الموضوع: سفينة النجاة
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 29-08-2020, 04:26 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سفينة النجاة



ولذا تنافس المتنافسون في تحصيل هذا الثواب العظيم من أنبياء الله والصالحين ومنهم نبي الله أيوب الذي لبث في البلاء ثمانية عشر عاماً ومع ذلك استحيا أن يسأل الله العافية حتى يكون له من النصيب في البلاء قدر ما كان له في العافية ولنستمع إلى شيء من خبره فيما أخرجه الحاكم وابن حبان والطبري والبزار وقال الهيثمي رجال البزار رجال الصحيح من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثَمانِيَ عَشْرَة سَنَة، فَرَفَضَه القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، إلا رَجُلانِ مِنْ إخْوَانِهِ كانا مِنْ أخَصّ إخْوَانِهِ بِهِ، كَانَا يَغْدُوانِ إلَيْهِ ويَرُوحانِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصَاحِبه: تَعْلَم والله لَقَدْ أذْنَبَ أيُّوبُ ذَنْبًا ما أذْنَبَهُ أحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: ومَا ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ الله فَيَكْشِفَ ما بِهِ؛ فَلَمَّا رَاحا إلَيْهِ لَمْ يَصْبِر الرَّجُلُ حتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فقَالَ أيَّوُّبُ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، غَيرَ أنَّ الله يَعْلَمُ أنِّي كُنْتُ أمُرُّ على الرُّجُلَيْنِ يَتَنازَعانِ فَيَذْكُرَانِ الله، فَأَرْجِعَ إلى بَيْتِي فَأكفِّرُ عَنْهُما كَرَاهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ الله إلا في حَقّ؛ قال: وكان يَخْرُجُ إلى حاجَتِهِ، فإذَا قَضَاها أمْسَكَت امْرأُتُه بِيَدِهِ حتى يَبْلُغ فَلَما كانَ ذاتَ يَوْمٍ أبْطَأُ عَلَيْها، وأوحِيَ إلى أيُّوب في مَكانِهِارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)فاسْتَبطأتَهُ، فَتَلقتهُ تَنْظُرُ، فأقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أذْهَبَ الله ما بِهِ مِنَ البَلاءِ، وَهُوَ عَلى أحْسَنِ ما كانَ؛ فَلَمَّا رَأتْهُ قَالَتْ: أيْ بارَكَ الله فِيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ الله هَذَا المُبْتَلى، فوالله على ذلك ما رَأَيْتُ أحَدًا أشْبَهَ بِهِ منْكَ إذْ كانَ صحيحا؟ قال: فإنّي أنا هُوَ؛ قال: وكانَ لَهُ أنْدرَانِ: أنْدَرٌ للْقَمْحِ، وأنْدَرٌ للشَّعِيرِ، فَبَعَثَ الله سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كانَتْ إحْداهُما على أنْدَرِ القَمْحِ، أفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حتى فاضَ، وأفرغَتِ الأخْرَى في أنْدَرِ الشَّعِيرِ الوَرِق حتى فاضَ".[10]

قال الله تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 83، 84].

نعم:
كن عن همومك معرضا
ودع الأمور إلى القضا

وانعم بطول سلامة
تغنيك عما قد مضى

فلربما اتسع المضيق
وربما ضاق الفضا

الله يفعل ما يشاء
فلا تكن متعرضا


والمثل الأعلى للمبتلين الصابرين: المصطفى الذي عاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى ويخطو على جمر الكيد والعنت يتلمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين فناله في سبيل ذلك ما لم ينل نبياً فضلاً عن صديق أو صادق.

روى البخاري من حديث عَائِشَةَ - رضى الله عنها – زَوْج النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَا قَالَتْ للنبي - صلى الله عليه وسلم - هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِى عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يجبني إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِى، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رأسي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أظلتني، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فناداني فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فناداني مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَىَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". [11]، وللحديث صلة بعد جلسة الاستراحة وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.

