كيف تبني نفسك؟
د. علي أحمد الشيخي
6- اعتن بوقتك واستثمره في المفيد، واحذر لصوص الوقت:
يقول أسطورة التنمية البشرية كوب ماير: "افعل ما يجب عليك فعله، وقتما يتحتم عليك فعله، سواء أكنت تحب ذلك الفعل أم كنت لا تحبه"، ومن وسائل تعويد الإنسان على الدقة في الوقت هو أن يتعود مع أشخاص آخرين لتَكُون التربية جماعية، ومن أحسن طرق استثمار الوقت تنظيمُه؛ فالتنظيم أساس النجاح، وعوِّد نفسك على الاستيقاظ المبكر، وكن من جوقة المبكرين Early Rise، قال بعض السلف: "عجبتُ لمن يصلي الصبح بعد طلوع الشمس كيف يُرزَق؟"، وقال بعضهم: "من يصل مبكرًا، يجد له موقعًا".
7- استثمر الإجازات الكبيرة في التطوع أو العمل لكسب الخبرة:
فالوقت مما يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة، والنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل؛ ولهذا أنصح الشباب باستغلال الإجازات الصيفية بالعمل في الشركات؛ كي يكتسبوا خبرة تنمي مهاراتهم، كما أنصحهم أيضًا بالانخراط في الأعمال التطوعية، فهذا مما يفتح لهم أبوابًا نحو المستقبل، وجاء في نصائح جاكسون براون لابنه عندما دخل الجامعة قوله: "شَجِّع أبناءك على العمل في أوقات فراغهم حالما يبلغون سن 16 سنة".
8- جرب ولا تخف من الفشل:
وتأكد أن الألماس والذهب لا يلمعان بدون احتكاك، وكذلك الإنسان لا يُصقل بدون تجارب، والكعكة لا تفوح رائحتها الزكية إلا عندما تمسها النار، فلا تَهَبِ التجارب، واستفد منها لصقل خبرتك، ودَوِّن في مذكراتك المحاولات الخاطئة والآليات التي اتبعتها؛ حتى لا تكررها مرة ثانية لأنها لن توصلك للحل الصحيح، يقول أينشتاين: "الجنون هو أن تفعل نفس الشيء مرة بعد أخرى بنفس الخطوات، ثم تتوقع نتائج مختلفة"، ويقول أيضًا: "المعرفة تأتي بعد الخبرة، فالمعرفة ليست المعلومة، وإنما مصدر المعرفة الوحيد هو التجربة والخبرة"، وقديمًا قيل: "خير لك أن تسأل مرتين، من أن تخطئ مرة واحدة".
9- اعمل على شحن بطاريتك:
نعني بالبطارية هي عزمك وطاقاتك وإيمانك وإيجابيتك، وهي تلك القوة التي تدفعك داخليًّا للعمل، وتؤكد عليك يومًا بعد يوم أنك قادر على تحقيق الكثير من أهدافك في الحياة، وأن طموحك يجب أن يظل عاليًا، وأنك قادر على الوصول إليه، وأن متعة الحياة هي أن تظل دومًا تضيف لنفسك الجديد؛ ولذا عليك أن تطور ذاتك بالقراءة وحضور الدورات التي تصقل مهاراتك؛ فالحياة ليست بحثًا عن الذات، ولكنها رحلة لصنع الذات، فاصنع من نفسك نموذجًا يصعب تقليده، وتعلم من كل شخص تقابله يمتلك شيئًا مميزًا لتضيف لنفسك شيئًا جديدًا، وتأكد أن مما يساعدك على الاحتفاظ بطاقتك أن يكون قلم التصحيح بيدك لا بيد الآخرين، وكن صادقًا مع نفسك عند تقييم معايير مشاريعك في الحياة، وزِن الأمور بميزان العقل، وساهم في شحن بطارية كل من تتعامل معه بالابتسامة والكلمة الطيبة والتحفيز والمشورة الصادقة، وثِق أنك ستكون أول المستفيدين؛ لأنك ستضمن لنفسك العيش في بيئة إيجابية.
