ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   الملتقى العام (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=4)
-   -   الجيولوجيا في جامعات العراق (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=198247)

ابو معاذ المسلم 31-03-2019 05:33 PM

الجيولوجيا في جامعات العراق
 
الجيولوجيا في جامعات العراق
أحمد جدوع رضا الهيتي




كَثُر في مجتمعنا العراقي الحالي المفتقرون إلى التثقيف العلمي المجتمعي؛ فإنه إذا قلتَ: إنك طالب بكلية العلوم ومتخصص في الجيولوجيا، فإن أول ما يفكر فيه من تحدِّثُه أنك مَن يهتم بالرمال والتربة والصخور، أو كما يُقال بالعامية: (حفَّار القبور)!



كذلك هو المفهوم القائم لدى بسطاء المجتمع عن الجيولوجيا والجيولوجيِّين؛ ظنًّا منهم ببساطتهم أن كلَّ ما في البراري والجبال رمالٌ وحجارة، غير مدركين أن السابقين من علماء العصور العربية العلمية الذهبية كان لهم باعٌ طويلٌ وسبقٌ في نشأة هذا الفرع، الذي ربما يكون من أكثر العلوم الطبيعية تنوُّعًا على الإطلاق، ولن نخوض كثيرًا في أسباب هذا المعتقد، بل سنبدأ بخير وسيلة لتغييره، وهي توضيح ماهية علوم الأرض.

إن الطلبة الذين ينخرطون - عادةً - في دراسة الجيولوجيا يدرسون أكثرَ من اختصاص واحد من العلوم التطبيقية، التي تقترن بدراسة الجيولوجيا باستخدام الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، فضلاً عن غيرها من العلوم.



الهدف من دراسة الجيولوجيا هو إعداد خرِّيجين لهم مهارات جيولوجية في مجالات عديدة؛ مثل: تنمية الموارد الطبيعية للقشرة الأرضية، وإجراء عمليات المسح والتنقيب عن الثروات الطبيعية، التي تقوم بها كلٌّ من وزارة النفط، والصناعة، والمعادن والشركات والمؤسسات التي تعمل تحت مِظلَّتِها، ووزارات الموارد المائية، والزراعة، والكهرباء، والشركات التي تعمل في حفر الآبار، والاستشارات الجيولوجية المتعلِّقة بالمياه، وغيرها من الجهات الأخرى.



ويُشكِّلُ النفط أحدَ الموارد الطبيعية غير المتجددة في الثورة التكنولوجية، ومصدرًا أساسيًّا من مصادر الثروة والتنمية في العالم، وخاصة دول الخليج العربي، ومن ضمنها العراق، الذي يتصدر دول العالم في التصدير، والاحتياطي غير المستخرج، إضافةً إلى ذلك فإن الكشف عن مصادر المياه الجوفية التي تُعدُّ في المناطق المناخية الجافة من المصادر الطبيعية غير المتجددة يشكل أيضًا إحدى الأساسيات التي يَعتمِدُ عليها النمو والتقدم في الدول الصحراوية، إضافةً إلى استخدام المعلومات الجيولوجية في تنمية الثروات الطبيعية عن طريق دراسة التربة والركيزة الصخرية التي يقوم عليها بناء المنشآت الهندسية.



أما بناء المدن والموانئ الساحلية، فإنها تعتمد على دراسة عمليات الترسيب الشاطئيَّة، وتجدر الإشارة إلى أن مراقبة الكوارث الطبيعية؛ مثل: الزلازل، والبراكين، والانهيارات الأرضية، تُعتبَرُ من التطبيقات العملية للجيوفيزياء، التي تُعدُّ فرعًا من أفرع علم الجيولوجيا؛ مثـل: تخطيـط المدن والموانئ، وحماية البيئة، والكشف عن النفط والغاز، والمياه الجوفية، فضلاً عن المشاركة في وضع وتطوير المناهج الدراسية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للجامعات والمعاهد العلمية، والقيام بإعمال التدريس التي تشمل تدريس مختلف علوم الجيولوجيا وتطبيقاتها في الجامعات والمعاهد العلمية، والقيام بتدريس علوم الجيولوجيا بالمرحلة الثانوية في بعض البلدان، وللأسف فإن دولتنا العزيزة ليس لها مقرَّرٌ لمادة الجيولوجيا ضمن المناهج الدراسية في المرحلة الثانوية.



