عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03-07-2021, 03:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,557
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ثنائية الصدق والكذب في النقد الأدبي بالغرب الإسلامي

فلَو قال: "عبيدهم" أو خيرًا منهم لما ظُنَّ به الصِّدقُ، فاحتال في تقريب المشابَهة؛ لأنَّ في قُرْبِها لَطافَةً تقعُ في القُلوبِ وتَدْعو إلى التصديق"[23]، ويَبسُطُ هذا الناقِد رأيَه في الموضوع، لكنَّه رأيٌ متذبذبٌ، فتارةً يرى أنَّ المبالَغة هي مذهَب العاجزين عن القولِ الشِّعريِّ، وتارةً يرى أنَّ أحسَن المبالَغةِ تلكَ التي تَكونُ في أقصى درجاتها؛ يَقولُ: "والمبالَغةُ في صناعة الشِّعرِ كالاستراحةِ من الشاعر إذا أعياه إيرادُ مَعنى حَسَنٍ بالِغٍ، فيَشغَلُ الأسماعَ بما هو مُحالٌ، ويهول مع ذلك على السامعين، وإنما يقصِدُها مَن ليسَ بمتمكِّنٍ مِن محاسِن الكلامِ أن تمكنه، ولا يَتعذَّر عليه، وتنجذبُ كلما أرادها إليه"[24]، ويقولُ مِن جهَةٍ أخرى: "فمِنَ أحسَنِ المُبالَغة وأغْرَبِها عند الحُذَّقِ: التَّقصِّي، وهو بلوغُ الشَّاعر أقصى ما يُمكن وصْفُ الشيءِ"[25]، وأمَّا "الغُلُوّ"، فهو يُلحقه "بالمبالغة"، ويرى أنَّ ما قِيل بخصوصِ الثَّاني هو سارٍ على الأوَّل؛ ذلك أنَّ الغُلُوَّ "يُنكِرُه مَن يُنكِر المُبالَغة"[26].

لقد أتاحتْ لنا هذه الجهودُ أن نستخلص ما يلي:
1- اختلاف النُّقادِ مُنْذُ القِدَمِ حولَ هذه المصطَلَحاتِ، بَين مَن يُجوِّزُ وقوعها في الشعر مستندًا إلى التراثِ الأدبيِّ، ومَن يَرفضُها ويَجعلُها إمّا مذهبًا للعاجِزينَ مِن الشُّعراءِ، أو أنَّها تُفسدُ أساليبَ القولِ الشعريِّ، ومَن يقبَلُها بِشروطٍ.

2- استندَ الشَّريفُ السَّبتيُّ في رفضِه للغُلُوِّ إلى جُهودِ العَرب القدماء، وخصوصًا ابن رشيقٍ القيرواني في أحَدِ آرائه، وإنْ كان دافِعُ الأول خُلُقيًّا، ودافعُ ابنِ رشيقٍ فنيًّا.

3- استندَ ابنُ البنَّاء في تفضيله للغُلوِّ - بشرْط عَدَمِ الخروج إلى المُحال والاختراع - إلى جُهودِ بعضِ النُّقادِ العَرَب القُدماءِ، ومِنهُم ابنُ الأثير وقُدامةُ بنُ جعفرٍ، في حِين أنَّ السجلماسيَّ لا يَرى غضاضةً في وجودِ الكذبِ في الإبداعِ، سواءٌ كان مِن الغُلوِّ أو الاختراعِ.

