
23-12-2021, 01:21 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة :
|
|
مشاهد وصور من منهج الصحابة في الفتوحات الإسلامية
مشاهد وصور من منهج الصحابة في الفتوحات الإسلامية
أحمد الشجاع

انطلقت الفتوحات الإسلامية - بعد وفاة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أرضية إيمانية صلبة؛ فالمجتمع الإسلامي في الجزيرة العربية أصبح متماسكاً ومرتبطاً بدينه بعد أن تم القضاء على فتنة الردة.
وتأهب الصحابة لنشر نور الإسلام في أصقاع الأرض؛ يخرجون الناس من الظلمات إلى النور ومن الظلال إلى الهدى.
وقد حاول المستشرقون وأذنابهم وأعداء الإسلام، أن يجردوا الفتوحات الإسلامية من دوافعها الدعوية، وأهدافها الربانية، ومقاصدها السامية وألصقوا بحركة الفتوحات تهم باطلة لا تقوم أمام الدليل والبرهان والحجة.
ولهذا سيتحدث التقرير عن منهج الصحابة في بعض فتوحاتهم العظيمة التي جرت في العراق كنموذج يحتذى به ويسترشد بسيرته؛ فالصحابة خير من فقه دين الإسلام بعد رسول الله.. فهم القدوة الصالحة الخالصة لدين الله.
عتاب وإصلاح
لما أيقن خالد من انهزام العدو في العراق اشتاق إلى زيارة مكة، وإلى تأدية فريضة الحج متخفياً من غير أن يستأذن أبا بكر، فأمر جيشه بالعودة إلى الحيرة، وتظاهر بأنه سائر في مؤخرة الجيش فبدأ رحلته إلى مكة ومعه عدة من أصحابه لخمس بقين من ذي القعدة، ولم يكن معه دليل فاخترق الصحراء مسرعاً رغما عن صعوبة الطريق.
ولما أدى فريضة الحج عاد إلى الحيرة في أوائل فصل الربيع، فكانت غيبته على الجند يسيرة، فما وصلت إلى الحيرة مؤخرة الجيش حتى وافاهم خالد مع صاحب الساقة فقدما معاً وخالد وأصحابه محلقون.
وقد كان تكتمه شديداً حتى إنهم ظنوا أنه كان في هذه المدة بمنطقة الفراض، ولم يعلم أبو بكر بحج خالد مع أنه كان في الحج أيضاً، غير أنه بعد قليل بلغه الخبر فاستاء جداً، وعتب عليه، وكانت عقوبته أن صرفه إلى الشام ليمد جموع المسلمين باليرموك، فأرسل إليه كتاباً جاء فيه:
"سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك فإنهم قد شجوا وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجى من الناس نزعك، فليهنئك أبا سليمان النية والخطوة، فأتمم يتمم الله عليك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل؛ فإن الله له المن وهو ولي الجزاء".
ويصف الدكتور الصلابي هذا الخطاب من الخليفة الحكيم بأنه يصور مدى حرص الصديق على القواد الناجحين فيمدهم بالمشورة والنصائح التي تأخذ بيدهم إلى الفوز والتمكين بفضل الله:
أ - يأمر الصديق سيف الله خالداً أن يترك العراق ويتوجه إلى الشام لعل الله يفتح على يديه هذا الموقع.
ب - ينصحه ألا يعود في مثل ما حدث في حجه بدون إذن من الخليفة.
جـ - يأمره أن يسدد ويقارب ويجتهد مخلصاً النية لله وحده.
هـ - يحذره من العجب بالنفس والزهو والفخر؛ فذلك حظ النفس الذي يفسد العمل على العامل ويرده في وجهه، كما يحذره أن يدل ويمن على الله بالعمل الذي يعمله فإن الله هو المان به إذ التوفيق بيده سبحانه.
وجاء في خطاب الصديق إلى خالد: دع العراق، وأخلف فيه أهله الذي قدمت عليهم، ثم امضي مخففاً في أهل قوة من أصحابنا الذين قدموا معك العراق من اليمامة، وصحبوك في الطريق وقدموا عليك من الحجاز، ثم تأتي الشام، فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين، وإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة، والسلام عليك ورحمة الله.