أما بعد، فيا أيها الإخوة!
ومن أمثلة الصبر العليا والنجوم في سمائه: بلال بن رباح الحبشي مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
وقد كان عبداً لأمية بن خلف فلما بعث رسول الله اتبعه وآمن به وصدقه على ما جاء به فكان أمية يمنعه الطعام والشراب يوماً ويومين حتى يشتد به الجوع والعطش ويخرج به إلى الصحراء في شدة الحر وسط الظهيرة فيجرده من ثيابه ويضعه على الرمضاء ويعذبه ويقول: لا تزال هكذا حتى تكفر بمحمد أو تقول في اللات والعزى خيراً، قال ابن مسعود هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، هانت على بلال نفسه في الله فأبى إلا أن يغيظ أمية بن خلف وسائر المشركين، كلما قالوا له: لا تزال هكذا حتى تكفر بمحمد يأبى ذلك ويصر أن يتمسك بالإسلام ويعض عليه ويثبت عليه ويأبى إلا أن يغيظ المشركين بالنطق بكلمة التوحيد تحت سياط التعذيب فيقول: أحدٌ أحد، أحدٌ أحد، فهانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فجعل أمية بن خلف مولاه الحبل في عنقه وأعطاه غلمان مكة فجعلوا يلعبون به في شعاب مكة وطرقها وهو يقول: أحد أحد [12]

ولو ذهبنا نتتبع ما نال التعذيب والابتلاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأعيانا الحصر والعد ولكن بحسبنا هذا المثال وما نعلم.

وهذا أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي التابعي الجليل الذي وصفه ابن حبان فقال: من عباد أهل البصرة وزهادهم يروى عن أنس بن مالك ومالك بن الحويرث وروى عنه أيوب وخالد مات بالشام سنة أربع ومائة في ولاية يزيد بن عبد الملك حدثني بقصة موته محمد بن المنذر بن سعيد من طريق الأوزاعي عن عبد الله بن محمد قال خرجت الى ساحل البحر مرابطا وكان رابطنا يومئذ عريش مصر قال فلما انتهيت إلى الساحل فإذا أنا ببطيحة وفى البطيحة خيمة فيها رجل قد ذهب يداه ورجلاه وثقل سمعه وبصره وما له من جارحة تنفعه إلا لسانه وهو يقول اللهم أوزعني أن أحمدك حمدا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها على وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا قال الأوزاعي قال عبد الله قلت والله لآتين هذا الرجل ولأسألنه أنى له هذا الكلام فهم أم علم أم إلهام ألهم فأتيت الرجل فسلمت عليه فقلت سمعتك وأنت تقول اللهم أوزعني أن أحمدك حمدا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها على وفضلتني على كثير من خلقت تفضيلا فأي نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها وأي فضيله تفضل بها عليك تشكره عليها قال وما ترى ما صنع ربي والله لو أرسل السماء علي نارا فأحرقتني وأمر الجبال فدمرتني وأمر البحار فغرقتني وأمر الأرض فبلعتني ما ازددت لربى إلا شكرا لما أنعم على من لساني هذا ولكن يا عبد الله إذ أتيتني لي إليك حاجة قد تراني على أي حالة أنا أنا لست أقدر لنفسي على ضر ولا نفع ولقد كان معي بني لي يتعاهدني في وقت صلاتي فيوضيني وإذا جعت أطعمني وإذا عطشت سقاني ولقد فقدته منذ ثلاثة أيام فتحسسه لي رحمك الله فقلت والله ما مشي خلق في حاجة خلق كان أعظم عند الله أجرا ممن يمشي في حاجة مثلك فمضيت في طلب الغلام فما مضيت غير بعيد حتى صرت بين كثبان من الرمل فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبع وأكل لحمه فاسترجعت وقلت أنى لي وجه رقيق آتي به الرجل فبينما أنا مقبل نحوه إذ خطر على قلبي ذكر أيوب النبي صلى الله عليه و سلم فلما أتيته سلمت عليه فرد على السلام فقال ألست بصاحبي قلت بلى قال ما فعلت في حاجتي فقلت أنت أكرم على الله أم أيوب النبي قال بل أيوب النبي قلت هل علمت ما صنع به ربه أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده قال بلى قلت فكيف وجده قال وجده صابرا شاكرا حامدا قلت لم يرض منه ذلك حتى أوحش من أقربائه وأحبائه قال نعم قلت فكيف وجده ربه قال وجده صابرا شاكرا حامدا قلت فلم يرض منه بذلك حتى صيره عرضا لمار الطريق هل علمت قال نعم قلت فكيف وجده ربه قال صابرا شاكرا حامدا أوجز رحمك الله قلت له إن الغلام الذي أرسلتني في طلبه وجدته بين كثبان الرمل وقد افترسه سبع فأكل لحمه فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر فقال المبتلى الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقا يعصيه فيعذبه بالنار ثم استرجع وشهق شهقة فمات فقلت انا لله وانا اليه راجعون عظمت مصيبتي رجل مثل هذا إن تركته أكلته السباع وإن قعدت لم أقدر على ضر ولا نفع فسجيته بشملة كانت عليه وقعدت عند رأسه باكيا فبينما أنا قاعد إذ تهجم على أربعة رجال فقالوا يا عبد الله ما حالك وما قصتك فقصصت عليهم قصتي وقصته فقالوا لي اكشف لنا عن وجهه فعسى أن نعرفه فكشفت عن وجهه فانكب القوم عليه يقبلون عينيه مره ويديه أخرى ويقولون بأبي عين طالما غضت عن محارم الله وبأبي وجسمه طال ما كنت ساجدا والناس نيام فقلت من هذا يرحمكم الله فقالوا هذا أبو قلابة الجرمي صاحب ابن عباس لقد كان شديد الحب لله وللنبي صلى الله عليه وسلم فغسلناه وكفناه بأثواب كانت معنا وصلينا عليه ودفناه فانصرف القوم وانصرفت الى رباطي فلما أن جن على الليل وضعت رأسي فرأيته فيما يرى النائم في روضة من رياض الجنة وعليه حلتان من حلل الجنة وهو يتلو الوحي سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار فقلت ألست بصاحبي قال بلى قلت أنى لك هذا قال إن لله درجات لا تنال إلا بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء مع خشية الله عز و جل في السر والعلانية. [13]