10- ليكن لك مشروع في الحياة:
الميلاد الحقيقي للإنسان هو اللحظة التي يعثر فيها على مشروعه في الحياة، والشيخوخة المبكرة هي ألا تجد فكرة تعيش من أجلها، والله سبحانه وتعالى قسم بين العباد أرزاقهم وكذا أعمالهم، فقد تجد من فتح الله عليه في الصلاة، وثانيًا في الصوم، وثالثًا في الجهاد، وآخر في العلم، وهكذا، فالله لم يخلقنا هملًا في هذه الحياة، بل أَوجدَنا لعمارة الأرض وصناعة التاريخ، ومشروعُ العمر بدايته حلم، لكنه هو ما يُترجَم إلى واقع، وهو ذلك المشروع الذي يتبناه الإنسان فيكرس حياته من أجله، حتى يغدو خدمة يتعدَّى نفعها إلى مجتمعه المحلي، وقد يمتد إلى الإنسانية جمعاء، وهناك نجوم من أصحاب المشاريع التي خدمت الأمة على مر العصور، نذكر منهم: الخلفاء الراشدون والصحابة رضوان الله عليهم، كابن عباس وأُبَي بن كعب الأنصاري، وهناك من أجيال التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا كالبخاري ومسلم وابن قدامة وجابر بن حيان ومحمد بن عبدالوهاب والملك عبدالعزيز وابن باز وابن عثيمين والسميط وغيرهم، ومن غير المسلمين "توماس أديسون" مخترع الكهرباء، و"لاري بايج" وزميله "سيرجي برين" مصمما جوجل، ومخترع الإطارات المنفوخة للسيارات "دانلوب"، وغيرهم ممن خدم الإنسانية، وهناك من الآباء من ينذر ابنه لله عند الولادة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [آل عمران: 35].
11- اعرف حقوقك وواجباتك:
عندما يعرف الإنسان كامل حقوقه، فإنه يستفيد من كل الميزات التي وُضعت لرفاهيته، وفي المقابل إذا عرف واجباته، وقف عندها فانتفى ظلم الغير، فعاش الناس في أمان ووئام، ومما يؤخذ على الكثير من الناس جهلهم وضعف ثقافتهم في مجال الحقوق والواجبات، كما يؤخذ على البعض مطالبتهم بحقوقهم مع نسيانهم للواجبات المطلوبة منهم، بينما هناك من يضحي ويبذل دون محاصَّة، وهؤلاء هم نجوم المجتمع.
12- محاسبة النفس:
يتطلب من الإنسان أن ينشئ لنفسه (فلترًا) يعرض عليه أعماله بين الحين والآخر؛ ليميز بين النفيس من الزائف، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوها قبل أن توزنوا"، واعلم أن الله سبحانه سيحاسب العبد على الصغير والكبير، والفتيل والقطمير، يقول تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]، ويقول ميمون بن مِهران: "لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه"، ثم تأكد أيضًا أن قيمتك في المجتمع تتناسب طرديًّا مع محاسبتك لنفسك، فترتفع القيمة عند التدقيق والمحاسبة، وتنخفض عند التساهل أو الترك والإهمال.
وبعدُ أيها الشاب المبارك، هذه هي أبرز مناجم شحن الطاقة الإيجابية للنفس، فتزوَّد منها بما يمدك من حيوية تجعلك فاعلًا في الحياة، وإن احتجت لمزود طاقة آخر غير هذه، فخذ منه قدر حاجتك، والله معك، ﴿ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 35].
[1] د. علي أحمد الشيخي: مساعد مدير تعليم القنفذة سابقًا (متقاعد)، دكتوراه علم نفس تربوي، أخصائي تقويم تعليم بهيئة تقويم التعليم.
[2] صحيح مسلم (1/ 462).
[3] صحيح البخاري (2/ 49).
[4] سنن النسائي (4/ 174).
[5] مسند أحمد (2/ 15).
[6] صحيح البخاري (8/ 163).
[7] سنن أبي داود (4/ 253).