ويا تربة الدحداح، بوركت من تربة، لا يذوق فيها الغريب مرارة الغربة، ولا زلت مسقطاً لرحمات الله.
إنني أودعت ثراك أعزّ الناس عليّ: أبي وابني وجَدَّي أولادي؛ فاحفظي الودائع إلى يوم تُجزى الصنائع.
ويا جناتِ الغوطة، وقراها المغبوطة، لا زلت مجلى الفطر، والحد الفاصل بين البدو والحضر، أشهد ما عشوتِ من الغرب إلى نار، ولا عشيت منه بنور.
تبارك من رواك بسبعة أودية، وكساك من وشي آذار بخضر الأردية. كم فُتنِتُ بمناظرك الشعرية، وأخذت بمجاليك السحرية، وكم تزوّدتْ عيناي فيك بروضة وغدير، وكم تمتعت أذناي من جداولك وأشجارك بحفيف وهدير. ويا يوم الوداع ما أقساك، وإن كنت لا أنساك.
لا أنسى بعد ثلاثين سنة -ولن أنسى ما حييت- موقف الوداع بمحطة البرامكة والأستاذ الخضر يكفكف العبرات، وتلامذتي الأوفياء: جميل صليبا، وبديع المؤيد، ونسيب السكري، والأيوبي، يقدّمون إلي بخطوطهم كلمات في ورقات، ما زلت محتفظاً بها احتفاظ الشحيح بماله.
عهود لم يبق إلا ذكراها في النفس، وصداها في الجوانح، والحنينُ إليها في مجامع الأهواء من الفؤاد.
ولولا أن السلوّ كالزمن يتقادم، وأن الهوى مع العقل يتصادم، لقلت مع المتنبي: أبوكم آدم!... ([11])
ولقد راجعت "مذكراتي" المنقوشة في ذاكرتي فوجدُتها حافظة لتلك العهود بأيامها ولياليها وأحاديثها، فليت شعري أيذكر الأحياء من إخوان الصفا مثل ما أذكر؟ ذلك ما تكشف عنه رسالة الأخ الأستاذ محمد بهجة البيطار التي ننشر بعضها بعد هذه الكلمات.
وهي التي أثارت هذه الذكريات في نفسي؛ فكتبتها، ليعلم هذا الجيل الذي نقوم على تربيته أن في الدنيا بقايا من الوفاء والمحبة، تتماسك بها أجزاء هذا الكون الإنساني، وأنه لولا هذه البقايا لانحدر الإنسان إلى حيوانية عارمة كالتي بدت آثارها في الجماعات التي جفّت نفوسها من الوفاء والمحبة، فخلت من الإحسان والرحمة، فهوت بها المطامع، إلى ما يراه الرائي ويسمعه السامع.
وإن منبت الوفاء الشرقُ، وإن زارعه وساقيه والقيّم عليه هو الإسلام، وعسى أن تحمل "البصائر" ([12])هذه الذكريات إلى الإخوان الأصفياء في دمشق فنتنادم على البعد، ونلتقي على الذكريات، ونتناشد:
إنا على البعاد والتفرق *** لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
وعهداً لأولئك الإخوان أني ما جفوت ولا غفوت، وأني لم أزل - منذ افترقنا - أتسقّط أخبارهم من الصحف ومن السفار، ولولا الهزاهز والفتن ما انقطع بيننا للصلة حبل. ([13])
من روائع كتاباته
• «محمد - صلى الله عليه وسلم -» ([14])
من تصفح كتب السيرة النبوية الشريفة التي صاغها الحكماء قديماً وحديثاً، أو استجلى سيرة النبي الأعظم - صلى الله عليه وسلم - من صفحات الوجود، كان جِدَّ عليمٍ بأنه أعظم مصلح ظهر في هذا الكون، ورأى أن تعاقب الأجيال لم يزد هذه الحقيقة إلا جلاءً وصقالاً؛ فهو - صلى الله عليه وسلم - إن ذكر العظماء كان أعظمهم، وإذا ذكر الرسل والأنبياء كان مقدمهم وخاتمهم.
