ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى القرآن الكريم والتفسير (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=57)
-   -   تفسير أيسر التفاسير**** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=235072)

ابو معاذ المسلم 30-05-2021 04:26 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
وعيد الله لبني إسرائيل في نقض ميثاقهم
ثم قال لهم: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة:12]، أخطأ الطريق الموصل إلى السعادة والكمال، بل تاه في متاهة الضياع والخسران، هذا مما أخذ الله على بني إسرائيل، وتوعدهم، ونحن مثلهم أم لا؟ نحن أولى بهذا، اسمع ما أعطانا نحن: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [النور:55]، بماذا؟ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55]، هذا لنا أو لبني إسرائيل؟ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [النور:55] يا أمة محمد، وعدهم بماذا؟ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ [النور:55]، أي: يجعلهم خلفاء يسودون العالم ويحكمون الناس، وهل فعل أو لم يفعل فعل؟ لقد فعل، فثلاثمائة سنة وراية الإسلام في عنان السماء ولا استطاع الشرق ولا الغرب أن ينال منها منالاً، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:55]، كانوا في المدينة ما يستطيع أحدهم أن يتبول في الليل، وبدل الله الخوف بالأمن، ولكن: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55]، وقال لبني إسرائيل أيضاً: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة:12].
تفسير قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ...)
ثم قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ [المائدة:13]، نقضوا، فَبِمَا نَقْضِهِمْ [المائدة:13]، و(ما) هذه زائدة لتقوية الكلام، الأصل: فبسبب نقضهم، لكن (ما) هنا تلفت النظر، فَبِمَا نَقْضِهِمْ [المائدة:13]، أي: بنقضهم، ينقضون ماذا؟ العهد والميثاق، فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [المائدة:13]، ماذا فعلنا بهم؟ لَعَنَّاهُمْ [المائدة:13]، ومن لعنه الله هل يسعد، يكمل، يطيب ويطهر؟ لقد أبعده من ساحة الخير كاملة.قال تعالى: لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:13]، تعرفون قساوة القلب: يذبح طفله، ويشرب دم أبيه وأمه ولا يبالي، وهذا معروف به اليهود، وانتقل إلى غيرهم، والشاهد عندنا: أن القلب القاسي ذاك الذي لا يرق ولا يعطف ولا يرحم، لا يرى إلا حاجته ومصلحته. قال تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13]، نوع من بيان القساوة، يحرف كلام الله عن موضعه فيضع بدل هذه الكلمة كلمة أخرى؛ ليضلل الناس، فأي قساوة أعظم من هذه؟ لو كان قلبه يرق أو يخاف فلن يقدم على هذا، كلام الله يبدله للمصلحة أو الفائدة! وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] على ألسنة أنبيائهم ورسلهم، حظاً كبيراً. وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ [المائدة:13] يا رسولنا عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة:13]، (خَائِنَةٍ): طائفة خائنة أو خيانة بمعنى واحد، وإلى الآن لو كنا بصراء وسادة نكشف خفاياهم ونعرف خيانات رجالهم ونسائهم، هذا إلى يوم القيامة: وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة:13]، وهذا يذكر بحادثة بني النضير، أما انكشفت سوأتهم وظهرت خيانتهم؟ وبعدها بنو قريظة خانوا وانضموا إلى الأحزاب وأرادوا أن يقاتلوا معهم، وإلى الآن وإلى يوم القيامة، ومع هذا قال له: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [المائدة:13]، لا تؤاخذهم واصفح عنهم، أعرض عنهم أعطهم صفحة وجهك ولا تلتفت إليهم. فهل هذا منسوخ بالأمر بقتالهم؟ ذلك جائز، وجائز أن يكون كل من يحصلون هذا الفساد ونحن أقوياء وقادرون وحكام وعالمون أنه يصفح عنهم إمامنا وذلك لأن الله يحب المحسنين: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:13]، هل قتل الرسول من بني النضير رجلاً واحداً؟ تآمروا على قتله بالفعل واعترفوا وطوقهم برجاله كذا يوماً، وأخيراً قال: اخرجوا، وأذن لهم أن يحملوا أموالهم معهم، حتى الأبواب في المنازل أخذوها، حتى الأخشاب التي لهم حاجة إليها حملوها، هذا امتثال أمر الله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:13].
ملخص لما جاء في تفسير الآيات
مرة ثانية: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:12]، وأخذ الله ميثاقكم أيها المؤمنون، إذاً: فاثبتوا لا تتزعزعوا مهما كانت الظروف والأحوال، لا تخونوا عهدكم مع ربكم، أقيموا الصلاة وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر.قال: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة:12]، وسيأتي بيان هذه الحادثة في الآيات الآتية إن شاء الله، وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ [المائدة:12]، وهو أيضاً معنا، إلا من يخون، أما إذا خنا العهد ونقضناه فهو بريء منا فلا ينصرنا ولا يؤيدنا وقد فعل، فهل نصر المسلمين على اليهود؟ما نصرهم؛ لأنهم أبوا أن يكون الله معهم، ما أقاموا الصلاة ولا آتوا الزكاة، ولا أمروا بالمعروف ولا نهوا عن منكر، أشاعوا الربا والزنا والباطل والكذب والخيانة، والشرك والخرافة والضلال، هذا هو العالم الإسلامي، وجاء يريد أن يقاتل اليهود! كلما يتحركون تؤدبهم اليهود إلى اليوم، فكيف يتم هذا؟ لأن الله ليس مع المسلمين، ما سبب ذلك؟ أنهم نقضوا العهد، هل أقاموا الصلاة؟ هل جبوا الزكاة؟ هل أمروا بالمعروف؟ هل نهوا عن منكر؟ ما هي إلا هذه البقعة القليلة، وها نحن نهدم بيد فسقنا وفجورنا! لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [المائدة:12] الجواب: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [المائدة:12]، وهذا عهد الله لنا أيضاً، ونحن خير منهم، والله لئن أقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وآمنا برسل الله وعزرناهم ولو بعد موتهم، نعظمهم ونجلهم ونحبهم، وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [المائدة:12] في مشاريع الخير والهدى لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة:12]، ومعنى هذا: أنه خسر الدنيا والآخرة، طريق السعادة والكمال ضل عنه وما اهتدى إليه. ثم قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:13] يدل على قساوتها أنهم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13]يحرفون كلام الله، يضعون آية موضع آية تبيح لهم ممنوعاً، أو تحرم عليهم مباحاً، وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] هل المسلمون الآن ذاكرون لكتاب الله لأوامره ونواهيه؟ لقد نسوا حظاً كبيراً.قال: وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة:13] وها نحن نشاهد هذا في ديار المسلمين، كل عام تظهر خيانة وفساد وباطل وشر، في كل مكان، وكان ذلك مع اليهود.
تفسير قوله تعالى: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به...)
وكان مع النصارى، حيث قال تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة:14] قالوا: إنا نصارى نسبة إلى النصرانية ملة كاليهودية، وهل هي مشتقة من الناصرة لأن عيسى كان في قرية الناصرة، أو من قول الحواريين: نحن أنصار الله؟ الكل صحيح، النصارى هم عباد المسيح، هم المسيحيون هم الصليبيون.قال تعالى: أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ [المائدة:14] كما أخذناه على اليهود فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا [المائدة:14]، الذي أخذنا عليهم العهد والميثاق أن يقوموا به ويعملوا به، ويؤدوه من العقيدة إلى العبادة إلى طاعة الله، نسوا حظاً كبيراً وأعرضوا عنه. فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:14] إذاً: ذاك النسيان ورثهم العداوة والبغضاء، فاختلفوا فتباغضوا وتدابروا، كما أخبر تعالى عنهم فقال: فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [المائدة:14].
مكر اليهود بالنصارى وتحريفهم دينهم وتلبيسهم عليهم
النصارى -يا معشر المؤمنين والمؤمنات- رجال آمنوا بعيسى عليه السلام، وهم من بني إسرائيل، لما كفر اليهود برسالة عيسى ونبوته، وادعوا أنه ساحر وأنه ابن زنا، وألبوا عليه الأمة بكاملها فتح الله على بعض الناس فآمنوا بعيسى، وسموا بالحواريين وبأنصار الله.واليهود -كما علمتم- حكموا على عيسى بالإعدام وأعدموا من شبهه الله لهم، ثم نزح بعيداً عن بيت المقدس إلى الشمال، وكون جماعة تعبد الله وتوحده، ورفع عيسى وبقيت الجماعة تعبد الله قرابة سبعين سنة فقط بعبادة شرعية كما هي في الإنجيل والتوراة، ثم احتال اليهود عليهم لما شاهدوا رئيس الحكومة الرومانية أسلم ودخل في المسيحية، وأصبحت الدولة تحمل راية التوحيد والإسلام، فـبولس عليه لعائن الله تنصر، وهو من كبار اليهود، وانضم إلى قسطنطين، وأخذ يفسد عليهم في المسيحية، فحولها إلى خرافات وضلالات، وهو الذي أفسدها عليهم، وأصبحت العداوة والبغضاء بينهم؛ لأنهم اختلفوا، هذا يقول كذا وهذا يقول كذا، كما قال تعالى: فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [المائدة:14]، الإنجيل زادوا فيه ونقصوا منه، وتحول إلى خمسة وثلاثين إنجيلاً! كل ذلك زيادات أضيفت إلى الإنجيل، وما هناك من يحفظه عن ظهر قلب، وأخيراً لما انفضحوا أمام العالم تجمعوا ووحدوا الإنجيل، وجعلوه خمسة أناجيل، فالعاجز كالقوي، والعليم كالجاهل يقول: كيف يصبح كتاب الله خمسة كتب؟! لا شك أن أربعة كلها كذب وخرافات وضلالات.والشاهد عندنا: في مكر اليهود بهم، وفي أن النصارى نقضوا عهد الله عز وجل، أمروا أن يؤمنوا بالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يلتفوا حوله، ويرفعوا راية الإسلام، فآثروا الدنيا على الآخرة، والباطل على الحق لشهواتهم وأهوائهم، ونسوا حظاً كبيراً وكثيراً مما ذكروا به في التوراة والإنجيل، وعلى لسان عيسى عليه السلام.كذا يقول تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة:14] أيضاً أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ [المائدة:14] كما أخذنا من اليهود فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:14]، وإذا نبأهم وأخبرهم بجرائمهم فمعنى ذاك: أنه يجزيهم عليها، وهل ينبئهم لا لشيء فقط؟! بل ينبئهم بجرائمهم وكفرهم وفسادهم ليجزيهم به ويؤاخذهم عليه: بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:14].
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

معنى الآيات
على كل حال نسمعكم الآيات مرة أخرى من التفسير في هذه الصفحة؛ لتزدادوا إن شاء الله معرفة.قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين: [ معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان خبث اليهود وغدرهم، فقد أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أن اليهود الذين أخذ الله ميثاقهم على عهد موسى عليه السلام بأن يعملوا بما في التوراة وأن يقاتلوا الكنعانيين ويخرجوهم من أرض القدس، وبعث منهم اثني عشر نقيباً؛ هؤلاء قد نكثوا عهدهم ونقضوا ميثاقهم، وأنه لذلك لعنهم وجعل قلوبهم قاسية، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فقال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ [المائدة:13] أي: فبنقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم بأن يعملوا بما في التوراة ويطيعوا رسولهم لَعَنَّاهُمْ [المائدة:13] أي: أبعدناهم من دائرة الرحمة وأفناء الخير والسلام وجعلنا قلوبهم قاسية شديدة غليظة، لا ترق لموعظة، ولا تلين لقبول هدى، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] فيقدمون ويؤخرون ويحذفون بعض الكلام، ويؤولون معانيه لتوافق أهواءهم، ومن ذلك تأويلهم الآيات الدالة على نبوة كل من عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وذلك في التوراة، وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13]، أي: وتركوا كثيراً مما أمروا به من الشرائع والأحكام معرضين عنها ناسين لها كأنهم لم يؤمروا بها، فهل يستغرب -إذاً- ممن كان هذا حالهم الغدر والنقض والخيانة؟ وَلا تَزَالُ [المائدة:13] يا رسولنا تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ [المائدة:13] أي: على طائفة خائنة منهم، كخيانة بني النضير، إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة:13] فإنهم لا يخونون، كـعبد الله بن سلام وغيره، وبناء على هذا فَاعْفُ عَنْهُمْ [المائدة:13] فلا تؤاخذهم بالقتل وَاصْفَحْ [المائدة:13] عنهم فلا تتعرض لمكروههم، فأحسن إليهم بذلك إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:13]. هذا ما دلت عليه الآية الأولى. أما الآية الثانية في هذا السياق فقد أخبر تعالى عن النصارى وأن حالهم كحال اليهود، لا تختلف كثيراً عنهم، فقد أخذنا ميثاقهم على الإيمان بي وبرسلي وبالعمل بشرعي، فتركوا متناسين كثيراً مما أخذ عليهم من العهد والميثاق فيه، فكان أن أغرينا بينهم العداوة والبغضاء كثمرة لنقضهم الميثاق، فتعصبت كل طائفة لرأيها، فثارت بينهم الخصومات وكثر الجدل، فنشأ عن ذلك العداوات والبغضاء، وستستمر إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله تعالى بما كانوا يصنعون من الباطل والشر والفساد، ويجازيهم به الجزاء الموافق لخبث أرواحهم وسوء أعمالهم، فإن ربك عزيز حكيم ].وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