وبعد - أيها الإخوة - كيف نكون مع أفراد هذا الموكب الكوكبي الدري والنجم الساطع الضوئي كيف نكون من الصابرين ونحصل درجتهم ونشرف بمكانتهم؟

والجواب في نقاط:
أولاً: الاستعانة بالله تعالى فإن صبر المؤمن يكون بالله تعالى كما قال عز وجل ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ يعني أنه من لم يصبره الله ويوفقه للصبر لم يصبر وكذلك ينبغى ان يكون الصبر لله أي حبًّا له وإرادة لوجهه ورغبة في ثوابه لا لإظهار قوة النفس أو استجلاب الحمد من الناس وينبغي أن يكون الصبر مع الله، والصبر مع الله هو أن يكون العبد مع أحكام الله الدينية صابراً نفسه معه سائراً بسيرها مقيماً بإقامتها حيث كانت وليس كمن يصبر على تعذيب نفسه في غير مرضاة الله مثل صبر المشركين القائلين: "أن امشوا واصبروا على آلهتكم".[14]

فالله عز وجل هو المعين على الصبر لمن أراد وهو الموفق الهادي له كما قال علقمة في تفسير قوله تعالى: "ومن يؤمن بالله يهد قلبه" قال - رحمه الله -: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وهذه الهداية - أيها الإخوة - هي هداية التوفيق ومن هذه الهداية هداية الله عبده الى الرضا والتسليم، فمن أصابته مصيبة فعلم أنها من قدر الله فصبر واحتسب هدى الله قلبه لليقين وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقيناً صادقاً و يخلف عليه خيراً مما فاته.

ثانيًا: الإيمان "فالإيمان خير معين، الإيمان بلسم الحياة، وأس الفضائل ولجام الرذائل، وقوام الضمائر، وسند العزم في الشدائد، وبلسم العبر عند المصائب، وعماد الرضا والقناعة بالحظوط، ونور الأمل في الصدور وسكن النفوس، وعزاء القلوب إذا أوحشتها الخطوب، والعروة الوثقى عند حلول الموت بسكراته العظمي"، ولله در معاذ بن جبل لما أصابه الطاعون طاعون عمواس يقول الحارث بن عميرة: طعن معاذ وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة، وأبو مالك الأشعري في يوم واحد، فقال معاذ: أنه رحمة ربكم عز وجل ودعوة نبيكم صلى الله عليه وسلم وقبض الصالحين قبلكم. اللهم آت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة، فما أمسى حتى طعن ابنه عبد الرحمن بكره الذي كان يكنى به وأحب الخلق إليه، فرجع من المسجد فوجده مكروباً، فقال: يا عبد الرحمن كيف أنت؟ فاستجاب له فقال: يا أبت ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ [آل عمران: 60]. فقال معاذ: وأنا إن شاء الله ستجدني من الصابرين، فأمسكه ليلة ثم دفنه من الغد، فطعن معاذ فقال حين اشتد به النزع - نزع الموت - فنزع نزعاً لم ينزعه أحد، وكان كلما أفاق من غمرة فتح طرفه ثم قال: رب اخنقني خنقتك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك. [15]

هات ما عندك هاتِ
معيَ الإيمان يهديني لبحر الظلماتِ
بلسم الإيمان ينجي مركبي والموج عاتي
هل ترى الإعصار يومًا هزَّ شُمًّا راسياتِ؟

فالإيمان بعد عون الله وتوفيقه أعظم الأسباب المعينة على الصبر.