هناك مجالات أخرى يساهم الجيولوجيُّ في معرفة حلولها، وهي تطبيقات عملية من علوم الأرض، منها - على سبيل المثال لا الحصر -: مجال البناء لمعرفة الخواص الطبيعية للمواد المكونة للقشرة الأرضية، دراسة خواص الصخور تحت السطحيَّة، ومعرفة التراكيب الجيولوجية قبل اختيار مواقع المنشآت الهندسية الكبيرة مثل السدود والأنفاق والمخابئ والقواعد العسكرية، والطرق الرئيسة، والبُحيرات الاصطناعية وغيرها.



ويقوم الجيولوجيُّ بالتعرُّف على الصفات الطبيعية والميكانيكية، وتحديد نوع التراكيب الجيولوجية للصخور عند التخطيط لأعمال الحفر؛ وذلك لتنفيذ أعمال الحفر بأمان.



دراسة طبيعة المياه الأرضية وحركتها، ومعرفة الدور الذي تلعبه المياه السطحية كعامل للنحت والنقل والترسيب، وقراءة التقارير والدراسات الفنية، وتفسير الخرائط الجيولوجية والطبوغرافيَّة، والصور الجوية وصور الأقمار الاصطناعية - له فوائد كبيرة في تخطيط المدن والطرق، واختيار مواقع المطارات والمصانع، وتحديد مواقع مواد البناء ورصف الطرق في مجال مكافحة تلوث البيئة؛ مثل: تلوث المياه الجوفية، وتلوث الهواء، ووقف زحف الكثبان الرملية، وغير ذلك من المجالات الحيوية والمتعددة لتنمية البلاد.



لذلك؛ تُعتبر دراسة الجيولوجيا في الخارج دراسةً متميزة؛ لما تتميز به الدراسة من إمكانات تكنولوجية متقدمة متاحة أمام الدارسين؛ حيث تعتمد الدراسة على التخلي عن أساليب الدراسة التقليدية، والاستعانة بأساليب الدراسة العملية، والتقنيات العلمية المتطورة جنبًا إلى جنب مع الدراسة النظرية.



لا شكَّ أن للإعلام المرئي والمسموع والمقروء دورًا في توضيح الأعمال التي يقوم بها الجيولوجي -والجيولوجي العراقي خاصة - وإبراز أهمية تلك الأعمال التي يقوم بها، ومقدار الصعوبات التي يواجهها؛ بحثًا عن الثروات الطبيعية، وعن المياه، وعن أسرار الحياة التي أودعها الخالق عز وجل في هذا الكون العجيب؛ فهناك العديد من المواقع التي يعمل بها الجيولوجيون، ومن حقِّهم على المجتمع بشكل عام أن يعرف عنهم وعن أعمالهم بمقدار ما يقدمون من تضحية في سبيل الوطن؛ لذلك فإنه من المطلوب من الإعلام متابعة أوجه النشاطات المختلفة في مواقع التعدين، ومواقع البحث والاستكشافات النفطية والمياه الجوفية، ومرافقة الفِرقِ الميدانية المختلفة؛ لتمكين المواطن من التعرُّفِ على الثروات المعدنية والنفطية والمائية في مختلف مناطق العراق.