ابو معاذ المسلم 30-05-2021 04:28 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة المائدة - (4)
الحلقة (314)

تفسير سورة المائدة (12)


يخاطب الله سبحانه وتعالى أهل الكتاب من يهود ونصارى بأنه أرسل إليهم رسوله صلى الله عليه وسلم فكذبوه وجحدوا نبوته وحاربوه، وهو نبي مرسل من عند الله، والدليل على ذلك أنه بين لهم كثيراً مما كانوا يخفون من كتبهم والأحكام التي كانت مسطورة فيها، فهذا النبي الذي كذبوا وجحدوا به جاءهم بالنور المبين من ربه، وعليهم اتباعه إن أرادوا النجاة والفوز في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).وها نحن مع سورة المائدة المباركة الميمونة، مع هاتين الآيتين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15-16].
المقصود من نداء اليهود والنصارى بلفظ أهل الكتاب
اسمع هذا النداء نداء الله لهم، قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [المائدة:15]، من هم؟ اليهود والنصارى؛ لأن اليهود أهل كتاب هو التوراة، والنصارى أهل كتاب هو الإنجيل، الأصل التوراة والأصل الإنجيل، لكن التوراة زيد فيها ونقص منها؛ لأن الله ما تولى حفظها كما تولى حفظ القرآن، والإنجيل أصبح خمسة وثلاثين إنجيلاً ثم اجتمعوا على أربعة أناجيل في آخر شيء، لكن في الحقيقة هم أهل كتاب، فالنداء حق: (يا أهل الكتاب)، وفيه معنى الذم، يذمهم، يلومهم، يعتب عليهم، أهل كتاب ويضلون! أهل كتاب ويكفرون! أهل كتاب ويفسقون! أهل كتاب ويعمون وهم أهل النور! ما يناديهم تشريفاً لهم، وإنما ليذمهم، ويذكرهم بهبوطهم وسقوطهم.
بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لكثير مما يخفيه أهل الكتاب
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا [المائدة:15] من هو هذا الرسول الإلهي؟ هذا محمد صلى الله عليه وسلم، هذه الإضافة إضافة عجيبة، إضافة تشريف، إضافة تعظيم، هذا رسول الله، ما قال: قد جاءكم رسول، أو أرسلنا إليكم رسولاً، قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا [المائدة:15] المبجل المعظم، وأنتم تؤمنون بنا وتخافوننا، وتطمعون فينا، ويأتيكم رسولنا فتحاربونه وتكذبونه وتكفرون به؟ أين يذهب بعقولكم؟ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ [المائدة:15] (قد) للتحقيق، وبالفعل جاء، فها هو ذا قبره وهذا مسجده وهذه أمته، ودعاهم ثلاثاً وعشرين سنة. قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا [المائدة:15] الإضافة للتشريف والتعظيم، قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ [المائدة:15] مهمته ورسالته التي جاء بها: أنه يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة:15].وجاءهم ليدعوهم إلى أن يعبدوا الله عز وجل ويسلموا ويدخلوا الجنة، هذه دعوة عامة، لكن هنا لما تمردوا وطغوا ونقضوا العهود قال لهم: يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة:15]، وهذا وحده كاف في أن يكون محمد رسول الله، ويستحيل أن يكون غير رسول الله؛ لأنه أمي عربي عاش أربعين سنة لم يعرف ألفاً ولا باء! ثم يبين خبايا أهل الكتاب وما يسترونه وما يخفونه، فكيف يتم هذا لمن لم يكن يوحى إليه، ورسولاً يرسله الله إلى الأرض؟! يبين لكم كثيراً من الشرائع والأحكام والآداب والعبادات التي تخفونها أنتم، ومن أبرزها أو أمثلها الرجم، لما زنا اليهودي واليهودية أمرهم الرسول أن يرجموهما فقالوا: ما في كتابنا رجم أبداً، فقط نركبه على حمار ونطوف به في الأحياء ونسوده بالفحم أو بكذا، ما عندنا رجم، فقال: هاتوا التوراة. فقرئت في المسجد، فقرأ القارئ ولما انتهى إلى موضع الرجم وضع يده عليها، فقال عبد الله بن سلام : ارفع يدك، وإذا فيها رجم الزانية والزاني. أقول: هذه علامات النبوة الصادقة، فمحمد رسول الله يستحيل أن يكون غير رسول الله، فهو لم يكن يعرف عن اليهودية ولا عن النصرانية ولا عن الإنجيل ولا التوراة شيئاً أبداً، كأبيه وأمه وقومه، فإذا به يبين لهم كثيراً مما يخفون ويجحدونه على البشر، إيثاراً للدنيا والشهوة والمنصب والتكالب على أوساخ الدنيا، جحدوا على إخوانهم وبني عمهم، صرفوهم عن الدخول في الإسلام بهذه الدعاوى، لولا مكر علماء اليهود وعلماء النصارى لكانوا يدخلون في دين الله في يوم واحد، لكن الرؤساء والزعماء والمسئولون هم الذين منعوهم وصرفوهم بما يكذبون عليهم ويبينون لهم غير الحق. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة:15] أي: التوراة والإنجيل، فالكتاب للجنس. وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة:15] ويترك كثيراً مما ليس هناك حاجة إلى ذكره وبيانه، وإنما ذكر أشياء فضحهم بها، وأقام الحجة عليهم بأنها في بطون كتبهم، وقد بينها لهم، وأخرى تركها لأنها لا فائدة من ذكرها.
يتبع

ابو معاذ المسلم 30-05-2021 04:28 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
معنى قوله تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)
ثانياً: (( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ))[المائدة:15]، يا أهل الكتاب! قد جاءكم من الله نور عظيم لا ترون شيئاً في الحياة إلا به، النور لولاه ما رأينا شيئاً، هل العين تبصر في الظلام؟ ما تبصر شيئاً، لا بد من نور الشمس أو نور القمر أو الكوكب أو نور المصباح، هذا النور بدون الإيمان به واتباعه وتعظيمه وإجلاله وحبه وإكباره والله ما ترون ما يسعدكم ولا ينجيكم، بصائركم لا ترى شيئاً إلا على هذا النور، فهل ظهرت هداية اليهود والنصارى بعد محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآن؟ هل ظهر فيهم طهر وصفاء ومودة وحب وعز وكرامة؟ ما وقع شيء؛ لأنهم يمشون في الظلام، العهر والفجور والجرائم وأندية اللواط، والتلصص، والإجرام، وقتل البشرية، وتمزيق لحومها، قل ما شئت، أين النور الذي يهتدون عليه، كفروا به ورفضوه وأعرضوا عنه، فكيف يهتدون؟ (( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ ))[المائدة:15] ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا عبد الله! يا أمة الله! والله إن الذي لا يؤمن بمحمد رسولاً ويحبه ويعظمه ويمشي وراءه ما رأى شيئاً، إنه يعيش في الظلام، ولن يهتدي إلى سعادة ولا إلى كمال، إما أن تؤمن به وتحبه وتعظمه، وتسمع له وتمشي وراءه فتهتدي؛ إذ هو نورك بين يديك، وإما أن تعرض عنه وتكفر به ولا تبالي به؛ فوالله ما تخرج من الظلام سواء كنت يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو مسلماً، إلا أن المسلم لا يمكن أن يبتعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.(( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ ))[المائدة:15] هذا المصدر الذي جاء منه، الله هو الذي أرسله ونبأه وأعده إعداداً خاصاً وهو في أرحام أمهاته وأصلاب آبائه، قد جاء من الله نور وكتاب مبين، الكتاب المبين البين الواضح القرآن، إي والله إنه القرآن، ها نحن- وأكثرنا من العوام- نسمع هذا الكلام، فهل يحصل اضطراب في النفس وغموض؟ (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ))[المائدة:15] أي إنسان لا يفهم هذا الكلام؟(( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ))[المائدة:15] حقاً إن القرآن مبين، بين العقيدة، بين العبادة، بين الأحكام الشرعية، السياسية، المالية، الاقتصادية، الاجتماعية، الآداب، الأخلاق، بين ملكوت السماء وما فيه من كمالات، بين الأرض حتى الذرة، وكل شيء مبين في هذا الكتاب، مبين غاية الإبانة. وأما النور فهو الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ جاء في سورة النساء: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ))[النساء:174]، فالبرهان هو محمد صلى الله عليه وسلم، والنور المبين هو القرآن، وهنا النور المبين محمد، والقرآن هو البرهان، فلا إله إلا الله! محمد برهان على أنه رسول الله، فما دليل ذلك؟ استقامته، عاش ثلاثاً وستين سنة ما كذب كذبة! ما آذى أحداً، ما زاغ في أي ميدان، ما أخطأ خطيئة، قل ما شئت، أكبر من ذلك أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، ويحدثك عن الملكوت الأعلى بكل ما فيه، يحدثك عن تاريخ البشرية من آدم إلى يومه، كيف يتم هذا لولا أنه رسول الله؟ أي برهان أعظم من هذا؟ فالكتاب نور والنبي نور، والكتاب برهان والرسول برهان.
تفسير قوله تعالى: (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ...)
قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ [المائدة:15] عظيم وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ [المائدة:15-16] هذا النور يهدي به الله من من الناس؟ من كان عربياً هاشمياً؟ قال: مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ [المائدة:16]، الذي يطلب رضا الله ويرغب فيه، ويحيا لأجله، ويعطي ويمنع من أجله، يحرث ويحصد من أجله، الذي يطلب رضوان الله يهديه الله، إذ هو يحمل الهداية، والذي ما يريد الله ولا يطلبه وما يقرأ القرآن ولا يتبع الرسول كيف سيهتدي؟ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ [المائدة:16] يهديه إلى أين؟ إلى سبل السلام، إلى طرق النجاة والسلام، من اتبع رضوان الله أي: اتبع رسول الله وكتاب الله، وطلب رضا الله عز وجل، فالله تعهد له بأن يهديه سبل السلام، ويخرجه من الظلمات إلى النور، هذه دعوة للبشر عامة، أهل الكتاب وغير أهل الكتاب، هذا وعد الله عز وجل. اسمعوا ما يقول: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [المائدة:16]، إن قيل: لم تصلون؟ قلتم: نريد أن يرضى الله عنا، لم لا تكذبون؟ نريد أن يرضى الله عنا، إنه يكره الكذب، لم لا تزنون؟ لم لا تفجرون؟ لأن الله يكره ذلك ويحول دون رضوانه، إذاً: كل العبادات التي نقوم بها طلب لرضاه عنا، لأن من رضي الله عنه أسعده، ومن سخط عليه أشقاه وعذبه، العلة هي الرضا، فرضا الله ينتج الجنة والجوار الكريم في دار السلام. يَهْدِي بِهِ [المائدة:16] أي: بالقرآن والرسول مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [المائدة:16]، الجهل كله ظلمة، وكذلك الكفر، الشرك، الفسق، الظلم، الإجرام، كل هذه ظلمات بعضها فوق بعض، فما هي الواسطة التي نخرج بها من هذه الظلمات؟ القرآن والسنة، الكتاب والسنة، فإذا لم نرجع في قرانا ومدارسنا وجبالنا وسهولنا إلى القرآن والسنة النبوية نتعلم ونعلم ونعمل؛ فوالله لن نفوز ولن نظفر بسبل السلام، إذا عطلنا الآلة التي بها نصل إلى هذا، وهذا واضح في أمة الإسلام في قرون عديدة، أعرضت عن الكتاب والسنة فضلت وهبطت، وسادها الغرب والشرق، وتاهت في متاهات الضلال. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:16]، صراط الذين أنعم عليهم، ألا وهو طاعة الله ورسوله، من أراد الفوز من أراد النجاة فليطع الله ورسول الله عقيدة وعبادة وقضاء وآداباً وأخلاقاً، هذا الذي هو على الصراط المستقيم، ولا ينتهي به إلا إلى دار السلام الجنة.وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

ابو معاذ المسلم 30-05-2021 04:30 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 

http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة المائدة - (5)
الحلقة (315)

تفسير سورة المائدة (13)

