ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   يا باغي البركة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=241371)

ابو معاذ المسلم 26-09-2020 04:12 AM

يا باغي البركة
 
يا باغي البركة


أ. عبدالعزيز بن أحمد الغامدي





الخطبة الأولى
أما بعد: فاتَّقوا الله - عبادَ الله - حقَّ التّقوى، فتقوَى الله نورُ البَصائِر، وبه تحيَا القلوبُ وتستيقظ الضمائر.

إخوة الإسلام، الناس يسعون في هذِه الحياةِ الدنيا بِألوانٍ منَ الأعمالِ شَتّى، وكلُّ شيءٍ لا يَكونُ للهِ فبركتُه مَنزوعَة، والربُّ هوَ الذي يُبارِك وَحدَه، فالبركةُ كلُّها مِنه، والله جلّ وعَلا برَحمته يأتي بالخيرَات، وبفضَله يضاعِف البركات، وليس فضل العمل وسَعةُ الرّزق بكثرته، ولا زيادةُ العمر بتعاقُب الشهور والأعوام، ولكنْ سعةُ الرزقِ والعمُر بالبركة فيه.

والبركةُ ما كانت في قليلٍ إلاَّ كثَّرته، ولا في كثيرٍ إلا نفَعَته، ولا غِنَى لأحدٍ عَن بركةِ الله، حتى الأنبياء والرّسل يطلبونها من خالقِهم، يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((بينما أيّوبُ يغتسِل عُريانًا، فخرَّ عليه جرادٌ من ذهَب، فجعل أيّوبُ يحتثي في ثوبِه، فناداه ربّه: يا أيّوب، ألم أكن أغنيتُك عمّا ترى؟! قال: بلَى وعزّتِك، ولكن لا غِنى بي عن بركتك)) رواه البخاري.

والرّسُل والدّعاةُ مبارَكون بأعمالهم الصّالحةِ ودَعوتهم إلى الخيرِ والهدَى، قال عيسَى عليه السلام: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ [مريم: 31]. ودعا نوحٌ عليه السلام ربَّه بالمنزلِ المبارَك: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [المؤمنون: 29]. وألقَى الله البركةَ على إبراهيمَ وآله، قالَ تعالى: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ ﴾ [الصافات: 112، 113]، ودعَا نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم ربَّه بالبركَة في العطاءِ في قولِه عليه الصلاة والسلام: ((وبارِك لي فيما أعطيتَ)) رواه الترمذي.
وتحيّة المسلمِين بينهم عندَ اللّقاء طلبُ السّلام والرّحمة والبركة.

إخوة الإسلام، القرآنُ العظيم كثيرُ الخيراتِ واسِع المبرّات، كتابٌ مبارَك محكَم، أنزله الله رحمة وشِفاءً وبيانًا وهُدى، قال سبحانَه: ﴿ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ [الأنبياء: 50]. وسورَةُ البقرة سورَة مبارَكة، مأمورٌ بتعلّمها، قالَ عليه الصلاة والسلام: (( تعلَّموا سورةَ البقرةِ، فإنّ أخذَها برَكَة، وتركَها حَسرة، ولا تستطيعُها البطَلَة )) أي: السّحرة. رواه أحمد.

وسَعة الرِّزق وبركةُ العمُر في صِلةِ الرحِم، يقول المصطَفى صلى الله عليه وسلم: (( مَن أحبَّ أن يُبسَط له في رِزقه ويُنسَأ له في أثرِه فليصِل رحمه )) رواه البخاري.

والصادقُ في البيع والشِّراءِ والمعاملات مبارَكٌ له في الكَسب، مترادفٌ عليه الخير، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( البيِّعان بالخِيار ما لم يتَفرّقا، فإن صدَقا وبيَّنا بُورِك لهما في بيعِهما، وإن كذبا وكتَما مُحِقَت بركة بيعِهما )) متفق عليه.

