ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   وقفات مع هبات العشر (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=246742)

ابوالوليد المسلم 29-11-2020 04:08 AM

وقفات مع هبات العشر
 
وقفات مع هبات العشر


بهجت العمودي


ألا فاتقوا الله عباد الله في أنفسكم واغتنموا ساعات العمر ولحظاته، وتعرضوا لنفحات الله الجواد الكريم فإن لله مواسم خيرات يغفر فيها الذنوب والخطيئات ويقيل العثرات ويتجاوز عن السيئات ويعظم فيها الأجر ويضاعف الحسنات فالله الله إخوتي أن تفوتكم هذه المواسم الخيّرات، فالأعمار محدودة، والأنفاس معدودة، والله يجعلني وإياكم من المسارعين للخيرات ولها سابقين.

عباد الله، أجد نفسي أمام أعمال عديدة لا بد من التنبيه عليها، فجعلتُها وقفاتٍ أذكر بها نفسي وإخواني في الله..
فالوقفة الأولى: مع الأشهر الحرم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: "وإنما كانت الأشهر الحرم أربعة ثلاث سرد وواحدة فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرّم قبل أشهر الحج شهراً وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون عن القتال وحرّم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداء المناسك، وحرِّم بعده شهراً آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم من أقصى جزيرة العرب فيزوروه ثم يعود إلى وطنه فيه آمناً، ثم قال عند قوله تعالى: فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ أي في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها كما أن المعاصي في البلد الحرام تعظم، فكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام. وقال ابن عباس رضي الله عنه فيها أيضاً: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]، في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراماً وعظم حرمتهن وجعل الذنب فيها أعظم، والعمل الصالح والآجر أعظم، وقال: (إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكنّ الله يعظّم من أمره ما يشاء) انتهى.

الله أكبر يا عباد الله، ما أعظم الله وأرحمه بعباده إذ حرم الظلم وشدّد في تحريمه في الأشهر الحرم وتذكر أخي الحبيب بهذه الوقفة إخوة لك في الإسلام في أصقاع من الأرض يظلمون.. كل جرمهم أنهم بربهم يؤمنون، وبدينهم متمسكون، فنهبت أموالهم، وهدمت ديارهم، وانتهكت أعراضهم، ويتِّم أطفالهم. فلم يجدوا ما يسدون به جوعتهم أو يسترون به عورتهم أو يحمون به أعراضهم أو داراً تقيهم حر الصيف أو برد الشتاء فهلاّ جعلت لهم أخي من دعائك حظاً ونصيباً ومن مالك ما تحتسبه عند الله، فيخلفه عليك ربك في الدنيا والآخرة.

وأنت - أخي الكريم - اللهَ اللهَ في تعظيم حرمات الله. إياك - أخي - ثم إياك والظلم، إياك وظلم نفسك بارتكاب المعاصي والمنكرات وترك الصلاة ومحاربة الله سراً وجهراً، فإنه يمهل ولا يهمل، ولله سطوات يهلك بها الظالمين فاحذرها، إياك أخي وظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل أو إيذائهم بالقول أو الفعل، فإن حرمة المؤمن عند الله عظيمة جداً، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب وقد وعد الله بأن يستجيب لها ولو بعد حين، فاحذر أخي الحبيب.

الوقفة الثانية: يوم عرفة وفضله فقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال: أي آية؟ قال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً ﴾ [المائدة: 3]، قال عمر: (إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قائم بعرفة يوم الجمعة).

إن يوم عرفة - إخوتي - يوم فخر للمسلمين إذ لا يمكن للمسلمين في أي مكان أن يحتشدوا بهذا العدد في وقت واحد إلا في هذا المكان. إن في هذا الاجتماع - أحبتي - آية عظيمة على قدرة الله سبحانه وتعالى، إذ يسمع دعاء كل هؤلاء في وقت واحد على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأجناسهم، ويعطي كل واحد سؤله دون أن تختلط عليه المسائل والحاجات أو تخفى عليه الأصوات والكلمات سبحانه هو السميع البصير العلي الخبير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

يوم عرفة هو الشفع الذي أقسم الله به في قوله: ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾ [الفجر: 3]، وذكر أن الشاهد الذي أقسم الله به في قوله: ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ [البروج:3]، كما ثبت ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفاً ومرفوعاً في مسند الإمام أحمد: ((الشاهد يوم عرفة،)).