افتراءات أهل الكتاب كثيرة، وادعاءاتهم الباطلة لا تنتهي، فقد ادعى النصارى أن عيسى بن مريم هو الله، ومنهم من ادعى أنه ابن الله، وادعى النصارى مع اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه، وذلك لما دعاهم الرسول إلى عبادة الله وخوفهم من عذابه إن هم كفروا وأعرضوا، وقد أمر الله نبيه أن يقول لهم: إن عيسى عبد الله، ولو شاء الله أن يهلكه فلن يعصمه منه أحد، ويخبرهم أن الله لا يعذب أولياءه وأحباءه، وإنما هم مستحقون لعقابه وعذابه.
قراءة في تفسير قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). وها نحن مع سورة المائدة المباركة الميمونة، ومع هذه الآيات الثلاث، وهي قول ربنا جل ذكره: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:17-19].
هداية الآيات
أذكركم بالآيتين السابقتين قبل الشروع في دارسة هذه الآيات، الآيتان السابقتان هما قول ربنا عز وجل: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:13-14].قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين: [هداية الآيتين: من هداية الآيتين: أولاً: حرمة نقض المواثيق ونكث العهود ]، فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة، لا يحل لآدمي أو آدمية أن ينقض عهداً أو أن ينكثه، أما لعن الله بني إسرائيل لنقضهم العهد أم لا؟ سواء كان العهد بينه وبين الله، أو بينه وبين الإنسان، يجب الوفاء بالعهود.[ حرمة نقض المواثيق ونكث العهود، ولا سيما ما كان بين العبد وربه ]، أتعاهد ربك ثم تنقض العهد؟ أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتتخلى عن عبادة الله؟ أتشهد أن محمداًرسول الله وتتبع غيره وتمشي وراءه وتتخلى عن سنة رسول الله؟ أي نقض أكثر من هذا النقض؟! [ ثانياً: الخيانة وصف لازم لأكثر اليهود ]، الخيانة صفة لازمة لأكثر أفراد اليهود، وقل من ينجو منهم من هذه الصفة الخبيثة، وهي نقض المواثيق. [ الخيانة وصف لازم ] لا ينفك [ لأكثر اليهود إلى اليوم، فقل من سلم منهم من هذا الوصف ]، أقول: من عشرات السنين ونحن في هذا المسجد النبوي الشريف ننصح للعرب حكاماً ومحكومين علماء وأميين أن: اتفقوا مع اليهود، خذوا بينكم وبينهم عهداً وميثاقاً؛ حتى يطمئن إخوانكم ويستقرون في ديارهم التي قسمت بينهم وبين أعدائهم اليهود بذنوبنا السابقة، اتفقوا معهم واعلموا أنها فرصة فقط من أجل أن تقووا إخوانكم وتعلموهم وتزودوهم بالطاقات، ثم اليهود سوف ينقضون العهد بأنفسهم، فاغتنموا هذه الفرصة، لا تقولوا: إذا اتفقنا مع اليهود فلا يمكن أبداً أن ننقض العهد ونبقى دائماً مفرطين في أرض الله وبلاده، بل سوف ينقضون العهد، فقووا إخوانكم وكثروا من عددهم بدل أنهم مشردون هنا وهناك في أنحاء العالم، فيصبحون قوة، وسينقض اليهود العهد وتغلبوا، وكان إخواننا يضحكون من هذا ويسخرون: كيف نتفق مع اليهود وكيف وكيف؟! ومضت خمسون سنة والآن رضينا بالقسمة، ويا ليتها القسمة الأولى! والشاهد في هذا: أننا نؤمن بكلام الله، وقد أخبر الله تعالى بأن اليهود ينقضون العهود؛ فلهذا خذ حذرك من عهودهم ومواثيقهم، فإذا كان لك هدف وغرض في العهد فاربطه معهم، لتحقق هدفك، واعلم أنهم سينقضون ذلك، وهذا كلام الله؛ فلهذا قلنا: الخيانة وصف لازم لأكثر اليهود، فقل من سلم منهم من هذا الوصف.أما المسلمون فلا ينقضون العهود أبداً، هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم عقد عقداً مع بني قينقاع، فنقض العهد بنو قينقاع، فماذا فعل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أجلاهم، أبعدهم عن المدينة فقط، ما قتل رجالهم ولا سبى نساءهم، والتحقوا بأذرعات من أرض الشام.وبنو النضير خانوا عهدهم، نقضوا ميثاقهم، فحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم برجاله ثم أجلاهم وأبعدهم، ما قتل منهم رجلاً ولا سبى امرأة ولا طفلاً، وبنو قريظة انضموا إلى المقاتلين والمحاربين لرسول الله، فنقضوا عهدهم ودخلوا في جماعة الأحزاب لقتال الرسول صلى الله عليه وسلم.والشاهد عندنا في هذا الوصف الذي أخبر الله تعالى به عنهم، فلا تثق في اليهود، إن عاهدتهم عهداً أو ميثاقاً فتنبه له فقط، فسينقضونه.[ ثالثاً: استحباب العفو عندة القدرة، وهو من خلال الصالحين ]، يستحب للمؤمن إذا قدر على أن يغلب أو يأخذ يستحب له أن يعفو، لأنه كامل يزداد كمالاً، ويصفح ولا ينتقم، ولا يأخذ بالذنب، يستحب له ذلك ليكون أكمل الناس، وإن أخذ حقه فله ذلك على شرط: ألا يزيد على ما هو حقه، لكن العفو أفضل وخاصة بين المؤمنين وبين المسلمين، العفو حتى مع اليهود، عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مأمور بهذا: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:13]، فكيف بما بينك وبين أخيك المؤمن وقد قدرت على أن تضربه أو تأخذ حقك منه ثم تقول: تركناه لله وعفونا عنك يا أخي علك تتوب؟![ رابعاً: حال النصارى لا تختلف كثيراً عن حال اليهود ]، تجمعهم كلمة: كفار، تجمعهم كلمة: أهل كتاب، تجمعهم كلمة: أعداء الله ورسوله والمؤمنين، لا تختلف كثيراً عن حال اليهود، [ كأنهم شربوا من ماء واحد ]، كأنهم رضعوا من ثدي واحد، ولعل السر -والله أعلم- أن روح اليهود تسري في أجسامهم، وأن تعاليم اليهود ومكرهم ينفخونه في النصارى! ولا يبعد هذا أبداً، كأنهم تلامذتهم وهم لا يشعرون، يربونهم على النكث والنقض والخيانة وما إلى ذلك.قال: [ وعليه فلا يستغرب منهم الشر، ولا يؤمنون على سر، فهم في عداوة الإسلام والحرب عليه متعاونون متواصون ]، فالآن لو يدخل العرب مع اليهود في حرب فالنصارى كلهم إلى جنب اليهود! من أين أخذنا هذا؟ من هداية هاتين الآيتين الكريمتين: فَبِمَا نَقْضِهِمْ [المائدة:13]، وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:14] الآية.
مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة المائدة

تحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل وحفظ الله تعالى للقرآن الكريم
الآن مع هذه الآيات، حيث يقول تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15]. قوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [المائدة:14] من المنادي؟ الله جل جلاله. من هم أهل الكتاب؟ هم اليهود والنصارى، لأن اليهود عندهم التوراة، والنصارى عندهم الإنجيل، والتوراة والإنجيل كتابان أنزلهما الله على رسوليه: موسى وعيسى، لكن الحقيقة أن التوراة ثلثها من كلام الله، وثلثان من كلام أحبارهم وعلمائهم، والإنجيل لا يوجد فيه من كلام الله خمس ولا عشر، الإنجيل في يوم من الأيام حولوه إلى خمسة وثلاثين إنجيلاً، فكم نسبة كلام الله فيه؟ وبعد أن كشفت عورتهم ووقعوا في محنة العار والذم حولوا الإنجيل إلى خمسة أناجيل: لوقا، وبرنابا، ويوحنا، ومتى، ومرقس.أما القرآن كتاب الله فلم يزد فيه حرف واحد، ولم ينقص منه حرف واحد وليست كلمة، وقد ذكرت لكم أن مؤتمرات سرية انعقدت من أجل إسقاط حرفين من القرآن الكريم فما استطاعوا؛ لأن الله عز وجل تعهد بحفظه، فقال عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وإذا تولى الله حفظ شيء فهل يمكن أن يؤخذ؟ مستحيل! ومن آيات ذلك أنه محفوظ في صدور النساء والرجال، فهل سيقتلون أهل القرآن كلهم؟ ما يستطيعون؛ فلهذا أرادوا أن يسقطوا كلمة (قل)، فبدل: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الأعراف:158] (يا أيها الناس)! وبدل: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] (يا أيها الكافرون)! كلمة (قل) هذه حيرتهم، قالوا: ما نستطيع أن نقنع العقلاء بأن القرآن كلام محمد لا كلام الله، وإنما محمد عربي صقلته حرارة الصحراء فخاض في هذه المعارض بذكائه، فما دمنا نجد (قل) فإنه لا يمكن أن يقول متكلم لنفسه: قل، إذاً: لا بد أن هناك من يقول له: قل ويعلمه، فإذا استطعنا أن نحذف كلمة (قل) في يوم من الأيام فسنقنعهم بأن هذا ليس كلام الله، هذا كلام محمد صلى الله عليه وسلم.