وكان قد ظهرت في معارك العراق مقدرة الجيوش الإسلامية على تطبيق مبادئ الحرب من مباغتة وصد الهجوم وتثبيت الأعداء، وحشد القوة، وإدامة المعنويات، وجمع المعلومات ورسم الخطط وتنفيذها بكل قوة ودقة واحتياط منقطع النظير؛ فهو لم يذهب إلى الشام لمجاهدة الروم إلا بعد خبرة واسعة في فتوحات العراق.
وكان المرشح للبقاء على جيوش العراق بعد سفر خالد المثنى بن حارثة الشيباني لخبرته الواسعة بأرض العراق، ومهارته الفائقة في حرب الفرس. ويظهر للباحث أن الخطط التي وضعها خالد في حروب العراق كانت تعتمد على الله، ثم على جمع المعلومات الدقيقة التي تدل على نشاط مخابراته واستكشافاته في الميدان، والذي يبدو أن هذه المخابرات قد قام بتنظيمها القائد الفذ المثنى بن حارثة الشيباني؛ ليس فقط لألمعيته وقدرته الفائقة على التنظيم، وإنما لمعايشته للمنطقة، فهو ينتمي إلى بني شيبان من بكر بن وائل الذين كانت منازلهم بتخوم العراق وحوض الفرات التي تمتد شمالاً إلى (هيت) فكانوا بحكم مساكنهم واتصالاتهم، مؤهلين لأن يكونوا عيوناً (مخابرات).
فما وجدنا تحركاً لجيش من جيوش الفرس إلا وكان خبر ذلك التحرك منذ بدئه على لسان (المثنى) في الوقت المناسب، وما من شاردة ولا واردة تحدث في بلاط الفرس إلا وكان (المثنى) على علم بها في حينها.
وتهيأ خالد للسير إلى الشام، وقسم خالد الجند نصفين: نصفاً يسير به إلى الشام ونصفاً للمثنى، ولكنه جعل الصحابة جميعاً من نصيبه، فقال له المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر كله في استصحاب نصف الصحابة، وإبقاء النصف، فو الله ما أرجو النصر إلا بهم، فأنت تعريني منهم.
وكان خطاب الصديق قد وصل إلى خالد قبل سفره يأمره فيه بمن يأخذ من الجند، ومن يدعهم للمثنى، قال: يا خالد لا تأخذ مجّداً إلا خلفت لهم مُجّداً، فإذا فتح الله عليك فارددهم إلى العراق وأنت معهم، ثم أنت على عملك.
فما زال خالد يسترضي المثنى ويعوضه عن الصحابة بمقاتلين من سادة أقوامهم من أهل البأس، وممن عرفوا بالشجاعة والصبر، وشدة المراس، فرضي المثنى آخر الأمر.
سار خالد من الحيرة في العراق، وقد استخلف المثنى به حارثة الشيباني على جند العراق، وسار هو إلى الشام، وكتب إلى أبي عبيدة: أما بعد فإني أسأل الله لنا ولك الأمن يوم الخوف والعصمة في دار الدنيا من كل سوء، وقد أتاني كتاب خليفة رسول الله يأمرني بالمسير إلى الشام وبالقيام على جندها والتولي لأمرها، والله ما طلبت ذلك قط ولا أردته إذ وليته، فأنت على حالك التي كنت عليها لا نعصيك ولا نخالفك ولا نقطع دونك أمراً، فأنت سيد المسلمين، لا ننكر فضلك، ولا نستغني عن رأيك تمم الله بنا وبك من إحسان ورحمنا وإياك من صلي النار، والسلام عليك ورحمة الله.
قيادة المثنى بن حارثة
بعد غياب خالد بن الوليد ومجموعة من قادة الجيش الكبار عن العراق وجد المثنى بن حارثة نفسه في مواجهة الجيوش الفارسية، فبدأ على الفور في تنظيم الجيوش الإسلامية، وكان خالد يتخذ الحيرة مقرًّا له، وكذا اتخذها المثنى مقرًّا له، وكان المثنى بن حارثة قائداً لمقدمة الجيش الإسلامي الموجودة بالقرب من المدائن، فوضع مكانه المُعَنَّى بن حارثة أخاه في أقرب نقطة للجيش الفارسي؛ وهذا أمر له معناه ومغزاه، فإن المُعَنَّى بن حارثة - أخا المُثَنَّى - يعلم عن أرض فارس ما لا يعلمه غيره من المسلمين؛ فهو أحق الناس بالوجود في هذا المكان القريب جدّاً من الفرس، وجعل مكان ضِرَار بن الأَزْوَر - وكان قد ذهب مع خالد بن الوليد - عتيبةَ بن النهاس، ومكان ضرار بن الخطاب وضع مسعود بن حارثة الأخ الثاني للمثنى بن حارثة.