4- ثُنائيَّةُ الصِّدقِ والكذبِ مِن زاويةٍ خُلُقِيَّةٍ وفَنِّيَّةٍ:
نَظَرَ لسانُ الدين بنُ الخطيبِ إلى ثُنائيَّةِ الصِّدقِ والكَذِبِ مِن زاويةٍ خُلُقيَّةٍ، تَرى أنَّ الكذب في الشعر هو كَذِبٌ خُلُقيٌ مُحرَّمٌ، يَتنافى وأخلاقَ الإسلامِ، الشيءُ الذي دفَعَه إلى نَفْيِ وجُود السِّحر في مدْحِ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: "وكما أنَّ الشعر لم يتعلَّمْه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا يَنبغي له؛ لِئلاَّ يرتابَ المبطلون، وذلك في حقِّه كمالٌ، بِخلافِه في حقِّ غيره، كذلك يَبْعُدُ أو يَمتَنِعَ أن يوجَد قِسم السِّحر في مَدحِه؛ إذ أصلُه الإغياء والمحاكاة والخيال والتمجُّن؛ ولذلك ما قال أحدُ الحكماء في كتاب، وقد تفطَّن لها الشاعرُ، على عَقله ووقارِ جَنابه - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَبهر النَّفس ويَمنع من اسْتِرْسالِها في ذلك، فالمُجيد فيه مَن عوَّل على نَصاعةِ اللَّفظ، وقَصْد الحقِّ، وقُرْب المعنى، وإيثار الجذاذ، وغيره مِن الأغراض سبيل الهزْل"[27]، يَجمع هذا النَّاقد في توصِيفِه لِجوهر الشِّعرِ بينَ ما هو فنيٌّ: "المحاكاة والخيال"، وما هو خُلُقيٌّ دِينيٌّ: "الإغياء والتمجُّن"، وبعد ذلك يُرجِّح ما هو خُلُقيٌّ على ما هو فَنِّيٌّ، من خلال دعوته المُبدِعَ أنْ يختارَ نَصاعة اللفظ، وأن يَقصِد الحقَّ ويُؤثر الجذاذ.

ولتأكيد ربطِه بين الكذبِ بمعناه الخلُقي والإبداع الشِّعريِّ، نَفَى عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قولَ الشِّعرِ، باعتبار أنَّ النبيَّ الكريمَ لا يَنطِق عن الهوى، ولا يَصِحُّ في حقِّه الكذب - صلَّى الله عليه وسلَّم.

ويذهب ابنُ البناء المراكشيُّ المذهَبَ نفسَه مِن خلالِ قولِه في رَوضه: "وحُسنُ معنى الكلامِ وصَلاحُهُ وصِحَّته إنما هو ببنائِه على الصِّدقِ، وقَصدِه إلى الجَميل، وظُهورِه بالبُرهانِ... وحُسنُ اللَّفظ وصَلاحُه إنما هو بالقصدِ إلى المستعمَل في زمان الخِطابِ، وعلى قَدْرِ مَن يُخاطب، والإيضاح على أحسنِ ما يقدر عليه مِن التَّسهيل والتَّقريب؛ ولذلك كان أفْصحُ الخَلْقِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يَقولُ الشِّعْرَ"[28].

وإنْ كان هذا الرأيُ لابنِ البناء لا يُعبِّر عن موقفِه الحقيقيِّ مِن هذهِ الثُّنائيةِ - كما سنرى - لأنَّ سياقَه أتى في أَتُّونِ مناقشتِه لما يتعلَّق بفهم القرآن والسُّنَّة، وليس في سياقِ بحثِه للشِّعر، فالرجُل يفرِّق بيْن ما يَتعلَّق بتحليلِ الخِطابِ الدِّينيِّ: الكتاب والسُّنة، والخِطابِ الشِّعريِّ، وكأنَّ هدفه مِن رَوضِهِ هو مساعدةُ الطالب على فَهْمِ الخِطاب الدِّينيِّ، يقول: "وبهذا الذي ذكرْناه في هذا الكتاب يُعْرَفُ التفاضُل في البلاغةِ والفصاحَة، وهو قَدْرٌ كافٍ في فَهْمِ ذلك في كتاب الله وسنَّة نبيِّه وفي المخاطَباتِ كلِّها، لم يشذ منه إلاَّ ما هو مِن موضوعِ صِناعَة العَروض وصِناعَة القوافي، وبعض ما يَختصُّ بالشِّعر مِن حيث هو شِعرٌ، وأما ما هو مِن موضوعِ صِناعَةِ البديع والبلاغة ولم يختصَّ به الشِّعرُ من حيثُ هو شِعرٌ، فلا"[29].