ولحرصِ الإسلامِ على الأسرةِ وحلولِ البركةِ فيها وعليها مِن أوّل نشأتها شُرِع الدّعاء للزوجين بالبركة عندَ النكاح، يقول أبو هريرةَ رضي الله عنه: كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رفّأ الإنسانَ إذا تزوّج قالَ له: (( بارَك الله لك، وبارك عليك، وجمَع بينكما في خير )) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وأوفرُ الزَّوجاتِ بركةً ما قلّت المؤونةُ في نكاحها، والزواجُ السّعيد ما صاحَبَه اليسرُ والتّسهيلُ، يقول المصطَفى صلى الله عليه وسلم: (( أعظمُ النّساءِ بركةً أيسرُهنّ مؤونة )) رواه أحمد. والزوجَةُ المبارَكة هِي المطيعةُ لله القائمةُ بحقوق زوجها في غيرِ معصيةِ الله. والولدُ المبارَك هو النّاشئ على طاعةِ ربِّه، المستمسِك بسنّة نبيِّه عليه الصلاة والسلام، الصائنُ لنفسِه عنِ الذنوب والعِصيان.

وإذا دَخل ربُّ الأسرةِ دارَه شُرِع له إفشاءُ السلام على أهله رجاءَ البركة، يقول أنَس رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا بنيّ، إذا دخلتَ على أهلِك فسلّم، تكُن بركةً عليكَ وعلى أهلِ بيتك)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

والرجلُ المبارَك هوَ الذي يُنتفَع به حيثُما حلّ، وإذا قرُبَ العبد من ربّه بورِك في وقتِه وعمِل أعمالاً كثيرةً في زمنٍ يسير. أبو بَكر الصديق رضي الله عنه قبلَ صلاة الفَجر عادَ مريضًا وتبِع جنازةً وأطعَم مِسكينًا وأصبح صائمًا، كما ورد في الحديث الصحيح عند مسلم. وخير الصُّحبةِ صُحبةُ الصّالحين، وأزكى المجالسِ مجالسُ الذّكر، تحضرُها الملائكة؛ ويُغفَر لجليسها، ((فتقول الملائكة لربّها: فيهم فلانٌ ليسَ مِنهم، وإنما جاءَ لحاجةٍ، قال: همُ الجلساءُ لا يشقى بهم جليسُهم)) متفق عليه. فهذا مِن بركَتهم على نفوسِهم وعلى جليسِهم.

والمالُ المبارَك ما كثُر خيرُه وتعدّدَت منافعه وبُذِل في طُرقِ البرّ والإحسانِ ابتغاءَ مرضاة الله، ومَن قنِع بربحٍ حلالٍ قليلٍ وتحرّى الصدقَ في معاملاتِه ظهرتِ البركةُ في مالِه وفي أولادِه، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((من أخَذه بحقّه ووضعَه في حقِّه فنِعمَ المعونَة)) رواه البخاري.

وسرورُ الدّنيا وبهجةُ زينتِها لا تَتِمّ إلا بكسبٍ حَلال، والمالُ يكثُر عددُه بالبذلِ والعطاءِ في الخيرات، قال المصطَفى صلى الله عليه وسلم: ((ما نقصَت صدقةٌ مِن مال)) رواه مسلم، وقالَ عليه الصلاة والسلام: ((أنفِق يُنفَق عليك)) رواه البخاري.

والبركةُ يتحرّاها العَبدُ في مَأكلِه في يومِه وليلتِه، فالطّعامُ المبارَك ما أكلتَه ممّا يليك، وذكرتَ اسمَ الله عليه. وأمَر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلَعقِ الأصَابعِ والصّحفة بعدَ الفراغ من الطعام رجاءَ البركة، وقال: ((إنّكم لا تَدرون في أيِّها البركَة)) رواه مسلم. وفي الاجتماعِ على الطعام بركة، وفي التفرّق نزعٌ لها.

وسيّد المياه وأنفعُها وأبركُها ماءُ زمزم، قال عليهِ الصّلاة والسلام: ((إنها مبارَكة، إنها طَعامُ طُعم)) رواه مسلم. وفي رواية: ((زمزم طعام طعم؛ وشفاء سقم )) رواه البزار وصححه الألباني.

عباد الله، اصطَفى الله مِن الدّهرِ أزمنةً، ومِن البقاعِ أمكنَة، خصّها بالتَّشريف والبرَكة، فليلةُ القدر ليلةٌ مباركة رفيعةُ القدرِ عظيمةُ المكانةِ، ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ [الدخان: 3]، وعشر ذي الحجة مباركة، وأوّلُ النهارِ بعد صلاةِ الفجرِ زمنُ غنيمةٍ مبارك ووقتُ نزولِ الأرزاق وحلولِ البركات، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم دعا بالبركةِ في بُدُوِّ الصَّباح، قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهمَّ بارِك لأمّتي في بُكورها)). والنومُ بين صلاةِ الصبحِ وشروقِ الشمس تفويتٌ لزهرة اليوم.