يوم عرفة إخوتي: يوم العتق من النار والمباهاة بأهله من الله للملائكة الكرام، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟...)) فيغفر الله فيه لكل من وقف ومن لم يقف فيه ممن قبل توبتهم واستغفارهم.

ويوم عرفة عباد الله يوم خوف وخشوع وخشية من الله، يوم يذل فيه المؤمنون لربهم مخبتين يوم البكاء والانكسار بين يدي الغفور الرحيم، يلحون بخير الدعاء وبخير ما قال النبي صلى الله عليه وسلم والنبيون من قبله: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) ليعلنوا بذلك صدق ولائهم لله وتوحيدهم إياه، فلا يدعون غيره ولا يرجون سواه. وفي هذا اليوم يغفر الله لمن صام من غير الحجيج السنة التي قبلها والسنة التي بعدها، فلا إله إلا الله - إخوتي - ما أحلم الله على عباده وما أكرمه وهو الجواد الكريم.

ولقد كان لسلفنا الصالح في موقف عرفة مآثر لا تنسى ومواقف خالدة، فقد وقف مطرف بن عبد الله وبكر المزني بعرفة فقال أحدهما: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي. وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم.
وقف أحد الصالحين بعرفة فمنعه الحياء من ربه أن يدعوه فقيل له: لم لا تدعو؟ فقال: أجد وحشة، فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب، فبسط يديه يدعو.

وروي عن الفضيل بن عياض أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقاً. يعني سدس درهم أكان يردهم؟ قالوا: لا، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.
وقال ابن المبارك جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له.

وقال ابن القيم رحمه الله يصف حال الحجيج في بيت الله الحرام:
فلله كم من عبرة مهراقة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأخرى على آثارها لا تقدمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وقد شرقت عين المحب بدمعها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فينظر من بين الدموع ويسحمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وراحوا إلى التعريف يرجون رحمته https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ومغفرة ممن يجود ويكرم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فلله ذاك الموقف الأعظم الذي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ويدنو به الجبار جل جلاله https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يباهي بهم أملاكه فهو أكرم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

يقول عبادي قد أتوني محبةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وإني بهم بر أجود وأكرم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فأشهدكم أني غفرت ذنوبهم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأعطيتهم ما أملوه وأنعم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فبشراكم يا أهل ذا الموقف الذي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
به يغفر الله الذنوب ويرحم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فكم من عتيق فيه كمُّل عتقه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وآخر يستسعي وربك أكرم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم..

الخطبة الثانية
أما الوقفة الثالثة: يوم النحر، يوم الثج والعج، يوم الفرح بطاعة الله تعالى، وعيد الأضحي هذا العام وافق يوم جمعة فكيف يصنع المسلم فيه فبناءعلى الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الآثار الموقوفة عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، وعلى ما قرره جمهور أهل العلم في فقهها، فإليك بيانها:
1- من حضر صلاة العيد فيرخص له في عدم حضور صلاة الجمعة، ويصليها ظهراً في وقت الظهر، وإن أخذ بالعزيمة فصلى مع الناس الجمعة فهو أفضل.

2- من لم يحضر صلاة العيد فلا تشمله الرخصة، ولذا فلا يسقط عنه وجوب الجمعة، فيجب عليه السعي إلى المسجد لصلاة الجمعة.

3- يجب على إمام مسجد الجمعة إقامة صلاة الجمعة ذلك اليوم ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد.

4- من حضر صلاة العيد وترخص بعدم حضور الجمعة فإنه يجب عليه أن يصليها ظهراً بعد دخول وقتها.


5- لا يشرع في هذا الوقت الأذان إلا في المساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة، فلا يشرع الأذان لصلاة الظهر ذلك اليوم. عباد الله أحرصوا على التكبير من فجر يوم التاسع إلى آخر أيام التشريق بعد كل صلاة، ولتأتوا من طريق وترجعوا من آخر وتتجملوا بأبهى زينة وأفضل حلة، واحذروا من اتخاذ زينة محرمة ولا تأكلوا شيئاً قبل الصلاة حتى ترجعوا بعد الصلاة والخطبة، فتذبحوا أضاحيكم وتأكلوا منها كما هي السنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.








الساعة الآن : 01:55 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 17.03 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.94 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.55%)]