فهو بهذا يُفرِّق بيْن الكذب الخلُقي المتعلِّق بالخطاب الدينيِّ، والكذبِ الفنيِّ المتعلِّق بالخطاب الشِّعريِّ؛ ولهذا نجدُ ابن الخطيبِ تناوَلَ مسألةَ الكذبِ الخلُقيِّ في خِطاب رسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورَفَض الكذبَ في حقِّه، إلا أنه استحْسَن الكذب الفنيَّ في الشِّعر، وخصوصًا في طبقة السِّحر من الشِّعر؛ يقول: "ولمَّا كان السِّحرُ قوةً ظهرتْ للنُّفوسِ أفعالُها، واختلفتْ بحسَب الوارِدِ أحوالُها، فتُرى لها في صورة الحقيقة خيالُها، ويتبدى في هيئة الواجب مُحالُها، وكان الشِّعر يملك مقادَتَها، ويغلب عادتَها، وينقُل هيئتَها، ويُسهِّل بعد الاستصعاب خبيَّتَها، ويَحملها في قدِّه على الشيء وضِدِّه، حتى تفطَّن لِهذا المعنى مَن يُعنَى مِن سرِّ الكلام بما يُعنَى، فقال مِن البسيط:
فِي زُخْرُفِ القَوْلِ تَزْيِينٌ لِبَاطِلِهِ
وَالحَقُّ قَدْ يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعْبيرِ

تَقُولُ هَذَا مُجَاجُ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ
وَإِنْ ذَمَمْتَ فَقُلْ قَيْءُ الزَّنَابِيرِ

مَدْحٌ وَذَمٌّ وَعَيْنُ الشَّيْءِ واحِدَةٌ
إِنَّ البَيَانَ يُرِي الظَّلْمَاءَ كالنُّورِ



وإذا عُضِّد بما يناسبه، وتقضي إليه مذاهبه، وقُرنت به الألحان على اختلاف حالاتها، وما يَقتضيه قوي استحالاتِها، عَظُم الأثَر، وظهرتِ العِبَر، فشجَّع وأقدَم وسهَّر وقوَّم وحبَّب السخاء إلى النفْس..."[30]؛ فالناقِد هنا يربِط بين الكذب والخيال في مُقابِل الصِّدْق والحقيقة، واستَشهدَ بالأبيات الشِّعريَّةِ لتوضِيح هذا الفَرْق، وأوضَحَ أنَّ الشِّعْر مِن حيثُ هو كذِبٌ وخيال، يُؤثِّر في المتلقِّي أشدَّ تأثِير.

