
26-12-2019, 11:27 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,550
الدولة :
|
|
رد: الاستدلال بسد الذرائع الضوابط وإشكالات التطبيق
الاستدلال بسد الذرائع الضوابط وإشكالات التطبيق
أ.د. عياض السلمي*
ولكن المقري أوضحه فقال :الذريعة ثلاثة أقسام :
القسم الأول : الذرائع القريبة ولا معارض لها تحرم باتفاق .
القسم الثاني : الذرائع البعيدة لا تحرم باتفاق .
القسم الثالث : المتوسطة بين البعيدة والقريبة محل خلاف. فجعل مناط الاتفاق والاختلاف القرب والبعد . وهذا أقرب وأوضح من تقسيم القرافي ،مع أنه لا يحسم الخلاف ولا يلغي الاجتهاد في تحديد القرب والبعد . ( قواعد المقري 2 / 472 ) .
الأدلة على مشروعية التمسك بالقاعدة والاستدلال بها :
1. الآيات والأحاديث الواردة في النهي عن أمور لا مفسدة فيها بالنظر إلى ذاتها وإنما بالنظر إلى ما ينتج عنها ويتبعها .
هذا هو الدليل بشكل عام ونجد العلماء يسوقون أمثلة لتلك الآيات والأحاديث فمنهم المقل والمكثر .
ومن ذلك : قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } البقرة 104 .
فالآية فيها نهى المؤمنين عن كلمة ليس في ظاهرها أي مفسدة ولا إساءة أدب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ( راعنا ) من المراعاة . ولكن الله نهى عنها لأن اليهود كانوا يستعملون تلك الكلمة في السب .قال القرطبي في هذه الآية دليلان :
الأول :على تجنب الألفاظ المحتملة .
الثاني :التمسك بسد الذرائع .
ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم , فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ لأنه ذريعة للسب , وقال بعض المفسرين أن اليهود كانوا يقولونها ( راعنا ) من الرعونة وهي الطيش والسفه . ( الجامع 2 / 57 - 58 ) .
2. قوله تعالى {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام 108 .
حيث نهى الله المسلمين عن سب آلهة المشركين مع أنها لا حرمة لها , ولا بأس بسبها . ولكن لما كان ذلك ذريعة لسب الله جل وعلا منع الله منه .
3. قوله تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }
حيث وصفهم بالكذب وحذر من طريقهم ومن فعلهم الذي من ضمن بناء مسجد لأجل تفريق المؤمنين .
4. حديث النعمان " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه .... متفق عليه .
5. قول عمر لرسول الله في شأن عبد الله بن أبي بن سلول – دعني أضرب عنق هذا المنافق قال النبي - صلى الله عليه وسلم " دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" .
فقتل هذا المنافق لم يرد فيه تحريم صريح ولا منع ولكن لما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قتله سيتخذ حجة وذريعة للطعن في رسالته منع منه .
6. حديث عائشة في صحيح مسلم وغيره " لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين باباً شرقياَ وباباً عربياً وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فان قريشاً أقتصرتها حيث بنت الكعبة ".
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ترك عملاً يحبه حتى لا يتهم بهدم الكعبة التي هي معظمة عند الناس قبل الإسلام وحتى لا يرتد من دخل في الدين لأجل ظنه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يعتقد حرمة الكعبة .
7. جمع عثمان الناس على مصحف واحد مع علمه بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف وأنه يجوز قراءته بكل حرف من تلك الأحرف ولكن لما رأى المسلمون يخطئ بعضهم بعضا عندما يسمعه يقرأ بحرف لا يعرفه خشي من الفتنة التي تجعل القرآن الواحد قرآنات كثيرة فجمع المصاحف وأحرقها إلا مصحفاً واحداً نسخه وبعث نسخه للأمصار .
وكان ذلك بمشورة من حذيفة بن الميمان رضي الله عنه حيث قال لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذانسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق " أخرجه البخاري .
وهذه الأدلة لا شك أنها لو أخذ كل منها على انفراد لم يكن كافياً لإثبات هذا الأصل أو تلك القاعدة إلا بطريق قياس الوقائع الجديدة على الوقائع التي ورد فيها النص . ولكن إذا أخذت الأدلة بمجموعها بل لوا استقرأنا الشريعة لوجدنا فيها كثيرا من الوقائع الجزئية التي منع الشرع منها لما تؤول إليه وما ينشأ عنها .
