عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 27-11-2022, 08:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حياة النابغة الجعدي وشخصيته

كذلك فإن تشبيهه ريق حبيبته بالخمر (وأي خمر؟ إنها:
... قرقفٌ سلافة
إسفنط عقارٌ قليلةُ الندم

أُلقي فيها فلجان من مسك
دارين وفلجٌ مِن فُلفل ضَرِم)

ليدل على أنه بالخمرِ جدُّ بصيرٍ.

كما أن قصائدَه تُرينا أنه كان يعيش في الجاهلية كسائر الجاهليين، يخوض معامعَ المعارك القبَلية، ويَسبي النساء، ويفاخر بقومه مفاخرةَ مَن لا يرى لهم في الحياة كفئًا ولا نظيرًا، مع احتقارٍ شديد للقبائل الأخرى، وهذا الكلامُ إنما تتضمَّنه في الغالب قصائدُه الإسلامية، مما يبرهن لنا على أن هذه الروحَ ظلت مشتعلة لم تَخْبُ حتى في الإسلام، ورجلٌ بهذه الشخصية من الصعب جدِّ الصعب علينا أن نتصوَّرَه من المنصرفين في جاهليته دونما سبب قاهرٍ عن عقائد قومه وعاداتهم ونهج حياتهم إلى البحث عن حقيقة الأديان، ويؤكد هذا تأكيدًا قويًّا شِعرُه الفخري والهجائي الإسلامي، فمِثل ذلك الشِّعر لا ينبئ بأن صاحبَه مِن المفكِّرين والمتأملين الذين يؤثِرون الحياة الساكنة.

فإذا أضفنا أنه لم يتطرق في شعره إلى شيء يفهم منه أنه كان على دين إبراهيم وأنه كان نابذًا للأصنام، تبيَّن لنا أن ما قيل عنه في هذا الصدد هو كلام مجرد كلام.

كذلك فلو كان في الجاهلية على الصورة التي رسمتها لنا تلك الرواية لما تأخر في الوفود على النبي إلى أخريات حياته صلى الله عليه وسلم، فإن شخصًا بهذا الشك لما كان ليصبر على المجيء إلى النبي، ولو لمجرد الاستطلاع، اثنين وعشرين عامًا كلها ممتلئة بالأحداث والصراعات الرهيبة بين ذلك النبي ودِينه من جهة وبين الكفار بأصنامهم وخمرهم وزِناهم وعدوانهم وكِبْرهم من جهة أخرى.

أما القصيدة التي أولها:
الحمدُ لله لا شريك له *** مَن لم يقُلْها فنفسَه ظلما

بما فيها من كلام عن التوحيد والبعث والجنة والنار والتقوى والالتفات إلى آيات الكون والخلق باعتبارها دلائل على وجود الله وقدرته وعظمته، والتي يقول بعض القدماء: إن النَّابغة قد نظمها في الجاهلية كما مرَّ بنا - فسوف نبين في موضعه أن الأمرَ فيها لا يمكن أن يكون كذلك، وأنه إنما نظمها في الإسلام.

بل إن في القصيدة اللامية التي ألقاها بين يدي النبي بيتينِ يدلان بأجلى دليل على أنه لم يكن في جاهليته من ناحية الدين بالصورة التي تقدمه لنا بها الرواية السابقة، وأنه إنما استطاع (بالكاد) أن يعلن إسلامه في حياة الرسول وقبل أن يبادره أجله:
حتى أتى أحمدَ الفرقانُ يقرَؤُه
فينا وكنا بغيبِ الأمر جهَّالا

فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي
حتى لبِسْتُ مِن الإسلام سِربالَا


وحتى في الرائية التي ألقاها وهو واقف بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم نجدُه يفخَر بقومه فخرًا عنيفًا، يكاد يتفجَّر من عنفه، وينقَضُّ بصواعق هجومه على خصوم قبيلته، ولو كان على دين إبراهيم عليه السلام لانصرف على الأقل إلى الكلام عن رحلة بحثه عن الحقيقة، وذكر تحنُّفه في الجاهلية، وكيف أن إسلامه كان نتيجة طبيعية لذلك.

أما قوله فيها:
وطوفتُ في الرهبان أعبرُ دينهم *** وسيَّرتُ في الأحبار ما لم تسيَّرا
فهو بيتٌ يتيم في ديوانه من جهة، ومن جهة ثانية فقد شرع بعده مباشرة يتذكر أيامه عند المنذر بن محرِّق ومنادمته له، وشربه الخمر هناك ... إلخ، مما لا يتناسب مع ذلك البيت، وهو ما يدل على أنه ليس إلا كلامًا عابرًا، ومن جهة ثالثة، وهذا هو المهم، فإن هذا البيت يتحدث عن الرهبان والأحبار، وهؤلاء دينهم شيء، ودين إبراهيم شيء آخر، ثم إنه يقول: إنه كان ينظر في دينهم ويحاول التعرُّف إليه، لا إنه قد استقرَّ على دِين معين ومارس شعائره، وليس في كلامه أية إشارة إلى صيام أو استغفار على حسب ما تدعي الرواية التي نحن بصدد مناقشتها.

