ردود على انتقادات ومطاعن حول الفن الإسلامي
أ. صالح بن أحمد الشامي
7- ويذهب أبو صالح الألفي إلى ما ذهب إليه البهنسي، ويؤكد ما ذهب إليه بقوله: "ويعتقد هذا الفريق من العلماء - "برهير""تراس""نبلسن""لامانس" - أن انصراف المسلمين عن تصوير الإِنسان والحيوان كان حلقة طبيعية في سلسلة تطور الفن في الشرق الأدنى، وأن الفن المسيحي في هذه الأقاليم قد مهد لتلك الحركة بالبعد عن الأصول الإِغريقية"[6].
كانت تلك نماذج من آراء كثيرة أدلت بدلوها في الحديث عن الفن الإِسلامي، بعضها كان يعي ما يقول، ويقصد ما يقول، وبعضها يردد ما يقال وقد مر بعض ذلك فيما سبق[7].
وقبل البدء بمناقشة هذه الآراء، ينبغي أن نذكر ببعض الأسس - التي فصلنا الحديث عنها فيما سبق[8]، والتي لا بد من أخذها بعين الاعتبار في فهم هذا الفن.
قواعد أساسية لفهم الرسم الإِسلامي:
حتى نفهم أي جزئية ترتبط بالمنهج الإِسلامي، لا بد من تصور عام لموقعها من هذا المنهج، وقد بينا ذلك في كتابنا "الظاهرة الجمالية"[9].
والفن بشكل عام - والرسم منه - هو جزئية من هذا المنهج تتساوق معه وتنتمي إليه، وهذا عامل من عوامل جمالها، حيث يتناسق الجزء مع الكل الذي تربطه به دورة دموية وأعصاب ووشائج...
وحتى نفهم هذا الفن لا بد من التعرف على القواعد التي قام عليها في ظل المنهج العام، وحينما نفعل ذلك، لن نواجه تلك المشكلات والمعضلات، ولن نحتاج إلى تخريجات وتخرصات.
1- إن أول ما ينبغي ملاحظته، ونحن ندرس هذا الفن أن ننظر إليه بعين مُسْلِمة - أي من خلال المنهج العام، ومن منظور إسلامي - هذا الأمر، لم ينتبه إليه أكثر الدارسين للفن الإِسلامي بما فيهم الكثير من المسلمين، حيث كانت دراستهم له من خلال عيون المستشرقين، الذين أخذوا بدورهم يطبقونه على قواعد الفن الغربي...
2- الفن الإِسلامي فن ملتزم: والالتزام يعني تجنب ما فيه مضاهاة لخلق الله، ومن ذلك تجنب المحاكاة، والبعد عن تصوير الشخوص إنسانية كانت أم حيوانية.
3- الفن الإِسلامي منوط بالجمال: فغرضه الأول تحقيقه، مطلقًا من القيود[10].
وفي ضوء هذه الأسس، نستطيع فهم الاتجاه الإِسلامي في فن الرسم:
مناقشة المطاعن:
"إن "مناقضة الطبيعة" و"اختفاء العناصر الشخصية" أو "كونها ثانوية" ليس عيبًا في فن الرسم بل هو فضيلة:
والإِسلام حينما منعه، إنما فعل ذلك لأكثر من سبب:
فهو يتعارض مع العقيدة إذ هو مضاهاة لخلق الله.
ودور الفنان فيه النقل، وليس الإِبداع.
وينعدم فيه الجمال... لأنه حينئذ من صنع الله، ويبقى دور الفنان هو مهارته في إتقان النقل ودقة المحاكاة[11].
أما عدم ظهور التعبيرات العاطفية على وجوه الأشخاص، في الحالات القليلة التي عمد فيها الفنان إلى رسم الأشخاص فيرجع إلى التزام الفنان حيث لم يقصد برسم الأشخاص أكثر من الإِشارة إلى وجودهم، ولذا لم يهتم بتقاطيع الوجوه وبيان الملامح، وإظهار التعبيرات النفسية والعواطف.. إن الإِنسان في الرسم هنا تكميل لعناصر اللوحة فالغاية الإِشارة إلى وجوده وليس بيان ملامح إنسان بعينه.
وللسبب نفسه كان رسم الطبيعة المؤسلبة أو الشخوص في مجال البعدين وغض النظر عن البعد الثالث ابتعادًا عن المحاكاة.
وإذن: فعدم إبراز التعبيرات العاطفية على الوجوه، لم يكن من باب العجز، ولا من باب البلادة، كما عزاه بعضهم، وإنما كان من باب الالتزام.
وهذا المذهب الذي لجأ إليه الفنان المسلم هو الذي جعل هذه اللوحات لا تخرج عن الوظيفة الجمالية.
والتقيد بتلك الأسس هو الذي حرر الفنان من غل المحاكاة، ودفعه إلى البحث عن مجالات تتحقق فيها شروط الالتزام التي أخذ نفسه بها.