وهذا التناولُ الخُلُقيُّ لهذه القضيَّةِ، يُوجَد في بُطونِ المُصنَّفاتِ النَّقديَّةِ العربيَّة القديمة، يَقولُ أبو هِلال العسكريُّ (ت 395هـ): "ولا يَقَع الشِّعرُ في شيءٍ مِن هذه الأشياءِ مَوقِعًا، ولكنْ له مواضِعُ لا يَنْجَحُ فيها غَيرُه مِنَ الخُطَبِ والرَّسائِلِ وغَيرِها، وإنْ كان أكثَرُه قد بُنِيَ على الكَذِبِ والاستحالَةِ مِنَ الصفاتِ الممتنِعَةِ، والنُّعوتِ الخارِجَةِ عَنِ العادات، والألفاظ الكاذبةِ مِنْ قَذْفِ المُحصناتِ، وشَهادَةِ الزُّورِ وقَولِ البُهتان؛ لا سيَّما الشِّعرُ الجاهليُّ الذي هو أقوى الشِّعرِ وأفْحَلُه"[31]، فالفَهمُ الخلُقي للكذِبِ واضِحٌ في تناوُل الرجُلِ لهذه الثُّنائيَّةِ، لكنْ إلى جانِبِ ذلك يَبدو أنه يُلمحُ إلى أنَّ وجود الكذبِ كذلك بمعناه الفنيِّ، فعندما يتحدَّث عنِ الصفاتِ المُمتنِعَة، والنُّعوتِ الخارِجَةِ عن العادات، فهو يَرى أنِّ الكذِب يَسعى إلى تَحويل الواقِعِ كما هو إلى واقِعٍ فنيٍّ، ويُؤكِّد ذلك بقوله: "وليس يُراد منه إلا حُسنُ اللَّفظِ وجَودَةُ المعنى؛ هذا هو الذي سوَّغ استعمال الكَذِبِ وغيرِه ممَّا جَرى ذِكْره فيه"[32]، يَبدو أنَّ الرجُل قد بَنى رأيَه هذا مِن خِلال اطِّلاعِه على جُهودِ الفلاسِفَة، فهو يُفرِّق بين الكذِب الخلُقيِّ في مُقابِل الصِّدْق الخلُقي، والكذبِ الفنِّيِّ في مُقابِل الصِّدقِ الفنِّيِّ، وهذان الأخيران لا فرقَ بينهما؛ يقول: "وقِيل لبعضِ الفلاسِفَة: فُلانٌ يَكذِبُ في شِعرِه؛ فقالَ: يُرادُ مِنَ الشاعِرِ حُسنُ الكلامِ، والصِّدقُ يُراد مِنَ الأنبياء"[33].

يَبدو - كذلك - هذا الخَلْطُ بين الكَذِبِ الخلُقي والفنيِّ واضحًا في "عُمدة ابنِ رشيقٍ" في قَوله: "ومِن فَضائِله (يَقصِد الشِّعرَ) أنَّ الكَذِبَ - الذي اجتَمَع الناس على قُبحِه - حَسَنٌ فِيه، وحَسْبُك ما حسَّن الكذبَ، واغتُفر له قُبحُه"[34]، فالكذبُ - هُنا - نَوعان: كذبٌ خلُقيٌّ أجْمَع الناسُ على قُبحِه وترذِيلِه، وكذبٌ فنيٌّ يُحسِّن الشِّعرَ ويتَجاوَز القُبحَ الذي أُلصِق به.

فأيَّ كذبٍ يَقصِد ابنُ رشيقٍ؟، ويَبدو أنَّ هذا الرأي المُزدوَجَ لَدَى هذا الناقِدِ راجِعٌ إلى تُراثِه النَّقديِّ، فهُو يَستدِلُّ بالقُدماءِ في بَسطِه لهذا الرأي؛ يَقول: "وسُئلَ أحد المُتقدِّمين عَنِ الشُّعراءِ؟ فقال: ما ظَنُّك بِقومٍ الاقتصادُ مَحمودٌ إلاَّ مِنهُم، والكَذِبُ مَذمومٌ إلا فِيهم"[35].

إذا كان هؤلاءِ النُّقّادُ تَناولوا هذِه الثُّنائِيَّة مِن وِجهةِ نَظَرِ خُلُقيَّة في ارتباطها بما هو فَنيٌّ، فإنَّ ثَمَّة فِئةً أُخرى تَناوَلتْها مِن وِجهةِ نَظرٍ مَنطقيَّةٍ مُؤسَّسَةٍ على التَّفريقِ بين أَصنافِ الأقاويلِ والخِطاباتِ، فأَصبَحتْ بذلك هذه القضيَّةُ مُتجاوَزَةً؛ إذْ لم يَعُدْ الصدق والكذب أمرًا مُهمًّا في الصِّناعَة الشِّعريَّة، بل احتلَّ مكانَها التَّخييلُ، فأضْحَى النَّظر إلى الشِّعر مِن حيثُ هو قَولٌ مُخيَّلٌ، لا مِن حَيثُ هو صادِقٌ أو كاذِبٌ، وقد تَزعَّم هذه الفِئَةَ مُنذُ القِدم الفَلاسِفَةُ ومَن دارَ في فَلَكِهم مِنَ النُّقّاد.

