رد: اللغة العربية لسان وكيان
اللغة العربية
لسان وكيان
أحمد محمد جمال
لغة عربية جديدة
وفي عام 1393 هـ " 1973 م " انعقد في برمانا في لبنان مؤتمر ضم عددا من أساتذة الجامعات في أمريكا وأوروبا والبلاد العربية . وبحث فيه اقتراح فرنسي قدمه جاك بيول ، وأندريه رومان ، ورولان مانيه . . بإيجاد لغة عربية جديدة تكون مفرداتها هي المفردات الأكثر تداولا بين الناطقين بالضاد . . أي استعمال اللهجات العامية الدارجة ، وذلك بحجة أن " الاستعمال هو السيد الذي يفرض نفسه " .
وهكذا يتكرر الزعم الفاسق بأن الفصحى لا تستجيب للحضارة الحديثة ، ولا تستوعبها ، وأنها عسيرة على الذين يتعلمونها ، ولا بد من استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية ، وكتابتها باللهجات العامية الدارجة . . وقد قام فريق من الأدباء العرب بتأليف الكتب ، ونظم الأشعار ، وكتابة القصص باللهجات العامية تطبيقا لهذه الدعوة الماكرة ، ومظاهرة لدعاتها الكائدين للإسلام والعربية ، ومحاولة لإقناع الجماهير بأن اصطناع اللغة العامية في الأدب العربي والصحافة العربية . . إنما هو اعتراف بحقها - أي الجماهير - في العلم والفهم ، وفي التأثر بالرأي العام والتأثير فيه .
والدعاة الآخرون إلى الشعر الحر ، والشعر المرسل . . المنتقدون لقواعد القصيد العربي ونظام الوزن والقافية - ليسوا بعيدين عن ميدان التآمر على اللغة العربية وبلاغتها المؤثرة ، وأدبها الممتع .
وليس أدل على خطأ هذه الدعوات والمحاولات ، وخداع حملتها وافترائهم وزروهم ، من الحقائق والتجارب العلمية والتربوية التالية : -
أولا : أن ما تتهم به العربية من تقصير ليس في ذاتها ، وإنما التقصير الحقيقي هو في نفر من المدرسين الذين يتولون تدريسها للطلاب في المعاهد والكليات ، ويؤلفون فيها كتبهم ومراجعهم ( كما يقول الدكتور عمر فروخ ) .
ثانيا : أن أحد أسباب الصعوبة التي يجدها الأطفال في تعلم اللغة العربية : هو فرض لغة أجنبية عليه في المدرسة في سن مبكرة ، وأن ازدواجية اللغة في هذه السن الباكرة هي الخطر الحقيقي الذي تتجنبه كل دول العالم ، فاللغة الأجنبية يمكن تعلمها عند الحاجة إليها في ثلاث شهور ، كما يقول أحد رجال التربية في لبنان " في مجلة الحوادث عام 1973 م " .
ثالثا : أن اللغة العربية حفظت التراث العالمي ، والعلمي بالذات ، واستوعبتهما قرونا طويلة من الزمن ؛ فكيف تعجز الآن عن القيام بنفس الدور ؟ .
رابعا : إن ثمة مصاعب تواجه كل لغة في العالم ، وثمة طرق وأساليب للتغلب على تلك المصاعب ، أهمها : بالتأكيد تطوير طرق تدريس اللغة وتعلمها .
خامسا : يقول الكاتب الإنجليزي " هكسلي " : إن كتابة العلوم والآداب باللغة العامة يضعف المواهب العلمية ، ويقضي على ملكة الإنشاء الفصحى . لذلك ينبغي أن نرقي بعقول العامة إلى فهم لغة العلم والأدب العالية . . لا أن ننزل بالعلماء والأدباء إلى مستوى العامة .