وفي الجنوب وعلى الحامية الجنوبية التي تحمي حصن الأُبلّة والحصيد ظَلَّ سويد بن مقرن قائداً لهذه الحامية، كما كان على عهد خالد بن الوليد، وكان هذا في أواخر صفر سنة 13هـ.
وبدأ المثنى بن حارثة ينتظر الأخبار والأحداث، خاصة بعد أن علم أهل فارس بغياب نصف الجيش الإسلامي، وبقاء نصف الجيش فقط بقيادة المثنى بن حارثة.
في هذه الأثناء في المدائن فقد قُتِل منذ فترة قصيرة شيرويه كسرى فارس، وظل أهل فارس من دون كسرى يحكمهم، وكانت فتنة عظيمة في البلاط الملكي الفارسي، فتولى الحكم كسرى آخر كان اسمه شهر براز. ومعنى شهر براز بالفارسية خنزير الدولة. وأول ما فعله هذا الخنزير بعد أن تولَّى الحكم أن جهَّز جيشاً لملاقاة القوة الموجودة للمسلمين في الحيرة، فجهَّز جيشاً من عشرة آلاف مقاتل، وجعل مع هذا الجيش فيلاً، وكان الفيل أداة من أدوات الحرب عند الفرس لا يعرفها العرب، ولم يمر على المسلمين موقعة استُخدِم فيها الفيل إلا موقعة ذات السلاسل وقد أُسِر فيها الفيل، وهذه هي الموقعة الثانية التي يرسل فيها الفرس فيلاً مع الجيش، وكان على رأس الجيش الفارسي قائد يُسمَّى هرمز جاذويه. وأرسل شهر براز رسالة إلى المثنى بن حارثة يريد أن يَفُتَّ في عَضُدِه، مستخدماً سلاح الحرب النفسية الذي يستخدمه المسلمون معهم، ويقول له: إنما أرسل لك جيشاً من وخش أهل فارس (أي من رعاعهم)، إنما هم رعاة الخنازير والدجاج. أي أنه غير مهتم بأمره.
وعندما وصلت الرسالة إلى المثنى ردّ عليه برسالة فيها: "من المثنى بن حارثة إلى شهر براز كسرى فارس، الرأي عندي أنك إما باغٍ وأشد الناس عقاباً عند الله البغاة، وإما كاذب (في قوله أنه أرسل رعاة الدواجن والخنازير)، وشر الناس كذباً عند الله وعند الناس الملوك، والرأي عندي أنه إن كانت تلك الحقيقة فإنما اضْطُرِرْتم إليه (أي من كثرة الهزائم اضطررتم إلى أن يكون جيشكم من هؤلاء)، فالحمد لله الذي ردَّ كيدكم إلى رعاة الخنازير والدجاج". فلما تلقى شهر براز الرسالة حدث عكس ما كان يريد، حيث انهزم الفرس نفسيّاً، وبدءوا يقولون لشهر براز: جرّأْت علينا عَدُوَّنا، إذا كتبت بعد ذلك فاسْتَشِرْ.
موقعة (بابل)
وبدأ الجيش الفارسي يتحرك من المدائن في اتجاه المثنى بن حارثة، وقد استفاد المثنى بن حارثة من فترة وجود خالد بن الوليد وتعلَّم منه كثيراً، فلم ينتظر في الحيرة حتى يأتيه جيش (هرمز جاذويه)، ولكنه أسرع ليقابله في بابل، وهي منطقة قريبة جدّاً من المدائن. وكان تحرّك المثنى إلى بابل له مغزى آخر، فقد كانت هذه المنطقة تُسمى بانِقيا وباروسما، وكانت قد صالحت المسلمين على دفع مليوني درهم في كل سنة، على أن يوفر المسلمون لهم الحماية ممن يعتدي عليهم سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، فكان لا بُدَّ للمثنى بن حارثة أن يقاتل في هذا المكان حتى يحمي هذه المنطقة التي تدفع الجزية للمسلمين.