ثم إنه يقول عَقِيب ذلك البيت:
فأصبَح قلبي قد صحا، غيرَ أنه *** وكل امرئٍ لاقٍ مِن الدهر قِنطِرا
وهو ما يُعَد اعترافًا منه بأنه كان في الجاهلية ضالًّا، فلما وفد على محمد صلى الله عليه وسلم وآمَن به أفاق من هذا الضلال.

وأخيرًا، فإن رجلًا يقول في الإسلام لامرأة (هي ليلى الأخيلية)، وكانت قد ناصرت بعض أخصامه:
ألا حيِّيَا ليلى وقولا لها: هَلَا
فقد ركبتْ أمرًا أغرَّ محجَّلا

دعي عنك تَهْجاءَ الرجال وأقبلي
على أذلغي يملأ استك فيشلا

بُرَيذينة بل البراذين ثفرها
وقد شرِبَتْ في أول الصيف أيلا[21]

ليس مِن السهل أبدًا علينا أن نقتنع بأنه كان متحفنًا في الجاهلية.

هذا، ونضرب عن الاستشهاد بالبيت الذي ورد في قصيدته السابقة التي ألقاها على مسامع الرسول وأصحابه، ونصه:
إذا أنْعَظَ السعديُّ قبَّل أيرَه *** وألقمه فاه فكان له حِرَا
لأنه إنما ورد فيها على إحدى الروايات فقط[22]، أما الروايتان الأُخريان فلا تعرفانه[23]، ولم يذكره صاحب "الجمهرة" ضمن القصيدة، علاوة على أن الخيال فيه يبدو لي أليق بالعصور التي تلت صدر الإسلام، لا ذلك العصر.

هذا ما قيل عن جاهلية النَّابغة الجَعْدي، وذلك رأينا فيه، أما في الإسلام فإننا نفاجأ به عضوًا في وفد قبيلته الذي قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم عام الوفود ينشده رائيته التي تكررت الإشارة إليها، ومطلعها:
خليليَّ، غضَّا ساعة وتهجَّرا *** ولوما على ما أحدث الدهرُ أو ذرَا[24]
والتي أبدى النبي إعجابه بها ودعا له ألا يُفض فوه، مما سبقت الإشارة إليه.

وقد ذُكر أنه وفد على الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنشده سينيَّته التي يقول في مطلعها:
لبِسْتُ أناسًا فأبليتهم *** وأبلَيْتُ بعد أناسٍ أُناسَا
وأن عمر سأله عن مدى طول عمره، فأجابه بأنه عاصر ثلاثة أجيال، كل جيل ستون عامًا.

وفي عهد عثمانَ رضي الله عنه نسمع به وقد ضربه أبو موسى الأشعري أسواطًا؛ لأنه خرج مع عصبة له استجابة لنداء سمعه من قومه يصيحون به على أفراد القبيلة أن يخرجوا لنصرتهم، عندما بعث في طلبهم أبو موسى حين راعوا زرع الدولة فيما يبدو، وقد قال شاعرنا في أبي موسى الأبياتَ التالية مغتاظًا، وله كل الحق، إن كان كل ما فعله هو ما حكته لنا القصة:
رأيتُ البكرَ بكرَ بني ثمودٍ
وأنت أراك بكرَ الأشعرينا

فإن يكُنِ ابن عفَّانٍ أمينًا
فلم يبعَثْ بك البَرَّ الأمينا

فيا قبرَ النبيِّ وصاحبيه
ألا يا غوثنا لو تسمعونا

ألا صلَّى إلهُكمُ عليكم
ولا صلَّى على الأمراءِ فينا


ونشهَده في عهد عثمان أيضًا وقد أتاه يودعه مسافرًا إلى مضارب قومه في البادية، فقد غلبه الحنين إلى الوطن على نفسه، فذكَّره عثمان رضي الله عنه بأن المهاجر لا يصح له أن يعود إلى دياره؛ لأن ذلك مكروه، ومع هذا فقد نزل عثمان على رغبته وسمح له بالعودة إلى دياره على أن يرجع إلى المدينة مرة أخرى بعد أجلٍ ضربه له، وتمضي الرواية فتقول: إنه قد مرَّ بابني علي: الحسن والحسين رضي الله عنهما وأنشدهما ميميته التي تبتدئ بقوله:

الحمدُ للهِ لا شريك له *** مَن لم يقُلْها فنفسَه ظلَما
يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.48 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.86 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.67%)]