ومع يقيننا الثابت بخسران هذه المحاولة اللئيمة في معركتها الفاشلة ضد اللغة العربية ، لغة القرآن ولغة الدين الإسلامي ، خسرانها اليوم وغدا كما خسرت بالأمس القريب والبعيد ، إلا أننا لا نجد بدا من وقفة قصيرة ، نرد فيها الشبهة التي يختلقها الدعاة المتآمرون ، حول مقدرة اللغة العربية وكفايتها وبلاغتها ، وتفضح - إلى جانب ذلك - ما تقتضيه دعوتهم المنكرة من تخريب للمجد الأدبي العربي ، وتذويب للشخصية العربية الأصيلة لغة وأدبا وتاريخا وحضارة .
إن الدفاع عن اللغة العربية الفصحى : هو دفاع عن القرآن ، وعن الدين الإسلامي : قرآنه ، وحديث رسوله ، وتاريخه ، وتراثه الفقهي ، وذخائره الفكرية والأدبية الخالدة الماجدة . .
واللغة العربية التي حملت هذا الميراث الضخم الفخم المتطاول على الزمن من حضارة الإسلام الدينية والفكرية والعلمية منذ أربعة عشر قرنا - لا يعجزها بل لم يعجزها فعلا أن تمضي في رسالتها البيانية والتاريخية وإلى الأبد الأبيد .
أما أنها عسيرة على الذين يتعلمونها ، فهذا شأن كل لغة أجنبية يتعلمها من هو من غير أهلها . فاللغة الإنجليزية أو الفرنسية - مثلا - عسيرة على الذين يتعلمونها من العرب لكثرة ما فيها من شواذ في القاعدة ، والنطق ، والكتابة . . وهو ما لا يوجد في العربية مثيله أو نظيره .
أما عواقب التذويب والتخريب ، التي يقتضيها استعمال اللغة العامية في كل قطر عربي ، بديلا عن اللغة الفصحى - فيأتي في مقدمتها الانفصال التام بين شعوب البلاد العربية ، لأن كل شعب منها سيقتصر على لغته المحلية تفاهما وتعاملا ، وتعليما وصحافة وتأليفا ، فيتعذر اللقاء بين الشعوب العربية على علم أو أدب أو تعامل أو فكر أو عمل . وهذا ما تريده " الصليبية الاستعمارية " فصما للوحدة العربية التي وسيلتها اللسان العربي ، وقوامها الدين الإسلامي .
ونقول : إن قوام الوحدة العربية : هو الدين الإسلامي ، لأنه لا يمكن فصل الإسلام عن اللغة العربية ولا عن الأمة العربية التي أعزها الله بالإسلام ، والتي لا يمكن أن تحيى مجيدة سعيدة إلا في ظله الكريم العزيز .
ومن عواقب التخريب والتذويب ، لهذه المؤامرة الماكرة الخاسرة : إهمال جميع الكتب العربية القديمة والحديثة - المؤلفة بالفصحى بما في ذلك مراجع العقيدة والشريعة ، وعلى رأسها القرآن والسنة ، والقيام - من جديد - بوضع كتب باللغة العامية أو بالحرف اللاتيني ، والتدريس في المدارس والمعاهد والكليات ، على الطريقة الجديدة ، بعد إلغاء المناهج الحالية ، وتخريج معلمين ومدرسين على النظام العامي أو النظام اللاتيني !!
وبعد فإن اللغة العربية التي وسعت كتاب الله ( لفظا وغاية ) كما قال " حافظ إبراهيم " ووسعت أيضا حضارة الإسلام خلال أربعة عشر قرنا : علما وأدبا وفكرا وتاريخا ، واستطاع علماء العرب ومفكروهم ومترجموهم - قديما - أن يستولدوها كلمات ومعاني جديدة من لغات أخرى ، عن طريق التعريب والاشتقاق . . .
هذه اللغة الولود الودود ، الغنية السخية ليست عاجزة عن مسايرة ركب العلم الحديث ، وإنما أبناؤها العاقون هم العاجزون . وهم الذين يخربون بيوتهم بأيديهم ، ويطفئون نور حضارتهم بأفواههم ، ويطمسون معالم شخصيتهم العربية الإسلامية الأصلية بآرائهم المنحرفة .
إلا أن المتآمرين على الإسلام ، ولغته ، وتراثه الحضاري المجيد الرشيد : هم الخاسرون . . .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 12-12-2022 الساعة 10:45 PM.
|