أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام
(باب الحيض3)
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
الحديث الثالث
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد كلانا جنب. وكان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض. وكان يخرج رأسه إلي، وهو معتكف، فاغسله وأنا حائض.
• قولها: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد كلانا جنب) تقدم الكلام على ذلك.
• قولها: (فكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض).
• قال البخاري: (وساق الحديث ثم ذكر حديث عائشة أيضا قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها قالت وأيكم يملك إربه كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يملك إربه، وذكر حديث ميمونة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض)[1].
• قال الحافظ: (المراد بالمباشرة هنا التقاء البشرتين، لا الجماع. قوله: "يملك إربه" قيل: المراد عضوه الذي يستمتع به، وقيل حاجته، والحاجة تسمى إربا. قال والمراد أنه - صلى الله عليه وسلم - كان أملك الناس لأمره، فلا يخشى عليه ما يخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى، ومع ذلك فكان يباشر فوق الإزار تشريعا لغيره ممن ليس بمعصوم. وبهذا قال أكثر العلماء، وهو الجاري على قاعدة المالكية في باب سد الذرائع. وذهب كثير من السلف والثوري وأحمد وإسحاق إلى أن الذي يمتنع من الاستمتاع بالحائض الفرج فقط، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية ورجحه الطحاوي، وهو اختيار أصبغ من المالكية، وأحد القولين أو الوجهين للشافعية واختاره ابن المنذر.
• وقال النووي: هو الأرجح دليلا لحديث أنس في مسلم: "اصنعوا كل شيء إلا الجماع" وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعا بين الأدلة. وقال ابن دقيق العيد: ليس في حديث الباب ما يقتضي منع ما تحت الإزار لأنه فعل مجرد)[2]. انتهى.
ويدل على الجواز أيضا ما رواه أبو داود بإسناد قوي عن عكرمة عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا، وفصل بعض الشافعية فقال: إن كان يضبط نفسه عند المباشرة عن الفرج ويثق منها باجتنابه جاز وإلا فلا، واستحسنه النووي[3].
• قولها: (وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض).
• قال البخاري: (باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وساق الحديث ولفظه "كنت أرجل رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا حائض" وساق أيضا عن عروة أنه سئل: "أتخدمني الحائض أو تدنو مني المرأة وهي جنب فقال عروة كل ذلك علي هين وكل ذلك تخدمني وليس على أحد في ذلك بأس أخبرتني عائشة أنها كانت ترجل تعني رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ مجاور في المسجد يدني لها رأسه وهي في حجرتها فترجله وهي حائض"[4].
• قال الحافظ: (وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها. وقال: قوله: "مجاور" أي معتكف، وحجرة عائشة كانت ملاصقة للمسجد، وألحق عروة الجنابة بالحيض قياسا، وهو جلي، وألحق الخدمة بالترجيل.
وفي الحديث دلالة على طهارة بدن الحائض وعرقها، وأن المباشرة الممنوعة للمعتكف هي الجماع ومقدماته وأن الحائض لا تدخل المسجد.
وقال أيضًا: وفي الحديث جواز التنظف والتطيب والغسل والحلق والتزين إلحاقا بالترجل، والجمهور على أنه لا يكره في المسجد)[5] انتهى.
تتمة:
قال في "المنتقى": (عن ابن عباس: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار) رواه الخمسة، وقال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة، قال: دينار أو نصف دينار. وفي لفظ للترمذي: (إذا كان دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار)، وفي رواية لأحمد: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل في الحائض تصاب دينارا فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل فنصف دينار كل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه تنبيه على تحريم الوطيء قبل الغسل انتهى. وعن أم عطية - رضي الله عنها- قالت: كنا لا نرى الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا. رواه البخاري وأبو داود واللفظ له وهذا الحديث يدل بمنطوقه على أن الصفرة والكدرة بعد الطهر لا تعد حيضا ويدل بمفهومه على أنها قبل الطهر حيض، والله أعلم)[6].
[1] فتح الباري: (1/ 403).
[2] فتح الباري: (1/ 403).
[3] فتح الباري: (1/ 404).
[4] فتح الباري: (1/ 401).
[5] فتح الباري: (1/ 401).
[6] نيل الأوطار: (1/ 351).