عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-01-2020, 01:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,501
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التحليل اللغوي في سورة الفاتحة

التحليل اللغوي في سورة الفاتحة

د. أيوب جرجيس العطية

2-قوله تعالى (رب العالمين) فلما ذكر قبله مقتضاه وهو التفرد بالحمد المطلق؛ وذكر بعده ما ينبني عليه وهو ما يبين مصير العالمين؛ وأن ما هو واقع منهم من خير وظلم لا بد من المجازاة عليه، لأنه ليس من المعقول أن يخلقهم سدى ربهم الذي له الحمد أي المتصف بصفات الكمال، فإن الكمال ينفي ذلك، وينفي وقوع ما نشاهده من تظالم بين المخلوقات من غير أن يكون قصاص في يوم من الأيام؛ هذا فضلاً عن الظلم الأكبر الذي هو كلمة (رب العالمين) تربي في النفوس المهابة؛ و (الرحمن الرحيم) تربي في النفوس (الأمل) فينبسط أمل العفو في العبد إن زل؛ وكل من العبارتين تقوي عند المرء شدة الحاجة إلى سؤاله لأنه على كل شيء قدير وبيده كل شيء وهو رحيم؛ وكلاهما أيضاً تؤدي إلى الخوف كما تؤدي إلى الرجاء؛ فيخاف أن يهلكه ويخاف أن لا يرحمه؛ وإن كان الرب بمعنى المصلح كان الوصف بالرحمة مشعراً بعلة الإصلاح.الشرك وعدم إفراد رب العالمين بالعبودية والطاعة.
وفي ذكر الربوبية ما يثير خوف العبد وفي ذكر الرحمة ما يثير رجاءه؛ وكلاهما أي الربوبية والرحمة يؤدي إلى الحب؛ فهو محبوب لكماله وأنه رب العالمين، ومحبوب لرحمته فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها.
3-قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين)، هذه الآيات الثلاث تتضمن الإيمان بالله وباليوم الآخر؛ وهما المعنيان اللذان يكثر اقترانهما في القرآن الكريم وأحاديث النبي .
و (الحمد لله) تعني أن الله تعالى محمود في ذاته؛ و (رب العالمين) عقب (الحمد لله) تعني أن الله تعالى محمود في ربوبيته أي في أفعاله وصفاته المتعلقة بأفعاله؛ و(الرحمن الرحيم) بعد ذلك تعني أنه تعالى محمود في صفاته، وفي أفعاله الدالة على رحمته؛ أي هو محمود في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.
(الرحمن الرحيم ) ترغيب جاء متوسطاً بين ترهيبين، وهو كونه رب العالمين وكونه مالك يوم الدين فنواصيهم في قبضته ومصيرهم إليه.
في قوله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) دلالة على إثبات المعاد والحشر والحساب ، ولما اتصف تعالى بالرحمة ، انبسط العبد وغلب عليه الرجاء ، فنبه بصفة الملك أو المالك ليكون من عمله على وجل ، وأن لعمله يوما تظهر له فيه ثمرته من خير وشر.
ففي ذكر هذه الأسماء بعد الحمد وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدل على أنه محمود في إلهيته محمود في ربوبيته محمود في رحمانيته محمود في ملكه وأنه إله محمود ورب محمود ورحمان محمود وملك محمود فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمال من هذا الاسم بمفرده وكمال من الآخر بمفرده وكمال من اقتران أحدهما بالآخر.
مثال ذلك قوله تعالى (والله غني حميد) (والله عليم حكيم) (والله قدير والله غفور رحيم)؛ فالغنى صفة كمال والحمد صفة كمال واقتران غناه بحمده كمال أيضاً.
4- (إياك نعبد ) مبنى على الإلوهية وإياك نستعين على الربوبية وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة. وفي قوله تعالى (مالك يوم الدين) بعد ذكر كونه رباً للعالمين بيان لكونه تعالى ليس رباً للعالمين في الدنيا فقط بل هو ربهم في الدنيا والآخرة. فالعلاقة الرابطة بينهما علاقة عموم وخصوص.