ثانياً: أن يتصبر العبد ويتعلم الصبر درجة درجة كما قيل: "إنما الصبر بالتصبر". فمن عود نفسه الصبر تعودت وأخذت به وتدرجت.

ثالثاً: أن يعرف فضل الصبر ودرجة الصابرين فمن عرف فضل الصبر حمل نفسه عليه حملاً وينسيه ذلك مرارة المصاب والبلية كما قال من قال: وقد أصيبت أصبعه فتبسم فعجب من رآه وقال: تبتسم وقد انقطع أصبعك؟! فقال: نعم حلاوة أجرها أنستني مرارة ألمها.

فإذا تذكر العبد أمثال قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ و قوله صلى الله عليه وسلم فيما روى الترمذي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أراد الله بعبد خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد شرًا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافيه يوم القيامة".[16]

فعلم أن المصيبة مكفرة ورافعة للدرجات وماحية للسيئات وإذا تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه"[17]

علم أنه على درجة عظيمة في القرب من الله تعالى ومشابهة أنبيائه ورسله وعلى درج الصالحين يسير.

رابعاً: التعرف إلى ضد الصبر إلى أين يسير بالعبد فالضد يظهره حسنه الضد وبضدها تبين الأشياء فليتعرف على مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ". [18]

وليتعرف على مثل قوله صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - "اثْنَتَانِ فِى النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ الطَّعْنُ فِى النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ".[19]

هذه هي الأسباب المعينة على الصبر ويبقى توفيق وهداية المولى - سبحانه وتعالى - الذي لا يكون شيء إلا بإذنه.

أخي المبتلى: لقد أنعم الله عليك كثيرًا فإن كنت عند حسن ظنه في نعمائه، فكن عند حسن ظنه بك في بلائه، يهتف بك ابن كثير: كان نبي الله أيوب، عليه السلام، غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك.

وقال يزيد بن ميسرة: لما ابتلى الله أيوب، عليه السلام، بذهاب الأهل والمال والولد، ولم يبق له شيء، أحسن الذكر، ثم قال: أحمدك رب الأرباب، الذي أحسنت إلي، أعطيتني المال والولد، فلم يبق من قلبي شعبة، إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني، وفرَّغت قلبي، ليس يحول بيني وبينك شيء، لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت، حسدني. قال: فلقي إبليس من ذلك منكرًا.

قال: وقال أيوب، عليه السلام: يا رب، إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك. وأنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها وأقول لنفسي: يا نفس، إنك لم تخلقي لوطء الفرش، ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك.[20]

حبيبي المبتلى!
"لا يسلبك الله شيئا إلاَّ عوَّضك خيراً منه، إذا صبرْتَ واحْتَسَبْتَ ((منْ أخذتُ حبيبتيه فصبر عوَّضتُه منهما الجنة)) [21] يعني عينيه ((من سلبتُ صفيَّهُ من أهل الدنيا ثم احتسب عوَّضْتُهُ من الجنَّة))[22]

من فقد ابنه وصبر بُني له بَيْتُ الحمدِ في الخُلْدِ، وقِسْ على هذا المنوالِ فإن هذا مجردُ مثال.

فلا تأسفْ على مصيبة فان الذي قدّرها عنده جنةٌ وثوابٌ وعِوضٌ وأجرٌ عظيمٌ.

إن أولياء الله المصابين المبتلين ينوِّهُ بهم في الفِرْدوْسِ ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾.

وحق علينا أن ننظر في عِوض المصيبةِ وفي ثوابها وفي خلفها الخيِّر ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ هنيئاً للمصابين، بشرى للمنكوبين.

إن عُمْر الدنيا قصيرٌ وكنزُها حقيرٌ، والآخرةُ خيرٌ وأبقى فمن أُصيب هنا كُوفِئ هناك، ومن تعب هنا ارتاح هناك، أما المتعلقون بالدُّنيا العاشقون لها الراكنون إليها، فأشدَّ ما على قلوبهم فوت حظوظُهم منها وتنغيصُ راحتهم فيها لأنهم يريدونها وحدها فلذلك تعظُمً عليهمُ المصائبُ وتكبرُ عندهمُ النكباتُ؛ لأنهمْ ينظرون تحت أقدامِهم فلا يرون إلاَّ الدُّنيا الفانية الزهيدة الرخيصة.

أيها المصابون ما فات شيءٌ وأنتمُ الرابحون، فقد بعث لكمْ برسالةٍ بين أسطرها لُطْفٌ وعطْفٌ وثوابٌ وحُسنُ اختيار. إن على المصابِ الذي ضرب عليه سرادقُ المصيبة أن ينظر ليرى أن النتيجة فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ، وما عند اللهِ خيرٌ وأبقى وأهنأ وأمرأُ وأجلُّ وأعلى.