نشأ يتيماً فاقد الأبوين، فلم نر من ذوي الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات من تربى تلك التربية الطاهرة، واشتغل -على حداثة سنِّه- بما يعود على كافليه بالخير والبركة والمعاونة.
سافر بتجارة لخديجة بنت خويلد، فكان المثل الكامل في كل عصر بقوة نشاطه، وعظيم أمانته، وأرباحه في تجارته.
تزوج بخديجة، فلم يكن بزواجه أنانيَّاً ولا شهوانيَّاً، بل كان - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن خمسة وعشرين عاماً مضرب المثل في العفة والاستقامة، والاكتفاء بامرأة مسنَّة أيِّم، كانت قبله ذات زوج وولد، وهي أولى أزواجه، وأم أولاده، وقد عاش معها ربع قرن كامل، ولم يتزوج عليها أحداً، وإنما تزوج بعدها سودة بنت زمعة، وعاش بمكة حتى بلغ من العمر 53 عاماً لم يجمع فيها بين اثنتين أصلاً.
أما تزوجه في المدينة -في بضع سنين- بتلك النسوة الثاكلات الأيامى، وذوات الأولاد اليتامى - فلمصالح زوجية واجتماعية، وأسباب خاصة وعامة، مبسوطة في كتب السيرة الشريفة القديمة منها والحديثة، اللهم إلا عائشة التي بنى بها في المدينة وهي بنت تسع سنين، وبقيت كخديجة آية على وجه الدهر في حبها وإخلاصها لزوجها ووفائها له، ثم كانت إحدى معجزاته - صلى الله عليه وسلم - الخالدة في مشكلات التفسير والحديث والفتاوى والأحكام، ومسندها في مسند أحمد ابن حنبل يقع في 253 صفحة، وعلى رواياتها المعوّل في معرفة ما كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يفعل في بيته.
كان أمر المرأة في التاريخ القديم والحديث عجباً، فمنهم من وَأَدَها، ومنهم من عبدها!.
لكن الإسلام هو الذي أنزلها المنزلة اللائقة بها، فهو قد منحها حقوقها، وعرفها واجباتها وآية: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ) [البقرة: 228]لا يوجد في الدنيا قانون أعدل ولا أجمع منها، إذ قد ساوت بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وخصت الرجل بدرجة الرئاسة الشورية على الأهل والأولاد؛ فالإسلام لم يستعبد المرأة كما فعلت الأمم السابقة، ولم يقلب نظام الطبيعة؛ ليجعل منها رجلاً ثانياً كما فعلت الأمم الحديثة المتمدنة؛ فقد تخلى عنها عندهم الأب والأخ والابن، ودفعوها جميعاً في تيار العمل خارج المنزل، فشقيت، وشقي الرجل بها ومعها.
زعموا أن الإسلام قد هضمها حقها في الميراث، أوَلا يذكر هؤلاء أن ميراثها ومهرها لها، وأنها تتصرف في أموالها كيف شاءت؟
وهل تملك المرأة الحديثة من مال زوجها أو من مالها عنده من التصرف المطلق ما تملكه المرأة المسلمة؟ كلا إنها لا تملك حق التصرف في مالها بغير إذن زوجها.
زعموا أن الإسلام قد جعلها بنصف عقل الرجل في كل شيء! أولا يعلمون أن أصل هذه المسألة هي آية المداينة في آخر سورة البقرة، ومنها قوله - تعالى -: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) أي إذا نسيت إحداهما أذكرتها الثانية، فإذا كان الرجل في مقام امرأتين فيما ليس من خصائصها، ولا هو من وظائفها، وهو يُنسى عادة من مثلها أفلا تعد المرأة بمنزلة رجلين في شؤونها المنزلية، وأمورها الداخلية، وهل ينقص هذا من قدره شيئاً يا ترى؟
ألم يفرق الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين عقبة بن الحارث وزوجه أم يحيى بنت أبي إهاب مذ شهدت أمة سوداء بأنها أرضعتهما؟ والحديث في الصحيح.