وجمع تعالى بين العبادة والاستعانة فإن العبادة لا تحصل إلا بالعون؛ وقدم الإقرار باستحقاق العبودية لله وحده على الدعاء بالعون، لأنه من باب تقديم الوسائل على المسائل؛ والترتيب القرآني جاء في غاية الفصاحة لأنه تعالى وصف نفسه بصفة الربوبية وصفة الرحمة ، ثم ذكر شيئين ، أحدهما ملكه يوم الجزاء ، والثاني العبادة. فناسب الربوبية للملك ، والرحمة العبادة. فكان الأول للأول ، والثاني للثاني.
5- ذكر الهداية والنعمة ثم قابلها بالغضب والضلال؛ والهداية هنا هدايتان:
احداهما:ضد فساد القصد، وهو الموجب للغضب؛ وهي هداية التوفيق والإلهام.
والأخرى: ضد فساد العلم، وهو الموجب للضلال؛ وهي هداية البيان والعلم.
6- قدم ذكر الاستعاذة من الغضب على الاستعاذة من الضلال، وهو أنسب لأمور منها هذه الأمور التالية:
أ-أن الغضب مؤداه الانتقام وهو يقابل الانعام؛ فناسب أن يذكر عقبه.
ب-أن العقوبة على الغضب أكثر.
ج-أن أسباب الغضب، أي المعاصي الواقعة بسبب فساد القصد والإرادة، أكثر وقوعاً في الناس.
د-أن المغضوب عليهم وهم اليهود متقدمون بالزمان، على الضالين عليهم وهم النصارى، فقدم ذكر هؤلاء على هؤلاء.
هـ-أنهم كانوا هم الذين يلون النبي من أهل الكتابين فإنهم كانوا جيرانه في المدينة والنصارى كانت ديارهم نائية عنه ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن الكريم أكثر من خطاب النصارى كما في سورة البقرة والمائدة وآل عمران وغيرها من السور.
ز-أن اليهود أغلظ كفرا من النصارى ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة فإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم فالتحذير من سبيلهم والبعد منها أحق وأهم بالتقديم وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم.
7-في قوله تعالى (إياك نعبد....) إلى آخر السورة: أربع مسائل بنيت على أربع؛ فـ(إياك نعبد) على ذكر الله؛ و(إياك نستعين) على ذكر الربوبية؛ و(اهدنا) على ذكر الرحمة و(صراط الذين أنعمت عليهم) على ذكر يوم الدين.


ثانيا:الزمن: يلعب الزمن دورا مهما فيربط البنية الأولى بالثانية ففي( بسم الله..) زمنها مضارع(حاضر)، لأن التقدير: بسم الله أبدأ(أو أقرأ) وهو يربطها بالثانية،فكأنّ العبد يقول: بسم الله أبدأ الحمد لله... ثمَّ يقول العبد: (إياك نعبد) وهذه زمنها كذلك مضارع(حاضر) وإن كان (اهد) زمنها ينطلق من الحاضر للمستقبل. فزمن الحاضر سلك يربط هذه البُنى.ولأن العبد يقول ويتلو النصَّ في لحظة واحدة.
ثالثا:الخصوص والعموم:
قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) جمع الله تعالى بين العبادة والاستعانة ؛ والعبادة عموم ، والاستعانة خصوص من عام، لإن العبادة لا تحصل إلا بالعون .
وسائل الترابط التركيبيّ:
أولا:التبعيّة:
وتتمثل في البنية الثانية أكثر،فكانت(الحمد لله..) البنية الكبرى، وما بعدها (الرحمن....) مرتبطة بها بالتبعية،لأنّها كلها توابع لها. وجاء حرف العطف رابطا بين( إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وَ(إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
و يظهر رابط التبعية في البنية الثالثة في(الصراط المستقيم...طراط الذين..) فقد ارتبطت( الصراط )الثانية بما قبلها أنها وقعت بدلامن الأولى. وارتبطت (غَيْرِ المغضوب ) بما قبلها لأنها بدل من الضّمير في عليهم أو من الذين أو نعت للذين.