والعلماء متفقون على أن المحرمات منها ما حرم لذاته ومنها ما حرم لكونه يفضي إلى الحرام أو يفضي إلى مفسدة .
ومما يستدل به لهذه القاعدة ما اتفق عليه العقلاء في معاشهم وحياتهم من الامتناع عن الشيئ المحبوب لأجل ما يفضي إليه من الضرر فالمريض يشرب الدواء المر وربما وافق على بتر جزء من جسده درءاً لمفسدة أعظم .
والغني الموسر ربما امتنع من أكل أطايب الطعام إذا عرف أنه يؤثر على صحته .. وهذا كثير لا ينكره إلا مكابر .
ضوابط العمل بالقاعدة :
بتأمل الأدلة السابقة وما قيل في تحرير محل الوفاق ومحل النزاع يمكن استخلاص شروط العمل بالقاعدة على النحو التالي :
1- أن يصدق عليها وصف الذريعة أي الوسيلة من حيث كونها في العادة وسيلة للحرام .
2- أن تكون غير منصوص على تحريمها .وهذا يشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه .
3- أن تفضي للحرام عن قرب لا بوسائط أخرى وهذا يفهم من قول المقري " الذرائع القريبة ولا معارض لها ".2قواعد المقري 2/472
4- أن لا يعارضها دليل صحيح . وهو مدلول عبارة المقري السابقة .ومثال ما عارضها دليل : النظر للمخطوبة فهوقد يؤدي لمفسدة ولكن أباحه الشرع بالنص لمصلحة أعظم . ويلحق بذلك ما عارضته حاجة ماسة .
5- أن تكون مما يفضي للحرام غالبا . واختلفوا في الكثير غير الغالب والظاهر انه إذا كانت مفسدة الحرام الذي قد تفضي إليه عظيمة تكفي الكثرة وتكون بمنزلة الغلبة وأما إذا كانت المفسدة خاصة بالمكلف أو لا تصل إلى فوات إحدى الضروريات الخمس فلا بد أن يكون إفضاء المفسدة إليها غالبا .
تطبيق القاعدة
لقد طبق الفقهاء السابقون والمعاصرون هذه القاعدة في مواضع كثيرة ووجد ذلك في جميع المذاهب مما دفع الإمام القرافي للقول بان القاعدة متفق عليها في الجملة بين المذاهب الأربعة ولكنهم يختلفون في مدى التوسع فيها .القرافي الفروق 2/33
صور من تطبيق الفقهاء لقاعدة سد الذرائع :
1. المذهب الحنفي :
جاء في بدائع الصنائع " أن الوسيلة إلى الشيئ حكمها حكم ذلك الشيئ " 7 / 106
قال الكاساني " ولا يباح للشواب منهن الخروج إلى الجماعات بدليل روى عن عمر أن نهى الشواب عن الخروج , ولأن خروجهن إلى الجماعة مسبب الفتنة والفتنة حرام وما أدى إلى الحرام فهو حرام " (1 / 157 ) .
وجاء في الهداية للمرغيناني وشرحها المسمى العناية للبابرتي " من اشترى جارية بألف درهم حالة او نسيئة فقبضها ثم باعهامن البائع بخمسمائة قبل أن ينقد الثمن الأول لا يجوز البيع الثاني وقال الشافعي رحمه الله يجوز ..." الهداية 3/47 والعناية 9/148( المكتبة الشاملة )
وقال الكاساني " من استأجر حمالا يحمل له الخمر فله الأجر في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا أجر له كذا ذكر في الأصل وذكر في الجامع الصغير أنه يطيب له الأجر في قول أبي حنيفة وعندهما يكره . لهما أن هذه إجارة على المعصية لأن حمل الخمر معصية لكونه إعانة على المعصية وقد قال تعالى ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ...ولأبي حنيفة أن نفس الحمل ليس بمعصية بدليل أنحملها للإراقة والتخليل مباح وكذا ليس بسبب للمعصية وهو الشرب لأن ذلك يحصل بفعل فاعل مختار وليس الحمل من ضرورات الشرب " بدائع الصنائع 9/364
وقال السرخسي " وإن استأجر الذمي دارا سنة بالكوفة بكذا درهما من مسلم فإن اتخذ فيها مصلى لنفسه دون الجماعة لم يكن لرب الدار أن يمنعه من ذلك لأنه استحق سكناها وهذا من توابع السكنى وإن أرد أن يتخذ فيها مصلى للعامة ويضرب فيها بالناقوس فلرب الدار أن يمنعه من ذلك وليس ذلك من قبل أنه يملك الدار ولكن على سبيل النهي عن المنكر فإنهم يمنعون من إحداث الكنائس في أمصار المسلمين " المبسوط 9/139المكتبة الشاملة وموقع الإسلام
وفي صورة أخرى اختلف الحنفية فقال أبو يوسف يجوز أن يستقرض من شخص خمسة عشر درهماً مثلاً فيقرضه ثم يبيعه ثوباً تساوي قيمته عشرة دراهم بخمسة عشر فيبقي عليه الخمسة عشر قرضاً ,
ومنع محمد بن الحسن هذه الصورة وقال : إن هذا البيع في قلبي منه كأمثال الجبال ذميم اخترعه أكلة الربا ( ابن عابدين رد المختار 4 / 279 ) .