وهل جعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ناقصة العقل، ضعيفة الذاكرة، فيما هو من خصائصها، أم قَبِل خبرها وحدها بعد نحو عشرين عاماً تقريباً؟
وأما كونها بنصفِ دين فالدين كالإيمان يطلق على الصلاة، وللمرأة عادتها الطبيعية في الحيض وفي النفاس، والشارع قد أسقط عنها الصلاة في تلك المدة طالت أو قصرت (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)[البقرة: 178].
بخلاف سائر أركان الإسلام كالزكاة والحج والصيام فإنها مطالبة بأدائها كاملة كالرجل.
وجملة القول أنه - صلى الله عليه وسلم - أكبر المصلحين، وأكمل الأنبياء، وأشرف الخلق، وأجدر الناس بالمحبة والطاعة والاتباع.
• « أمهات المؤمنين » ([15])
النساء في عصر النبوة
النساء في فجر الإسلام وعصر النبوَّة كُنَّ كالرجال، يتدارسن القرآن، ويروين الأحاديث، ويحافظن على العبادات، ويصلين صفوفاً وراء الرجال، ويستمعن المواعظ والخطب في المساجد، ويسافرن لأداء فريضة الحج والعمرة، بل كنَّ يشهدنَ الحروب، ويضمدن الجروح، ويُهيئن الطعام، ويسقين الماء، ويغسلن الثياب، ويشتركن في الجهاد أحياناً كما حصل في واقعة اليرموك.
وقد كان تعلم العلم الديني بعقائده وعباداته إلزامياً، فعمَّ الرجال والنساء، والبنين والبنات، وإنك لتجد أسماء النساء مدونة في كتب طبقات المحدِّثين وغيرهم، وقد استغرقت المحدِّثات المجلد السادس من مسند الإمام أحمد ابن حنبل إلا قليلاً، ومسند السيدة عائشة - أي الأحاديث التي سمعتها وروتها - قد بلغ وحده أكثر من مائتين وخمسين صفحة «ص29-282».
وقد تسلسل العلم ببعض البيوتات في السيدات، حتى صارت الواحدة تروي أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أمها وجدتها.
ومن شواهد ذلك ما رواه الإمام أبو داود في سننه: قال: حدثنا محمد ابن بشار، حدثني عبد الحميد بن عبد الواحد، حدثتني أمُّ جَنوب بنت نميلة عن أمها سُويدة بنت جابر عن أمها عَقيلة بنت أسمر بن مضرّس قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له)) أي من الأرض - الحديث.
إحدى أمهات المؤمنين وفتاة في القرن العشرين:
لنقايس الآن من الوجهة العلمية بين فتاة في صدر الإسلام، وفتاة في عصر العلم والحضارة، لنعلم كنه الحياة في العصرين:
عائشة - رضي الله عنها - عاشت في صدر الإسلام، ودخلت المدرسة النبوية في التاسعة من عمرها، ولبثت تسع سنوات في مدرستها، وتوفي عنها معلمها الأمين - صلى الله عليه وسلم - وهي في الثامنة عشرة من عمرها، فما العلوم التي درستها، وما نوع شهادتها يا ترى؟
كانت تلك النابغة فقيهة جداً حتى قيل: إن ربع الأحكام منقول عنها، عالمة بكل العلوم.
قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-: «ما أشكل علينا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً».
وقال عروة: «ما رأيت أحداً أعلم بالقرآن، ولا بفريضة، ولا بحرام، ولا بحلال، ولا بفقه، ولا بشعر، ولا بطب، ولا بحديث العرب، ولا نسب - من عائشة».
وقال مسروق: «رأيت مشيخة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأكابر يسألونها عن الفرائض».
وكانت فصيحةً جداً، قال معاوية: «والله ما رأيت خطيباً قط أبلغ، ولا أفصح، ولا أفطن من عائشة».