ثانيا: الإحالة:
لإحالة الضمائر في النصّ دور في ربط البنى بعضها ببعض،فكان الضمير(الكاف)رابطا بين البنية الثالثة( إياك نعبد....) بما قبلها،ثمّ الضمير المستتر(أنت) في البنية (اهدنا). و يلحظ أن الضمائر تحولت من جهة إلى أخرى فكان ( الالتفات ) وهو التحول أو الانتقال من صيغة الغيبة إلى صيغة الخطاب وذلك عند قوله تعالى (إياك نعبد)؛ فقوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) أسلوبها الغَيبة، و (إياك نعبد) إلى آخر السورة أسلوبها الخطاب؛ فالغيبة للتعظيم والذل والجهل؛ والخطاب للخوف واللجأ والحب.
و( الالتفات ) ضرب من ضروب البلاغة ، ولو جرى الكلام على الأصل لقال ( إيّاه نعبد ) فعدل عن ضمير الغائب إلى المخاطب لنكتة ( الالتفات ) ومثله قوله تعالى : { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً }[19] ثم قال : { إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً }[20] وقد يكون الإلتفات من ( الخطاب ) إلى ( الغيبة ) كما في قوله تعالى : { هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ }[21] فقد كان الكلام مع المخاطبين ، ثم جاء بضمير الغيبة على طريق الإلتفات .
ونظير هذا أن تذكر شخصاً متصفاً بأوصاف جليلة ، مخبراً عنه إخبار الغائب ، ويك ونذلك الشخص حاضراً معك ، فتقول له : إيّاك أقصد ، فيكون في هذا الخطاب من التلطف على بلوغ المقصود ، ما لا يكون في لفظ ( إيّاه ) .
ثالثا: الحذف:
- وهو ما يتعلق به الباء في (بسم الله) ، والتقدير: بسم الله أبدأ (أو أقرأ) فالجار والمجرور متعلق بفعل محذوف جوازا، وقد تقدّم عليه، وذلك أنه موطن ينبغي أن لا يقدم فيه سوى ذكر اللّه تعالى ، فلو ذكر الفعل ، وهو لا يستغني عن فاعله ، لم يكن ذكر اللّه مقدما ، وكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى ، كما تقول في الصلاة اللّه أكبر ، ومعناه من كل شيء ، ولكن يحذف ليكون اللفظ في اللسان مطابقا لمقصود القلب ، وهو أن لا يكون في القلب ذكر إلا اللّه عز وجل.
-في قوله أنعمت عليهم..) بدلا من (أنعمت عليهم بكذ وكذا...)
فلم يقيد الإنعام ليعم جميع المنعم به على سبيل البدل؛ وليكون التوسل بنعم عظيمة مستمرة. وكذلك لأن النعم لا تحصى (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار)..
رابعا: الاستبدال: عملية تتم في داخل النصّ، إنه تعويض عنصر في النصّ بعنصر آخر،ويعدُّ الاستبدال صورة من صور التماسك التي تتم في المستوى النحوي - المعجمي بين كلمات أو عبارات على أن معظم حالات الاستبدال النصّي "قبلية" أي علاقة بين عنصر متأخر وعنصر متقدم، ولهذا يُعد الاستبدال مصدراً من مصادر تماسك النص.
والاستبدال شأنه شأن الإحالة - في كونه- علاقة اتساق، إلا أنه يختلف عنها في كونه يتم في المستوى المعجمي بين كلمات أو عبارات، بينما الإحالة علاقة معنوية تقع في المستوى الدلالي ، ويستحيل فهم ما تعنيه عناصر مستبدلة- إلا بالعودة إلى ما هي متعلقة به قبلياً - وهذا معنى الاستبدال- البحث عن الاسم، أو الفعل، أو القول الذي يسد هذه الثغرة، وهذه الحقيقة تؤكد مساهمة الاستبدال في تماسك النصّ .