يتبع

ابو معاذ المسلم 30-05-2021 04:30 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
كشف ما أخفاه أهل الكتاب من الحق مقصد من مقاصد البعثة النبوية
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا [المائدة:14] من رسول الله هذا؟ هل هناك مؤمن يشك في هذا؟ من رسول الله؟ لا زكريا ولا عيسى ولا يحيى، قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا [المائدة:14] محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العدناني من ذرية إسماعيل، وقد قلت لكم: هذه الإضافة إضافة تشريف، الله أضافه لنفسه، ولولا كماله وعلو منزلته وسمو مقامه لما أضيف إلى الله، فالله الذي خلقه ورباه وهو الذي علمه وأرسله رسولاً إلى الأبيض والأسود وإلى الإنس والجن. قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا [المائدة:14]، والله إنه لمحمد يا أهل القرآن! يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة:15]، وأحلف بالله! لقد أخفى علماء اليهود وأحبارهم من كلام الله الشيء الكثير، حتى لا يقول قائل: وكيف نعوت وصفات النبي صلى الله عليه وسلم الناطقة بنبوته، والمحددة زمانه ومكانه ورسالته؟ كل ذلك والله بدلوه وحرفوه، أخفوه إخفاء كاملاً، وأهل الإنجيل كذلك، القسس والرهبان حرفوا صفات النبي ونعوته التي نطق بها عيسى، ونزل بها كتاب الله الإنجيل، حرفوها وبدلوها وأخفوها، فالله تعالى يقول: قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة:15]، فبين ما هو ضروري للبيان، كنعوت الرسول، ومن ذلك أنه يخرج من بين جبال فاران، هكذا في الإنجيل والتوراة يخرج النبي الخاتم، وحرفوا وبدلوا كما فعل علماؤنا نحن أيضاً من رجالات الباطل والتصوف، حرفوا كلام الله، وبدلوا وغيروا، هذا شأن البشر إذا ضعفوا وانهزموا أمام الشيطان والدنيا والشهوات والأهواء.قال: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة:15] ما يذكره ولا يبينه، لكن بين أيضاً ما أخفوه، وهو نعوت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله إلى البشرية جمعاء، وأن الإيمان به واجب، وأن اتباعه يهدي إلى السلام، وإلى السعادة في الدنيا والآخرة، وأن الكفر به من أعظم أنواع الكفر وما إلى ذلك.
الرسول والقرآن نور وصراط موصل إلى الجنة
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15] النور محمد صلى الله عليه وسلم، فالذي يتبعه ويمشي وراءه هل يقع في المهالك؟ ما يقع، الذي يمشي وراءه هل تزل قدمه؟ هل يخطئ في عقله وفهمه؟ كلا؛ لأن النور أمامه، إذاً: والإسلام نور، من دخل في الإسلام أصبح يبصر ويفهم ويعي وينجو من المهالك والمعاطب ولا يخسر دنياه ولا آخرته. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [المائدة:16] فمن يطلب ويبحث عن رضا الله يهده الله سبل السلام، ويخرجه من الظلمات إلى النور، ومن لم يرغب في رضا فلا يبالي أسخط الله أم رضي، أحب أم كره؛ فلن يفوز، لكن وعد الصدق يَهْدِي بِهِ اللَّهُ [المائدة:16] أي: بالإسلام والكتاب، بالقرآن، بالنبي صلى الله عليه وسلم، من اتبع رضوان فالله عز وجل يهديه سبل السلام، ويخرجه من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديه إلى صراط مستقيم ليقرع باب الجنة.
تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم...)
ثم قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17]، (لقد كفر) أي: وعزة الله وجلاله لق كفر. لأن هذه اللام في موضع القسم: وعزتنا وجلالنا لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17]، وهل يوجد إنسان يقول: الله هو المسيح؟ إي والله، فالنصارى تفرقوا وانقسموا ولكنهم في الجملة معترفون بهذا الخطأ، ويقولون: عيسى هو الله، منهم من يقول: عيسى حل الله فيه فكان الله، ومنهم من يقول: عيسى ابن الله، فالإله -إذاً- مكون من الله ومريم وعيسى، هذا هو التثليث، المهم أنه عبث بهم الشيطان وسخر منهم واستهزأ بهم، حتى أصبح هذا القول لا يقوله ذو عقل، فالله رب السماوات والأرض ورب العالمين يحل في عيسى؟! كيف هذا؟ كيف يتحد مع عيسى؟ عيسى عبد الله ورسوله يصبح ابناً لله؟! قد يقولون: نحن نقول بالبنوة والأبوة من باب التشريف والتعظيم! والله لقد كذبوا، ولو أرادوا ذلك كفروا، فهل لو رأيت الآن رجلاً صالحاً منكم أقول: هذا ابن الله لأنه صالح؟ من قال ذلك يكفر لأنه كذب على الله عز وجل، نرى شجاعاً بطلاً فنقول: هذا أبوه الله، من باب التكريم والتشريف، هل يصح هذا؟ لا يصح، وهم ينطقون ويصرحون بأن عيسى ابن الله، فأي كفر أعظم من هذا؟! وإنما أكفرهم الشياطين وأصحاب المناصب وأصحاب الكراسي كما يقولون؛ ليعيشوا هكذا سادة على أقوامهم الهابطين الساقطين، وتفطن الكثيرون، بل مئات الملايين في العصور الأخيرة، وقالوا: ما عيسى إلا عبد الله ورسوله، ولكن منعتهم الشياطين والأهواء والدنيا أن يدخلوا في رحمة الله، ويدخلوا في الإسلام، وإلا فإنه يوجد كثير من الفلاسفة والحكماء ما يعترفون بأن عيسى ابن الله أبداً، ولا أنه ثاني اثنين ولا ثالث ثلاثة، لكن محجوبون بسبب شهواتهم وأهوائهم، ما يستطيع هذا الفيلسوف أن يغتسل في الليلة الباردة ويصلي بالليل والناس نيام، ما يستطيع هذا العالم أن يتخلى عن شرب الخمر وأكل الخنزير، ما يستطيع أبداً أن يحجب وجه امرأته، فعرفوا الإسلام فخافوا من تعاليمه، فوقفوا بعيدين مع علمهم بصحة الإسلام، وذلك فضل الله يدخل فيه من يشاء، ويعطيه من يشاء. ‏
معنى قوله تعالى: (قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ...)
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ [المائدة:17] لهم يا رسولنا: إن كان الأمر كما تقولون فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [المائدة:17] ؟ هل أمريكا؟ أما أهلك أمه؟ أين مريم؟ أما أماتها؟ لقد ماتت، فهو تعالى يكلمهم ويخاطبهم بما هو أقرب إلى فهوم البشر عرباً وعجماً بكل بساطة: إن كان الأمر كما تقولون: إن عيسى هو الله وابن الله، فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك عيسى ابن مريم وأمه؟ هل هناك من يستطيع أن يمنعه؟ عيسى رفعه وسوف يميته ويهلكه، فمن يمنع عيسى من الله؟ وأمه ماتت أم لا؟ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [المائدة:17] في كل مائة قرن ملايين البشر تموت، فأين عيسى؟ وأين أمه؟ وأين الإله الموهوم؟ فهذه حجج منطقية ومع ذلك يصرون على الباطل: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [المائدة:17]. والمسيح لقب لعيسى عليه السلام؛ لأنه ممسوح القدمين؛ ولأنه إذا مسح على المريض يشفيه الله عز وجل، يقال: مسيح، أما المسيح الدجال فلأن عينه ممسوحة، وهذا سيأتي، والله أسأل ألا نراه، وعما قريب يظهر.وعيسى عليه السلام كان بكلمة التكوين: (كن)، قال تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40].إذاً: فالله عز وجل أراد أن يأتي بهذه الآية، فقال لعيسى: كن فكان في بطن مريم، ساعة وإذا بالطلق يلجئها إلى النخلة وتلد عيسى وينطق بعدما سقط من بطنها، وقال: إني عبد الله. وقد خلق الله تعالى آدم من غير أم ولا أب، فآدم أبو البشر خلقه الله من طين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، فكان بشراً اسمه آدم، وحواء زوجه من أمها؟ لا أم لها، بل أخرجها الله من ضلع آدم الأيسر، قال لها: كوني فكانت، فخلق تعالى بشراً بدون أب ولا أم، وخلق بأب وبدون أم، وخلق عيسى بأم بدون أب، هذه أنواع الخلق: مخلوق بلا أم ولا أب، ومخلوق بأب بدون أم، ومخلوق بأم بدون أب، ومخلوق بأم وأب، ما هناك صورة أخرى.
بيان غنى الله تعالى عن خلقه واختصاصه بملك السموات والأرض وما بينهما
واسمع ما يقوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:17]، إذا تعلقت إرادته بشي ليكون فوالله لن يتخلف، سواء كان عظيماً عظمة السماء أو الكواكب أو دون ذلك، إذا أراد شيئاً فإنه يكون مهما ما كان، لأنه تعالى على إيجاد وتقدير كل شيء قدير، أعظم من (قادر).إذاً: الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما ويخلق ما يشاء هل يحتاج إلى ابن؟! يا مجانين! أيحتاج إلى ابن؟ أيحتاج إلى زوجة؟ نعوذ بالله، قالت الجن في صراحة: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا [الجن:3] والصاحبة هي الزوجة؛ لأنها تصحب زوجها، وإلى الآن النصارى يعتقدون أن عيسى ابن الله، كيف عيسى ابن الله؟ قالوا: الله تزوج مريم؟ أعوذ بالله! هل الذي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255] يتزوج مخلوقة من مخلوقاته؟ كيف يفهم هذا الكلام ويفسر؟ فلا إله إلا الله!
تفسير قوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه...)
ثم قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى [المائدة:18] قضية أخرى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18]، كان الصحابة يجادلون اليهود والنصارى يبينون لهم الطريق، يخوفونهم من عذاب الله ونقمته: ادخلوا في رحمة الله، أسلموا تنجوا، ما لكم طاقة على أن تعيشوا في عالم الشقاء، فيقولون: لا، نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا! كما يفعل عوام المسلمين والفساق والفجار، يقال لهم: اتقوا الله، اتركوا الزنا، اتركوا الربا، اتركوا الكذب، استقيموا، فيقولون: لا، نحن مسلمون، الجنة لنا ليست لغيرنا! فهؤلاء قالوا: نحن أبناؤه وأحبابه، فكيف يعذب الأب ابنه؟ وهل يعذب الحبيب حبيبه؟ فبماذا رد عليهم رسول الله وأصحابه؟ ماذا قال تعالى لهم؟ قال الله لرسوله ولكم أيضاً: قُلْ [المائدة:18] لهم: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [المائدة:18]؟ أليس فيكم من يمرض؟ أليس فيكم من يقتل؟ أليس فيكم من يصاب بكذا؟ والله لا يعذب أولياءه وأحباءه، فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [المائدة:18] ؟ أما مسخ منكم إلى القردة والخنازير؟ أيمسخ الله أبناءه وأحباءه قردة وخنازير؟ لو كنتم أبناء وأحباء كما تقولون فلن يعذبكم أبداً، وهل المحب يعذب حبيبه؟ هل الأب يعذب ابنه؟ مستحيل هذا، فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [المائدة:18]؟ والحقيقة: بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:18] ما أنتم فوق ولا تحت، أنتم مع البشرية، أبوكم آدم وأمكم حواء. بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:18] وهو تعالى يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:18] يعذب من يشاء عذابه وتعذيبه، ذاك الذي يدعوه إليه فيعرض عنه ويدبر ولم يطعه، ذاك الذي يشاء الله عذابه.ويغفر لمن يشاء، وذاك هو الذي استجاب لنداء الله وطلب المغفرة من الله، لا تفهم هذا الإطلاق: أن الله يعذب الكفار والمؤمنين، أو يغفر للكفار والمؤمنين سواء، فمشيئته تعالى قائمة على أساس العدل والرحمة الإلهية. وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:18] ذاك الذي دعاه وبعث إليه رسوله، فكفر وكذب واستنكف، ذاك الذي يشاء الله تعذيبه، ويغفر لمن استجاب لندائه وآمن به وبرسوله وأطاعه.قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [المائدة:18]، قطع أعناقهم، قطع ألسنتهم، لله ملك ما في السماوات والأرض وما بينهما، الكل ملك الله، إذ هو خالقه ومدبره، والمصير والعودة إليه الإنس كالجن كغيرهم، الكل يصيرون إلى الله تعالى، أبعد هذا يحتاج إلى ولد أو زوجة؟
تفسير قوله تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل...)
ثم قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا [المائدة:19] مرحباً به أهلاً وسهلاً، نحن قلنا هذا، وهم قالوا: لا، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ [المائدة:19] يبين لهم ماذا؟ الطريق، طريق السلامة طريق النجاة، طريق السعادة، طريق الكمال البشري، إي والله. عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ [المائدة:19] انقطاع الوحي لفترة من الزمن وهي خمسمائة وسبعون سنة، هذا القول الراجح، فعيسى عليه السلام رفع، وما بعث الله بعده من رسول، وأما الذين ذكروا في سورة (يس) فمن أتباع عيسى وتلامذته، وأما خالد بن سنان الذي يعبد في المغرب والجزائر فقد قالوا: ابن خالة الرسول صلى الله عليه وسلم! وهذه خرافة وكذبة، فمن رفع عيسى عليه السلام انقطع الوحي، حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، والفترة هي خمسمائة وسبعون سنة أو وتسع وستون سنة. قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ [المائدة:19] حتى لا تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، حتى لا تحتجوا علينا وتقولوا: كيف تعذبنا وما أرسلت إلينا من رسول يبشر ولا ينذر؟ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ [المائدة:19]وهو محمد صلى الله عليه وسلم، بشير يبشر من؟ هل يبشر الفساق والفجار والظلمة والمشركين؟ ونذير لمن؟ هل للمؤمنين الربانيين الصالحين؟ لا، يبشر أهل الإيمان والتقوى، وينذر أهل الشرك والمعاصي، والله أسأل أن يجعلنا من أهل التبشير، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:19].وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

ابو معاذ المسلم 05-06-2021 05:04 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة المائدة - (6)
الحلقة (316)

تفسير سورة المائدة (14)