2. المالكية :
الأمثلة في مذهب المالكية كثيرة جداً وفي مقدمتها بيوع الآجال كما يسمونها وقد ذكر القرافي أنها تصل إلى ألف مسألة . ومنها بيع الطعام قبل قبضه . ومنها أن مالكا منع الذي عليه في ذمته طعام وحل الأجل وليس عنده منعه أن يشتري من الدائن طعاما ويدفعه له لكونه ذريعة لبيع الطعام قبل قبضه .
الشافعية :
قال الشافعي في باب إحياء الموات "إن ما كان ذريعة منع ما أحل الله لم يحل وكذا ما كان ذريعة إلى احلال ما حرم الله تعالى قال الشافعي : فإن كان هذا هكذا ففي هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحلال والحرام تشبه معاني الحلال والحرام ويحتمل أن يكون منع الماء إنما يحرم لأنه في معنى تلف ما لا غنى به لذوي الأرواح والآدميين ... والمعنى الأول أشبه " الأم 4/49 الموسوعة الشاملة
ونص ابن الرفعة على أن الشافعي يقول بسد الذرائع ورده السبكي بأن كلام الشافعي إنما هو في الوسائل المستلزمة للحرام قطعاً . وهذا في حد ذاته اعتراف بالعمل بسد الذرائع في القسم الأول من الذرائع وهو مؤيد ما قاله القرافي من أنه مجمع عليه .
ومنع الشافعي الولي على مال اليتيم أن يشتري من مال اليتيم لأنه متهم في محاباة نفسه .المجموع شرح المهذب 13/357 الموسوعة الشاملة وقال عن المعذورين تقوتهم الجمعة قال : أحب أن يصلوا جماعة وأن يخفوها لئلا يتهموا في الدين . وقال في المسافر يقدم وهو مفطر والمريض يصح و هو مفطر يستحب لهما الإمساك بقية يومهما لحرمة الوقت .
3. وأما الحنابلة :
فقد توسعوا في سد الذرائع فعدوا منه :بيع العينة وبيع العنب لمن يريد أن يجعله خمراً وبيع السلاح لأهل الحرب ولقطاع الطريق وبيع الأمة للغناء أو إجارتها لذلك وإجارة الدار لبيع الخمر ،والقصاب والخباز لا يبيعان اللحم والخبز لمن يعلمان أنه يصنع منه الخمر ، ولا يبيع الجوز للصبيان الذين يستعملونه في القمار .( المغني لابن قدامة 8/414الموسوعة الشاملة نقلا عن موقع الإسلام اليوم والشرح الكبير (4/41) الموسوعة الشاملة وموقع الإسلام . وجميع الحيل عندهم باطله . فمذهب الحنابلة مطرد في هذا .
وقد خلصنا مما سبق إلى عدة أمور أجملها فيما يلي :
1. أن الوسيلة المؤدية إلى الحرام قطعاً يجب سدها بمعنى تحريمها ومنعها باتفاق بمقتضى هذه القاعدة أو بغيرها من القواعد .
2. أن الوسيلة التي تؤدي غالباً إلى الحرام يجب سدها عند جمهور العلماء سواء قصدها المكلف بالفعل أو لا .
3. أن الوسيلة التي تؤدي إلى الحرام كثيراً إذا كانت في الأصل من جنس المباحات يجب سدها بالتحريم عند كثير من العلماء بمقتضى هذه القاعدة أو بمقتضى قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد .
4. أن الوسيلة التي لا تؤدي إلى الحرام إلا نادراً لا يجب سدها بالتحريم باتفاق .