اللهم فاجعلْ مكان اللوعة سلْوة، وجزاء الحزنِ سروراً، وعند الخوفِ أمنْاً. اللهم أبردْ لاعِج القلبِ بثلجِ اليقينِ، وأطفئْ جمْر الأرواحِ بماءِ الإيمانِ.

يا ربُّ، ألق على العيونِ السَّاهرةِ نُعاساً أمنةً منك، وعلى النفوسِ المضْطربةِ سكينة، وأثبْها فتحاً قريباً. يا ربُّ اهدِ حيارى البصائرْ إلى نورِكْ، وضُلاَّل المناهجِ إلى صراطكْ، والزائغين عن السبيل إلى هداك.

اللهم أزل الوساوس بفجْر صادقٍ من النور، وأزهقْ باطل الضَّمائرِ بفيْلقٍ من الحقِّ، وردَّ كيد الشيطانِ بمددٍ من جنودِ عوْنِك مُسوِّمين.

اللهم أذهبْ عنَّا الحزن، وأزلْ عنا الهمَّ، واطردْ من نفوسنِا القلق.

نعوذُ بك من الخوْفِ إلا منْك، والركونِ إلا إليك، والتوكلِ إلا عليك، والسؤالِ إلا منك، والاستعانِة إلا بك، أنت وليُّنا، نعم المولى ونعم النصير".[23]

أيها الإخوة! حكي عن بعض العارفين أنه سأل الشبلي عن الصبر أيه أشد؟ فقال: الصبر في الله تعالى؛ فقال: لا، فقال: الصبر لله، فقال: لا، فقال: الصبر مع الله، فقال: لا، فقال: فأيش؟ قال: الصبر عن الله؛ فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف. وقد قيل في معنى قوله تعالى" اصبروا وصابروا ورابطوا" اصبروا في الله وصابروا بالله ورابطوا مع الله. وقيل الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء. وقد قيل في معناه:
والصبر عنك فمذموم عواقبه والصبر في سائر الأشياء محمود
وقيل أيضاً:
الصبر يجمل في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يجمل[24]

فيا من لا يزال يتخبط في غيه بعيدًا عن رضا ربه إنك يا مسكين محروم ويالشدة صبرك عن محبوبك، تالله لو تعي حقيقة ما تفعل لسقطت ميتًا.

نسأل الله أن يأخذ بأيدينا إليه أخذ الكرام عليه وأن يرزقنا الصبر على المأمور والصبر عن المحظور والصبر على المقدور... الدعاء.


[1] في ظلال القرآن - (6 / 330).

[2] أخرجه الترمذي (2327) والحاكم (1 / 408) والبيهقي (4 / 196)، وانظر: الصحيحة 6 / 676.

[3] أخرجه مسلم 556.

[4] شرح رياض الصالحين (4 / 16).

[5] أخرجه مسلم 7692.

[6] أخرجه البخاري 1469، ومسلم 2471.

[7] أخرجه الترمذي (2 / 64) و ابن ماجه (4031)، وانظر: الصحيحة 1 / 227.

[8] يحبهم ويحبونه - خطبة للشيخ خالد الراشد.

[9] أخرجه أحمد (1/ 172)، والترمذي (2398)، وصححه الألبانى فى الصحيحة (143).

[10] تفسير الطبري (23/ 107) ورواه البزار في مسنده (2357) "كشف الأستار"، وهو في "الصحيحة" 1 / 25.

[11] أخرجه البخاري (3231) ومسلم (1795).

[12] طبقات ابن سعد (232/ 3).

[13] الثقات لابن حبان 5/ 7.

[14] فضل الغني الحميد (ص32).

[15] حلية الأولياء - (1 / 127).

[16] أخرجه الترمذي (2 / 64)، والبيهقي في"الأسماء"(ص 154)، وهو في "الصحيحة"3 / 220.

[17] أخرجه أحمد (1/ 172) والترمذي (2398) وابن ماجه (4023)، وصححه الألبانى فى الصحيحه (143).

[18] أخرجه البخاري (1297) ومسلم (103).

[19] أخرجه مسلم (67).

[20] تفسير ابن كثير - (5 / 360).

[21] أخرجه البخارى (5329).

[22] أخرجه البخاري (6424)، بلفظ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِى الْمُؤْمِنِ عِنْدِى جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلاَّ الْجَنَّةُ".

[23] لا تحزن.

[24] إحياء علوم الدين (3 / 181).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.69 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]