بربك أي نهر تعبرين؟
عائشة بنت عبدالرحمن الطويرش
الحمد لله القائل في كتابه: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا ﴾ [الأعراف: 26]، والصلاة والسلام على رسوله الذي أوصى نساء أمَّته بإطالة الثياب في حديث أم سلمة عندما قالت: كيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: ((يُرْخينَ شِبْرًا))، قالت: إذًا تنكشف أقدامهن! قال: ((فيُرْخِينَهُ ذِراعًا لاَ يَزِدْنَ))، أما بعد:
فمع مرور الأيام، ومضيِّ السنين والأعوام، على بداية دعوة الإسلام، تتغير الحياة، ويتغير الإنسان مع الظروف التي تتناسب مع بيئته التي يعيش فيها، ومع الناس الذين يعيشون في مجتمعه، ولكن التطور في عصرنا هذا سريع، فقد استطاع الإنسان في هذا العصر معرفة طرق الحياة في المجتمعات الأخرى في هذا العالم الواسع، وأصبح يأخذ منها ما يعجبه ويترك السيئ منها، ومع هذه التغيرات والتطورات أصبح بعض الناس يقلِّدون من يرونه - في نظرهم - شخصًا جيدًا في لباسه و شعره وغالب شكله، وهذا التقليد يسمَّى بالتقليد الأعمى، ومنهم من نبذ هذه النظريات وعرف حقيقة التشبُّه، فهل هذا حالنا يا أمة الإسلام؛ نمشي مع ركب التطور ولا ندري ما الذي يحدث فيه؟! أهذا حالنا بعد أن كان أجدادنا يصنعون حياتهم الخاصة بأنفسهم؟! أم يقع اللوم على من ربَّانا وشجعنا على اللَّحاق بهذا الركب معتقدًا أنه الأنسب لنا؟!
حديثنا اليوم عن اللباس وحكمه وشروطه وبعض ما يتعلق به؛ لانتشار الفتن في اللباس بين الناس، فكلمتُنا هذه لأولياء الأمور والنساء والتجار، فليتقوا الله فيما استرعاهم الله إياه.
تعريف اللباس:
لغة: اللباس - بكسر اللام -: هو ما يلبس، وجمعه: لُبُس؛ ككتاب وكتب.
اصطلاحًا: إذا أطلق العلماء اللباس فإنما يريدون به: ما يستر ويغطي البدن، سواء كان هذا الستر وهذه التغطية لأجل ستر العورة، أو لأجل دفع الحر والبرد، أو لأجل الزينة.
أدلة اللباس في القرآن والسنة:
• القرآن:
﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 26].
﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ﴾ [النحل: 81].
• السنة:
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده))؛ رواه الترمذي.
شروط لباس المرأة المسلمة:
1- أن يكون اللباس ساترًا لا تَبِينُ منه البشَرةُ، فنُخرج بهذا الشرط القمصان البيضاء التي انتشرت في الآونة الأخيرة، وهي تشف عن اللباس الداخلي للنساء، والله المستعان.
2- أن يكون واسعًا لا يصف بدنها، فنخرج البنطال، وما يسمى بـ[الإسترتش] من سراويل وقمصان.
3- أن يكون ساترًا لجميع البدن، ونخرج بهذا القصير الذي لا يغطي الصدر أو الذراعين أو الساقين.
4- ألا يكون مشابهًا لملابس الرجال؛ فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال؛ رواه البخاري، ونخرج بهذا الشماغ وقمصان اللاعبين والبنطال أيضًا.
أحكام لباس المرأة المسلمة:
• عند الأجانب: يحرم عليها كشف أي جزء منها عند حضور رجال أجانب.
• عند المحارم: لا يجوزللمرأة أن يظهر منها شيء عند محارمها غير ما يظهر غالبًا؛ كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك.
• أما ما لا يظهر غالبًا، فعليها أن تستره، وليس لمَحْرَمها - غير الزوج - أن ينظر إليه؛ كالصدر والظهر ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ [النور: 31].
• عند الصغير: لا يجب الاستتار من الصغير ما دام طفلاً غير مميز، فإن عقل فحُكمُه حكم ذوي المحرم في النظر إلى أن يبلغ الحلم، قال تعالى: ﴿ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ﴾ [النور: 31].
• والأحوط أن تستر المرأة عن الصغير ما لا يظهر عادة؛ لما فيه من التعويد والتربية، والمحافظة على التستر، وصيانة المرأة وحفظ كرامتها.