وقد وصل المثنى بن حارثة بجيشه إلى هذه المنطقة قبل أن يصلها هرمز جاذويه، وانتظر الجيش الفارسي حتى جاء وفي مقدمته الفيل.
وكانت الحرب في هذه المعركة سجالاً، فقد كان الجيشان متقاربين في القوة؛ تسعة آلاف من المسلمين وعشرة آلاف من الفرس، ومع ذلك كان الجيش الفارسي - في البداية - له بعض الغلبة على الجيش المسلم بسبب وجود الفيل الذي كان يتقدم داخل صفوف المسلمين؛ فيحدث نوعاً من الارتباك، ولا أحد يستطيع أن يقف أمامه أو يتعامل معه، وعندما رأى المثنى بن حارثة ذلك انتدب من المسلمين فرقة للتطوع لقتل هذا الفيل، وخرجت معه فرقة من عظماء المسلمين وتقدّموا ناحية الفيل، ومن خلف ظهره قطعوا الأحزمة التي يجلس عليها من يقود الفيل، فوقع قائد الفيل وقُتِل، وكان المثنى قد سأل عن مقتل الفيل فقالوا: يُقْتَلُ من خرطومه. فقتلوه، وبعد مقتل الفيل بدأت الجيوش الفارسية تتقهقر وتُهزَم، وانتصر المسلمون في موقعة بابل التي كانت في ربيع الأول سنة 13هـ، وذلك بعد أقل من 25 يوماً من غياب خالد بن الوليد، فكان ذلك اطمئناناً لنفوس الجند أن النصر يأتي من عند الله، وليس من عند أشخاص بعينهم، ومتى رضي الله تعالى عن فرقة، فسوف يتم لها النصر، حتى وإن غاب عنها خالد بن الوليد.
وقد استفاد المثنى من خالد بن الوليد كثيراً، فأرسل في إثر الجيش المنهزم - بعدما فرَّ منهم الكثير - بعض الفرق التي تطارد الفارِّين، ووصلت هذه الفرق حتى مشارف المدائن؛ وذلك يحول بين تجمع الجيش وهجومه مرة أخرى على المسلمين، فالمسافة بين بابل والمدائن تقرب من 72 كم، ومن المدائن إلى الحيرة حوالي 150 كم، فتكون بابل أقرب إلى المدائن من الحيرة.
فوضى في فارس
حفل الوضع في فارس في هذه الفترة بالفتن العظيمة والقلاقل؛ فقد قُتِلَ (شهر براز) ولم يمكث على كرسي الحكم إلا أربعين يوماً فقط، حيث قتله الحرس الخاص به، وتحيَّر الفرس في اختيار كسرى جديد، فلا بُدَّ أن يكون الحاكم من العائلة المالكة (آل ساسان)، حتى وإن كان صغيراً، وإن لم يوجد فامرأة، وقد تولَّى الحكم بشكل مؤقت بعد شهر براز امرأة تُسمَّى (آذرمدخت)، وكانت ابنة لأحد الأكاسرة السابقين، وقد تولَّت الحكم لفترة قصيرة، ثم عثروا على رجل يُسمَّى (سابور)، وكان ابناً لأحد الأكاسرة السابقين، ولكنه من جارية فتولَّى الحكم بعد هذه المرأة، وكانت الأمهات يخبئن أبناءهنَّ لكي لا يكونوا من الأكاسرة؛ وذلك لكثرة الفتن، فقد رأيْنَ قتل أكثر من ثلاثة من الأكاسرة في فترة قصيرة، وعندما عثروا على هذا الشاب تم تعيينه على رأس البلاط الفارسي فصار كسرى، ولكن لصغر سنه تم تعيين أحد الولاة عليه حتى يستوعب أمور الحكم جيداً.
وطلب سابور من وليه أن يزوجه من آذرمدخت، ولكنها قالت: كيف أتزوج من ابن جارية، حتى وإن كان كسرى فارس؟، ولما أصر الولي وسابور على رأيهما دبَّرت لهما مكيدة وقتلتهما، وتولَّت هي الحكم.