تاريخ بني إسرائيل حافل بالكفر والصدود، ومخالفة أنبيائهم وعصيانهم لأوامرهم، ومن ذلك أن موسى ذكرهم بفضل الله عليهم بإرسال الرسل إليهم وجعلهم ملوكاً، ثم أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، فأخذوا يجادلونه ويتعللون بعدم قدرتهم على قتال من فيها من الجبارين، ولما أن أخبرهم بأن الله ناصرهم ومؤيدهم، زاد نفورهم وإعراضهم وأخبروا نبي الله أن يذهب ليقاتل وحده مع ربه، فحرمها الله عليهم، وضرب عليهم التيه أربعين سنة جزاء عنادهم وعتوهم.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم، قال: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم حقق لنا هذا الأمل يا ولي المؤمنين ويا متولي الصالحين. ما زلنا مع سورة المائدة المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات المباركات:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:20-26].
فوائد ذكر قصة موسى عليه السلام مع قومه من بني إسرائيل
معاشر المستمعين والمستمعات! هذه الحادثة ثبتت وصحت، أثبتها الله عز وجل وصححها، أنزل بها كتابه ووضعها بين يدي رسوله والمؤمنين تتلى إلى يوم القيامة، وفوائدها:أولاً: والله إن هذا القرآن لكلام الله وتنزيله؛ إذ لا يقدر على هذا إلا هو.ثانياً: والله إن من نزل عليه هذا الكلام لن يكون إلا رسول الله، فهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.ثالثاً: التسلية والتعزية لما يعانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عجرفة اليهود وصلفهم ومكرهم وخداعهم.رابعاً: ليعرف المؤمنون أنهم يواجهون قوماً بهتاً أهل مكر وأهل هبوط وسقوط، ليعرفوا كيف يسوسونهم أو يعيشون معهم.وأعظم من هذا: ازدياد طاقة الإيمان في قلوب المؤمنين، ليواصلوا مسيرتهم إلى دار السلام أصفياء أطهاراً، لا إثم ولا ذنب ولا غش ولا خداع، ولا كفر ولا شرك ولا باطل.هذه ثمرة القصص، قال تعالى: لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان:32] القصص يقصه من أنباء الرسل على رسولنا لأجل فوائد عظيمة، لكن من أبرزها تثبيت القلوب على الإيمان والصبر على طاعة الرحمن عز وجل.
ذكر سبب تسمية موسى عليه السلام
فهيا بنا نقضي هذه الدقائق مع بني إسرائيل. قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى أي: اذكر يا رسولنا، واذكروا أيها المؤمنون لتستفيدوا ولتنتفعوا بما تسمعون وتقرءون وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ [المائدة:20] هذا موسى بن عمران عليه السلام، أبوه اسمه عمران. وقد عرفتم موشي ديان عليه لعائن الرحمن، هو الذي حطمنا وغزانا في فلسطين، فموشى مركب من الماء والشجر، الماء (مو)، و(شا) الشجر، سبحان الله! لأن موسى عليه السلام أوحى الله إلى أمه إذا هي وضعته أن تضعه في صندوق من خشب يسمى بالتابوت وتلقيه في النيل؛ لأن رجال فرعون كانوا يتتبعون كل امرأة من بني إسرائيل تلد، فإن كانت ولدت أنثى تركوها، وإن ولدت ذكراً قتلوه، لماذا؟ لأن رجال السياسة العميان قالوا لـفرعون : هؤلاء لهم أصل ولهم شرف ومجد قديم، فسوف يطالبون في يوم من الأيام بالحكم، وهم الذين يسقط عرشك على أيديهم، فماذا نصنع؟ قال: اذبحوا الأطفال وأبقوا النساء، فالنساء الإسرائيليات خادمات يعملن، والذكور يذبحون كذا سنة، ثم قال رجال الاقتصاد أيضاً: الآن اليد العاملة تنقطع، إذا ذبحنا أولاد بني إسرائيل فمن سيخدم؟ من يحرث؟ من يزرع؟ فماذا تصنعون؟ قال كبراؤهم: نبقي على الذكور سنة بعد سنة، فعاماً نذبح الأولاد وعاماً نتركهم انتفاعاً بهم، فالعام الذي كان عام العفو ولد فيه هارون شقيق موسى، والعام الذي فيه الإعدام والذبح ولد موسى، فأوحى الله إلى أم موسى: أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، قالت العلماء: أية بلاغة تسموا إلى هذا المستوى؟ بشرى أولاً بضمانة أن يجعله من الأنبياء والمرسلين في كلمة واحدة في جملة إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، إذاً قوله: (أرضعيه) يريد أن ترضعه اللبأ، واللبأ اللبن الأول الذي يتجمع في الثدي عند الولادة، وهذا اللبأ يلزمها إرضاعه، فلو أنها مطلقة وقالت: لا أرضعه، أو أبوه عدوي؛ فإنه يلزمها القضاء بأن ترضعه رغم أنفها الرضعات الأولى رضعات اللبأ، فإذا أرضعته ذاك اللبأ الذي يتجمد فحينئذ لها ألا ترضعه، أما هذا فإلزاماً، بدليل الآية: أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص:7] أي: في البحر أو النهر أو الماء، وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7].فعبثت به الأمواج أمواج الماء، فعثر عليه بعض خادمات القصر تحت الماء والشجر؛ لأن النيل على طرفيه الأشجار لا سيما في ذلك الزمن، فقيل فيه إذاً: موشي: ماء وشا، وجد بين الماء والشجر فسمي موشى.
فضل موسى عليه السلام بتكليمه ربه بغير واسطة
هذا موسى الكليم فاز بأن كلمه الله كفاحاً وجهاً لوجه بلا واسطة، وفي الأرض لا في السماء، فسمي وعرف بالكليم، قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] دفعاً لما يقال من أنه مجاز أو غير ذلك، وقال: يا رب! أكلامك أسمع أم كلام رسول؟ قال: بل كلامي يا موسى، ومن ثم تاقت نفسه لأن يرى الله عز وجل، فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143] أنت أعجز من أن تراني، ما تستطيع، ما عندك القدرة في مقلتيك على أن تراني، الملائكة لا تراه، فكيف تستطيع أن ترى الذي هو نور السماوات والأرض؟ ولكن الله رحمة بموسى وشفقة عليه وتحقيقاً لطلبه ورغبته قال: يا موسى! انظر إلى الجبل أمامك، فإن استقر في مكانه وثبت بعد أن أتجلى له فإنك تقوى على رؤيتي، وتجلى الله للجبل وظهر له، فتفتت الجبل وأصبح غباراً، ما إن رأى موسى الجبل وقد تفتت حتى أغمي عليه وصعق.ولا ننسى أن المصطفى النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم كلمه ربه أيضاً كفاحاً وبلا واسطة ولكن في الملكوت الأعلى، حتى إن جبريل الرائد لما أراد الله أن يتكلم مع محمد صلى الله عليه وسلم وقف جبريل، قال الرسول: معنا يا جبريل! قال: ما منا إلا له مقام معلوم، تقدم وحدك أنت، فمشى حتى انتهى إلى موطن موضع سمع فيه صريف الأقلام، وكلمه الله عز وجل كفاحاً، وفرض عليه الصلوات الخمس، وتردد عليه خمس مرات.
تذكير موسى عليه السلام قومه بنعم الله تعالى عليهم
قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ [المائدة:20] قومه بنو إسرائيل، أولاد إسحاق بن يعقوب بن إبراهيم عليهم السلام؛ إذ كانوا يعيشون في الديار المصرية، وسبب ذلك معروف عندنا في التاريخ، وهو أن يعقوب عليه السلام انتقل إلى مصر، وهو إسرائيل، ومعنى إسرائيل: عبد الله أو عبد الرحمن، عبد منسوب إلى الله عز وجل، كما عندنا: عبد الله أو عبد الرحمن، فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، ونزل في هذه الحادثة قرآن يقرأ في سورة يوسف عليه السلام، وكان من نتاج ذلك أن انتقل بنو إسرائيل إلى الديار المصرية، من أرض فلسطين أرض القدس إلى الديار المصرية، وتعرفون كيف ملك يوسف تلك البلاد وهو نبي الله ورسوله، ثم خرج الملك من يد أولاد يوسف وبني إسرائيل، وحكم فرعون والفراعنة.إذاً: فموسى قومه هم أولاد إسرائيل الذين تجمعوا في مصر وبلغ عددهم يوم خروجهم من مصر إلى أرض القدس ستمائة ألف، وهذا العدد في ذلك الزمان عدد كبير جداً.فموسى عليه السلام لما نصره الله على فرعون وغرق فرعون وجنده، وخرج موسى مع بني إسرائيل وكانوا قرابة مائة ألف متجهين إلى الشرق إلى أرض القدس، هنا وصلوا قريباً من أرض القدس، اجتازوا سيناء، فقال موسى لقومه يذكرهم بنعمة الله عليهم: يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:20] حتى تشكروا، وهذه الكلمة نكررها ونقول: يا أبناءنا، يا نساء المؤمنات! الذي ما يذكر النعمة بقلبه ولا بلسانه لا يمكنه أن يشكرها، أحببنا أم كرهنا، إذا لم تذكر يا عبد الله نعمة الله عليك فإنك لا تشكرها، فواجبنا أن نذكر نعم الله علينا التي في أجسادنا وفي أبنائنا وفي وجودنا، والله عز وجل علمنا في خطابه لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله عليكم.. يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله عليكم.. في آيات عديدة، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11] في آيات كثيرة، والذين لا يشكرون الله هم الذين لا يذكرن نعمه.هل أدركتم هذه الحقيقة؟ الذي لا يذكر نعمة الله عليه والله لا يشكر، فكر في الطعام الذي بين يديك تأكله، من خلقه؟ ومن أوجده؟ تقول: الله، فقل: الحمد لله.. الحمد لله. من أقامك؟ وكيف استطعت أن تقوم، وكيف تمشي؟ من أقدرك على هذا؟ الله. إذاً: الحمد لله. وهكذا في كل جزئيات الحياة من ذكر شكر ومن نسي وترك كفر.ها هو موسى عليه السلام يقول: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:20] إذ كنتم مستعمرين مستعبدين مستغلين مستخدمين، فأنجاكم وسودكم وحرركم، وهذه الآن تقال للمسلمين: أيها المسلمون من إندونيسيا إلى موريتانيا! اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم مستعمرين لبريطانيا وهولندا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا، مستذلين مستضعفين مهانين مؤخرين، فمن أنقذكم؟ الله. اذكروا هذا تشكروه بألسنتكم وقلوبكم بطاعتكم له واتباعكم لهديه. هل المسلمون يذكرون هذا؟ هل خطب خطيب من الرؤساء والمسئولين وقال: هيا نذكر نعمة الله علينا؛ منذ كذا سنة كنا مستعبدين مستغلين مستعمرين، والآن حررنا الله وأنقذنا، فهيا نعبد الله عز وجل ونشكره؟