5. أن إفضاء الوسيلة إلى الحرام والمفسدة لا يشترط في الحكم بتحريمه قصد المكلف للحرام , بل تحرم الوسيلة المؤدية إلى الحرام قطعاً أو غالباً وإن كان المكلف لم يقصد التوسل بها إليه .
6. أن قول العلماء بجواز بعض العقود المفضية إلى معنى الربا لا يعني أنهم لا يؤثمون الفاعل , فإن القصد إلى الحرام حرام عند الجميع , وإنما صححوا العقد بناء على الظاهر كما فعل الإمام الشافعي في قوله بصحة بيع العينة فإن بيع العينة قد يصحبه نية بيع الدراهم بالدراهم مع الزيادة مقابل الأجل فتكون البيعتان حيلة للمحرم , فيبيع أحدهما للآخر سيارة بمائة ألف مؤجلة ثم يشتريها منه في الحال بسبعين ألفاً يدفعها له .
ومثل هذه المعاملة قد تحصل بلا نية إلى الربا , وقد تحصل بنية الربا فالشافعي نظر إلى أنهما بيعتان منفصلتان ولم ير التفتيش في النيات وغيره نظروا إلى أن حقيقة الربا حاصلة في هذه المعاملة .
فالشافعي وإن صحح العقد فإن يؤثم المتعاقدان إذا قصدا هذا القصد الفاسد , ولكن مبني العقود على الظاهر عنده.
7. أن عدم تحريم الوسيلة المفضية إلى المحرم نادراً لا يعني أن القصد إلى المحرم بتلك الوسيلة جائز , بل هو حرام ولكن لا يمكن تعميم الحكم ولا إبطال العقد إن كان عقدا ؛ لأن الغالب عدم إفضاء تلك الوسيلة إلى الحرام . فمن توسل بتلك الوسيلة إلى الحرام فإن وقع فيه أثم في الفعل والقصد وإن لم يقع في الحرام أثم على قصده السيئ ، وليس هذا القصد من الهم الذي عفا الله عنه , لأن ذلك الهم لم يصاحبه عمل وهذا صاحبه عمل لم ينجح .
8. أن الذرائع المنصوص على تحريمها لا تدخل في الخلاف وإنما الخلاف فيما عداها . ولذا فإن النظر إلى العورات محرم باتفاق ، وإن كان العلماء قالوا إن تحريمه من باب تحريم الوسائل وسد الذرائع ، وكذلك بيوع الآجال المنهي عنها في الأحاديث ممنوعة بمقتضى النص .
وإنما فائدة النص على أن تحريمها من باب تحريم الوسائل تظهر في أنه يمكن ترك العمل بتلك النصوص عند الحاجة الملحة عملاً بقاعدة " ما حرم سداً للذريعة . أبيح " .كما تظهر عند الموازنة بين المفاسد عند الاضطرار إليها فما حرم تحريم الوسائل أخف مما حرم تحريم المقاصد.
فالنظر إلى العورة محرم ولكن يجوز عند الحاجة للتداوي والحاجة تقدر بقدرها فلا يتجاوز قدر الحاجة.
ولهذا لما كان بيع الرطب بالتمر محرماً سداً لذريعة الربا جاز ذلك البيع في العرايا لحاجة الناس إلى التفكه بالرطب مع غيرهم بشراء الرطب على رؤوس النخل بقدر خرصه كيلاً .
وذلك بنص الأحاديث النبوية .
إشكالية التطبيق :
قاعدة سد الذرائع ذات صلة وثيقة بكثير من القواعد الأخرى حيث عدها بعضهم مساوية لبعض القواعد كقاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد وفرق بينهما آخرون . وجعلها بعضهم داخلة في قاعدة المصالح والمفاسد والموازنة بينهما .وجعلها الشاطبي إحدى قواعد مراعاة المآل .
وهي ذات صلة بالضرورة والحاجة وبقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . وهذا الاتصال والتداخل ربما لا يشكل مشكلة في التطبيق عند المجتهدين . ولكنه يشكل مشكلة كبيرة لدى أتباع المذاهب المعنيين بتحديد مذاهب أئمتهم في سد الذرائع كما هو مشكل عند من يريدون تطبيق قواعد أئمتهم على الوقائع الحاضرة حيث بالغ بعضهم وألحق بالذرائع المحرمة كل ما يمكن أن يكون وسيلة وإن بعد إفضاؤها .
