الكوفي.
قال الدارقطني في «سؤالات الحاكم» (40): «متروك».
واتهمه الذهبي في «الميزان» (1/ 75) بالوضع.
• وفيه أيضًا مبارك بن فضالة.
قال علي بن المديني: عن يحيى بن سعيد قال: «لم أقبل منه شيئًا إلا شيئًا يقول فيه: حدثنا».
وقال نعيم بن حماد، عن عبد الرحمن بن مهدي: لم نكتب للمبارك شيئًا إلا شيئًا يقول فيه: سمعت الحسن.
وقال أبو زرعة: يدلس كثيرًا، فإذا قال: حدثنا، فهو ثقة.
وقال أبو عبيد الآجري، عن أبي داود: كان شديد التدليس.
وقال فيه ابن حجر في «التقريب»: «صدوق، يدلس، ويسوي».
قلت: وقد عنعن هنا.
وفي الإسناد أيضًا عنعنة الحسن.
الشاهد السادس: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اكْتَحَلَ بِالْإِثْمِدِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرْمَدْ أَبَدًا».
قلت: وهذا موضوع.
أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (3517)، وفي «فضائل الأوقات» (246)، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 203)، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، به.
قال البيهقي: «وجويبر ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس».
وأورده الصغاني في «الموضوعات» (140).
وقال الألباني في «الضعيفة» (2/ 89): «موضوع».
قلت: قد روى ابن أبي شيبة في «المصنف» (35013)، قال حدثنا أبو داود، عن شعبة، قال: أخبرني مُشَاشٌ، قال: سألت الضحاك: رأيت ابن عباس؟ فقال: لا.
وقال ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 204): «قال الحاكم: أنا أبرأ إلى الله من عهدة جويبر.
قال: والاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أثر؛ وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين عليه السلام.
وقال أحمد: لا يُشتغل بحديث جويبر.
وقال يحيى: ليس بشيء.
وقال النسائي، والدارقطني: متروك»اهـ.
الشاهد السابع: عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثًا، وفي اليسرى ثلاثًا بالإثمد.
قلت: وهذا معل.
أخرجه أبو الشيخ في «أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم» (526)، ومن طريقه البغوي في «شرح السنة» (3205)، من طريق محمد بن أحمد بن الوليد الثقفي، عن إبراهيم بن يونس الحَرْمي، عن عثمان بن عمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عمران بن أبي أنس، عن أنس، به.
ولفظ البغوي: «وفي اليسرى اثنتين».
• محمد بن أحمد الثقفي.
قال أبو الشيخ في «طبقات المحدثين» (3/ 497): «كتبنا عنه غير حديث لم يُكْتَب إلا عنه؛ فمما كتبنا عنه من الغرائب - وكان أحد الثقات -...»، وذَكَرَ أحاديث.
وقال أبو نعيم: «ثقة أمين». انظر: «لسان الميزان» (6/ 525).
• وإبراهيم بن يونس الحرمي.
قال النسائي: «صدوق»، وكذا قال الحافظ في «التقريب».
وقال ابن حبان في «الثقات»: «يغرب».
• وعثمان بن عمر بن فارس العبدي.
قال أحمد: «رجل صالح ثقة»، وقال ابن معين: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «صدوق، كان يحيى بن سعيد لا يرضاه». انظر: «ميزان الاعتدال» (3/ 49).
• وعبد الحميد بن جعفر، هو ابن عبد الله الأنصاري، ثقة، من رجال مسلم.
• وعمران بن أبي أنس، ثقة، من رجال مسلم.
قلت: وهذا سند معلول؛ قد خُولف فيه عثمان بن عمر.
فقد أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (23487) و(25635)، عن عيسى بن يونس، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عمران بن أبي أنس، مرسلًا، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتحل بالإثمد، ويكحل اليمنى ثلاثة مراود، واليسرى مرودين.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
وعيسى بن يونس؛ هو ابن أبي إسحاق السبيعي، إمام ثقة، وقد خالف عثمان بن عمر، فرواه مرسلًا، وهذا يُعِلُّ السند المتصل.
وأخرجه أيضًا ابن سعد في «الطبقات» (1/ 484)، عن الفضل بن دكين، ومحمد بن ربيعة الكلابي، قالا: أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمران بن أبي أنس، به، مرسلًا.
قلت: فهذان ثقتان آخران خالفا عثمان بن عمر، فروياه مرسلًا.
ويُعَلُّ السندُ المتصل أيضًا بأن فيه أكثر من راوٍ متصف بالإغراب.
وأما الشيخ الألباني رحمه الله، فقد صحَّحَ الطريق الموصولة؛ فقال في «الصحيحة» (2/ 214): «ثم أوقفني الأستاذ شعيب الأرناؤط على وصله في «أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم» لأبي الشيخ، من هذا الوجه عن عمران عن أنس مرفوعًا به، ورجاله ثقات، فثبت موصولًا، والحمد لله»اهـ.
قلت: ولكن هذه الطريق الموصولة لا يُفرح بها؛ حيث قد خالف عثمان بن عمر مَن هم أوثق منه، وأكثر منه عددًا.
ثم إن هذا الطريق فيه أكثر من راوٍ موصوف بالإغراب؛ كما تقدم؛ فقد يكون أحدهم قد أخطأ على عثمان بن عمر.
ثم رأيت الشيخ الحويني حفظه الله في «جُنَّة المرتاب» (1/ 354، 355) يصحح الطريق الموصولة أيضًا، فقال: «قلت: وإسناده صحيح، إن كان محمد بن أحمد بن الوليد الثقفي، ثقة.
وقد تعقبني الأخ الشيخ محمد بن عمرو، فقال: «ولكنه معلول[1]؛ فقد رواه وكيع[2]، وغيره، عند ابن سعد، عن عمران بن أبي أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا أرجح؛ لاتفاق ثقتين أحدهما وكيع، والآخر صدوق[3]، بمخالفة واحد صدوق أيضًا، ولكن المرسل له شاهد موصول عن ابن عمر بسند ضعيف».
قلت [الحويني]: ولا تُعِلُّ إحدى الروايتين الأخرى؛ لا سيما والذي وصل ثقة حافظ من رجال الشيخين؛ وقد وثَّقه أحمد، وابن معين، وابن سعد، وابن حبان، والعجلي، وزاد: «ثبت».
وترجيح الموصول على المرسل هو المذهب السائد عند جمهور أهل الحديث؛ لا سيما إن كان الواصل ثقة، كما هو الحال هنا.
ولعلَّ هذه الطريقة أولى من ترجيح المرسل، ثم نعضده بشاهد ضعيف. والله اعلم.
ثم رأيت شيخنا في «الصحيحة» اعتمد الطريق الموصولة، وقال: «رجاله ثقات»، فثبت موصولًا والحمد لله». انتهى كلام شيخنا الحويني حفظه الله.
يتبع