يتبع



ابو معاذ المسلم 05-06-2021 05:05 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
معنى قوله تعالى: (إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين)
ثم بين جزءاً من هذه النعمة فقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ [المائدة:20] البابليون والآخرون في الشرق والغرب محرومون من النبوة والأنبياء، وأنتم فيكم أنبياء، يكاد أن يكون في كل بيت نبي، أنبياء عديدون، بلغنا أنهم كانوا يقتلون سبعين نبياً في يوم واحد، إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا [المائدة:20] هل كل واحد ملك؟ ما هو بمعقول هذا، الملك واحد، والأمة التي يملكها أمة؛ إذاً: ليس معناه أنه جعل كل واحد ملكاً، هذا لا يقال ولا يقبل، والله ما أراده الله، وإنما جعلكم ملوكاً أي: جعل منكم وفيكم الملوك.وتعرفون مملكة سليمان كانت من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وقبل سليمان والده داود ملك، وقبل داود غيره ملك، جعل تعالى في بني إسرائيل ملوكاً، فموسى عليه السلام يذكرهم بذلك وبما يأتي بعد ذلك من نعم الله عليهم.والكلمة المأثورة عن الصحابة والسلف الصالح هي: أن من ملك داراً يسكنها، وزوجة يسكن إليها، وخادماً يساعده على أمور دنياه فهو ملك. إذاً: فجلنا ملوك، فهيا نشكر الله تعالى، على الأقل نقول: الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله. وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ [المائدة:20] وأعطاكم مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20]، المراد من العالمين عالمو زمنهم، تلك الفترة التي كان فيها البابليون والأقباط، فكانوا هم أشرف الناس على الإطلاق بما آتاهم من الملك والعلم والنبوة وما إلى ذلك، وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20] لأنهم أنبياء أحفاد الأنبياء وأولاد المرسلين، هؤلاء كلهم أولاد إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.ذكرهم موسى بنعمة الله عليهم من أجل أن يطيعوا الله ورسوله، أن يستقيموا على منهج الله، أن ترتفع معنوياتهم، أن تذهب الخرافات من أذهانهم، أن تذهب الشهوات والتكالب عليها في دنياهم، يقول: أنتم على مستوى رفيع وأمة ممتازة مختارة في العالم، لستم كغيركم.وهذا -والله- صادق فينا لو كنا مستقيمين، وقد عرفنا من قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم أنا لو أخذنا مسلماً ووضعناه في كفة ميزان، وأتينا باليابان والأمريكان وأوروبا الشرق والغرب وكل الكافرين ووضعناهم في كفة والله لرجحت كفة هذا المؤمن، فهل قيمتنا لبياض وجوهنا، لطول أجسامنا، لكثرة صنائعنا؟ لا، فقط لإيماننا بالله ولقائه، لمعرفتنا بربنا وحبنا له ورغبتنا فيما عنده، وسعينا المتواصل للحصول على رضاه وجواره الكريم، ولكن غفلنا وغفّلونا، ونسينا وأنسونا، وأبعدونا وأعرضوا بنا بعيداً عن هذه الحقائق.
الاستقامة على أمر الله تعالى طريق الأفضلية على العالمين
يقول تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20] أي: عالمي زمانهم، كانوا أفضل الشعوب والأمم، والآن والله لو استقمنا على الإسلام لكنا أفضل العالمين ولا فخر، ولآتانا الله ما لم يؤت أحداً من العالمين، لكن إعراضنا وإبعادهم لنا عن معين الهداية والكمال -وهو الإسلام- كاد يسوينا بهم، ولكن لا بأس أن نذكر إخواننا السعوديين بالذات، ماذا تقولون عنهم؟ والله لقد آتانا الله ما لم يؤت أحداً من العالمين: الأمن، والطهر، والصفاء، والشريعة الإسلامية والاعتزاز بها، والمآذن مملوءة بذكر الله والدعوة إلى الله، وإخواننا في العالم محرومون من هذا كله.فهيا نذكر لنشكر، والحال أننا ما نذكر ولا نشكر، هذا لسان الحال، هل رأيتمونا ذاكرين لهذه النعم؟ أبداً، قل من يذكرها.وقد علمنا أن الله عز وجل أنه إذا أنعم على عبد بنعمة ولم يشكره سلبها، سنة لا تتبدل: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:20]، وفي ذلك قول الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [إبراهيم:7] تأذن كالمؤذن على المنارة، أعلن رسمياً لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].قال العقلاء: اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، لا عذاب أشد من هذا، كان بالأمس يمشي على الأرض بعينيه يبصر النملة وما فوقها، وإذا به يفقد بصره في ساعة واحدة، فكيف حاله؟ سلبت النعمة، كان بالأمس آمناً مستقراً هادئ البال يبيت على فراشه ولا يخاف إلا الله، فأصبح يفزع ويطارد في كل مكان، أية حالة أسوأ من هذه الحالة؟ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].فهيا نشكر الله أولاً بقلوبنا فنعترف بنعم الله علينا، ثانياً: بألسنتنا لا نفتر، نذكر: الحمد لله إنا في خير، الحمد لله إنا في عافية، الحمد لله إننا تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.ثالثاً: ألا نجاهر بمعصية تغضب ربنا عز وجل، ولا نسمح لابن ولا لأب ولا لزوجة ولا لواحد أن يجاهر بمعصيته في أرض الطهر ودار الصفاء، فهل بلغنا؟ بلغوا، أعينونا. من أراد أن يعصي الله يا أبنائي فليخرج من هذه الديار، ما يعصي الله في ديار الإيمان والطهر تحت راية لا إله إلا الله، من أراد أن يعيش على الخرافة والضلالة وعبادة الأوثان فليرحل، ولينزل بديار أخرى تقبل ذلك منه، من أراد أن يشرب الحشيش ويروج الباطل فليرحل، من أراد أن يستبيح الزنا والربا فليخرج من ديار الإيمان وليفعل ذلك حيث شاء، حتى لا تسلب نعمة الله.
تذكير السعوديين بنعمة التوحيد
اذكروا نعمة الله عليكم يا معشر السعوديين، هذه الراية ما رفرفت في أرض ولا تحت سماء إلا في دياركم، أليس كذلك؟ تحمل: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما معنى هذا يا عبد العزيز تغمدك الله برحمته؟ قال: رفعنا هذه الراية وكتبنا فيها هذه الكلمة، هذه الأرض التي تظللها هذه الراية لا يعبد فيها إلا الله، فهدم القباب والقبور وقطع الأشجار والأوثان، وطهر هذه الأرض؛ إذ لا يعبد فيها إلا الله.و(محمد رسول الله) إلى ماذا ترمز؟ أنه لا يتابع ولا يقلد ولا يمشى وراء أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا مذهبية ولا طائفية ولا قبلية، محمد فقط هو الذي يمشى وراءه ويتابع.عرف العدو هذا وهو يعمل ليلاً ونهاراً على إسقاط هذه الراية، وويل للذين يمدون أعناقهم ويساعدونه على فتنته وضلاله ومحنته، ويل لهم، أولئك العصاة المذنبون المنغمسون في الجرائم والموبقات، مستورون عن أعين الناس وهم يعملون لصالح الشيطان وأعوانه.ونحن الذين لسنا بالسعوديين نعيش في الهند والسند وأسبانيا وإيطاليا أليست علينا مسئولية؟ أليست هذه ديار الله؟ أليس هذا حرم رسول الله وتلك بلد الله، وهذه راية لا إله إلا الله؟ هل يجوز لنا أن ننقد ونطعن ونسب ونشتم ونساعد أعداء الإسلام على تمزيق هذه الراية؟بعض الغافلين يقول: كيف هذا؟ فنقول: لا يجوز لك يا ابن الإسلام أن تقول في أي مؤمن أو مؤمنة كلمة سوء: يا زاني، أو يا فاجر أو يا لائط.. والله ما يجوز، وإن أردت أن تنصح ففي خلوة، أما أن تسب وتشتم وتقول: يجوز؛ فهذا والله ما يجوز، كيف يجوز في بلد راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، والعدو يعمل على تمزيقها وإسقاطها، ومع الأسف شاهدنا وعايشنا وعرفنا وسمعنا بهذه النعم، ليس هناك من يحمد الله على هذه البقية أو يشكر أبداً، الكل يريد أن تزول، وهم لا يشعرون أين يذهبون، أهكذا تشكر النعم؟ قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ [المائدة:20] يذكرهم كما نذكر نحن، اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20].
تفسير قوله تعالى: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ...)
ثم قال لهم: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [المائدة:21]، هم خرجوا من مصر من طريق البحر الأحمر ومشوا في سيناء، والآن هم في طريقهم إلى القدس حيث كادوا يصلون إليها، ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [المائدة:21]، الأرض المقدسة هي أرض القدس من الفرات إلى البحر الأبيض إلى سيناء، هذه المنطقة، ومعنى (مقدسة) مطهرة، أرض قدس: أرض طهر، يجب أن يدوم فيها الطهر ولا يكون فيها الخبث؛ لأنها أرض أنزل الله فيها إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأنبياء والمرسلين، ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21]، كتب لهم أن يعيشوا فيها وأن يعبدوا الله عز وجل عليها، واختارهم لذلك اختياراً ربانياً.وكانت تلك الأرض حينئذ يحكمها العمالقة الكنعانيون من أولاد كنعان ، جبابرة مشركون، هم الذين يملكون أرض القدس من حماة إلى نهر الأردن إلى سيناء، في هذا الظرف خاصة كان موسى يخاطبهم؛ إذ خرج ببني إسرائيل من مصر إلى أرض القدس، أرض آبائهم وأجدادهم.فقال: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [المائدة:21] لا تنهزموا، لا ترجعوا إلى الوراء مهزومين، الثبات وجهاً لوجه مع العدو إلى أن تنتصروا.هذا هو القائد الأعظم، فماذا قال لأمته وجيشه؟ ما كانت جيوشاً نظامية، بل كلهم جيش واحد في أيديهم الرماح أو السيوف، قال لهم: وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا [المائدة:21] ترجعون خَاسِرِينَ [المائدة:21] لأنفسكم ولدولتكم ولكل ما عندكم.
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ...)
فأجابوه قائلين: يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ [المائدة:23] الجبارون جمع جبار: الذي يجبر الناس على فعله وما يريده، إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [المائدة:22] مجانين هؤلاء فهل سييخرجون بالسحر؟! بمعنى: ادع الله أن يخرجهم وإذا أخرجهم سندخل! فاليهود أحياناً يهبطون هبوطاً عجباً، قالوا: لن ندخلها ما داموا فيها حتى يخرجوا منها، وهو يقول لهم: ادخلوها بسلاحكم بقوتكم طرداً لهؤلاء المعتدين الظلمة على أرض القدس، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [المائدة:22] أهكذا يقال للقائد؟ هل قيل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم؟ في أية غزوة أو معركة أو سرية؟ هذا ابتلاء وامتحان، لو شاء الله لما خلقهم أو لأماتهم في لحظة.
تفسير قوله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب...)
قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، قال رجلان من الذين يخافون الله عز وجل وعقابه ونقمه وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ، هؤلاء من النقباء الاثني عشر، وقد تقدم لنا قول الله عز وجل: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ [المائدة:12] الآيات.فموسى عليه السلام لحكمته وسعة علمه -وكيف لا وهو يتلقى المعرفة عن الله- اختار من قبائل اليهود اثني عشر رجلاً من أفضلهم، وقال: ادخلوا بأية طريقة: تبيعون التمر، تشترون الماء، تعملون كذا، وأطلعونا على أسرار تلك الدولة وعن قواتها ومدى موقفها منا في القتال، وهذا لا بد منه، فأولئك الاثنا عشر رجلاً انهزم منهم عشرة، شاهدوا ما أرعبهم وخوفهم وهزمهم، فجاءوا يهرفون بما لا يعرفون، وقالوا: ما نستطيع قتال هؤلاء أبداً، وقد ذكر القرطبي قصصاً في هذا، حتى إن منهم من قال: إنه قد أخذني عملاق ووضعني في جيبه، وأتى بي إلى بيته ووضعني بين أطفاله يلعبون بي! وذكرنا في التفسير أن هتلر فعل هذا الفعل في الحرب العالمية الثانية، هتلر نفخ هذه الروح في أوروبا فانهزمت، واحتل في خمسة عشر يوماً منطقة كاملة، أدخل فرنسا تحت قدمه، حتى كان يقال: إذا وجدت سيجارة في الشارع فانتبه أن تنفجر فيك! فهول الدنيا لتخويف الناس، فانهزمت الجيوش بهذه الطريقة، والله العظيم! أصاب الرعب أوروبا واحتل مناطق كثيرة في نصف شهر بهذه الروح: التهويل.والشاهد عندنا أن هؤلاء العشرة هم الذين بددوا طاقة بني إسرائيل وهزموهم معنوياً، فقالوا: لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، لأنهم أعلموهم أن وصفهم كذا وكذا وكذا، ومن تكلم بكلمة تصعق أنت عنده، فقالوا: كيف نقاتلهم يا موسى؟ ما نستطيع، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. إلى هذا الحد! قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا [المائدة:23] ما هلكوا كالعشرة الآخرين، ما هبطوا، بقي إيمانهم ونورهم وفهمهم ووعيهم، فماذا قالا هذان الرجلان؟ قالا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ [المائدة:23] باب القدس، والباب اسم جنس لأبواب المدينة، إذا دخلتم مفاجئين لهم الباب هزمتموهم، هذه هي المباغتة التي هي إلى الآن أنفع ما تكون في الحرب، وهذا ما حصل بعد أربعين سنة حيث قاد الجيش يوشع بن نون بعد موت موسى وهارون ودخل البلاد بهذه الطريقة، فاجأهم، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23] هذه كلمة الرجلين الكريمين من الاثني عشر، الذين ما ذهبت عقولهما ولا ذابت في تلك الترهات والأباطيل.
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها ...)
قال تعالى: قَالُوا [المائدة:24] معتذرين يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا [المائدة:24] حتى يخرج العمالقة، فهل هذا الكلام يقوله العقلاء؟! لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] عجرفة، سقوط، هبوط، اذهب أنت وربك فقاتلا واتركنا فنحن قاعدون.وهذه النفسية وهذه العقلية موجودة عندهم إلى الآن، عاشر اليهود وجالسهم تجد أشياء من هذا النوع إلى الآن وتعجب من عقولهم، يتوارثون هذا! فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].
تفسير قوله تعالى: (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين)
فماذا قال موسى؟ قال: قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي [المائدة:25] فقط وَأَخِي [المائدة:25] لا يملك إلا نفسه، فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25]، ما بقي أمل في أن يقاتلوا أو يدخلوا أو ينتصروا، انكشفت عورتهم وهبطوا بعد أن قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، انتهى أمرهم، فما كان إلا أن قال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي [المائدة:25] أيضاً لا يملك إلا نفسه، وهو أخوه هارون، فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25].فأجاب الرحمن بقوله: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26].وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

ابو معاذ المسلم 05-06-2021 05:06 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة المائدة - (7)
الحلقة (317)

تفسير سورة المائدة (15)


الحسد جريمة عظيمة وذلك لما يترتب عليها من الآثار السيئة، ومن ذلك ما قام به قابيل من قتله لأخيه هابيل لما حسده على قبول قربانه الذي قدم، فكانت أول جريمة قتل على وجه الأرض، وصارت سنة القتل جارية في بني آدم، فكلما قتل إنسان إنساناً على مدى الدهر انبعثت هذه السنة، وحمل ابن آدم الأول من الإثم مثل ما يحمله القاتل.
مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة المائدة
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتابه القرآن العظيم، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).معاشر المستمعين والمستمعات! في الدرس السابق من التفسير أخذنا هذه الآيات فنسمع تلاوتها أولاً، ثم نقف على نتائجها الطيبة رجاء أن ينفعنا الله تعالى بها.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:22-26].هذا الموقف الذي وقفه بنو إسرائيل لا يقفه ذو علم وبصيرة، وذو إيمان ويقين، وهو أنهم قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] هل يصدر هذا عن مؤمن عالم عارف بربه؟ هذه كلمة كفر إذا تعمدها العبد، ولكنهم جهال، إنه الجهل والهبوط والسقوط ولا لوم ولا عتاب، عاشوا أجيالاً تحت فرعون يسومهم الخسف والعذاب، فكيف يعرفون؟ كيف يعلمون؟ كيف يرتقون بآدابهم وأخلاقهم؟هذه نتائج البعد عن الله وكتابه وشرعه، فلا عجب أن يتعجرفوا هذه العجرفة ويقولوا لنبيهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].قال تعالى: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26].هذه العقوبة التي عاقبهم الله بها، وهي أنهم يقضون أربعين سنة في تيهان، لا ينزلون منزلاً حتى يخرجوا منه، يتنقلون في صحراء سيناء أربعين سنة، ولولا منة الله ولطفه ورحمته عليهم حيث أنزل عليهم الغمام والمن والسلوى لكانوا يهلكون، ولكن بركة موسى وأخيه ويوشع وكالب ، بركة أولئك الصالحين نفعتهم بإذن الله، ثم لما مات هذا الجيل الهابط الساقط ونبتت نابتة صالحة فربيت في حجور الصالحين فتح الله عليهم ودخلوا أرض القدس وسادوا فيها وملكوا وحكموا.
قراءة في تفسير قوله تعالى: (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها... ) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