وقد وجد في فن الزخرفة ما يحقق له ذلك، فانطلق خياله يبدع الأشكال في مجال رحب لا حدود له، مما صبغ إنتاجه بهذه السمة الفريدة في الفن الإِسلامي، فكانت لوحاته بلا حدود، فإذا وقفت حدود اللوحة أو السطح في وجهها ظلت ممتدة عبر الخيال.
ووجد في قداسة الكلمة القرآنية ميدانًا بكرًا لم تلجه حضارة من الحضارات، حيث التقى الفن بالجمال في ظلال القداسة، فإذا الكلمة المرسومة تضحي ذلك الفن الإِسلامي الخالص وقد تحقق فيها قوله تعالى: ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾، نور مبعثه عُلْوِية الكلمة وقدسيتها، ونور مبعثه ما تحمله من هداية وحكمة، ونور مبعثه جهد الفنان وعبقريته في جعلها لوحة مشاهدة... تملأ العين جمالًا والقلب حكمة...
وهكذا نجد أنفسنا أمام نظرية كاملة يأخذ بعض أركانها ببعضها الآخر في تكاتف عجيب، حتى بدت وحدة واحدة.
وننتقل الآن إلى بقية المطاعن والإِشكالات:
• إن كل ذلك الركام من الكلام الكثير، حول قضية تحريم التصوير، أو عدم تحريمه لا قيمة له. لأن الفن الإِسلامي التزم "التحريم" عمليًا في إطار التشبيه والتشخيص. وبهذا فقد أعطى بيانًا عمليًا للحكم.
أما كون التحريم أثرًا من آثار اليهود؟!
وكونه ناتجًا عن فعل المحدثين، فذلك مما يضحك!! ذلك أن قائله يجهل جهلًا تامًا أوليات قواعد التشريع الإِسلامي، فذهب يهذي.. والأعجب من هذا أنه وجد من ينقل عنه ذلك الهذيان.
وغريب أيضًا أن يكون الحكم الشرعي في قضية تحريم التصوير مطروحًا للتصويت؟! وأن يكون المصوتون من غير المسلمين؟؟ ونسوق كمثال على ذلك ما جاء في كتاب "الفن الإِسلامي" إذ جاء فيه: "... ومن المستشرقين والعلماء المعاصرين من يعارض نظرية التحريم أصلًا، ومن هؤلاء الأستاذ كريزويل، والأب لامانس والأستاذ أرنولد. أما العلماء ورجال الدين العرب (هكذا) المعاصرون فيبيح أغلبهم التصوير..."[12] ثم ساق ثلاث فتاوى لمحمد عبده ورشيد رضا ومحمود شلتوت مال فيها أصحابها إلى عدم التحريم[13].
لقد تبين مما سبق أن بنية فن الرسم الإِسلامي تقوم على الابتعاد عن تصوير الأشخاص فما ضرورة هذه المناقشات، وما حاجتنا إلى هذه الفتاوى، إن الذين سيأخذون بها سينتجون فنًا غير إسلامي. ولو وقف الذين أعطوا هذه الفتاوى على أسرار الفن الإِسلامي لم يفعلوا ما فعلوا. فقد خاضوا في مسألة لم يقفوا على أولياتها...
• وأما القول بأن المسلمين خرجوا على هذا التحريم، لأنه مناف للطبيعة البشرية، فإنه يدفعنا للسؤال التالي: متى حديث هذا الخروج؟ وما مقدار حجمه؟ وفي أي قطر؟
إن "ت. و. أرنولد" نفسه، قائل هذا القول، يؤكد قلة هذا الخروج، وعلى فرض صحة قوله، فإن الشواذ لا تلغي القاعدة، وقد سبق في بحث الالتزام الحديث عن ذلك. إذ لا يسمى الفن فنًا إسلاميًا بناءًا على هوية فاعله من حيث المكان أو الزمان، وإنما بناء على التزام الفنان بإسلامه.
وأما القول:
• بأن الإِسلام لم يترك في نفس المسلم مكانًا للفن على الإِطلاق.
• وبأن الإِسلام حين حرم التصوير جفف ينابيع فني الرسم والنحت.
• وبأن الخوف من اليوم الآخر أورث تضادًا بين الفن والإِسلام.
• وبأن فشل العرب في فن الرسم يعزى إلى ذكائهم المحدود...
فكل ذلك غايته الطعن في إمكانات الفنان المسلم. وإظهاره بمظهر التخلف، وتلك قضية لا تحتاج إلى المناقشة، فقد بلغ الفنان المسلم منزلة تقل عنها منزلة كل فنان آخر، والبرهان قائم في كل أثر تركه فنان مسلم. ومع ذلك نسوق مثالين من أمثلة لا تحصى عن إبداع هذا الفنان، ننقلهما من كتاب (الخط في الفن العربي) لمؤلفه الدكتور مصطفى محمود غلام، مع تعليق المؤلف عليهما.
يتبع