وشرط الاستبدال في النصّ أنْ يتم استبدال وحدة لغوية بشكل آخر يشترك معها في الدلالة، حيث ينبغي أن يدل كلا الشكلين اللغويين على الشيء غير اللغوي نفسه.
"فالمعلومات التي تمكّن القارئ من تأويل العنصر الاستبدالي توجد في مكان آخر في النصّ
فعلاقة الاستبدال التي تختلف عن الحذف تترك أثراً، أثرها هو وجود أحد عناصرالاستبدال....فالمستبدل يبقى مؤشراً يستر شد به القارئ للبحث عن العنصر المفترض، مما يمكّنه من ملء الفراغ الذي يخلفه الاستبدال ومن أمثلته:
قوله تعالى : و قوله تعالى أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ.. )[22] ، و(قالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَاْرْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصاً).
فكلمة (ذلك) جاءت بدلاً من الآية السابقة عليها مباشرةً فكان هذا الاستبدال عاملاً على التماسك النصّي بين الآيات الكريمة. و مثله العدول من صيغة غلى اخرى أو من حرف إلى آخر.
وأشير في النهاية إلى حقيقة مساهمة الاستبدال بشكلٍ أساسي في تحقيق الترابط الدلالي، فهو يتطلَّب وجود علاقة معنوية بين عنصرين إحداهما متقدم والآخر متأخر، كما أشير إلى أن الاستبدال لا يعني البدل في النحو العربي فهو شيء مختلف.
ومنه في سورة الفاتحة:
1- قوله تعالى: (الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب..) أضاف النعمة إليه ( أنعمت عليهم)وحذف فاعل الغضب(غير المغضوب) ولم يقل:غير الذين غضبت عليهم، لوجوه :
أ-منها أن النعمة هي الخير والفضل والغضب من باب الانتقام والعدل، والرحمة تغلب الغضب فأضاف إلى نفسه أكمل الأمرين وأسبقهما وأقواهما وهذه طريقة القرآن في إسناد الخيرات والنعم إليه وحذف الفاعل في مقابلتهما كقول مؤمني الجن وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا )ومنه قول الخضر في شأن الجدار واليتيمين ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهم ويستخرجا كنزهما )وقال في خرق السفينة فأردت أن أعيبها ثم قال بعد ذلك وما فعلته عن أمري) وتأمل قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم )وقولهحرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) .
بوفي تخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدائم وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر فكل الخلق في نعمه وهذا فصل النزاع في مسألة هل لله على الكافر من نعمة أم لا ؟
فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان ومطلق النعمة تكون للمؤمن والكافر كما قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) والنعمة من جنس الإحسان بل هي الإحسان والرب تعالى إحسانه على البر والفاجر والمؤمن والكافر.
وأما الإحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم محسنون) .
ب- أن الله سبحانه هو المنفرد بالنعم ( وما بكم من نعمة فمن الله) فأضيف إليه ما هو منفرد به وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقا ومجرى للنعمة وأما الغضب على أعدائه فلا يختص به تعالى بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه يغضبون لغضبه فكان في لفظة المغضوب عليهم بموافقة أوليائه له من الدلالة على تفرده بالإنعام ، وأن النعمة المطلقة منه وحده هوالمنفرد بها ما ليس في لفظة المنعم عليهم.
ج- أن في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه وتحقيره وتصغير شأنه ما ليس في ذكر فاعل النعمة من إكرام المنعم عليه والإشادة بذكره ورفع قدره ما ليس في حذفه فإذا رأيت من قد أكرمه ملك وشرفه ورفع قدره فقلت هذا الذي أكرمه السلطان وخلع عليه وأعطاه ما تمناه كان أبلغ في الثناء والتعظيم من قولك: هذا الذي أكرم وخلع عليه وشرف وأعطى(بالبناء للمجهول).
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.94 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.31 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.52%)]