هداية الآيات
قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين: [ هداية الآيات: من هداية الآيات: بيان جبن اليهود وسوء أدبهم مع ربهم وأنبيائهم ]، لو كانوا علماء فهل سيقولون ذلك القول؟ لو كانوا شجعاناً أبطالاً فهل سيحجمون ويتأخرون ولا يقاتلون والله معهم وموسى يقودهم؟[ ثانياً: وجوب البراءة من أهل الفسق ]، يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يتبرأ من الفسق وأهله، ولا ينضم إليهم ولا يساندهم ولا يرضى عنهم، وإلا انتقل الفسق إليه وأصبح خليقة من أخلاقه وهلك مع الهالكين.[ وجوب البراءة من أهل الفسق ببغض عملهم وتركهم لنقمة الله تعالى تنزل بهم ]؛ إذ قال تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26]، لا تحزن ولا تكرب واتركهم لله ينتقم منهم. ومن هم الفاسقون؟ الذين خرجوا عن طاعة الله ورسوله وعاشوا بعيدين عن شرع الله، هؤلاء يتحطمون ويخسرون، فموالاتهم والأسف عليهم والحزن على ما يصيبهم ليس من شأن المؤمنين؛ لأن الله قال لنبيه موسى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26].[ ثالثاً: حرمة الحزن والتأسف على الفاسقين والظالمين إذا حلت بهم العقوبة الإلهية جزاء فسقهم وظلمهم لأنفسهم ولغيرهم ].ولو نظرنا إلى حال المسلمين فسنجد البلاء ينزل بهم والمحن والإحن والويلات، فهل نحزن ونكرب؟ لا نحزن ولا نكرب؛ لأنهم ظلموا أنفسهم وتعرضوا لعذاب الله، لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، فبدل أن نكرب ونحزن ندعوهم إلى أن يستقيموا على منهج الله، ندعوهم إلى أن يتوبوا إلى ربهم ليرفع البلاء عنهم، أما أن نكرب ونحزن لما أصابهم الله به بسبب فسقهم فهذا يتنافى مع توجيه الله لموسى؛ إذ قال: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26].فلنحذر الفسق يا عباد الله، لا نخرج عن طاعة الله وطاعة رسوله ونحن أحرار غير مكرهين ولا ملزمين، فلنلزم باب الله نقرعه، نؤمن بما أمرنا أن نؤمن به وننهض بما أمرنا أن ننهض به، ونتخلى ونتجنب كل ما من شأنه أنه يبغضه تعالى ولا يريده.
تفسير قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً ...)
والآن مع هذه الآيات الجليلة العظيمة، فاسمعوا تلاوتها، وتأملوا لتفهموا كلام الله، لو كان آباؤنا وإخواننا يدرسون القرآن هكذا كل ليلة لعلموا كل ما فيه، لكن هجروه هجراناً كاملاً، ولا يقول أحد: قال الله، ويقرءونه على الموتى، يقرأ السورة من أولها إلى آخرها ما يعرف حكماً فيها، ولا هداية؛ لأنه ما رغب في ذلك ولا قصده ولا أراده ولا دعي إليه ولا جلس ليسمع ذلك ويتعلمه، كأنه لغة أجنبية يسمعها، وهذا عرفناه ومعروف.قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:27-31].كلام من هذا؟ هذا كلام الله، فكيف وصلنا؟ من طريق كتابه ورسوله، فهل البشرية تعرف هذا غير أهل الإسلام والقرآن؟ يقول تعالى: وَاتْلُ [المائدة:27] يا رسولنا، يا نبينا، هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى (اتل): اقرأ، فعلى من يقرأ؟ على الذين تآمروا على قتله من بني النضير، على أعدائه الألداء وخصومه الأشداء اليهود الذين كشف النقاب عن حالهم، وأراهم مواقفهم والعياذ بالله. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ [المائدة:27] يا رسولنا، وكانوا بالمدينة يسمعون، يجلسون مع الرسول ويسمعون القرآن أيضاً، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ [المائدة:27] والنبأ: الخبر العظيم، ما كل خبر يقال فيه: نبأ إلا إذا كان ذا شأن عظيم. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ [المائدة:27]، ولدي آدم، وهما هابيل وقابيل ، وعرفنا اسميهما بالوحي الإلهي، أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، فهابيل وقابيل هما ابنا آدم أبي البشر، أول إنسان هبط إلى هذه الأرض مع زوجه، خلقه الله في الملكوت الأعلى، في الجنة دار السلام، ثم لما عصى أبعده من دار النعيم إلى دار الابتلاء والعذاب والشقاء.اقرأ عليهم يا رسولنا نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة:27] النبأ بالحق الذي لا يمكن أن يتطرق إليه كذب أو باطل؛ لأن الله هو الذي أنزله بالحق، فهو ملازم مصاحب له.
معنى القربان وبيان ما قرباه
إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا [المائدة:27] أي: قرب كل واحد منهما قرباناً، والقربان ما يتقرب به إلى الله من الطاعات والعبادات، القربان: ما يقربك إلى الله، تقدم شيئاً لوجه الله ليرضى عنك ويقبلك، تتقرب به إليه لتكون من المقربين، وهل أنتم تتقربون؟ جلوسنا هذا قربان، من جاء ليسمع الهدى ويسمع كلام الله، وأراد أن يتقرب إلى الله، وهذا هو القربان.أعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر هذا القربان: أن قابيل كان عنده زرع فاختار الفاسد منه، والسيئ والذي ما يصلح، قالوا: ورأى سنبلة طيبة فأكلها أيضاً، لما قدم ذاك النصيب من السنبل تقرب به إلى الله، وشاهد فيه السنبلة ذات حب سمين فأكلها، فهذا قرب قرباناً، فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا [المائدة:27]، قربان هابيل تقبله الله؛ لأنه كان بطبيب نفس ورضا نفس، وحب التقرب إلى الله، ومن ماله الحلال، وقدمه لله عز وجل، وكانت تأتي النار لتأكله، فما هناك من يتصدق عليه.إذاً: أرادا أن يتملقا إلى الله ويتزلفا إليه، وفي وقتهما ما كان هناك فقراء ولا مساكين، هما أول من وجد، فكيف يتقرب؟ يختار أحسن شيء ويقدمه لله، وتأتي نار فتأكله، وهذا كان حتى في جهاد بني إسرائيل، فالغنائم ما تقسم عليهم كالمسلمين، ما أحلت لهم، تأتي نار فتحرقها.
نفسية الحسد في كلام قابيل وإفصاح هابيل عن شرط قبول العمل
إذاً: فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا [المائدة:27] أي: من هابيل ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ [المائدة:27] وهو أخوه الثاني قابيل .فحمله الحسد، وهو طبع إنساني وغريزة بشرية قل من يسلم منها، وإن وجدت وعالجها العقلاء فإنها تزول ويبرأ العبد منها ويشفى، فقال له: لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة:27]، كيف يتقبل الله قربانك -وكان قدم كبشاً- وأنا لا يتقبل مني قرباني؟! إذاً: والله لأقتلنك. حمله على ذلك الحسد: كيف ستنجح وأنا ما أنجح، دخلنا الامتحان فكيف أنت توظف وأنا لا أوظف، وهكذا من هذا النوع. لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة:27] هذه لام القسم: والله لأقتلنك. فأجابه الأخ الكريم قائلاً: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، فلو كنت متقياً له لتقبل منك، تقبل مني لأني من المتقين، ومن هم المتقون؟ المطيعون لله، الراغبون فيما عنده، المحبون له، العاملون بكل ما يرضاه ويحبه، الذين يتقون سخطه، غضبه، عقابه بفعل ما يحب أن يُفعل وبترك ما يحب أن يترك.وهذه الجملة ستبقى خالدة إلى يوم القيامة: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، فالفجار لو تصدقوا بالملايين ما ينفعهم، فحين تتصدق بالمال حرام هل يقبل منك؟إذاً: إنما يتقبل الله دائماً وأبداً من المتقين، يتقبل منهم ما يتقربون به إليه صلاة، وصياماً، وحجاً، وجهاداً، ورباطاً، وصدقات، وأذكاراً، وتسبيحاً، ودعاء.. لا يتقبل إلا من المتقين، إما أن تكون منهم وإلا فكل أعمالك مردودة عليك بنص هذه الآية: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] فهيا نكن من المتقين.

يتبع

ابو معاذ المسلم 05-06-2021 05:06 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
تفسير قوله تعالى: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك...)
ثم قال له: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي [المائدة:28]؛ لأنه قال: لأقتلنك، فقال: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ [المائدة:28]، وبسط اليد مدها. لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ [المائدة:28] لماذا؟ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة:28] سبحان الله! أحداث مرت عليها آلاف السنين وننتفع بها نحن كأنها نزلت علينا! لم لا أبسط يدي إليك لأقتلك؟ لأني أخاف الله رب العالمين، وأنت لما كنت لا تخافه اقتل.ولا منافاة بين هذا وبين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من مات دون ماله فهو شهيد )، فإنه يجوز أن تدافع عن مالك حتى تموت وتقتل، ويجوز أن تفوض أمرك إلى الله ولا تقتل، فتقول للصائل: خذ هذه البقرة أو هذه الشاة ولا تقتل.إذاً: قال: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة:28]، من هم العالمون؟ كل مخلوق هو عالم، العوالم علوية وسفلية كلها الله خالقها وهو ربها، لكن إذا أطلق لفظ العالمين بهذا الجمع فيراد به العقلاء: الملائكة والإنس والجن، وكل ما سوى الله تعالى عالم، أي: علامة على وجود الله تعالى، فنحن الآن علامة على وجود خالق خلقنا، فنحن من العالمين.
تفسير قوله تعالى: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار...)
قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [المائدة:29]، أريد أن تبوء بمعنى: ترجع، باء يبوء: إذا رجع، ترجع إلى القيامة بإثمي وإثمك، إني أريد بعدم قتلك أن ترجع إلى الله بإثم قتلي وبإثمك أنت الذي فعلته قبل قتلي، تعود بحملين من الآثام، فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة:29] هذه جملة قالها تعالى وقالها هابيل : وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة:29].قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ [المائدة:29] أن ترجع إلى الله يوم القيامة وأنت حامل إثمين: إثمي أنا بقتلي، وإثمك أنت من الجرائم والموبقات التي فعلتها، فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [المائدة:29] أي: أهلها الملازمين لها الذين لا يفارقونها؛ لأن النار عبارة عن عالم شقاء من دخله فهو مصاحب له، وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة:29] أي: الخلود في النار جزاء الظالمين.
تفسير قوله تعالى: (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين)
قال تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ [المائدة:30]. فَطَوَّعَتْ لَهُ [المائدة:30]، من هي هذه المجرمة الخبيثة المنتنة؟ نَفْسُهُ [المائدة:30]، زينت له وهونت عليه أن يقتله فقتله، لو كانت نفسه ما هي بمريضة ووقفت وقالت: كيف تقتل أخاك؟ كيف تزهق روحاً؟ ما كان يقدم على هذا، لكن النفس هي ذاته.فهل عرفتم قيمة النفس الآن أم لا؟ في العامة يقال: النفيسة، إنها النفيسة الخسيسة تزين الباطل وتحسن القبيح، وتدفع الإنسان إلى أن يفعل ما لا يحمد عليه، ونحن مأمورون أن نستعيذ بالله من شر نفوسنا: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي. ولكن النفس إذا أنت روضتها وربيتها ومرنتها يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام تصبح زكية طيبة طاهرة، أما بدون رياضة ولا تربية ولا تمرين فوالله ما ينفع.وقد قال تعالى قصة يوسف عليه السلام حكاية عنه: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف:53]، وقال تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2]، وقال تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].اللهم إنا نسألك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك.. اللهم إنا نسألك نفساً مؤمنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك.وللنفس مراحل: أولاً: النفس الأمارة بالسوء، فإذا أخذت تروضها على الحق وتمرنها على الخير تصبح لوامة، واللوامة تدفعك أولاً إلى فعل المنكر أو الباطل، فإذا فعلته تشعر بالحزن والألم وتلومك: كيف تفعل هذا؟ فواصل علاجها عاماً بعد عام حتى تصبح مطمئنة لا تستريح إلا إلى طاعة الله، ما تقوى أبداً على معصية الله، ما تشعر بالهدوء والسكينة والطمأنينة إلا إذا انغمست في الذكر أو الصلاة أو العبادة.فالنفس أمارة بالسوء، والسوء: كل ما يسوء ويضر، هذه طبيعتها، فإن أخذت تروضها وتربيها بالعبادة والطاعات، وتمرنها على الأخلاق والآداب فترة من الزمن تصبح لوامة، تشعر بها أنها أخذت تلين الآن، بدليل أنك إذا فعلت معصية لامتك وتألمت، وبعد فترة من الزمن عام أو عامين أو عشرة أو ساعة بحسب ما وهبك الله من الرياضة تصبح لا ترتاح إلا للطاعة، إذا دخلت في الصلاة كأنك دخلت في جنة عدن.قال تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ [المائدة:30] هذه المريضة التي ما ربيت ولا روضت على الطاعة، طوعت له نفسه ماذا؟ قَتْلَ أَخِيهِ [المائدة:30] هابيل فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:30]، ومن أعظم خسرانه أنه ما من نفس تموت ظلماً إلا وعلى قابيل جزء ونصيب منها، ما من نفس تموت ظلماً في الأرض إلا وعلى قابيل نصيب وكفل من تلك الجريمة، لأنه أول من سن القتل، وفي الحديث: ( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ).
تفسير قوله تعالى: (فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه...)
قال تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ [المائدة:31] لأنه أول موت يقع، أول من يموت، فأخذ يحمله على ظهره والدم يسيل، فماذا يصنع؟ إذاً: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا [المائدة:31] والغربان تعرفونها وما أكثرها في ديارنا، طائر أسود غربيب، جاء هذا الغراب ومعه غراب آخر يسحبه ويجره قد قتله، فكان يبحث في الأرض برجليه ويرمي بالتراب على ذلك الميت لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي [المائدة:31] أي: يستر سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة:31] أي: جثة أخيه الميت؛ إذ السوأة وإن كانت تطلق على العورة لكن تطلق على كل ما يقبح النظر إليه، وهل هناك من يستريح إلى نظر الميت؟ فقال هذه الكلمة وسجلها الله لنا: قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ [المائدة:31]، يلوم نفسه، أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي [المائدة:31] كما وارى الغراب سوأة أخيه، أي: جثة أخيه، فبذلك فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:31].هذا كلام من؟ هل كانت العرب تعلم هذا وتسمع به؟ من من البشر سوى أهل الكتاب؟يقول تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:27-31].
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