وعند الطبراني برجال الصحيح عن موسى بن طلحة: «ما رأيت أحداً كان أنفح من عائشة».
من أخذ عنها من الصحابة:
روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة كعمر وابنه عبد الله، وأبي هريرة، وأبي موسى، وزيد بن خالد، وابن عباس، وربيعة بن عمرو بن السائب بن يزيد، وصفية بنت شيبة، وعبد الله بن عامر بن الحارث بن نوفل.
تلاميذها من كبار التابعين:
من أجلاّئهم ابن المسيب، وعمرو بن ميمون، وعلقمة بن قيس، ومسروق، وعبد الله بن عليم، والأسود بن يزيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو وائل.
من روى عنها من آل بيتها:
أختها أم كلثوم، وعائشة بنت طلحة، وأخوها من الرضاع عوف ابن الحارث، وابنا أخيها محمد: القاسم وعبد الله، وبنتا أخيها الآخر عبد الرحمن: حفصة وأسماء، وابنا أختها أسماء: عبد الله وعروة، وحفيد عبد الله: عباد ابن حمزة، وآخرون كثيرون.
فهذه شذرة من شهادة كبار الصحب لعائشة بكونها صارت مرجعاً في كل علم، حلاّلة لكل مشكل.
إن عائشة - رضي الله عنها - كانت على حداثة سنها تجيب كبار الرجال عما يُشكل عليهم من أمر دينهم، ولكن فتياتنا في سنها لا يُجبن عن مشكلات الدين أحداً، بل هنَّ يسألن ويستشكلن مسائل كان يُرجى منهن أنفسهن الجواب عليها، مثل كون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، وميراثها نصف ميراثه، ومثل تعدد الزوجات «أو عدم المساواة كما يُقال»، وعن الحكمة في كون أزواج النبي أكثر من أربع، وأمثال هذه المسائل.
حكمة تعدد أمهات المؤمنين بعد الهجرة:
لو رجعنا إلى التاريخ الصحيح في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين، لعلمنا أنَّ التعددَ، أو الجمع بين التسع لم يكن إلا بعد هجرته - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة في السنوات العشر الأخيرة من عمره.
أما في مكة فقد عاش فيها قبل الهجرة ثلاثة وخمسين عاماً، لم يجمع في أثنائها بين زوجتين قط، والسيدة خديجة التي كانت أولى أزواجه وأم أولاده -عدا إبراهيم؛ فإنه من مارية القبطية- قد تزوج بها ([16])وهي امرأة في الأربعين من عمرها، وهو في الخامسة والعشرين من حياته الشريفة، في نضارة الصبا، وريعان الفتوة، وجمال الطلعة، وكمال الرجولة، وعاشت معه 25 عاماً، ثم توفيت وهي عجوز في الخامسة والستين من عمرها.
قضى حياة الشباب، وسنَّ الحاجة إلى النساء مع خديجة، المرأة الثيب التي تزيد عنه في السن خمسة عشر عاماً، ولم يتزوج عليها، ولا أحب بعدها أحداً أكثر من حبه لها، وكان طول حياته يذكرها، ويكرم صديقاتها ومعارفها، ولما قالت له عائشة: «هل كانت إلا عجوزاً أبدلك الله خيراً منها -تعني نفسها-» وكانت تُدِلّ بحداثة سنها وجمالها، وكونها بنت صديقه الأول، وصديقه الأكبر أبي بكر -رضي الله عنه- قالت: فغضب، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (( والله ما أبدلني خيراً منها، آمَنَتْ بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء)).
من هذا الشاهد تعلم أن عفَّتَه - صلى الله عليه وسلم - لا نظير لها، ولو شاء لتزوج بحسان الأبكار، أو لو شاء لتزوج على خديجة كما كان يفعل غيره، لاسيما أن تعدد النساء كان في الجاهلية شائعاً جداً، وليس له حدٌ معين، ولكنه عف ضميره، ولم يمد عينه إلى زهرة الحياة، وزينتها.