وإشكالية التطبيق الكبرى تكمن في وجود حالات لم يحررها الأصوليون ، أو أسئلة تصعب الإجابة عليها ومن أهم الأسئلة والإشكالات التي هي مثارات الغلط في التطبيق ما يلي :
أ. من الذي يحدد الذريعة أهي من المفضى إلى الحرام غالباً أو كثيراً , أو مما يفضى إلى الحرام نادراً ؟ هل يكفي في ذلك نظر ناظر القضية أو الباحث ؟ وهل يكفي اعتقاد المكلف ؟
ب. ما الوسيلة التي تتبع لتحديد الذريعة المفضية إلى الحرام غالباً أو كثيراً أو نادراً ؟ أ يمكن الاكتفاء باعتقاد الفقيه أو المكلف أم يجب أن يكون المنهج الإحصائي العلمي للمفاسد المترتبة على الوسيلة المباحة فيصلا في ذلك ؟ أم هناك وسيلة أخرى ؟
ج. إذا فعل المكلف الوسيلة المفضية إلى الحرام غالباً ووضع ضمانات كفيلة بمنع الوقوع في الحرام هل يأثم ؟
مثل دخول الأماكن المخصصة لعبادة غير المسلمين مع يقينه بعدم تأثره وقراءة كتب الديانات الأخرى مع تيقنه من عدم تأثره ومثل هذا كثير .
د. الحاجة ومدى تأثيرها في تعطيل القاعدة فإن العلماء الذين قرروا هذه القاعدة قرروا قاعدة " الحاجة تنزل منزلة الضرورة " وقاعدة " ما حرم سداً للذريعة أبيح للحاجة " .
فما حدود هذه الحاجة وهل تعتبر الحاجة الخاصة للفرد أو حاجة الجماعة ؟ .
هـ إذا كان عمل المكلف جزءاً من ألف جزء من الوسيلة المؤدية للحرام فهل يحرم ؟
بمعنى أن فعل المكلف الفرد لو نظر إليه وحده لما كان له أثر في حصول المفسدة ولكن لما انضم إليه غيره من الأفعال المشابهة تحقق كونه وسيلة إلى المحرم ؟ وهذا كإيداع المال اليسير في البنوك الربوية وقد يمثل له بالتدافع للخروج عند نشوب الحريق أو في أماكن الزحام الأخرى فإنه يؤدي إلى هلاك الضعفاء ، فهل يمنع الخروج قبل غلبة الظن بالهلاك لأنه بعد ذلك يكون بدافع الفطرة ؟
و- إذا قال المكلف : لو علمت بأنني وإن امتنعت فإن غيري لن يمتنع عن هذا العمل وستحصل الذريعة إلى الحرام سواء فعلت هذا الفعل أم لا , هل يجب علي الامتناع عنه مع تضرري من الامتناع ضرراً لا يصل إلى حد الضرورة الملجئة ؟
وبعبارة أخرى هل الوسيلة المحرمة هي التي إذا تركت لم يحصل المحرم ؟ وحينئذ تتحد مع قاعدة " ما لايتم فعل الحرام إلا به فهو حرام " أو نقول : هي التي إذا فعلت وقع المحرم غالبا ؟ أو بعبارة أخرى هل هي التي يلزم من وجودها وجود المحرم ومن عدمها عدمه أو يكفي أن يلزم من وجودها الوجود غالبا؟
ز- ما حدود العمل الذي يعد من المعاونة على الإثم والعدوان ؟
فكثير من الفقهاء يعول على هذه الآية وهي قوله تعالى{ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} في تحريم بعض الأعمال الثانوية التي ليس لها كبير أثر في وقوع المفسدة فيعمم الآية فيدخل في المحرمات الذرائع البعيدة .
هذه أهم إشكاليات التطبيق وهي إشكاليات كبيرة ومهمة، وغالبها لا نجد الأصوليين يتعرضون له صراحة وإن كان قد يفهم من كلام بعضهم , ولا نجزم باتفاقهم عليه , وأما الفقهاء فلم يطرد تطبيقهم كما أسلفنا .
وسأعود على تلك الإشكاليات مرة أخرى عودة المتأمل فيها بما يفهم من نصوص الشرع وتصرفات حملته المجتهدين . وآمل أن يتيسر لي ذلك قريبا . فإن تلك الأسئلة مما ينحل بالجواب عنها كثير من إشكالات التطبيق . ولا أريد أن أكتفي فيها ببادي الرأي . والحمد لله أولا وآخرا .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد . *مدير مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|