وكان الولي الذي قُتِل يُسمَّى (فخَّاذ)، فلما علم ابنه بالأمر وكان اسمه (رستم)، وقد كان في خراسان وهي منطقة بعيدة عن المدائن، انطلق بجيشه نحو المدائن وأحدث انقلاباً عظيماً؛ حيث قتل آذرمدخت وحرسها وكل جيشها، ولما لم يكن من حقِّه أن يتولَّى الحكم؛ لأنه ليس من العائلة المالكة، فقد ساعد على تولِّي بوران بنت كسرى الحكم، وكانت امرأةً ذات حكمة، ويرجعون إليها في الأمور الصعبة، فتولَّت الحكم وقالت لرستم: أنت على رأس الجيش من الآن.
وكانت المخابرات الإسلامية تنقل هذه الأخبار بدقة إلى المثنى بن حارثة، فقد علم بمقتل الأكاسرة واحداً بعد الآخر، وعلم أيضاً بتولّي بوران بنت كسرى الحكم، وأنها ولَّت رستم - القائد الفارسي المعروف جيداً - قيادة الجيش الفارسي، وقد علم المثنى أن قوة المسلمين الموجودة معه لن تستطيع أن تقف أمام قوة الفرس، وجيوشهم الجرارة بعد أن تولَّى رستم قيادة الجيش.
كانت حدود الفرس في تلك الآونة تمتد حتى الصين، وكانت المدائن العاصمة، وكانت الصين تدفع الجزية للفرس اتقاءً لشرهم.
وفاة الخليفة الصديق
وقرر المثنى بن حارثة أن يترك العراق ويذهب هو بنفسه إلى أبي بكر الصديق ليُطلِعه على الموقف؛ حتى يمدَّه ببعض المدد، ويعرض عليه أيضاً أن يستعين بمن قد ارتدوا ورجعوا إلى الإسلام، وكانوا - إلى هذا الوقت - لم يشاركوا مع الجيوش الإسلامية بأمر أبي بكر.
وبالفعل ترك المثنى جيشه بعد أن عيَّن عليه بشير بن الخصاصية، وكان أحد صحابة النبي، وكان خالد بن الوليد يريد أن يأخذه معه إلى الشام، ولكنَّ المثنَّى أَصَرَّ على أن يُبْقِيَ له خالد بعض أصحاب النبي، وكان هذا الرجل ممن بقوا معه.
واتجه المثنى بن حارثة إلى المدينة لمقابلة أبي بكر الصديق، وعندما وصل المثنى إلى المدينة وجد أبا بكر في مرض موته، وكان في غيبوبة تامة، ومكث المثنى فترة حتى صحا أبو بكر صحوة قابله فيها، وعرض عليه موقف جيشه وما يريده، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وقال: عَلَيَّ بعمر.
ثم قال له: اسمع يا عمر ما أقول لك ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا (وكان يوم 21 من جمادى الآخرة سنة 13هـ)، فإن أنا مِتُّ فلا تُمسِينَّ حتى تندب الناس مع المثنى، وإن تأخرت إلى الليل فلا تُصبِحَنَّ حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تَشغلنَّكم مصيبة - وإن عَظُمَتْ - عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتَني مُتَوفَّى رسول الله وما صنعتُ ولم يُصَبِ الخلق بمثله، وبالله لو أنِّي أَنِي (أي أتباطأ) عن أمر الله وأمر رسوله، لخذلنا ولعاقبنا فاضطرمت المدينة ناراً، وإن فتح الله على أمراء الشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق، فهم أهله وولاة أمره وحدّه، وأهل الضراوة بهم والجرأة عليهم.
فكانت هذه هي وصية أبي بكر في اللحظات الأخيرة قبل موته، ونلاحظ فيها حرصه الشديد على استمرارية الجهاد في سبيل الله، مهما عظمت المصائب وكثرت الخطوب.
وفي الوصية الأخيرة شيئٌ مهمٌّ في قول الصديق: "وإن فتح الله على أمراء الشام، فاردد أصحاب خالد إلى العراق". لم يقل: فاردد خالداً إلى العراق؛ لأنه يعلم أن الأمور السياسية تحتاج إلى توافق بين القائد العام والجند الذين تحت إمرته، وكان أبو بكر يعلم عدم وجود هذا التوافق بين عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما.
