ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الشباب المسلم (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=94)
-   -   انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=241622)

ابو معاذ المسلم 28-09-2020 06:15 PM

انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ
 


انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ









جمال فتح عبد الهادي


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن سهل بن سعد -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ)، قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: (أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟)، فَقَالُوا: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأْتُونِي بِهِ)، فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: (انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) (متفق عليه).

هذه القصة الجميلة كانت في غزوة خيبر، وقد كَانَ يَوْم خَيْبَر فِي أول سنة سبع، َقَالَ مُوسَى بن عقبَة: "لما رَجَعَ رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- من الْحُدَيْبِيَة مكث بِالْمَدِينَةِ عشْرين يَوْمًا، أَو قَرِيبا من ذَلِك، ثمَّ خرج إِلَى خَيْبَر وَهِي الَّتِي وعدها الله -تَعَالَى- إِيَّاه، في قوله -تعالى-: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (الفتح:20).

في هذا الحديث الجميل عدة فوائد عظيمة، منها:

- الإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان، وهو في الحقيقة بلسم يداوى الجراح، فعلي -رضي الله عنه- لم يحضر مبكرًا كغيره من الصحابة الأفاضل بل غاب لمرضه، لكن قدَّر الله أن يكون هو المطلوب لهذه المهمة؛ لذلك سأل عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو قائد يعرف كيف تكون القيادة الحكيمة، وكيف يختار الرجل المناسب في المكان المناسب، فهو اجتهاد بشري، لكن بفقه وعلم وحكمة، وكذلك طبيب ماهر متخصص في جميع التخصصات، فبصق في عين علي ودعا له، فبرأ من توه وشفاه الله -تعالى-.

- علي -رضي الله عنه- لم يكن يبحث عن القيادة، لكن قدر الله نافذ، أي نعم الصحابة -رضي الله عنهم- باتوا ليلتهم يفكرون في مَن يعطاها ليس من أجل القيادة، لكن بسبب الصفة الأخرى، وهي حب الله ورسوله؛ لذلك سارع الكثير منهم مبكرًا، لكن قدَّر الله وما شاء فعل، صفة جميلة لهذا الصحابي الشجاع -رضي الله عنه-.

- أخذ علي -رضي الله عنه- الراية ثم استفسر من القائد: ماذا أفعل مع الأعداء، أقاتلهم من أجل التراب أو الغنائم والسبايا، أم مِن أن أجل أن يكونوا مثلنا مسلمين؟ فهناك هدف أساسي شُرع من أجله الجهاد، ثم أهداف ثانوية، فأكد القائد كلام علي -رضي الله عنه- وقال: (انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ).

- الهدف الأعظم مِن الجهاد: أن يدخل الناس في دين الله -عز وجل-.

- في اختيار عَليّ -رَضِي الله تَعَالَى عنه- دليل على شجاعته، كما أن في إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- عن محبة الله ورسوله له دليل على فضله وكمال إيمانه.

- معْجزَة للنَّبِي -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم-، حَيْثُ أخبر بِفَتْح خَيْبَر على يَد مَن يعطي لَهُ الرَّايَة، فوقع الأمر كما أخبر -عليه الصلاة والسلام-.

- فضل الدعوة إلى الله -عز وجل-، وأن غاية الجهاد في الإسلام هي هداية الخلق، وأن تكون كلمة الله هي العليا.

- ابتلاء الله -تعالى- للصالحين بالأمراض ونحوها؛ لأن علي -رضي الله عنه- كان يشتكي عينيه، وفيها تكفير للسيئات، ورفع للدرجات؛ فعن أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أنهما سمعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ) (رواه مسلم).

وقد بيَّن الإمام ابن القيم -رحمه الله- حقيقة منزلة المحبة وفضلها، فقال: "ومِن منازل (إياك نعبد وإياك نستعين): منزلة المحبة، وهي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي مَن حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي مَن فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها، وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها".

إلى أن قال: "تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة؛ إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدَّر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة: أن المرء مع مَن أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة" (مدارج السالكين).

هذا حال أصحاب القلوب المحبة لله ولطاعة الله -سبحانه وتعالى-؛ حبًّا مقترنًا بخشيته وإجلاله، والحياء منه -عز وجل-، هؤلاء هم الذين يمشون الهوينَى، ويسبقون الساعين.

وقد قضى الله يوم قدَّر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع مَن أحب، فيا لها مِن نعمة على المحبين سابغة تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون وقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون.

مَـن لـي بـمثـل سـيرك المدللِ تمشي رويدا وتجي فـي الأول

- إثبات صفة المحبة لله -سبحانه وتعالى-، وأنه -سبحانه وتعالى- يُحِب ويُحَب، قال الله -تعالى-: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة:54).

نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يثبتنا على الحق.

والحمد لله رب العالمين.






الساعة الآن : 06:07 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 10.73 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 10.64 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.87%)]