إن دولة العراق رسمت حدودَها طبيعةُ التضاريس الجغرافية التي تتكون منها؛ فالعراق ليس بالصدفة قد أُطلِق عليه (بلاد النهرين)؛ لأن وجوده - ككيان - تشكَّل منذ الأزل حول النهرين الخالدين (دجلة والفرات)، وميزة العراق أنه وادٍ خصيب، محاط من كل ناحية بهضاب وجبال وَعِرةٍ، وشبهِ وعرة، من الشرق جبال زاكروس، وهضبة إيران الممتدة حتى هضاب الهند والصين، ومن الشمال جبال طوروس المرتبطة بهضاب القفقاس وهضبة الأناضول الممتدة حتى روسيا، ومن الغرب هضبة الشام الممتدة حتى جبال سوريا ولبنان على البحر المتوسط، ومن الجنوب هضبة الجزيرة العربية الممتدة حتى البحر الأحمر واليمن؛ إذًا العراق مثلُ الكثير من البلدان، لم يختَرْ حدودَه أبدًا، بل الطبيعة هي التي اختارتها، وحددتها بتضاريسَ طبيعيةٍ فاصلة إلى درجة كبيرة، وهي الهضاب والجبال، ومَن ينظر إلى الخرائط التاريخية للعراق، وإلى حقيقة الحدود الطبيعية لوادي النهرين يجد أن جغرافيا العراق متنوعة، وتنحصر في أربع مناطقَ رئيسة، هي: الهضبة الغربية الصحراوية غرب نهر الفرات، وأعالي بلاد ما بين النهرين بين نهرَيْ دجلة والفرات، وتحتل حوالي نصف المساحة الكلية للعراق البالغة 438،446 كم2، والمرتفعات الشمالية من كردستان العراق، والمنطقة الجنوبية السهلية وتمتد من السهل الرسوبي حول مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين إلى الخليج العربي، الجبال في الشمال الشرقي هي امتداد لجبال الألب التي تمتد شرقًا من منطقة البلقان من خلال جنوب تركيا وشمال العراق وإيران وأفغانستان، وصولاً إلى النهاية في جبال الهيمالايا، الصحراء تمتَدُّ في المناطق الجنوبية الغربية والوسطى على طول الحدود مع المملكة العربية السعودية والأردن، وتكون الخصائصُ الجغرافية للعراق مشابهةً لشبه الجزيرة العربية.



كل هذه الأراضي من جبال وسهول وصحارٍ ووديان تضمُّ في مكامنها ثروات نفطية وغازية ومعدنية ومائية، تحتاج إلى دراسات جيولوجية؛ لتحديد الثروات والموارد الطبيعية للبلد كالثروة النفطية والغازية والمعدنية والمائية؛ بغيةَ استثمارها بالشكل العلمي الدقيق، حيث يمتلك العراق من النفط - وخصوصًا في محافظتَيْ البصرة وكركوك - منطقة غنية بالنفط؛ إذ ينتج العراق حسب تقديرات عام 2007 مليونَيْ برميل يوميًّا، وهو بهذه الكَميَّة يحتل المرتبة الثالثةَ عشرة بين دول العالم من حيث إنتاجُ النفط، ويبلغ احتياطي العراق المؤكد للنفط حوالي 115 مليار برميل؛ إذ يعد احتياطي العراق من النفط الثالث في العالم بعد المملكة العربية السعودية وكندا، وتشير الولايات المتحدة ووزارة النفط إلى أن ما يصل إلى 90 في المائة من البلاد لا تزال غير مستكشفة؛ إذ يمكن أن تُسفِرَ المناطقُ غيرُ المُكتشَفة من العراق عن 100 مليار برميل إضافي، أما بالنسبة للغاز الطبيعي فينتج العراقُ حسب تقديرات عام 2008 حوالي 15 مليار م3، وهو بهذه الكَميَّة يحتل المرتبة الثانية والثلاثين بين دول العالم من حيث إنتاجُ الغاز الطبيعي، ويبلغ احتياطي العراق من الغاز الطبيعي حسب تقديرات عام 2008 حوالي 3000 مليار م3، وهو بهذه الكَميَّة يحتل المرتبة العاشرة بين دول العالم من حيث احتياطي الغاز الطبيعي المؤكد[1].



أُنشِئتِ الدراسة الجيولوجية في العراق لأسباب كثيرة ذكرت آنفًا، وأول مَن قام بفتح هذا القسم هو كلية العلوم جامعة بغداد في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، ثم كلية العلوم جامعة الموصل بداية الستينيات، والآن قسم الجيولوجيا (علوم الأرض أو الجيولوجيا التطبيقية) هو أحد أقسام كليات العلوم في أغلب جامعات العراق، حيث ساهم أساتذة وخريجو وعباقرة العراق في هذا المجال في تقديم الإرشادات العلمية لجهات عديدة، وحلِّ الكثير من الإشكالات العلمية والعملية فيما يتعلق بالجيولوجيا، بالإضافة إلى مساهماتهم الفعَّالة في تأليف العديد من الكتب العلمية المنهجية وغير المنهجية، وترجمة بعضٍ من المصادر العالمية، وأثْروا المجلات العلمية العالمية الرصينة بأبحاثهم العلمية التطبيقية والأكاديمية المتعلقة بالجيولوجيا العراقية والإقليمية، والشرق أوسطية والعالمية.







[1] US Department of Energy Information - Assessment of Iraqi Petroleum Assets.




الساعة الآن : 08:13 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 12.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 12.34 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.75%)]