5- ثُنائيَّةُ الصِّدقِ والكذبِ مِن زاويةٍ مَنطقيَّةٍ وفَلسفيَّةٍ:
يُفرِّق ابنُ البناء بين الحِكمة والشِّعر، ويَرى أنَّ هذا الأخير "مَبنيٌّ على المُحاكاةِ والتَّخَيُّلِ، لا على الحَقائِقِ"[36]، ويَرى أنَّ الشِّعرَ هو مِن البديعِ؛ إذِ البديعُ مِن اللُّغةِ، وهُو مِن البَديعِ؛ لأنَّ البديعَ من الحِكمَة، وكأنَّه هُنا يُفرِّق بين تَحليلِ الخِطابِ الدِّينيِّ الخُلُقيِّ المبنيِّ على الصِّدق والوُضوحِ، ويَعترِفُ أنَّ هذا الرَّوضَ هو جُهدٌ في هذا الصَّدَدِ، وتَحليل الخِطابِ الشِّعريِّ بِناءً على الأساليبِ البَديعيَّةِ باعتبارِه لُغةً، وكذلك باعتبارِه مَبنيًّا على الكذبِ والتَّخييلِ والمُحاكاةِ والغُلوِّ.

وبِناءً على نَظرتِه المَنطقيَّةِ لأنواعِ الخِطابِ، يُقسِّم القَول إلى "مَوزونٍ مُقفًّى، وهو المَنظُومُ، وإلى غَيرِ ذلك، وهو المنثُور، ويُستعملُ كلُّ واحدٍ منهُما في المُخاطباتِ، وهي على خَمسةِ أنحاء على ما أُحصيَتْ قديمًا:
الأولُ: البُرهانُ، وهو الخِطابُ بأقوالٍ اضطراريَّةٍ يَحصُلُ عنها اليقين.
والثاني: الجَدَلُ، وهو الخِطاب بأقوالٍ مَشهورَةٍ يَحصُل عنها الظَّنُّ الغالِبُ.
والثالِث: الخَطابَة، وهو الخِطاب بأقوالٍ مَقبولَةٍ يَحصُل عنها الإقْناعُ.
وهذه الثلاثَة الأقسام هي التي تُستعمَل في طريق الحَقِّ.
والرابِع: الشِّعرُ، وهو الخِطابُ بأقوالٍ كاذِبَةٍ مُخيَّلة على سبيلِ المحاكاة، يَحصُل عنها استفزازٌ بالتوهُّمات.
والخامسَة: المُغالَطة، وهو الخِطاب بأقوالٍ كاذبةٍ يَحصُل عنها ظُهور ما ليس بِحقٍّ أنَّه حَقٌّ. وهذان القِسْمانِ خارجانِ عن بابِ العِلْم، وداخلانِ في بابِ الجَهْل"[37].

فالأقسام الثلاثةُ الأُولى هي مِنَ الحِِكمة، وتُستعمَل في طريق الحقِّ، وتَدخُل في باب العِلم، وأما القِسمان الأخيرانِ، فهُما داخلانِ في باب الجَهلِ، ومَبنيَّان على الكَذِب، والذي يهمُّنا فيهما هو الخِطابُ الشِّعريُّ، وهو المبنيُّ على المُحاكاة والتَّخييل، فرَبطَ بين الكَذِب والتَّخيِيل، لكنَّه اشترط شُروطًا في تَوظيفِ الكذب بقولِه: "ولكنْ ليسَ للشاعِر أن يُحاكِيَ ويَتخيَّل في الشيءِ ما ليسَ موجودًا أصلاً؛ لأنَّه إذا فعَل ذلك لم يَكُنْ مُحاكيًا، بل يَكونُ مُخترِعًا، فيركب الكذب في قولِه، فتَبطُل المُحاكاة لِكذِبها، وهي موضوع الشِّعرِ"[38]، فشَرْطُ استعمال الكذب أنْ يَكونَ مِن الموجودِ؛ حتَّى لا يكونَ مُخترَعًا؛ لأنَّ الاختراعَ - وهو مُحاكاةُ وتَخيُّلُ ما ليس موجودًا أصلاً - تَبطُل به المحاكاةُ، وهي موضوعُ الشِّعر.