أما باقي أزواجه - صلى الله عليه وسلم - فخمس من قريش، وهنَّ عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أمية، وأما الأربع الباقيات فهن صفية بنت حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وليس فيهن كلِّهن بِكْرٌ إلا عائشة.
والحكمة في تزوجه - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة ببضع نسوة في بضع سنين هو العناية بإصلاح البيوت، وتهذيب النفوس، ونشر الفضيلة، وأن تكون أزواجه قدوة حسنة لجميع النساء في تلقي العلم والحكمة، والرحمة، والتقوى والعبادة، والتربية والتعليم، وإليك البيان:
1- جعل الله - تعالى -من بيوت نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - مدارس داخلية يتعلمن فيها الدين، عقائده وعباداته، ومعاملاته وأخلاقه، لاسيما ما يختص منه بالنساء، قال - تعالى -: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[الأحزاب: 33].
فالقرار في البيوت من أجل أن يتعلمن ما يحتجن إليه، وما يعظن به النساء والرجال، ولهذا قال - تعالى -: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)[الأحزاب: 34].
وآيات الله: براهينه وكتابه، والحكمة: سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - المبينة ما نزل إليه من ربه.
وإنما نهى عن التبرج الجاهلي؛ لأن المتبرجات المتهتكات، الكاسيات العاريات، المائلات المميلات، لا يأتي منهن معلمات ولا مربيات.
ونساء النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما وجدن عند النبي لتعليم الأمة وتربيتها، وإرشادها وإسعادها.
2- لما طلبن منه التوسع في الطيبات، وملابس الزينة، والترف في المعيشة نزلت في حقهن آيتا التخيير، وهما قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً)[الأحزاب: 28-29].
لما نزلت هاتان الآيتان بدأ - صلى الله عليه وسلم - بعائشة - وكانت أحبهن إليه، كما كان أبوها أعز الرجال عليه -فقال - صلى الله عليه وسلم -: (( يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ثم خيرهن كلهن فاخترن ما هو خير لهن، اخترن الله ورسوله والدار الآخرة)).
3- أراد نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقمن حيث أقامهن الله ورسوله صالحات مربيات ومعلمات، مرشدات ومفتيات، فاخترن الدار الآخرة ونعيمها الدائم، ورضوان الله الأكبر، على حظوظهن من هذه الحياة الدنيا وزينتها، ومُتعها ومفاتنها، فأثابهن الله كرامة لهن، وجزاء على ما اخترن ورضين بأن قصر نبيه - صلى الله عليه وسلم - عليهن، دون أن يتزوج أو يطلق، أو يستبدل بهن غيرهن، فقال عز شأنه: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً) [الأحزاب: 52].
والحكمة في تحريم تطليقهن هي استدامة سماعهن ما يُتلى في بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - من آيات الله والحكمة، وذِكر ذلك، ونشره بين الناس، لاسيما نساء الصحابة -رضي الله عنهم-.
وأيّة فائدة تُرجى لهن أو لغيرهن من طلاقهن وهن أمهات المؤمنين؟ أي تحريماً وتعظيماً على الرجال كالأمهات.
فأنت ترى أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قُصِر على أزواجه الطاهرات، وحُرِّم عليه أن يمد عينيه إلى غيرهن بالزيادة أو التبدل، بخلاف رجال أمته الذين أبيح لهم التعدد بشروطه، وكذا التطليق، وأن يستبدلوا بأزواجهم غيرهن، إذاً فقد قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على دائرة ضيقة من الأزواج، وكانت الأمة في دائرة أوسع منها.