وتُوُفِّيَ أبو بكر الصديق في هذه الليلة، وكان في فترة خلافته القصيرة قد قام بحروب الردة، وأَنفذَ بعث أسامة بن زيد إلى الروم، وقام بالفتوحات الإسلامية في فارس والروم، وجمع القرآن الكريم، وثبَّت دعائم الأمة الإسلامية في ذلك الوقت، فرضي الله عنه وأرضاه.
بعد أن تولَّى عمر بن الخطاب إمارة المسلمين بعد موت أبي بكر ذهب فدفنه بعد العشاء بجوار رسول الله، ثم نادى في منتصف الليل: "الصلاةُ جامعة"، فَجَمَعَ أهلَ المدينة وندب الناس للخروج مع المثنى.
ولم يستجب أحد لنداء عمر بن الخطاب، وكان هذا شيئاً عجيباً وغريباً على أهل المدينة ألا يستجيبوا لنداء الجهاد في سبيل الله، ولم يكن عمر بن الخطاب متوقعاً لهذا الأمر على الإطلاق، فانتظر حتى صلاة الفجر وأَمَّ الناس في صلاة الفجر، وبايعه الناس على الإمارة، وأصبح هو أمير المؤمنين بعد هذه المبايعة من الناس، فندب الناس للقيام بفتح فارس، ولم يستجب أحدٌ أيضاً، وظل يدعو الناس بعد كل صلاة مدة ثلاثة أيَّام، ولم يستجب لندائه أحد.
ويفسِّر الدكتور السرجاني به هذا الموقف من المسلمين في عدة أمور:
أولاً: لم يكن موجودٌ بالمدينة خمسين ألفًاً من خيرة أهلها، فقد خرج ثلاثون ألفًاً لحرب الروم، وعشرون ألفًاً لحرب العراق، ومن كان موجوداً أقل درجة ممن ذهب للجهاد، خاصة أن من خرج إنما خرج تطوعاً ولم يخرج مجبراً، فعندما أرسل أبو بكر خالد بن الوليد قال له: "ولا تكره أحداً على القتال معك"؛ ولأجل هذا فقد تركه بعض الناس قبل أن يصل إلى العراق.
ثانياً: ربما لم يستجب الناس حزناً لوفاة الصدّيق، فقد كانت المصيبة عظيمة، وكان عمر يبكي عليه ويقول: يا خليفة رسول الله، لقد أتعبت من خلفك، والله لا يشق أحد غبارك. ويبكي علي بن أبي طالب أيضاً كثيراً على وفاة أبي بكر، وتنوح النساء بصوت مرتفع في المدينة، وقد أمرهن عمر بألا ينحن فلم ينتهين، حتى قال لهن: إن الميت يُعَذَّبُ ببكاء أهله عليه؛ فعندها كَفَّ النساء عن النواح.
ثالثاً: كان تولِّي عمر بن الخطاب - مع شدته - قد أدخل المسلمين في حالة ترقب وخوف، ولم يعرف المسلمون ما سيفعل، حتى إن طلحة بن عبيد الله دخل على أبي بكر الصديق وقال له: يا خليفة رسول الله، استخلفت عمر على المؤمنين وأنت ملاقٍ ربك، وأنت تعلم ما به من الشدة وأنت معه، فكيف إذا خلَّيْتَ بينه وبينهم؟.
وكان أبو بكر مضطجعاً، فقال: أجلسوني. فأجلسوه، فيمسك بطلحة ويقول له: أباللهِ تخوفني، واللهِ إن سألني ربي عن عمر لقلت له: استخلفتُ خير أهلك على أهلك.
فهذه الأمور جعلت الناس تتردد في أمر الخروج مع المثنى بن حارثة.. وكلما ندب عمر بن الخطاب الناس لم يقمْ أحد، فقام المثنى بن حارثة في اليوم الرابع وخطب خطبة عظيمة في أهل المدينة وما حولها - حيث جاء الناس لمبايعة عمر بن الخطاب على الإمارة - وقال لهم: يا أهل الإسلام مما تخافون؟ لقد ملَّكنا الله رقاب أهل فارس، والله لقد تبحبحنا في ريفهم، وجرَّأنا الله عليهم، وكانت لنا الغلبة عليهم.
ومع هذا لم يقم أحد؛ فقام عمر بن الخطاب وقال: أين المهاجرون لموعود الله؟ لقد وعدكم الله أن يورثكم الأرض، فأين المهاجرون إلى ميراث الأرض؟، أين عباد الله الصالحون؟، وبكى عمر، فصاح رجل من المسلمين: أنا لها.