• عند النساء: عورة المرأة عند النساء مثل عورتها عند محارمها، وليست كما يدعي البعض أنها من السرة إلى الركبة، فقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن الملابس ذات الأكمام القصيرة وما يصل لنصف الساقين والمفتوحة من جهة النحر والظهر والساقين والضيقة والشفافة، فقال: الذي أراه أنه لا يجوز للمرأة أن تلبس مثل هذا اللباس ولو أمام المرأة الأخرى؛ لأن هذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((صنفانِ من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة...))، قال أهل العلم: معنى كونهن كاسيات عاريات: أنهن يلبسن ثيابًا ضيقة، أو ثيابًا شفافة، أو ثيابًا قصيرة، وكان من هدي نساء الصحابة رضي الله عنهن أنهن يلبسن ثيابًا يصلن إلى الكعب في الرجل، وإلى مفصل الكف من الذراع في اليد، إلا إذا خرجت إلى السوق فإنهن يلبسن ثوبًا نازلاً تحت ذلك وضافيًا على الكف أو تجعل في الكف قفازين، فإن من هدي نساء الصحابة لبس القفازين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة إذا أحرمت: ((لا تلبس القفازين))، ولولا أن لبس القفازين كان معلومًا عند النساء في ذلك الوقت، لما احتيج إلى النهي عنه في حال الإحرام، انتهى كلامه رحمه الله.
المراحل التي مر بها لباس المرأة حتى تغير:
1- كان لباسًا ساترًا ومحتشمًا.
2- ثم أصبح "ميدي" أعلى من الكعبين.
3- ثم أصبح "شنيل" إلى منتصف الساقين.
4- ثم لبسن البنجابي وبنطاله.
5- ثم أصبح البنطال وعليه تنورة قصيرة "منتصف الساقين".
6- ثم استبدلت تنورة البنطال بـ"بلايز" طويلة تصل للركبة.
7- ثم ارتفعت الـ"بلايز" حتى أصبحت تخرج الظهر والسرة عند الحركة.
8- ثم أصبحت التنورة القصيرة جائزة عند البعض بشرط أن يكون تحتها سروال "إسترتش".
9- ثم تمادى بعض النساء وجعلن التنورة تصل منتصف الفخذ بلا شيء تحتها، وفتحات الصدر أخذت بالطول حتى وصلت قرب السرة، كفانا الله الشر.
علمًا بأن كل هذه المراحل (من 2 إلى 9) مخالفة شرعًا؛ لأنها تخالف شروط لباس المرأة المسلمة.
قال الشاعر:
لحد الركبتين تشمِّرينَا بربِّك أي نهر تَعبُرينَا
كأن الثوب ظلٌّ في صباح يزيد تقلصًا حينًا فحينَا
تظنِّين الرجال بلا شعورٍ لأنَّك ربما لا تشعرينَا
العوامل المؤثرة في اللباس:
1- عقيدة أمة الإسلام وأخلاقها ومبادئها.
2- الذوق الفطري المتفاوت بين الناس، ومقاييسهم.
3- أسلوب المعيشة المتفاوت بين المجتمعات، والظروف الاقتصادية من غنى وفقر.
4- التقاليد الشعبية التي يتوارثها الجيل عن الجيل.
5- ما تملكه الأمَّة من رصيد حضاري يميزها عن غيرها.
صرخة غيور:
يقول الشيخ سليمان العجلان في إحدى رسائله التوجيهية:
كل ذلك قليل من كثير، والسبب فيه مَن؟ إنه ولي الأمر وما تسبب فيه من تفريط، حيث إنه يؤمِّن لأسرته السائق وما يحتاجونه من أموال، ومِن ثَم تجده لاهيًا فيما يخصه، ويظن أنه الولي المثالي، لا؛ بل إن عائلتك تريد منك الرعاية الشخصية لا الرعاية المادية، وقد قال صلى الله عليه وسلم
(كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته))؛ متفق عليه.
قال البغوي رحمه الله: معنى الراعي ههنا الحافظ المؤتمن على ما يليه... أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنصيحة فيما يلونه، وحذرهم الخيانة فيه بإخباره أنهم مسؤولون عنه، فالرعاية حفظ الشيء وحسن التعهد.
فيا عباد الله، ماذا يكون واقعنا اليوم؟ هل نحن قمنا بما أمرنا به من حق الرعاية أم لا؟ وماذا ستكون الإجابة إذا عرضنا واقعنا على الأمر النبوي سالف الذكر؟ إنها والله حقيقة مريرة لو عقلناها لذقنا مرارتها؛ انتهى كلامه.
يتبع