أنواع المتابعة:
المتابعة نوعان: متابعة تامَّة، ومتابعة قاصر.
المتابعة التامة:
وهي الحديث المشارك لغيره في اللفظ أو المعنى، أو بهما معا، مع الاتحاد في الصحابي مع، كون المشاركة من أوَّل السند، أي تحصل المتابعة للراوي نفسه، فيرويها غيره بنفس سند الراوي الأوَّل.
مثال: ما رواهُ الشَّافعي في الأمِّ، عن مالِكٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمر، أَنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الشهرُ تِسْعٌ وعِشرون، فلا تَصوموا حتَّى تَروُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حتَّى تَرَوْه، فإنْ غُمَّ عليكم فأَكْمِلوا العِدَّةَ ثلاثين[38].
قال ابن حجر العسقلاني: فهذا الحديث، بهذا اللفظ، ظن قوم أن الشافعي تفرَّدَ بهِ عن مالِكٍ، فعدَّوْهُ في غرائِبِه؛ لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسنادِ بلفظِ: "فإن غُمَّ علَيْكُم فاقْدُرُوا له"، لكنْ وجَدْنا للشَّافعيَّ متابِعًا، وهو عبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ[39]، كذلك أَخرجَهُ البُخَارِيّ عنهُ، عن مالك[40]، وهذه متابَعَةٌ تامة.
فهنا قد تابع القعني وهو ثقة ثبت عدل، الشافعي في روايته: عن مالك عن ابن دينار عن ابن عمر، فرواه القعني بنفس السند عن مالك، وكانت المتابعة لفظا ومعنى، إلَّا أنَّ في رواية البخاري زيادة: "ليلة" بعد قوله: "تسع وعشرون" فزيادة لفظة "ليلة" ونكَّر لفظ ثلاثين، وعند الشافعي معرَّفة، وهذا لا يعدُّ من كبير الزيادة أو التَّغيير، فتعدُّ متابعة تامَّة باللفظ والمعنى.
وأمَّا المتابعة القاصرة:
هو الحديث المشارك لغيره في اللفظ أو المعنى، أو بهما معا، مع الاتحاد في الصحابي، مع عدم كون المشاركة أوَّل السند، أي تحصل المتابعة من شيخ الراوي أو شيخ شيخه.
مثال:
ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عَاصِم بن مُحَمَّدٍ العُمَرِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثَلَاثِينَ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَيَعْقِدُ فِي الثَّالِثَة، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ" وَفِي خَبَرِ ابْنِ فُضَيْلٍ: "ثُمَّ طَبَّقَ بِيَدِهِ، وَأَمْسَكَ وَاحِدَةً مِنْ أَصَابِعِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَثَلَاثِينَ"[41].
وهذه متابعة قاصر لحديث الشافعي السابق، فلو تلاحظ أنَّ السنَّد مختلف مع أنَّ الصحابي نفسه، فالأوَّل: عن مالك عن ابن دينار عن ابن عمر.
والثاني: عن عاصم عن أبيه عن ابن عمر.
وهذه المتابعة قاصر وهي بالمعنى، إذ أنَّ اللفظ اختلف.
وكلُّ ما سبق من بحث وجمع طرق وغيره يسمَّى بالاعتبار.
الاعتبار:
والاعتبار لغة:
هو رد الشيء إلى نظيره بأن يحكم عليه بمثل حكمه[42].
واصطلاحًا:
هو التتبُّع، والسبر، والبحث، والنظر، والموازنة بين طرق الحديث لتقويته أو عدم ذلك، وهو نتيجة الاعتبار.