هداية الآيات
هيا مع هداية الآيات:قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين: [ هداية الآيات: من هداية الآيات: أولاً: مشروعية التقرب إلى الله تعالى بما يجب أن يتقرب به إليه تعالى ]، أخذنا هذا من قوله تعالى: قَرَّبَا قُرْبَانًا [المائدة:27] نتقرب بما يحب الله لا بما يكره الله، وهل تتقرب إلى الله بقتل مؤمن؟ ما هو بمعقول أبداً، هل تتقرب إلى الله ببرميل خمر توزعه؟ إذاً: مشروعية التقرب والتملق إلى الله تعالى بما يحب عز وجل، فما هي محاب الله؟ هي الذكر، الصلاة، الصيام، الصدقات، الجهاد، الدعاء.. العبادات كلها مشروعة للتقرب.والبدع والشركيات والخرافات التي يتقرب بها الجهال إلى الأنبياء والأولياء كلها باطل والله ساخط عليهم، ما هي بقربان، فتقرب بما يحب الله أن تفعله له وتقربه، لا بد من معرفة هذا، فالذين ما يعرفون محاب الله كيف يتقربون بها؟ وهناك أمر آخر: تتقرب إلى الله بترك ما يبغض الله، تقول: أتقرب إليك يا رب من الليلة بألا ألوث فمي برائحة الدخان، ويقبلك، أردت أن تطيب فاك بذكر الله.قال: [ ثانيا: عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة ]، أخذنا ذلك من قوله: (لأقتلنك)؛ لأنه شاهد أنه قبل الله صدقته وهو لم تقبل صدقة، فقال: إذاً: سأقتلك. لماذا يقبل الله قربانك ولا يقبل قرباني؟!ولهذا علمنا الله عز وجل، بل علم رسوله أن يستعيذ بالله تعالى من الحاسد: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5]، كل المحن والفتن والبلايا بين البشر أكبر سبب لها هو الحسد والعياذ بالله، والحسود لا يسود، والحسد تمني زوال النعمة عن أخيك لتحصل لك، وأقبح منه أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك ولو لم تحصل لك، المهم ألا تراه بخير والعياذ بالله. قال: [ عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة ] حروب وفتن، والرسول صلى الله عليه وسلم حاربه اليهود وأرادوا قتله للحسد، والله! من أجل الحسد، كيف ينتقل الكمال للعرب والرسالة والنبوة ونحن محرومون؟! حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109].[ ثالثاً: قبول الأعمال الصالحة يتوقف على الإخلاص فيها لله تعالى ]، أن تريد بها وجه الله، لا وجه زيد ولا عمرو، أن تريد بها رضا الله لا الحصول على مال ولا على جاه ولا سلطان، تعمل العمل وأنت تريد به الله عز وجل، هذا هو الإخلاص الذي يسبب قبول العمل، وإلا فلا يقبل العمل.[ رابعاً: بيان أول من سن جريمة القتل، وهو قابيل ، ولذا ورد ] عنه صلى الله عليه وسلم [ ( ما من نفس تقتل نفساً ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل -أي: نصيب- ذلك بأنه أول من سن القتل ) ].المدينة -والحمد لله*- بلاد الرسول الطاهرة، فإذا جاء أحد الغافلين فاستورد الحشيش، فهل يكون أول من سنها أو لا؟ وكل من يشربها عليه إثم ذلك، المدينة ما كانت فيها باروكة، فتاجر جاء بالباروكة فكان أول من أتى بها وسنها أو لا؟ وكل من اشترى باروكة ولبسها هو أيضاً عليه إثم. قال: [ خامساً: مشروعية الدفن وبيان زمنه ].وقد سئلت هاتفياً فقال السائل: توفي أبي وإخواني في الشرقية وفي الجنوب، فهل يجوز أن نبقي عليه حتى يحضروا أو لا يجوز؟ فقلت: أيام لم تكن هذه الآلات التي تحفظ الجسم فلا يتغير ولا يحدث فيه أي شيء كان التأخير لا يجوز أبداً، ولا يحل أن تنقل ميتك من قرية إلى قرية أخرى، لا يجوز أبداً؛ لأنه يتعفن، فلا يحل.والآن لما كانت القضية بهذه الطريقة حيث ثلاجات الموتى يبقى الميت فيها شهراً أحياناً أو عشرة أيام ولا يتغير أي شيء، فنقول: إذا كان استعجالك للدفن فهو أفضل، فقد أمرنا بتعجيل دفن الميت، فهو أفضل بلا خلاف، لكن إذا كان يترتب على تأخيره بيان حقوق وعلمنا أنه لا يتأثر بالتأخير يوماً أو أسبوعاً فلا بأس.كذلك إذا كان إخوانه أو أبناؤه يحضرون في يوم واحد، وكان في الزمان الأول إذا كانوا في الرياض فلكي يحضروا يحتاجون إلى أربعين يوماً، فلا قائل أبداً بانتظارهم، لكن ما داموا يحضرون في يوم أو يوم وليلة ولهم رغبة في أن يقبلوا والدهم ويشاهدوه، فنقول: لو فعلوا جاز، ما أقول: فيه أجر، أقول: يجوز.وانظر كيف هنا لما مات هابيل علم الله عز وجل قابيل كيف يدفنه، فجاء بغراب قتل غراباً أخاه ثم أخذ يسحبه في الأرض، ثم أخذ يحفر الأرض برجليه ويرمي التراب عليه، فقال قابيل : يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:31].وهل الندم هذا ينفع قابيل؟ ما ينفعه أبداً، لماذا؟ لأنها ما هي بتوبة صادقة خوفاً من الله، كل ما في الأمر أنه حار: ماذا يفعل بهذه الجثة، ففعل كما فعل الغراب ودفنها، والتوبة التي تقبل أن تكون خوفاً من الله وخشية من الله وعزماً أكيداً ألا تعود لهذا الذنب ولو قطعت ولو حرقت ولو صلبت، أما مجرد التألم لقتل أخيه فما ينفع.قال: [ سادساً: خير ابني آدم المقتول ظلماً، وشرهما القاتل ظلماً ]، خير ابني آدم المقتول ظلماً من الآن إلى يوم القيامة، وشرهما القاتل ظلماً.وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

ابو معاذ المسلم 05-06-2021 05:08 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة المائدة - (8)
الحلقة (318)

تفسير سورة المائدة (16)


إن قتل النفس البشرية وإزهاق الروح الآدمية لهي جريمة شنعاء، لذلك فقد بين سبحانه وتعالى أن من قتل نفساً واحدة فكأنما قتل الناس جميعاً، إلا أن الله عز وجل أباح القتل في ثلاثة أحوال؛ فمن قتل نفساً ظلماً وعدواناً جاز قتله، والثيب الزاني سواء كان رجلاً أو امرأة يجوز قتله، والمرتد عن دينه والخارج عن جماعة المسلمين وإمامهم.
تفسير قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). وأخرى -يا معشر المؤمنين والمؤمنات- هي قوله صلى الله عليه وسلم: ( من أتى هذا المسجد لا يأتيه إلا لخير يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله )، فاللهم حقق لنا هذا الخير إنك ولينا وولي المؤمنين.ما زلنا مع سورة المائدة المباركة المدنية الميمونة، ومعنا هذه الآية المباركة الكريمة، هيا نتلو هذه الآية متأملين فيما تحمله من هدى ونور.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة:32]. ‏
صلة الآية الكريمة بما قبلها
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ [المائدة:32]، الإشارة هنا عائدة إلى قتل قابيل هابيل ؛ إذ تقدم في الآيات السابقة أن ابني آدم -وهما قابيل وهابيل- تقرب منهما هابيل إلى الله بقربان فقبله الله منه، وآية ذلك -أي: علامة قبول الله له- أن ناراً تنزل من السماء وتحرقه، وأن قابيل تقرب بقربان فلم يقبل منه، ولماذا تقبل من هابيل ولم يقبل من قابيل ؟ لأن هابيل اختار أطيب ما عنده وقدمه لله ونفسه طيبة مطمئنة راضية بهذا التقرب إلى الله، والآخر ما كانت نفسه طيبة ولا مطمئنة ولا اختار أطيب ماله ولا أجوده، بل اختار أفسده، وقيل: رأى سنبلة فيها حب جيد فأكلها ولم يقدمها، فلم يتقبل الله تعالى منه قربانه، فحمل الحسد قابيل على قتل هابيل وقال: لم يتقبل الله منك ولم يتقبل مني؟ فقتله. وهنا عرفنا أن الحسد أول معصية وأنها فتنة لا نظير لها، ما هناك داء أضر على البشرية من الحسد، وهو داء الأمم كلها، وقد عرفناها فينا، هذا الداء الخطير حمل قابيل على قتل أخيه هابيل، فلما قتله وكان أول ميت لم يدر ماذا يصنع؟ فحمله على ظهره فحيثما مشى كان معه، حيثما نزل ونام كان معه، إذاً: فبعث الله برحمته وحكمته وإحسانه إلى عبيده بعث غراباً يبحث في الأرض ليدفن غراباً من الغربان، وهذا الآدمي قابيل يشاهد، فلما رأى الغراب قد حفر الأرض ودفن أخاه الغراب فعل هو بأخيه كذلك.واسمعوا قول الله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي [المائدة:31]، أي: يدفن ويستر سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة:31]، أي: جثة أخيه.إذاً: اسمعوا الآيات مرة أخرى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:27-31]، قال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ [المائدة:32]، ماذا فعل الله من أجل ذلك؟ قال: كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:32]، من هم بنو إسرائيل؟ عرفناهم: أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، فيعقوب يلقب بإسرائيل.وهم اليهود، وقد علمتم أنهم ما زالوا إلى الآن منحازين متكتلين متجمعين متوالين لا يتزوجون نساء غيرهم، ولا يزوجون نساءهم لغيرهم؛ ليبقى هذا الشعب كما هو على مر الأجيال والقرون، وعرفوا باليهود، من هاد يهود هوداً: إذا رجع؛ لأنهم لما ارتكبوا تلك العظيمة قالوا: هدنا إليك، فتابوا إلى الله، أي: من عبادتهم العجل.
الأسباب المبيحة للقتل
والشاهد عندنا في قول ربنا جل ذكره: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:32]، و(كتبنا) بمعنى: أوجبنا وفرضنا، عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:32]، ماذا كتب عليهم؟ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [المائدة:32]، ما معنى قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [المائدة:32]؟ قتل نفساً بدون مقتضي قتلها، بدون موجب القتل، وهل هناك ما يوجب قتل النفس؟ أي نعم. ثلاث خصال يجب أن نحفظها وأن تكون عندنا من البدهيات، ثلاث يقول فيهن الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث )، أي: بواحدة من ثلاث، ما هي يا رسول الله؟! قال: ( النفس بالنفس )، من قتل نفساً يستباح قتله، يجوز قتله، من قتل نفساً ظلماً وعدواناً استوجب القتل واستحق أن يقتل وقتله مشروع جائز مأذون فيه من الملك جل جلاله وعظم سلطانه، عبده قتل عبده، فأذن في قتله.قال: ( والثيب الزاني )، الثيب: هو غير البكر، هو من تزوج وماتت زوجته أو طلقها أو كانت عنده، الثيب: من تزوج زواجاً شرعياً، عقد على امرأة وبنى بها وخلا بها فأصبح ثيباً، هذا الثيب إذا زنى بامرأة جاز قتله، استحق القتل، هذا الثيب الزاني.أما البكر الذي لم يعرف الزواج وزنى فإن الحد هو أن يجلد مائة جلدة على ظهره أمام المسلمين، ويغرب سنة من بلده إلى بلد آخر حتى يمحى ذاك السواد الذي على وجهه، سنة لا يراه من أهل القرية أحد، وفيه حكمة أخرى أيضاً؛ لأن وجوده بين المواطنين يذكر الناس بالزنا، وذكر الباطل يهيج عليه ويدفع إليه، فأبعدوه سواء في صحراء أو في جبل، ويغرب سنة.والمرأة المؤمنة لا تغرب، فمن يقوم بشأنها إلا إذا كان لها مولى كعم وأخ فممكن أن تبعث إليه، لكن بوصفها محجوبة ما هناك من يقول: هذه زنت ورجمناها. والجلد هو جلد بالعصا مائة جلدة، ودليل ذلك ما هو معلوم لديكم: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، لا يرجمون في الخفاء أو يجلدون بالخفاء، أما الثيب فيرجم حتى الموت، وإذا رجم ومات طهر ونظف، كالثوب إذا تلطخ بالقاذورات والأوساخ وغسلته الغسل الحقيقي فإنه ينظف، كذلك الحد إذا أقيم على مؤمن طهره، فمن حكم مشروعية إقامة الحد تطهير النفس، زيادة على ما لذلك من آثار طيبة في المجتمع.قال: ( والتارك لدينه المفارق للجماعة )، هذا هو الحق الثالث، ( لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث ) خصال، ( الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة )، التارك لدينه: هو المرتد، مسلم وضع برنيطة على رأسه وصليباً في عنقه وقال: أنا تنصرت، أو قال: أنا لا أؤمن بالله ولا برسوله، أو قال: هو مجوسي، فيستتاب ثلاثة أيام، فلعله مرض لعله كذا، فإن أصر أعدم، وهل هذا الإعدام يكفر ذنبه؟ الجواب: لا، فإلى جهنم؛ لأنه كفر باختياره وإرادته. والمفارق للجماعة الذي يخرج على إمام المسلمين، الذي يخرج على إمام المسلمين ويتحزب مع جماعة ويعلنون الحرب لإثارة الفتنة والشغب والتعب والخلاف بين المسلمين، هذا الباغي بغيه يوجب قتله ويستحق القتل.

يتبع


الساعة الآن : 05:45 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 194.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 193.63 كيلو بايت... تم توفير 0.50 كيلو بايت...بمعدل (0.26%)]