إنَّ احتفالَ السجلماسي بالتَّخييلِ في الشِّعْر، جعَله يَستغنِي عنْ ثُنائيَّة الصِّدقِ والكَذِب، فلَمْ يَهتمَّ بطبيعةِ الخِطابِ الشِّعريِّ مِن حيثُ هو صِدق أو كَذِب، وإنَّما الأمر عندَه: إنْ كان القول مُخيَّلاً أمْ لا؛ يَقول: "وبالجُملة تَنفَعِل له (يَقصد القَول المُخيَّل) النفْسُ انفعالاً نفسانيًّا غيرَ فكريٍّ، سواءٌ كان القول مُصدَّقًا به أو غيرَ مصدَّقٍ به، فإنَّ كَونَه مُصدَّقًا به غيرُ كَونِه مُخيَّلاً أو غَيرَ مُخيَّل؛ إذ كانتِ القضيَّة الشعريَّةُ إنما تُؤخَذُ مِن حيثُ هي مُخيَّلة فقط، دون نَظرٍ إلى صِدقها أو عَدمِ صِدقها، كأخْذِ القضيَّة الجدليَّة أو الخُطَبيَّة مِن حَيث الشهرة والإقناع فقط، دون نظرٍ إلى غيرِ ذلك مِن الصِّدقِ وعدَمه، فإنَّه يصدق بقولٍ مِن الأقوال ولا ينفعل عَنه، فإنْ قيل مرةً أخرى وعلى هيئةٍ أُخرى، فكثيرًا ما يُؤثِّر الانفعالُ ولا يُحدِث تَصديقًا، وربَّما كان المُتيقَّن كذبه مُخيلاً لما قُلناه"[39]، فالسجلماسي - على غِرار ابن البناء - يُقسِّم الخِطابات وَفْق التخييل إلى: أقوال شِعريَّةٍ، وجَدَليَّة، وخُطَبيَّة، ويَخصُّ الشِّعر بكَونِه خِطابًا تَنفعِل له النفْس انفِعالاً، بِغضِّ النظَر عن كَونِه مُصدَّقًا أو غير مُصدَّق، بل ويَرى أنَّ القولَ المُتيقَّنَ كَذِبُه غالبًا ما يُحدِث انفعالاً، وهو قَولٌ مُخيَّل أكثر استفزازًا وإلذاذًا للنفْس، وهو بهذا الفَهْم يَجعلُ الكذبَ أساسَ القَول المُخيَّل؛ أي: أساس القول الشِّعريِّ، فأضحى هنا الكَذِب مُنازِعًا للتخييل في وظيفةِ الشِّعرِ الاستفزازيَّة؛ يقول السِّجلماسي بِخُصوصِ "المجاز": "القَول المُستفِزُّ للنفْس المُتيقَّنُ كَذِبُه، المُركَّب مِن مُقدِّماتٍ مُختَرَعةٍ كاذِبة تُخَيِّل أمورًا وتُحاكي أقوالاً، ولما كانت المقدِّمة الشعريَّةُ إنَّما نَأخذها مِن حيث التخييلُ والاستفزاز فقطْ، كما تقدَّم لنا مِن قَبْل أنَّه كُلَّما كانتْ مُقدِّمة القول الشعريِّ أكذَب، كانتْ أعظمَ تَخييلاً واستفزازًا"[40].

يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.80 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.21%)]