أهذا الذي يسمونه تمتعاً بالنساء أو الأزواج؟
نساء كلهن ثيبات - عدا السيدة عائشة - ومنهن من لها أولاد، تزوجهنَّ -صلوات الله عليه- في سن الكهولة أو الشيخوخة، وحين الحاجة إلى التبليغ والتعليم، وربما كان التزوج بهن كلهن قبل نزول آية التحديد بأربع نسوة، فهي قد نزلت في السنة الثامنة للهجرة، وكان تزوجه بآخرهن ميمونة بنت الحارث الهلالية في أواخر سنة سبع منها، وحرم عليه تطليقهن؛ لأنهن قد اخترن ما عند الله على زهرة الحياة الدنيا وزينتها، على أنهن قد صرن أمهات المؤمنين، فما الفائدة من طلاقهن وهن حرام على الرجال؟ أو ليست الحكمة في بقائهن عند هذا الزوج الكريم، والرسول العظيم متعلماتٍ، ومعلماتٍ، ومُثلاً عليا في البر والتقوى وسائر الصالحات؟ بلى ثم بلى.
الرحيل
توفي محمد بهجة البيطار في دمشق يوم السبت 30 جمادى الأولى 1396ه / 29 أيار 1976 إثر مرض لم يمهله طويلاً.
رحم الله الشيخ محمد بهجة البيطار، فقد كان يحمل لواء الدعوة السلفية في الشام حينما كانت الصوفية سائدة، والتعصب للمذاهب الفقهية غالباً.([17])
[1]رجال من التاريخ ص416-417
[2]رجال من التاريخ لعلي الطنطاوي ص414 .
[3]رجال من التاريخ لعلي الطنطاوي ص 416.
[4]يعني سنة 1916م
[5]يشير إلى قول أبي الهندي:
نزلت على آل المهلب شاتياً غريباً عن الأوطان في بلد مَحْلِ
فما زال بي إكرامهم وافتقادهم وبرُّهم حتى حسبتهم أهلي
قال ابن عبد البر –رحمه الله- في بهجة المجالس 1 / 294: "تذاكر أهل البصرة من ذوي الأدب والأحساب في أحسن ما قاله المولَّدون في حسن الجوار من غير تعسُّف ولا تعجرف، فأجمعوا على بيتي أبي الهندي"
[6]الهوامع: السحب الممطرة
[7]ما وسقت: أي ما جمعت من ماء
[8]الدوالح: جمع دلوح ودلوحة، وهي السحابة المثقلة بالماء
[9]النَّيربان: هما جانبا دمشق الشمالي والجنوبي حول نهر بردى
[10]قوله: على ود أصفى من بردى تصفق بالرحيق السلسل ، هذا تضمين لبيت حسان ابن ثابت -رضي الله عنه- وهو ضمن قصيدته التي تسمى البتارة، التي مدح بها آل جفنة من الغساسنة، والتي مطلعها:
اسألتَ رسم الدار أم لم تسألِ بين الجوابي فالبضيع فَحوقلِ
إلى أن يقول:
سَقُون مَنْ وَرَدَ البريص عليهم بردى يصفِّق بالرحيق السلسل
[11]يشير إلى قول المتنبي في قصيدة شِعب بَوَّانٍ :
يقول بشعب بوان حصاني أعن هذا يُسار إلى الطعان
أبوكم آدم سن المعاصي وعلمكم مفارقة الجنان
[12]يعني صحيفة البصائر التي كان يرأسها
[13]«من نفحات الشرق: الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار» للشيخ محمد البشير الإبراهيمي، أنظر آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 3/564، وقد كتبها الإبراهيمي سنة 1949م.
[14]مجلة "الهداية الإسلامية" الجزء التاسع من المجلد السابع الصادر في ربيع الأول 1354هـ، وانظر كتاب: محمد بهجة البيطار - بهجة الإسلام - إعداد الأستاذ علي الرضا الحسيني ص24- 27.
[15]مجلة "الهداية الإسلامية" الجزء العاشر من المجلد التاسع الصادر في ربيع الآخر 1356هـ، وانظر كتاب: محمد بهجة البيطار، إعداد الأستاذ علي الرضا الحسيني ص28-36.
[16]الضمير يعود إلى أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها
[17]من مصادر الترجمة
- كتاب (عُلماء الشام في القرن العشرين) .
- مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، عدد تشرين أول سنة 1976، ص(787ـ 804).
- موقع دعوة الإسلام للشيخ محمد إبراهيم الحمد