ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=91)
-   -   وفاة زينب رضي الله عنها (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=212302)

ابو معاذ المسلم 18-09-2019 04:48 AM

وفاة زينب رضي الله عنها
 
وفاة زينب رضي الله عنها


عبدالله بن سالم بن حمد الصاعدي






لقد مرَّت زينب رضي الله عنها بأحداث عدة، سواء مكية أو مدنية، وكم كانت تُحبُّ أمَّها وأباها؟! في قلبٍ علماه الوفاء، كما ربَّياه على النقاء، وعطَّراه بعبق الحياء.

تلك البنت النقية عاشت الفِراق بعد وفاة أمِّها، وكابدت الغربة بعد هجرة أبيها، حتى جمع الله بينها وبين أبيها وزوجها بعد كفاح وصبر؛ ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90].

وبعد أن أسلم أبو العاص رد له النبي صلى الله عليه وسلم زوجته؛ لكنها لم تدُمْ معه طويلًا؛ فإنها كانت تُعاني من ألمٍ ونزيفٍ استمرَّ معها قريبًا من ستِّ سنوات، وسأرجع بك إلى ما قبل هجرتها لتعرِف ما سبب ذلك.

ففي مكة بعد غزوة بدر عندما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجَ ابنته زينب، وفَكَّ أسْرَه، اشترط عليه أن يرسل زينب رضي الله عنها، ووفَّى بذلك؛ حيث أخبرها بأنه الفِراق ولا لقاء بعد ذلك، وقد حزن هو حزنًا كبيرًا؛ لذا أمر أخاه كنانة أن يذهب بها إلى المدينة، ولعلَّه لا يحتمل النظر المستمرَّ لوداعها؛ فإن الأمر صعب عليه، وكان صهرًا نبيلًا.

قام كنانة بواجبه في وَضَحِ النهار، فسمِعَتْ قريش بذلك؛ فثارت حميَّة بعض القوم حتى أدركوا كنانة ومعهم هبار بن الأسود - قبل إسلامه - الذي وَجَّه رمحَه للناقة التي عليها زينب رضي الله عنها، فاضطربت الناقة فسقطَتْ زينب، وكانت تحمل جنينها فأسقطته، وبدأت تنزف، وتأخَّر بها كنانة وأخرج كنانته ونثر سهامه - وكان راميًا - فأقسم أن لو اقترب أحد لرميته، وكان هذا الشَّهْم العربي الذي تجري في عروقه المروءات العربية التي هذَّبها ديننا وزكَّاها - مُصمِّمًا على الذَّهاب بها، ولكنه لاحظ أن حالة زينب رضي الله عنها لا تحتمل ذلك، فلم يزَل على إصراره حتى جاء أبو سفيان وكلَّمه بعقلٍ وحكمة طالبًا منه الرجوع بها، ولا يذهب بها إلَّا خفية، وهنا وجد كنانة مخرجًا مناسبًا لينقذ به زينب رضي الله عنها.

إن الأذى الذي أصاب زينب رضي الله عنها لم يغِبْ عن جسدها حتى جاء العام الثامن الهجري، وبدأت حالتها الصحية بالتدهور وهي صابرة محتسبة مهتمَّة بتربية ابنتها، وكأنها كانت تشعُر بقُرْب الفِراق، ومع قُرْبها من رسول الله منزلًا ومحبَّةً إلَّا أنها كانت آخذةً بمبدأ النأي بالنفس عن كثيرٍ من أموره صلى الله عليه وسلم؛ لكمال عقلها ورجاحة رأيها؛ ولذا لا يذكر عن سيرتها إلَّا القليل.

لقد كان زوجها قريبًا منها، فهي محتاجة إلى مَنْ يُطبِّبها وخاصة في شهورها الأخيرة.
وبعد جلوسه معها عامًا كاملًا تقريبًا وذات ليلة بعد أن لَمَّ اللهُ شمْلَ الحبيبين، وبعد أن أقرَّ الله عين بنت خليله صلى الله عليه وسلم بتحقيق أمنيتها وتلبية أجمل ما كانت ترجوه لأبي ابنتها، لمن كان معها خلوقًا كريمًا وشهمًا أبيًّا، وبعد أن كان مُصِرًّا على الكفر وعلى دين آبائه، شرح الله صدره للإسلام، ودخل رغبةً وحبًّا لدين الله، وكان ذلك قبل وفاة زينب رضي الله عنها بسنة واحدة تقريبًا.

لقد عاد الحبيبان، وكان أبو العاص الصهرُ المُوَفَّق المبارك لا يغادر بيته إلا قليلًا؛ لأنها كانت بحاجة إلى مَنْ يُطبِّبها، وما زال الأذى الذي لحق بها - مِنْ قِبَلِ هبار بن الأسود - يأكل جسدها وينخر في عظامها، حتى جاءت ليلة الوداع، تلك الليلة التي ستُضاف تحت كنف الصبر النبوي، التي ستغلف داخل كبد الأبوَّة بين جنبي النبوة، تلك الليلة التي ستدخل ضمن ديوان ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 86]، إنها ليلة سيتلقَّاها قلب يتمعَّر من حزن الفِراق الذي ما زال يتوالى، كلما استقرَّ جاءته عاصفة الفِراق فعصفت به، فقبل عشر سنوات فارق زوجته الطاهرة، ثم قبَّلها، فلمَّا رُزق بابنٍ فاضَتْ رُوحه إلى خالقها، ثم لما بُعث إذا بابنته رقية وأم كلثوم تدخلان عليه البيت وهما مطلقتان مطرودتان، فيصبح ذلك الأب الذي يعول ثلاث بنات، وهو مأمور بإبلاغ الرسالة، ثم تأتي الهجرة فيُهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وبناته كذلك، حتى إذا كانت غزوة بدر مرضت رقية رضي الله عنها فيفقدها صلى الله عليه وسلم وهو في الغزوة يجاهد أعداء الله، ويجاهد قلبه الأبويَّ وهو يعلم بأن ابنته مريضة تُصارع الموت، ثم ها هو مع زينب رضي الله عنها؛ إذ تظهر ملامح الفِراق، ويبدأ الجسد الصابر لستِّ سنوات بالانهيار ويصبح ذاويًا بعد أن كان وردةً سويَّةً مال عودها، وذبلت بتلاتها، وحانت ساعة الفِراق، وودَّع صلى الله عليه وسلم كبرى بناته، صاحبة القلادة الخديجيَّة، صاحبة الهديَّة النقيَّة، صاحبة النخوة المحمدية، والبسمة الزينبية.


لقد فاضَتِ الرُّوح التي امتزجت من زوجين لم يَسْرِ بين عظم ولحم كعبقهما، وتأمَّل أنه أب قبل كل شيء لاقى ما لاقى؛ ولكنه إمام الصابرين، المتربِّع على عرش: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].






الساعة الآن : 03:13 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 8.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 8.31 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (1.12%)]