قال العراقي:
الاعتبار سبرك الحديث هلْ 
شارك راو غيره فيما حملْ 
عن شيخه، فإن يكن شورك مِنْ 
مُعتبرٍ به فتابعٌ وإنْ 
شورك شيخه ففوقُ فكذا 
وقد يُسمَّى شاهدا ثمَّ إذا 
متن بمعناه أتى فالشَّاهدُ 
وما خلا عن كلِّ ذا مَفَاردُ[43] 
ويجب أن يعلمَ أنَّ منهم من يسمي الشاهد تابعا والتابع شاهدًا، ومنهم من يسمي الذي بالمعنى سواء بالمتابعة أو بالشواهد شاهدًا، أو عكسه، ولكن استقرَّ الاصطلاح على ما ذكرنا سابقًا، قال السيوطي:
وربَّما يُدعى الذي بالمعنى 
متابعًا، وعكسه قد يُعنى[44] 
فائدة الاعتبار:
هو الوقوف على الطرق التي تصلح لتقوية الأحاديث الضعيفة، أو الحسان، وما لا يصلح للتقوية، لذا أحيانًا يقول أهل الحديث: هذا صالح للاعتبار، وهذا غير صالح للاعتبار، وكذلك بالاعتبار يُعلم هل هذا الحديث من قبيل المتواتر الذي رواه الجماعة، أو من قبيل الآحاد، وهل له طريق واحد فيكون غريبًا، أو له أكثر من طريق فيكون من قبيل العزيز، أو المشهور، وكلُّ هذا لا يكون إلَّا بالاعتبار.
هذا وبالله التَّوفيق وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
[1] معجم المعاني.
[2] رواه الترمذي 25.
[3] تلخيص العلل المتناهية 114.
[4] علل ابن أبي حاتم 54.
[5] نتائج الأفكار 224/ 1.
[6] الجامع الصغير 9876.
[7] الدراري المضيَّة 42.
[8] صحيح الترغيب والترهيب 200.
[9] فتح الغفار 1/ 85.
[10] تحفة الأحوذي 88/ 1.
[11] رواه أحمد 9213.
[12] الدراية 1/ 14.
[13] شرح السنة 303/ 1.
[14] التلخيص الحبير 107/ 1.
[15] حاشية تهذيب الكمال ج32 ص 335.
[16] رواه ابن ماجه 399.
[17] الكامل في ضعفاء الرجال 46/ 7.
[18] تحفة الأحوذي 6/ 129.
[19] أخرجه الترمذي من حديث سمرة بن جندب 2443.
[20] السابق.
[21] تخريج شرح الطحاوية 281.
[22] الفتن للحافظ أبي عبد الله لنعيم بن حمَّاد ج2 ص330.
[23] البداية والنهاية لابن كثير 371/ 1.
[24] السابق.
[25] السلسلة الصحيحة 119/ 4.
[26] ينظر: سير أعلام النبلاء ج8 ص499، وتهذيب التهذيب للعسقلاني.
[27] ينظر التعديل والتجريح للباجي، والجرح والتعديل لأبي حاتي الرازي، وسؤالات أبي داود 454، والعلل ومعرفة الرجال لابن حنبل 5950.
[28] رواه ابن ماجه 3489.
[29] السابق نفسه.
[30] يُنظر الضعفاء والمتروكون للنسائي، والعلل ومعرفة الرجال لابن حنبل 1306، ويُنظر: سير أعلام النبلاء.
[31] يُنظر: معاجم اللغة.
[32] ) أخرجه الترمذي 12، والنسائي 29 واللفظ له، وابن ماجه 307.
[33] شرح النسائي للسيوطي.
[34] يُنظر في ذلك علل الترمذي، وعلل ابن أبي حاتم، والكامل في ضعفاء الرجال، وسير أعلام النبلاء وغيرها.
[35] ينظر: الكامل في ضعفاء الرجال، وسير أعلام النبلاء وغيرها.
[36] رواه أحمد في مسنده 25045.
[37] يُنظر تخريج المسند للأرنؤوط 25045.
[38] ترتيب مسند الشافعي، نشر وتصحيح: السيد يوسف على الحسني، والسيد عزت العطار، 1/ 272، وهكذا هو عند مالك في الموطأ.
[39] كان عبدالله هذا من المتقنين، وكان يحيى بن معين لا يُقدِّم عليه في مالك أحدًا.
[40] حدثنا عبد الله بن مسلمة (القعنبي) حدثنا مالك، عن عبدالله بن دينار، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين البخاري، 1906، الصوم.
[41] صحيح ابن خزيمة (1909).
[42] معجم المعاني.
[43] ألفية العراقي في علم الحديث.
[44] ألفية السيوطي في علم الحديث.