وبيتُ الله الحرامِ مبارَك، ليسَ في بيوتِ العالمَ أبرَك منه ولا أكثرَ خيرًا ولا أدوَم ولا أنفعَ للخلائق، قال جلّ وعلا: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96]. والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة.

ومدينةُ المصطَفى صلى الله عليه وسلم مدينةٌ مبارَكة، الصلاةُ في مسجِدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن ألفِ صَلاةٍ فيما سِواه، وصاعُها ومُدُّها مبارك فيه، وتمرُ عاليَتها شِفَاء، يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((اللهمّ بارِك لنا في مدِينتِنا، وبارِك لنا في صاعِنا ومُدِّنا)) رواه مسلم، وفي لفظٍ له: ((اللهمّ اجعَل مَع البركة بركتين))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((اللهمَّ اجعَل بالمدينة ضِعفَي ما جَعلتَ بمكّة من البرَكة)) متفق عليه. قال النّوويّ رحمه الله: (الظاهرُ أنَّ البركةَ حصَلت في نفسِ المكيل، بحيث يكفي المدُّ فيها مَن لا يكفيه في غيرها، وهذا أمرٌ محسُوسٌ عند مَن سَكنها).

وبارَك الله في الأقصى وما حوله؛ قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ﴾ [الإسراء: 1] والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة.

والفضيلة الدائمةُ في كلِّ زمانٍ ومكَان في الإيمانِ والعملِ الصّالح، وأيُّ مكانٍ وعمَلٍ كانَ أعونَ للشّخص كانَ أفضلَ في حقِّه، يقولُ سلمان رضي الله عنه: (إنَّ الأرضَ لا تقدِّس أحدًا، وإنما يقدِّس الرجلَ عملُه).
اللهم بارك لنا وبارك علينا، أقول ما سمعتم وأستغفر الله..

الخطبة الثانية
إخوة الإسلام، لا تُرتَجَى البركة فيما لم يأذَن به الشّرعُ الحكيم، فتؤخذ البركات فيما ورد؛ مع مراعات الطريقة الشرعية الثابتة لنيل هذه البركة.

عباد الله، إنَّ العباد إذا أظهَروا ذنوبًا تتابعَت عليهم العقوبات، وكلّما قلّتِ المعاصِي في الأرضِ ظهرَت فيها آثارُ البركة من الله، وانتشارُ المعاصِي وفشوُّها سببٌ لنزع الخيراتِ والبرَكات، قال جلّ وعلا: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ﴾ [الجن: 16، 17].

وللمَعصيةِ أعظمُ تأثيرٍ في محقِ بركةِ المالِ والعُمُر والعلم والعمَل، يقولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((وإنّ العبدَ ليُحرَم الرزقَ بالذنبِ يصيبُه)) رواه ابن ماجه، قال ابن القيّم رحمه الله: (وبالجملةِ فالمعصيةُ تمحَق بركةَ الدين والدنيا ممّن عصى الله، فلا تجد بركةً في عمُره ودينِه ودنياه ).

ولا يُنال ما عندَ الله إلا بطاعتِه،والسعادةُ في القربِ منَ الله، وبالإكثارِ من الطاعات تَحُلّ البركات، وبالرّجوع إلى الله تتفتّح أبوابُ الأرزاق. قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96].

والرِّبا عَديمُ النفعِ ماحِقٌ للمالِ جالبٌ للهمّ، يجري آكلُه خلفَ سَراب، قال سبحانه: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [البقرة: 276].
والحلِف منفق للسِّلعة مُمحِقٌ للكَسب.
ومنعُ الصدقة خشيةَ النفادِ تلفٌ للمال، قال صلى الله عليه وسلم: ((اللهمَّ أعطِ ممسكًا تلفًا)) رواه البخاري.

فالزَموا - عباد الله - جانبَ العبوديّة والاقتداء، وابتعِدوا عن المحرّمات والشّبهات، يبارَك لكم في الأخذ والعطاء.
اللهم بارك لنا فيما رزقتنا.
اللهم اغننا بحلالك عن حرامك.
اللهم ارزقنا الاتباع لنبينا صلى الله عليه وسلم، وجنبنا الابتداع في ديننا.





الساعة الآن : 12:33 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 16.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.69 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.56%)]