رجلٌ واحد بعد كل هذه الصيحات المؤمنة من عمر، كان هذا الرجل هو أبو عبيد بن مسعود الثقفي، من قبيلة ثقيف.. وبعد أن قام هذا الرجل قام رجل آخر يُسمَّى سعد بن عبيد، وقال: أنا لها يا عمر. وكان من الأنصار ومن صحابة رسول الله، ثم قام رجل ثالث وهو سليط بن قيس وهو من الصحابة القدامى من صحابة رسول الله، وشهد كل المشاهد مع رسول الله.
وانتظر المسلمون مدة دون أن يقوم أحد غير هؤلاء الثلاثة، ثم تحركت النفوس وأوقع الله الإيمان في القلوب؛ فقام من المسلمين الكثير حتى وصل تعدادهم إلى الألف، منهم ثلاثمائة من قبيلة ثقيف، والباقي من أهل المدينة ممن شهدوا بدراً، وشهدوا المشاهد مع رسول الله.
أبو عبيدالثقفي أمير الجيش
بعدما قام هؤلاء الألف كانت هناك مشكلة جديدة أمام عمر بن الخطاب، وهي اختيار القائد لهؤلاء الألف من الجنود، ويشير عليه الصحابة بأن يختار رجلاً ممن له صحبة من السابقين، فقال: لا والله، أندبهم للقاء فلا يخرجون، وعندما تأتي الإمرة أضعهم. ووضع أبا عبيد بن مسعود على رأس الجيش.
وأرسل إلى أبي عبيد بن مسعود الثقفي وقال له: والله إني وضعتك في هذا المكان لسبقِكَ، ولو سبقك سليط بن قيس أو سعد بن عبيد لجعلتهما الأمراء؛ فاستمع لرأيهما، ولا تتصرف في أي أمر من الأمور إلا بعد أن تستشير أصحاب رسول الله.. ثم يقول له: ولا تُفشِينَّ سرًّاً، فإنك مالكٌ أمرك ما دام سرُّك في داخلك. فكانت هذه هي وصية عمر بن الخطاب لأبي عبيد بن مسعود الثقفي.
وجعل المثنى بن حارثة تابعاً لأبي عبيد بن مسعود الثقفي، وهذا الأمر لم يؤثر مطلقاً في تحركات المثنى للإسلام وفي سبيل الله، فقد كان رجلاً مؤمنًاً حقًّاً، واستجاب لرأي عمر، وذهب إليه عمر وقال له: اذهب إلى أهلك وانتظر النجدة.
وانطلق المثنى سريعاً نحو الجيش الإسلامي في فارس، انتظاراً للجيش الذي سيأتي بقيادة أبي عبيد بن مسعود الثقفي من المدينة، ووصل المثنى مبكراً للجيش، وعندما وصل علم أن بوران بنت كسرى تجهِّز الجيوش لحرب المسلمين، وقد تولَّى رستم إمارة جميع الجيوش الفارسية، وبدأ المثنى يرتِّب القوات استعداداً لقدوم أبي عبيد بن مسعود ومن معه مدداً له، وفي هذه الأثناء يعلم المثنى - بفضل المخابرات الإسلامية الموجودة في المنطقة - أن رستم قد أرسل مجموعة كبيرة من الأمراء إلى أماكن مختلفة على حدود الجيش الإسلامي الموجود في فارس.
وكانت هذه المنطقة على صلح مع المسلمين على أن يدفعوا الجزية، وقال لهم رستم: إن على كل أمير أن يثور في المنطقة التي هو فيها، وأول مَن يقوم بالثورة سيكون هو الأمير على جميع الأمراء؛ وذلك تشجيعاً لهم على الثورة.
وكان ممن جهَّزهم لذلك جابان قائد الفرس في موقعة (أُلَّيْس) التي انهزم فيها الفرس، وفرَّ هو من المسلمين، فقام المثنى - وبحكمة شديدة - بالانسحاب بجيشه من هذه المنطقة كلها إلى ما بعد الحيرة منتظراً جيش أبي عبيد بن مسعود الثقفي، ولو ظل في مكانه الأول لحاصرته الجيوش، وربما تكون الهلكة لجيش المسلمين الصغير الموجود معه.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|