وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (3)
شرح الكلمات:
فإذا بلغن أجلهن: أي قاربن انقضاء عدتهن.
فأمسكوهن بمعروف: أي بأن تراجعوهن بمعروف من غير ضرر.
أو فارقوهن بمعروف: أي أتركوهن حتى تنقضي عدتهن ولا تضاروهن بالمراجعة.
وأشهدوا ذوي عدل منكم: أي اشهدوا على الطلاق وعلى المراجعة رجلين عدلين منكم أي من المسلمين فلا يشهد كافر.
وأقيموا الشهادة لله: أي لا للمشهود عليه أوله بل لله تعالى وحده.
ذلكم يوعظ به من كان يؤمن: أي ذلكم المذكور من أول السورة من أحكام يؤمر به وينفذه من كان يؤمن بالله
بالله واليوم الآخر واليوم الآخر.
ومن يتق الله: أي في أمره ونهيه فلا يعصه فيهما.
يجعل له مخرجا: أي من كرب الدنيا والآخرة.
ويرزقه من حيث لا يحتسب: أي من حيث لا يرجوا ولا يؤمل.
فهو حسبه: أي كافيه ما يهمه من أمر دينه ودنياه.
قد جعل الله لكل شيء قدرا: أي من الطلاق والعدة وغير ذلك حدا وأجلا وقدرا ينتهي إليه.
معنى الآيتين:
ما زال السياق الكريم في بيان العدد وأحكام الطلاق والرجعة. قال تعالى: {فإذا بلغن} 1 أي المطلقات أجلهن أي قاربن انقضاء العدة فأمسكوهن بمعروف أي راجعوهن على أساس حسن العشرة والمصاحبة الكريمة لا للإضرار بهن كأن يراجعها ثم يطلقها يطول عليها العدة فهذا لا يجوز لحرمة الإضرار بالناس وفي الحديث: لا ضرر2 ولا ضرار.
وقوله {أو فارقوهن بمعروف} وذلك بأن يعطيها ما بقي لها من مهرها ويمتعها3 بحسب حاله غنى وفقرا. وقوله تعالى {وأشهدوا ذوي عدل منكم} أي أشهدوا على النكاح والطلاق والرجعة أما الإشهاد على النكاح فركن ولا يصح النكاح بدونه، وأما في الطلاق والرجعة فهو مندوب، وقد يصح الطلاق والرجعة بدونه، ويشترط في الشهود أن يكونوا عدولا، وأن يكونوا مسلمين لا كافرين.4 وقوله {وأقيموا الشهادة لله} أي أدوها على وجهها ولا تراعوا فيها إلا وجه الله عز وجل. وقوله: {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} أي ذلكم المأمور به من أول السورة كالطلاق في طهر لم يجامعها فيه وكإحصاء العدة وعدم إخراج المطلقة من بيتها والإمساك بالمعروف والفراق بالمعروف والإشهاد في النكاح والطلاق والرجعة والإقساط في الشهادة كل ذلك يوعظ به أي يؤمر به وينفذه المؤمن بالله واليوم الآخر إذ هو الذي يخاف عقوبة الله وعذابه فلا يقدم على معصيته.
وقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت أمه فبم تأمرني؟ قال آمرك وإياها أن تكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقالت المرأة نعم ما أمرك به فجعلا يكثران منها فغفل العدو عن ابنهما فاستاق غنمهم وجاء بها إلى أبويه فنزلت هذه الآية، وهي عامة في كل من يتق الله تعالى فإنه يجعل له من كل ضيق مخرجا ومن كل كرب فرجا، ويرزقه من حيث لا يرجو ولا يؤمل، ولا يخطر له على بال، ومن يتوكل على الله تعالى في أمره فلا يفرط في أمر الله، ولا يضيع حقوقه فإن الله تعالى يكفيه ما يهمه من أمر دينه ودنياه. وقوله تعالى {إن الله بالغ أمره} 5 أي منفذ أمره في عباده لا يعجزونه أبدا، وقد6 جعل لكل شيء قدرا أي مقدارا وزمانا ومكانا فلا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، ولا يقع في ملك الله إلا ما يريد الله.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
1- لا تصح الرجعة إلا في العدة فإن انقضت العدة فلا رجعة وللمطلقة أن تتزوج من شاءت هو أو غيره من ساعة انقضاء عدتها.
2- لا تحل المراجعة للإضرار، ولكن للفضل والإحسان وطيب العشرة.
3- مشروعية الإشهاد على الطلاق والرجعة معا.
4- يشترط في الشهود العدالة، فإذا خفت العدالة في الناس استكثر من الشهود.
5- وعد الله الصادق بالفرج القريب لكل من يتقه سبحانه وتعالى، والرزق من حيث لا يرجو.
6- تقرير عقيدة القضاء والقدر.
7- كفاية الله لمن توكل عليه.7
__________
1 هذا لقوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن) أي: قاربن من انقضاء الأجل.
2 رواه مسلم في صحيحه.
3 المتعة واجبة للمطلقة التي لم يفرض لها صداق ولغيرها من المطلقات سنة مستحبة.
4 قرأ نافع (إن الله بالغ أمره) بتنوين بالغ ونصب أمره على أنه معمول لاسم الفاعل المنون، وقرأ حفص بإضافة بالغ إلى أمره فبالغ مرفوع بدون تنوين وأمر: مجرور بالإضافة إليه.
5 قرأ نافع (إن الله بالغ أمره) بتنوين بالغ ونصب أمره على أنه معمول لاسم الفاعل المنون، وقرأ حفص بإضافة بالغ إلى أمره فبالغ مرفوع بدون تنوين وأمره: مجرور بالإضافة إليه.
6 أي: لكل شيء من الشدة والرخاء أجل ينتهي إليه. قال القرطبي: وما في التفسير أوضح وأشمل.
7 روى القرطبي عن الربيع بن خيثم قوله: إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه ومن وثق به نجاه ومن دعاه أجاب له وتصديق ذلك في كتاب الله (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) . (إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم) (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان)