ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى القرآن الكريم والتفسير (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=57)
-   -   تفسير أيسر التفاسير**** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=235072)

ابو معاذ المسلم 26-04-2021 03:08 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
الغرض من الجهاد في سبيل الله هو هداية البشر لا جباية أموالهم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:94]، ولنذكر أن سبل الله كثيرة وهي سبيل واحد، فالذي ضرب الأرض يطلب العلم في سبيل الله، والذي ضرب الأرض حاجاً أو معتمراً في سبيل الله، والذي ضرب الأرض برجليه يزور مؤمناً في سبيل الله، إذاً فسبيل الله كل عمل صالح يجلب لك رضا الله ورحمته عليك، لكن المراد به هنا في الآية الخروج للجهاد. فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ [النساء:94]، وفي قراءة سبعية أخرى: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلم، قراءة، والسِّلم والسَّلم والسلام كلها بمعنى واحد، ومعناها: عدم الحرب والاعتداء.وقوله: عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94]، والعرْض كل البضائع والأدوات والأثاث وغيرها، وأما العَرَض-بفتح العين- فهو الدينار والدرهم وغيرهما من الأمتعة المالية؛ لأنه عارض ويزول كالشيء يعرض لك ثم يزول، وهنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس الغنى عن كثرة العرْض، إن الغنى غنى النفس ).( ليس الغنى عن كثرة العرْض )، أي: المال والأغنام وكل المتاع، ( إنما الغنى -في الحقيقة- غنى النفس )، أليس الغني هو ذاك الذي لم يحتج إلى غيره ويحتاج الآخرون إليه؟ إن الغني حقاً وصدقاً هو الذي استغنى عن غيره، فلا يمد يده ولا يطلب حاجة من أحد، ولذلك فكم من صاحب عرْض وهو يسرق ويغش ويظلم ويجمع المال من كل أبواب الحرام، وهذا والله ما هو بغني، وإنما الذي لا يملك ديناراً ولا درهماً ولا يسأل أحداً، ولا يأخذ مال أحد، ولا يسرق ولا يغش ولا يظلم، والله لهذا هو الغنى.( ليس الغنى عن كثرة العرْض، إنما الغنى غنى النفس )، من هو الغني؟ الذي يحتاج إليه غيره ولا يحتاج هو إلى غيره، فالذي لا يشحت ولا يطلب ولا يسرق ومستغني بشاة أو بصاع تمر، هو الغني الحق، والذي يملك الدنانير والدراهم والإبل والأغنام والأموال وهو يأخذ من هذا وذاك، فهذا هو الفقير والله. تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء:94]، ما هو بمغنم واحد، فاقرعوا باب الله عز وجل واطلبوا الغنى منه تبارك وتعالى.إذاً: فتثبتوا من هذا الرجل حتى تتيقنوا أنه كافر أو مشرك أو ملحد، وعند ذلك فاقتلوه وخذوا منه المال وأنتم في الجهاد، وهذه القضية خاصة في حال الحرب، وأما الذين بيننا وبينهم معاهدة ومسالمة فلا يجوز قتل واحد منهم، أما إذا كنا في حرب مع أمة فحينئذ إذا وجدنا أحداً منهم نتثبت هل هو مؤمن أو لا؟ فإن كان غير مؤمن قتلناه كما نقاتل إخوانه لندخلهم في رحمة الله. كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، وهذه موعظة إلهية ربانية، وقد جاء في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة:282]، وليس بالحيف ولا بالجور، ثم قال تعالى: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ [البقرة:282]، ما معنى هذا؟ أما كنت جاهلاً لا تعرف الياء ولا الباء؟ من علمك؟ إذاً: فاذكر إفضال الله وإنعامه عليك فاكتب لأخيك إذا قال لك: من فضلك! اكتب بيني وبين فلان. كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ [البقرة:282]، أي: يكتب بحسب العلم الذي علمه، وهذا معنى، والأصل: كما علمه فليشكر نعمة الله عليه وليكتب لإخوانه، كذلك هنا قال: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، أي: أما كان إخوانكم في مكة يخفون الإيمان خوفاً من أهل مكة حتى لا يقتلوهم وحتى يهاجروا؟ فكذلك أيضاً هذا كان خائفاً من قومه أن يقتلوه، فكان جاحداً لإسلامه، لكن لما رآكم أعلن عنه. كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، أي: كفرة ومشركين، ثم تاب الله عليكم وهداكم وعلمكم، فكذلك أخوكم هذا يتوب الله عليه ويهديه ويعلمه، وهذه هي الآداب القرآنية. فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94]، أي: بنعمة الإيمان والإسلام والعلم والمعرفة. فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، أي: قبل أن تقتلوا. إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94] كان وما زال، وهذه صفاته الدائمة معه، فهو عليم بكل خير أو غيره، فيا عباد الله! احذروا الله تعالى، ولا تفهم أنك عندما تعمل أو تتكلم وأنت خالٍ ليس معك أحد، والله ما من حركة نتحركها إلا والله يراها ويعلمها، فإذا امتلأ قلب العبد بمراقبة الرب عز عليه بل صعب عليه أن يخرج عن طاعة الله ورسوله، وإذا غفل ونسي وما يدري أن الله معه يسمعه ويراه يقع في المهاوي والمفاسد وهو لا يشعر.
أدوات الحفاظ على زكاة الروح وطهارتها
ولهذا لما ذكر تعالى أدوات الحفاظ على زكاة الروح وطهارتها، قال تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت:45]، أي: بالليل والنهار، وذلك بالتدبر والتفهم واستنباط المعاني واستخراج الهداية القرآنية، وهذا من أكبر عوامل الإبقاء على نور الإيمان في النفس، وصاحبه لا تزل قدمه ولا يقع في كبيرة من كبائر الذنوب.ثانياً: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45]، فالذي يقيم الصلاة كما بينها رسول الله، ويؤديها على الوجه الذي بين رسول الله، فيستوفي أركانها بعد شرائطها وفروضها وآدابها، وفي أوقاتها المحددة لا يقع في كبيرة من الكبائر، ولهذا قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].وكثيراً ما أسمعنا المؤمنين والمؤمنات -أربعين سنة- ونحن نقول: هيا بنا نمشي إلى المحافظ أو إلى مدير الشرطة، ونقول له: يا فلان! أعطنا قائمة بالمجرمين الذين سرقوا أو ضربوا أو قتلوا في هذا الشهر، فيعطينا القائمة فنجد مائة جانٍ، والله ما نجد بينهم أكثر من خمسة في المائة من مقيمي الصلاة، وخمسة وتسعين إما تاركون للصلاة أو مصلون غير مقيمين للصلاة، وتكلمنا بهذا في الشرق والغرب، ولذلك فالذي يناجي ربه ويتكلم معه ويجالسه خمس مرات في أربع وعشرين ساعة لا يقوى على أن يزني أو يسرق أو يكذب أو يقول الباطل، إذ إنه مع الله، أما أن يصلي المسلم صلاة لا خشوع فيها ولا ذكر ولا معرفة ولا اطمئنان فصلاته لا تنتج شيئاً؛ لأن الله ما قال: والمصلين، وإنما قال: والمقيمي الصلاة.ثالثاً: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45]، أي: ولذكر الله أكبر مما تقدم؛ لأن الذي يذكر الله بقلبه ولسانه لا يستطيع أن يمد يده إلى ما لا يحل له، وبالتالي كيف يقع في الجريمة؟! لا يتأتى له ذلك أبداً، إذ إنه لو أراد أن يشتم أو يسب ثم ذكر الله توقف عن ذلك، أو أراد أن يأكل محرماً ثم ذكر الله عز وجل امتنع عن ذلك. إذاً: ذكر الله أكبر حصن لمن أراد أن يتحصن من الوقوع في معاصي الله، ولن يقع في هذه المهاوي إلا التاركون لذكر الله، الناسون المعرضون، على شرط أن يكون الذكر بالقلب واللسان، وأن يكون على علم بالمعاني التي يذكر الله بها. رابعاً وأخيراً: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45] المراقبة لله تعالى، فإذا علمت أن الله يعلم ما تصنع بجوارحك وأيقنت بهذا فوالله ما تستطيع أن تعصي وتخرج عن طاعته. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45]، أي: من الأعمال الظاهرة والباطنة، فمن عرف هذا وأيقن به ما يستطيع أن يقتل مؤمناً أو يزني بامرأته أو ابنته، أو يسلبه ماله، أو يمزق عرضه، أو يحتقره ويهينه بين المؤمنين. فإن قيل: يا شيخ! ولماذا نشاهد هذا الباطل والفساد والشر والظلم والخبث؟ والجواب: ما علمنا، من علمنا؟ من ربانا؟ أما كان الرسول يربي أصحابه الكرام؟ أما كان الأصحاب يُربَّون؟ ونحن من ربانا؟ من يرفع يده ويقول: أنا تربيت عند الشيخ الفلاني، اليوم نحن نشتم المشايخ ونعيرهم، إذاً: كيف نستطيع أن نستقيم في آدابنا وأخلاقنا ومعارفنا وحياتنا؟ يتربى مع الصعاليك في البيت؟ مع الأولاد في الشارع؟ يحاول لكن ما ينفعه، والله يقول: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، فهيا نعود إلى الله تعالى، فإن قيل: ما نستطيع يا شيخ، قلنا لهم: لماذا؟ قالوا: الدنيا والشهوات والأهواء غلبتنا، فنقول لهم: ونحن طالبناكم بالمال أو بالدماء والجهاد؟ لا أبداً، إذاً يا أهل القرية! يا أهل الحي الفلاني! من غدٍ لا يتخلف منا رجل ولا امرأة عن المسجد، أو في يوم الجمعة يقول خطيب المسجد: يا معشر الأبناء والإخوان! غداً لا يتخلف أحد من رجالنا ونسائنا عن صلاة المغرب في المسجد، فيحضرون جميعاً، النساء في مؤخرة المسجد أمامهن الستارة، والأبناء صفوف كالملائكة، والفحول أمامهم، والمربي أمام الجميع، فيأخذون ليلة آية من كتاب الله تعالى، فيدرسونها ويحفظونها ويفهمون مراد الله منها، ويعزمون على العمل والتطبيق، وليلة بعدها يأخذون حديثاً من أحاديث الرسول المفسرة للقرآن المبينة له، والكل عازم على أن يعمل وأن يطبق، ويوماً بعد يوم والحال كذلك، فوالله لن يبق مظهراً من مظاهر الخبث والظلم والشر والفساد، بل ينتهي كل ذلك بلا عصا ولا هراوة ولا بوليس، وإنما فقط بالعلم واليقين، فهل هناك طريق آخر؟ والله لا طريق إلا هذا، ولهذا نصرخ طول العام: أي قرية قامت بهذا؟ أي حي من أحياء المدن قام بهذا؟ ما بلغنا بعد شيء، فإلى الله شكوانا.وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.




ابو معاذ المسلم 26-04-2021 03:10 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 

http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة النساء - (51)
الحلقة (274)

تفسير سورة النساء (56)

إن الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى مرتبة عظيمة ومنزلة رفيعة، وقد نفى الله سبحانه وتعالى أن يستوي في الأجر والمنزلة من يجاهد بنفسه وماله من المؤمنين، ومن يقعد عن الجهاد بخلاً بماله وضناً بنفسه أن يقدمها لله عز وجل، ولكن الله استثنى من الذين لم يجاهدوا أولي الضرر، فجعل لهم أجر المجاهدين رغم قعودهم عنه لصلاح نياتهم ورغبتهم في الجهاد لولا وجود ما يعيقهم، وحتى مع وجود العذر فإن المجاهد يفضل على من لم يجاهد لعذر درجة في الجنة، لما حازه من سبق، وما قدمه من تضحيات.

قراءة في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر جميعاً بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم لنا رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، ومعنا آيتان كريمتان قبل الشروع في تلاوتهما ثم في تفسيرهما أذكر الناسين بما جاء في الآيتين السابقتين، وتلاوتهما بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94].
هداية الآيات
قال المؤلف: [ من هداية الآيتين: أولاً: مشروعية السير في سبيل الله غزواً وجهاداً ] وذكرنا أيضاً أن السير إلى الحج، أو إلى العمرة، أو إلى طلب العلم، أو لزيارة الأرحام وصلتهم، أو لزيارة الصالحين الأحياء لا الأموات، كل هذا يعتبر سيراً في سبيل الله عز وجل، لكن المقصود هنا بـ(في سبيل الله): الغزو والجهاد في سبيل الله.قال: [ ثانياً: وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب عليها الخطأ فيها ] أي: ينبغي لنا معشر المستمعين والمستمعات! أن نتثبت ونتبين في الأمور التي إذا وقع فيها خطأ كان الضرر والألم الكبير. ومن أقرب ما أشير إليه: يا سائقي السيارات! تثبّتوا في سياقتكم! وتأملوا واحترسوا؛ لأنكم تحملون أرواحاً، ويمر بين أيديكم أرواحاً، وقتل النفس خطأ قد عرفتم ماذا يترتب عليه؟ الدية وعتق رقبة، فإن عجز صام شهرين متتابعين؛ لأنه ما تحفّظ وما تثبّت وما تبيّن.فعلينا معاشر المؤمنين! أن نتبيّن وأن نتثبت في الأمور كلها، فلا نصدر حكماً إلا على علم، ولا نتحرك حركة إلا على بينة وعلم.قال: [ ثالثاً: ذم الرغبة في الدنيا إذا كانت تتعارض مع تقوى الله عز وجل ] أي: ذم الدنيا من مال وجهاه وسلطان إذا كانت تتعارض مع تقوى الله عز وجل، أما قال تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء:94]؟ فهم قتلوا هذا العبد وقد سلّم عليهم ليدلل على أنه مسلم، ولكن لاحت الرغبة في نفوسهم في الغنيمة والمال، فقالوا: ما قال: السلام عليكم إلا تقية فقط لنفسه، فهو حقيقة من قوم كافرين محاربين، لكن من كان معه فقد هرب، وهو ثبت على أنه مسلم، لكن الأصحاب رضي الله عنهم تعرضوا لهذه المحنة، ونزل فيهم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، أي: أنتم.قال: [ رابعاً: الاتعاظ بحال الغير والاعتبار بالأحداث المماثلة ]، أما كنتم يا أصحاب رسول الله كافرين مشركين؟ من أنعم عليكم بالإيمان والإسلام؟ فكذلك أيضاً هذا مثلكم كافر وقد أنعم الله عليه بالإسلام والإيمان، أما كنتم تخافون من المشركين وترهبونهم ولا تعلنون عن إسلامكم؟ فكذلك هذا أيضاً كان مع قوم كافرين مختفياً، ما استطاع أن يظهر إسلامه، وهذا هو التأديب الإلهي، فيا ليتنا نأخذ به.
تفسير قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ...)
ونعود إلى الآيتين الكريمتين اللتين وصلنا إليهما، وتلاوتهما بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:95-96].يروى أن عبد الله بن أم مكتوم لما نزلت هذه الآية بهذه الصيغة: ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ )، جاء عبد الله بن أم مكتوم -أمير المدينة-ذاك الذي نزل فيه قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:1-3]، فعاتب الله تعالى رسوله في عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، إذ كان الرسول يتصدى لرجالات قريش في مكة ليدعوهم إلى الإسلام، فجاء هذا المؤمن الأعمى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مشغول بصناديد قريش، وقال: يا رسول الله! علني، فعبس الرسول في وجهه، فنزل هذا القرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم، عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس:1]، ولو قال: عبست وتوليت فقد يغمى على الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لا يطيق ذلك، لكن رحمة الله بأوليائه وصالح عباده جاء بصيغة الماضي فقال: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا.. [عبس:1-11].أريتم هذا؟! انظر إلى الكمال المحمدي، ثم أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء ابن أم مكتوم الأعمى يقف له ويجلسه على فراشه ويقول: ( مرحباً بالذي عاتبني فيه ربي )، فهل فينا من يفعل مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألسنا أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألسنا مأمورين بالتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه؟ فإن قيل: يا شيخ! ما تعلمنا هذا ولا عرفناه، وبالتالي فنحن معذورون، لا والله، لم لا نتعلم ونعمل؟نعود فنقول: لما نزلت هذه الآية بهذه الصيغة: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ...) الآية، أتى عبد الله بن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف وأنا أعمى يا رسول الله؟ فما برح مكانه حتى نزلت: غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، استثناء على قراءة النصب، وهي قراءة سبعية، والأصل: ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ )، إذ كيف يستويان؟! هذا ضن بماله وبخل بنفسه، وهذا أنفق ماله وخرج بنفسه، وبالتالي فكيف يستويان؟!(لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ)، أو غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [النساء:95]، فإن قرأنا بالنصب فاستثناء ويصلح حالاً، وإن قرأنا بالرفع فهو نعت للفظ (القاعدون).وأصحاب الضرر هم العميان، والمرضى، والعرج، فالأعرج معذور، والأعمى معذور، والمريض معذور، وابن أم مكتوم رضي الله عنه كان أعمى، وفي آية الفتح يقول الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [الفتح:17]. قال: فلما اشتكى عبد الله بن أم مكتوم وقال: وكيف وأنا أعمى؟ نزل قوله: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، فأدخلت بين جملتي: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ )، وهذا يدل دلالة قطعية على أن الله هو الذي ينزل هذا الوحي، وأنه هو الذي يوحي به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الكلام كلام الله عز وجل وليس كلام بشر. لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:95]، وسبيل الله هو الطريق الموصل إلى رضاه، وذلك بعبادته وحده دون من سواه، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والسير في طريقه إلى آخر نفس للإنسان، وذلك لإقامة دينه وشرعه، ولإبعاد الضرر والأذى والألم عن أوليائه الذين يضطهدون ويعذّبون ويقاتلون.قال: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ [النساء:95]، من أولي الضرر دَرَجَةً [النساء:95]؛ لأنهم قعدوا فهم معذورون، ولهم أجرهم لكن مستواهم دون ذلك، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء:95]، أي: المجاهدون بأموالهم وأنفسهم، والقاعدون للضرر، الكل وعده الله بالجنة، وفسرت الحسنى بالجنة، ولهذا فرح ابن أم مكتوم رضي الله عنه. ثم قال تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ [النساء:95]، و(القاعدين) هنا من غير أولي الضرر، إذ إن القاعدين هنا الذين ضنوا بأموالهم وبخلوا بأنفسهم وما خرجوا في سبيل الله تعالى.
تفسير قوله تعالى: (درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً)
دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:96]. دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً [النساء:96]، والدرجات: جمع درجة، ولنستمع إلى هذا الخبر، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم: ( من رمى بسهم فله أجره درجة )، فقال رجل: يا رسول الله! وما الدرجة؟ فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( أما إنها ليست بعتبة بابك )، أي: ليست مثل درجة الباب، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( ما بين الدرجتين مائة عام )، أي: ليست رفع رجل فقط، وإنما بين الدرجة والدرجة الأخرى مسافة مائة عام، وقد علمنا سابقاً: أن أهل الجنة يتراءون منازلهم كما نتراءى الكواكب في السماء، وروي أيضاً في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ).

يتبع

ابو معاذ المسلم 26-04-2021 03:10 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
قراءة في كتاب أيسر التفاسير
والآن مع شرح هاتين الآيتين فلنستمع. ‏
معنى الآيات
قال: [ معنى الآيتين: روي أن ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية بهذه الصيغة: ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ )، أتى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فقال: كيف وأنا أعمى يا رسول الله؟ فما برح مكانه حتى نزلت: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ، فأدخلت بين جملتي: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وجملة: وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ .ومعنى الآية: هو أن الله تعالى ينفي أن يستوي في الأجر والمنزلة عنده تعالى من يجاهد بماله ونفسه ومن لم يجاهد بخلاً بماله وضناً بنفسه ] إذ إنهم لا يستويان.قال: [ واستثنى تعالى أولي الأعذار من مرض ونحوه ]، وقد علمنا مما تتقدم أن الأعذار هي: العرج، والمرض، والعمى، أو كتمريض رجل لوالده مثلاً، كما تأخر علي مرة على النبي صلى الله عليه وسلم لتمريض واحد من الناس بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم.قال: [ واستثنى تعالى أولي الأعذار من مرض ونحوه، فإن لهم أجر المجاهدين وإن لم يجاهدوا، وذلك لحسن نياتهم ]، إذ إن بعضهم والله لما يتأخر يبكي حتى يعود الرسول والمجاهدون من الغزو، فهو عجز وما استطاع أن يوفر له مركوباً ليركبه، أو أنه مريض في بدنه، فيبقى متألماً متحسراً حتى يعود الرسول والمؤمنون إلى المدينة، وفي هذا نستمع إلى هذا الحديث النبوي: روى البخاري تعليقاً وغير واحد من أصحاب السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قفل عائداً من إحدى غزواته -وهي غزوة تبوك- قال لأصحابه: ( إن بالمدينة -هذه-رجالاً ما قطعتم وادياً ولا سرتم مسيراً إلا كانوا معكم، أولئك قوم حبسهم العذر )، إنه إعلان نبوي. فقوله عليه الصلاة والسلام: ( إن بالمدينة رجالاً )، أي: فحولاً عظاماً، ( ما قطعتم وادياً )، أي: في مسيركم، ( ولا سرتم مسيراً )، أي: خلاف الوادي، ( إلا كانوا معكم )، لا بأبدانهم وذواتهم، وإنما كانوا معكم بقلوبهم وبما يحصل من الأجر لهم. وفي سورة التوبة يقول الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ [التوبة:91-92]، ولهذا فإنه في كل زمان ومكان إذا كان المؤمن صادق النية والعزم، لكنه عجز عن القيام بالعمل، فإنه يؤجر على نيته، فمثلاً: قام قائم وقال: اجمعوا لأخيكم مالاً حتى يعود إلى بلده، وأخذ الناس يساعدونه إلا أن أحدهم ما استطاع، إذ إنه ليس في جيبه شيء، فتألم وتحسر عند ذلك، فإنه في الأجر مع الذين أنفقوا سواء، وآخر ما استطاع أن يصوم فتتألم وكله عزم ونية أن لو يقدر على الصوم، فكذلك هو في الأجر سواء مع من صام. قال: [ ومعنى الآية: أن الله تعالى ينفي أن يستوي في الأجر والمنزلة عنده تعالى من يجاهد بماله وبنفسه ومن لم يجاهد بخلاً بماله وضناً بنفسه ]، والبخل والضن بمعنىً واحد.قال: [ واستثنى تعالى أولي الأعذار من مرض ونحوه، فإن لهم أجر المجاهدين وإن لم يجاهدوا، وذلك لحسن نيتهم وعدم استطاعتهم ] لكن لو كانت نيتك حسنة وأنت مستطيع على العمل فإن ذلك لا ينفع، إذ ما دامت النية حسنة إذاً فادفع المال وصم.قال: [ فلذا قال تعالى: وَكُلاً ]، أي: من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين للأعذار، قال [ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى التي هي الجنة ]، وهل الله يخلف وعده؟ والله ما يتخلف.قال: [ وقوله: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً أي: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً [النساء:95] لعذر دَرَجَةً [النساء:95]، وإن كان الجميع لهم الجنة وهي الحسنى ] وفضلهم الله لأنه ليس لهم عذر، وإنما قعدوا فما أنفقوا ولا جاهدوا.قال: [ وقوله تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ لغير عذر أَجْراً عَظِيماً ، وهو الدرجات العالية مع المغفرة للذنوب والرحمة للنفوس، وذلك لأن الله تعالى كان أزلاً وأبداً غفوراً رحيماً، ولذا غفر لهم ورحمهم، اللهم اغفر لنا وارحمنا معهم ] يا رب العالمين!مرة أخيرة: يقول تعالى وهو يعلمنا: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [النساء:95]، قولوا: نعم لا يستويان. فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ [النساء:95] لعذر، دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء:95]، أي: القادرين والعاجزين.ثم قال تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ [النساء:95]، والقاعدون هنا هم الذين بخلوا وضنوا بأموالهم وهم مؤمنون. وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:95]، لا يقدر قدره إلا الله تعالى، دَرَجَاتٍ مِنْهُ [النساء:96]، أي: درجات عالية يعطيها لهم، إذ إنه مالكها ومعطيها وواهبها والمنعم بها. وَمَغْفِرَةً [النساء:96]، فلا تبقي أثراً للذنب في النفس. وَرَحْمَةً [النساء:96]، وهي دار السلام. وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:96]، فما سألت الله مغفرته إلا غفر لك، ولا سألت رحمته إلا رحمك؛ لأن هذا شأنه دائماً وأبداً، فهو غفور رحيم.
هداية الآيات
قال: [ من هداية الآيتين: أولاً: بيان فضل المجاهدين على غيرهم من المؤمنين الذين لا يجاهدون ] والآن لماذا نحن لا نجاهد؟ والجواب أيها الأحباب: أن الله عز وجل قد كفانا مؤنة الجهاد بتدبيره وهو العليم الحكيم، وما أصبحنا والله في حاجة إلى أن نرسي سفننا الحربية على شاطئ أسبانيا أو إيطاليا أو فرنسا؛ لأن تلك الديار أصبحت مفتوحة الأبواب لنا، فلك أن تأذن فيها وتكبر وتدعو إلى ربك، ولا يصرفك صارف ولا يصدك صاد عن ذلك. فهذه أمريكا فيها ملايين المسلمين وعشرات المراكز والمساجد، وألمانيا فيها عشرات المساجد، والدعوة قائمة فيها، وهذه أيضاً بريطانيا أبواب الدعوة فيها مفتوحة، وكذلك فرنسا فيها ثلاثة آلاف مسجد، وإيطاليا معقل الصليبية فيها العديد من المساجد، إذاً فهيا نجاهد، لكن بم نجاهد؟ والجواب: أن الله قد أراحنا من المدفع والرشاش، وبالتالي فلنجاهد بالعلم والمال، فإن قيل: أي علم يا شيخ! نجاهد به؟ أولاً: نترك حالنا نحن المسلمين، إذ نحن هابطون لاصقون بالأرض من إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً؛ لأننا كما يعلم الله هبطنا من علياء السماء إلى الأرض وأصبحنا كغيرنا، فملئت ديارنا بالخبث والظلم والشر والفساد والعبث، لكن مع هذا نحن نقول: يجب على المسلمين أن يعودوا إلى الله، أن يتوبوا إلى ربهم، إذ إنهم أحرار، فمن الذي يمنعهم وأغذيتهم وأكسيتهم متوفرة لديهم؟!فإن قيل: كيف نتوب؟ والجواب: نعبد الله وحده بما شرع، وعند ذلك تتجلى فينا حقائق الإيمان من الأخوة والمودة والحب والولاء، وينتهي كل مظهر من مظاهر الشر والخبث والفساد؛ لأن نور الله بيننا، ولأن سنة الرسول قائمة فينا، فنحتاج فقط إلى أن نصدق الله في أننا مسلمون، ونسلم القلوب والوجوه له عز وجل.فهيا نبدأ بالتوبة والرجوع إلى الله، وذلك أن أهل كل حي من أحياء مدينة من المدن يجتمعون كل ليلة ويتلقون الكتاب والحكمة من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، لا يتخلف رجل ولا امرأة إلا لعذر حقيقي، فيجتمعون ليتعلموا وليعرفوا، إذ من المستحيل أن يلتقوا وهم جاهلون، كيف يرغبون في الملكوت الأعلى وقلوبهم مظلمة ونفوسهم مدنسة؟ثم أي شيء يكلف المؤمنين إن عملوا هذا؟ إن اليهود والنصارى والمجوس والمشركين إذا دقت الساعة السادسة أوقفوا دولاب العمل، وأقبلوا بنسائهم وأطفالهم إلى الملاهي والملاعب ليروحوا عن أنفسهم، ونحن لماذا -إذا مالت الشمس إلى الغروب- لا نحمل نساءنا وأطفالنا إلى بيوت ربنا فنتعلم الكتاب والحكمة، وكلنا عزم على أن ما تعلمناه نعمل به؟ ويبقى الحال هكذا طول العام، فلا يبقى عند ذلك باطل أو شر أو فساد أو ضعف أو نقصان، إذ مستحيل أن يبقى ذلك كله، ونرقى بسلم الكمال إلى الملكوت الأعلى.نعود إلى قضية الجهاد فأقول: ما دام أن الله قد فتح لنا العالم من الصين إلى أمريكا، فيجب أن تكوَّن لجنة عليا تضم من كل إقليم من أقاليم المسلمين عالمين اثنين، هذه اللجنة تضع خارطة لتلك الجماعات والجاليات الإسلامية في كل العالم، وتقدر نفقاتها وكم تتحملها، وتضرب على كل مؤمن ديناراً أو درهماً في العام؛ ليساهم كل مؤمن في الجهاد في سبيل الله، فتكون أضخم وأعظم ميزانية في العالم، إذ إن كل مؤمن يدفع ريالاً واحداً.ثم إن كل مركز أو كل مسجد يبعث إليه بإمام رباني عالم -ويوحدون الكتاب الذي يدرس- فيعلمهم قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا مذهبية ولا حزيبة ولا طرقية ولا وطنية، وإنما مسلمون أمرهم واحد، وفي صمت وعدم تبجح كما هي عادتنا أيام الهبوط. فهذا هو الجهاد يا من يطالبون بالجهاد، أما الجهاد والعنترية وتكفير الحكام والقتال فهذا ظلم.. باطل.. منكر.. حرام.. شر.. فساد، والله لن ينتج إسلاماً، ولن يوجد خيراً قط؛ لأنه على سبيل غير سبيل محمد صلى الله عليه وسلم.إذاً: ميدانان: ميدان الخارج، أي: تكون لجنة عليا فنعطيها قلوبنا وأموالنا، وميدان الداخل، أي: أننا نعطي قلوبنا ووجوهنا لله في صدق، وذلك بأن نجتمع في بيوت ربنا بصدق، سواء في قرانا أو في جبالنا أو في سهولنا، فنتعلم الكتاب والحكمة، ثم العزم على العمل بشرع الله عز وجل، فوالله ما تمضي سنة إلا والأنوار تغمر ديار العالم الإسلامي. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.




ابو معاذ المسلم 26-04-2021 03:11 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة النساء - (52)
الحلقة (275)

تفسير سورة النساء (57)


توحيد الله عز وجل في العبادة وإقامة شعائر دينه هو الهدف الأسمى والمطلب الأعظم من العباد، والعبد المؤمن مطالب بإقامة هذه الشعائر في بلده وأرضه، فإن لم يستطع وحيل بينه وبين ذلك وجب في حقه الهجرة إلى بلد يستطيع فيه إقامة شعائر دينه، ولا عذر له في عدم الهجرة ما لم يكن من الضعفة أو النساء أو الولدان، الذين لا يقدرون على الهجرة ولا يهتدون إلى مسالكها، فأولئك عفا الله عنهم مكثهم بين ظهراني المشركين.
مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس بإذن الله كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وقبل الشروع في دراسة آيات جديدة أعيد إلى أذهان المستمعين والمستمعات تفسير الآيتين اللتين درسناهما البارحة.يقول تعالى: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [النساء:95]، رجال دفعوا أموالهم وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، وآخرون بخلوا بالمال وضنوا بالنفس فكيف يستوون؟ لا يستوون أبداً. فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً [النساء:95]، والقاعدون هم أولو الضرر، إذ إنهم قعدوا لعلل قامت بهم، كالعرج والعمى والمرض، فهل يستوون مع المجاهدين؟ لا، ولكن لهم درجة. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء:95]، ما الحسنى يا أبناء الإسلام؟ الجنة، قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى [يونس:26]، وللذين أساءوا جهنم والعياذ بالله، والسر والعلة هو أن من أحسن فقد زكى نفسه وطيبها وطهرها فأصبحت أهلاً للملكوت الأعلى كأرواح الملائكة في الطهر والصفاء، ومن أساء إليها فقد خبثها ودساها ودفنها بأوضار الذنوب والآثام، وهذه النفس خبيثة منتنة كأرواح الشياطين، وهيهات هيهات أن تفتح لها أبواب السماء وتدخل الجنة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]، فمستحيل أن يدخل البعير في عين الإبرة، وكذلك صاحب النفس الخبيثة الملطخة بأوضار الذنوب والآثام مستحيل أن تفتح له أبواب السماء، وأن يخترق مسافة سبعة آلاف وخمسمائة عام. إذاً: من الليلة نعزم على ألا يبقى بيننا سارق ولا زان ولا كاذب ولا مراب ولا مشرك ولا ضال، وذلك حتى نسعد ونكمل في الدنيا والآخرة. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، فلا سعادة أعظم من النظر إلى وجه الله الكريم، إذ يرفع الجبار الحجاب عن وجهه فينظرون إليه فتغمرهم فرحة ما عرفوها، اللهم اجعلنا منهم. فهيا إذاً نطهر هذه الأرواح، فلا غل ولا غش ولا كبر ولا حسد ولا شرك ولا رياء ولا نفاق، لكن لا بد من العمل، إذ يقول الله تعالى في سورة النساء: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، فكن أبيضاً أو أسوداً، أعجمياً أو عربياً، ابن النبي الفلاني أو أباه، كل هذا لا قيمة له، وإنما فقط قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].مرة أخرى: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ [النساء:95]، لمرض، دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:95-96].في البارحة قد تهيأنا للجهاد بالنية، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات )، ويقول أيضاً: ( إن بالمدينة رجالاً ما سلكتم فجاً ولا سرتم مسيراً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر )، فالمسلمون الآن محبوسون بالعذر، إذ إنه ليس هناك خلافة إسلامية تحمل راية لا إله إلا الله، وتدعو إلى الله وتقاتل من أجلها.إذاً: فنحن الآن فقط ننتظر حتى يرفعوا راية لا إله إلا الله، أي: حتى يعلنها إمام المسلمين فيقول: الله أكبر، وعند ذلك يكون قد أتيحت لنا الفرصة، أما الآن فليس هناك فرصة أبداً، لكن لا يوجد الآن بلد في العالم يمنعنا من أن نصلي ونؤذن فيه، يمنعنا من أن نقيم الصلاة فيه، أو ندعو فيه إلى أن نعبد الله وحده، حتى روسيا البلشفية الحمراء تحطمت وانتهت، فلأي شيء نغزو؟!كما ذكرنا كلمة وكررناها كثيراً وما بلغني أن مستمعاً نقلها قط، وهي أنه ما دام أن الله قد فتح لنا الدنيا بتدبيره وهو العليم الحكيم، فيجب أن تكوَّن لجنة عليا من علماء هذه الملة -أهل الكتاب والسنة- يشارك فيها كل بلد إسلامي بعالمين، وتصبح أفراد هذه اللجنة ثمانون عالماً أو نيفاً وثمانون، ويضعون خارطة للكرة الأرضية من البرازيل إلى كذا، ويعرفون الجاليات الإسلامية في كل بلد، فأوروبا شرقها غربها، وأمريكا الشمالية والجنوبية، وكندا، والشرق بكامله، واليابان، والصين، فيعرفون كل جالية أين هي موجودة؟ وكم عدد أفرادها؟ كم مسجداً فيها؟ وما حاجتها؟ وبعد ذلك يعلنون للمسلمين إعلان السر حتى لا يرهبوا أعداء الإسلام: أن على كل مسلم في العالم أن يساهم بدينار واحد، فإذا كان عدد أفراد الدولة الفلانية عشرة ملايين، افرض أن خمسة ملايين من النساء، وبالتالي يؤخذ منهم خمسة ملايين دولار، وكذلك دولة عدد أفرادها مثلاً عشرون مليوناً، فيؤخذ منهم عشرة ملايين، وتصبح ميزانية لا نظير لها، وبحالة من السر والخفاء.ثم إن هذه اللجنة تتولى توزيع الكتاب، وتتولى إرسال المربين والمعلمين والمزكين للأرواح، وتتبنى بناء المسجد، وتوحد المذهب، فلا مذهبية ولا طائفية، وإنما قال الله وقال رسوله، وذلك كعهد رسول الله وأصحابه وأولادهم، فلا حنفي ولا شافعي ولا حنبلي ولا مالكي ولا أباضي ولا زيدي، وإنما فقط مسلم، قال الله وقال الرسول.ولا تعجب فنحن لنا أكثر من أربعين سنة ونحن لا ندرس مذهباً معيناً، وإنما قال الله وقال رسوله، وذلك حتى تنتهي الفرقة نهائياً، فلا إقليمية ولا طائفية ولا وطنية هابطة، وإنما مسلمون فقط، ويأخذ ذلك النور يمتد في تلك الأراضي المظلمة، فوالله ما هو إلا ربع قرن وقد أصبح الإسلام فوق ما نتصور.وإذا استقام المسلمون في الجاليات فسوف ينتقل إلينا من بركتهم ما يجعلنا نستقيم نحن في بلادنا الإسلامية، إذ إننا نستحي ونخجل عندما لا نستقيم كاستقامتهم، فلمَ لا نفعل هذا وقد أراحنا الله من الجهاد بالسيف والرشاش والصاروخ؟!
تفسير قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ...)
والآن مع هذه الآيات الأربع، يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا * وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:97-100].قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النساء:97]، وهؤلاء هم كل من مات ونفسه مدنسة مظلمة متعفنة بأوضار الذنوب والآثام. إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ [النساء:97]، والأصل: تتوفاهم. الْمَلائِكَةُ [النساء:97]، أي: ملك الموت وأعوانه، وذلك حال كونهم ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النساء:97]، أي: أنهم رضوا بالبقاء في ديار الكفر والشرك، فما استطاعوا أن يوحدوا الله وأن يعبدوه، ولا أن يصوموا ولا أن يصلوا؛ لأن المشركين يحيطون بهم من كل جانب، فماتوا وأرواحهم خبيثة منتنة قد ظلموها، فما هاجروا بل رضوا بالبقاء مع الكافرين، فمنعوهم من أن يصلوا أو أن يصوموا، أو يقولوا: لا إله إلا الله، ثم قال تعالى: قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ [النساء:97]، والقائل هو ملك الموت وأعوانه، وذلك أن ملك الموت لما يتقدم لأخذ الروح ومعه أعوانه، يستلمها ويعطيهم إياها، ثم يعرجوا بها أو يهبطوا بها، فيتعجب هؤلاء الملائكة من هذه الأرواح الخبيثة المنتنة المتعفنة ويسألون أصحابها: فيم كنتم؟! لماذا أرواحكم خبيثة ومنتنة؟! والجواب: أنهم أفرغوا وصبوا عليها أطناناً من الذنوب والآثام، ولأنهم ما كانوا يعبدون الله عز وجل، إذ إنهم كانوا ممنوعين من المشركين، فيأتيهم التوبيخ والسؤال من الملائكة: لمَ لم تهاجروا إذاً؟ أرضيتم بالبقاء من أجل أموالكم وأهليكم؟ أرضيتم بالبقاء حتى لا ينتصر دين الله وأهله، وحتى تلطخت أرواحكم وأصبحت عفنة منتنة؟ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ [النساء:97]؟ وكان جوابهم: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ [النساء:97]، أي: مغلوبين مقهورين، لا نستطيع أن نعبد الله تعالى، إذ إن أعداء الله ما سمحوا لنا، فردت عليهم الملائكة فقالت: قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97]؟ إذ إنهم كانوا يقولون: إن أرض الله ضيقة، ووالله ما هي بضيقة، فلمَ ترضون بالبقاء في ديارٍ تمنعون فيها من أن تعبدوا الله وتزكوا أنفسكم بتلك العبادة؟! وهذا دليل على وجوب الهجرة، وبالتالي فأيما مؤمن أو مؤمنة يجد نفسه في بلد أو في قرية أو في مدينة أو في إقليم لا يستطيع أن يعبد الله تعالى فيه، إلا ووجب عليه الهجرة، ولا يحل له المقام أبداً في بلد لا يمكنه أن يعبد الله تعالى فيها، ولا عذر له عند الله تعالى. قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ [النساء:97]، والقائل هو ملك الموت وأعوانه، والاستفهام للتوبيخ، أي: ما لأرواحكم ملطخة منتنة؟! أين كنتم؟ في المراحيض؟! فماذا قالوا؟ قالوا: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ [النساء:97]، أي: مغلوبين ما استطعنا أن نعبد الله فتطهر نفوسنا، وهذا عذر لم تقبله الملائكة، بل قالوا لهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [النساء:97]، وهم يقولون: لا، بل ضيقة، أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97]، ثم اسمع إلى الحكم الإلهي: فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97]، أي: أولئك الأشقياء البعداء، فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ [النساء:97]، أي: المكان الذي يؤوون إليه وينزلون فيه، جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ [النساء:97]، جهنم مَصِيرًا [النساء:97].وإن أردت تصويراً قريباً لجهنم فأشعل عود كبريت تلوح لك حرارة جهنم، أو قف في الشمس فقط، وإن أردت نسبة هذا العالم إلى جهنم فأدخل أصبعك في الفرات أو في النيل أو في البحر الأبيض ثم أخرجها، فكم نسبة من الماء علق بأصبعك؟! إن نسبة عالم النار إلى هذا العالم الذي نعيش فيه كنسبة غمس أصبعك في البحر ثم استخراجها منه، ونحن الآن كأننا أجنة في أرحام أمهاتنا، ولما نولد وتخرج الروح نشاهد العالم الثاني.إذاً: فَأُوْلَئِكَ [النساء:97]، أي: البعداء، مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ [النساء:97]، جهنم مَصِيرًا [النساء:97]، أي: يصيرون إليها.قد يقول أحدكم: يا شيخ! والعجزة من النساء والمرضى والشيوخ الكبار لا يقدرون على الهجرة، فكيف يكون حالهم إذاً؟

يتبع

ابو معاذ المسلم 26-04-2021 03:12 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
تفسير قوله تعالى: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً)
قال تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98].قال ابن عباس: كنت أنا وأمي منهم، ولذلك المرأة لما تسافر كيف تعرف الطريق؟ والمريض وكبير السن ما عنده قدرة على أن يمشي، وكذلك الأطفال الصغار، فاستثنى الله تعالى أصحاب الأعذار بحق، وهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً [النساء:98]، أي: لا قدرة لهم على التحيّل والانتقال من حال إلى حال، ولا وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98]، ولذلك لما هاجر النبي صلى الله من مكة إلى المدينة اتخذ خرّيتاً خاصاً جغرافياً ليدله على الطريق، وحتى يهرب من القبائل التي في تعترضه في طريقه. نعود إلى الهجرة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [النساء:97]، أي: حال كونهم ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النساء:97]، كيف ظلموا أنفسهم؟ يا عبد الله! كانت نفسك طاهرة كأرواح الملائكة، فقد نفخها الملك في رحم أمك وسالت في الجسم وأصبح المخلوق مخلوقاً، ثم بعد خروجه من بطن أمه أخذ هذا الطفل يرضع، ثم أخذ يحبو ويمشي إلى أن يبلغ الحلم، وروحه مضيئة مشرقة طاهرة نقية، ثم يأخذ في أن يصب عليها أنواعاً من الذنوب والآثام والأوساخ، وهو بذلك يكون قد ظلمها. ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النساء:97]؛ لأنهم بقوا في بلد لا يعبدون الله فيه، بل يعصونه فيه، وهم بذلك قد ظلموا أنفسهم. قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ [النساء:97]، والقائل لهم هم الملائكة، وما قالوا لهم: أين كنتم؟ وعند ذلك سيكون جوابهم: كنا في مكة، لكن أين يوجد هذا الظلم وهذا العفن وهذا النتن؟! قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ [النساء:97]، أي: مغلوبين مقهورين، إذ ما أذنوا لنا ولا سمحوا لنا أن نعبد الله، إذاً لم ما خرجتم وهاجرتم؟ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97]، ماذا يقولون؟ يقولون: ضيقة؟! إذاً: فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97]، اللهم إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98].
تفسير قوله تعالى: (فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً)
قال تعالى: فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:99].قال تعالى: فَأُوْلَئِكَ [النساء:99]، أي: المستضعفين، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ [النساء:99]، وعسى للترجي، ولكن في حق الله تفيد التحقيق، فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:99]، فيا بشراهم.
تفسير قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً...)
ثم قال تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:100].قال تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً [النساء:100]، وهذا خبر من أخبار الله الصادقة، وَمَنْ يُهَاجِرْ [النساء:100]، طلباً لرضا الله، يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا [النساء:100]، أي: ما يرغم به أنف أعدائه ويذل أنوفهم. فإن قلت: أنا إذا هاجرت من بلدي تركت بستاني ومتجري ووظيفتي فكيف ذلك؟ والجواب: هاجر واخرج فقط والله يهيئ الله لك ما ترغم به أنف أعدائك، هذا وعد من الله تعالى، وقد حصل هذا والله، فقد كانوا يوزعون الذهب والفضة في الأكياس، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يوزع فضة في الأكياس جاءت له من البحرين، وقد جاء إليه العباس فأعطاه حتى ملأ ثوبه وما استطاع أن يقوم به، فطلب الإعانة من الصحابة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( خلوه )، فنقّص منه.إذاً: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً [النساء:100]، أي: في الرزق والحال، وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ [النساء:100]، أي: خرج ومشى مائة كيلو أو خمسين كيلو وهو مريض ثم مات، فأجره وافي كامل كالمهاجرين، وقد حصل هذا لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد خرجوا من مكة مهاجرين بعد اضطهاد وتعذيب، وفي أثناء الطريق ماتوا فندم أو بكى عنهم إخوانهم، فكانت الآية فيصلاً في ذلك، فقال تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء:100]، أي: وقع وثبت الأجر على الله تعالى، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:100].
وجوب الهجرة عندما يحال بين المؤمن وبين عبادته لربه وإقامته لشعائر دينه
نعود إلى بيان ما هي الهجرة؟ وإلى أين تكون الهجرة؟ فأقول: لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يقيم في دار أو في بلد لا يمكنه أن يعبد الله تعالى فيه، حتى ولو كان هذا البلد مكة، إذ قد فرض الله على من قبلنا أن يخرجوا منه، وهذه قاعدة باقية إلى يوم القيامة، فلا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، وتنقطع التوبة ويغلق بابها إذا طلعت الشمس من مغربها، وهي علامة من علامات الساعة الكبرى، وعبد ذلك تقول: لقد آن أوان خراب هذا الكون، فيستيقظ الناس في الصباح فيظنون أن الشمس ستطلع من المشرق، وإذا بها قد طلعت من المغرب، ووالله لقد كان بعض الصحابة ينظرونها يومياً خوفاً من أن القيامة قد قامت.إذاً: الشخص الذي يوجد في بلاد كافر مشرك لا يسمحون له أن يصلي أو أن يصوم أو أن يذكر الله أو أن يتلو كتاب الله أو أن يتجنب ما حرم الله من مأكول أو مشروب أو ملبوس، يجب عليه أن يهاجر، فإن رفض الهجرة وهو قادر عليها ومات فقد سمعتم حكم الله فيه، إذ قال تعالى: فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97]، وإن كان شيخاً كبيراً لا يقوى على المشي، أو امرأة مسكينة لا تعرف الطريق ولا تدري أين تذهب، أو أولاداً صغاراً كذلك، فإن الله قد استثناهم وعفا عنهم فقال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ [النساء:98-99]، رجاهم ورجاء الله لا يخيب. وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:100]، أي: خرج ومشى يوماً أو يومين أو ساعة أو ساعات ثم أدركه الموت فقد وقع أجره على الله، وهو كالمهاجرين سواء بسواء، وهذه من إنعامات وإفضالات الله عز وجل.وهذا الإمام مالك إمام دار الهجرة في المائة الثانية، أدرك ثلاثمائة من التابعين الذين درسوا على أصحاب رسول الله، وأربعمائة من تابعي التابعين، يرى في الموطأ أنه يجب على المؤمن أن يهاجر من بلد إسلامي فيه بدعة، وقد بين هذه البدعة فقال: أن يسب فيها أصحاب رسول الله، وذلك كـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، إذ كيف يستطيع أن يعيش في بلد يسب فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيخشى أن يُطبع على قلبه وأن يختم على نفسه فيصبح مثلهم والعياذ بالله، فكيف إذاً ببلاد الكفر مطلقاً حيث لا يتمكن العبد من أن يعبد الله عز وجل؟! يجب الهجرة، فإذا دخلت في الإسلام اليوم أو غد، فهاجر من تلك البلاد حتى تعبد الله عز وجل، وحتى تزكي نفسك وتطهرها فتتأهل للملكوت الأعلى.وهنا استثناء فأقول: إذا كان العبد في البلاد الكافرة حراً في عبادة الله تعالى، فلا يضطهد ولا يكره على الكفر والجرائم والمعاصي فلا بأس له بالإقامة، وليس هناك حاجة إلى أن يهاجر منها، بدليل: أن أصحاب رسول الله هاجروا إلى الحبشة الصليبية المحضة، ونزلوا ضيوفاً على أصحمة رحمه الله تعالى ورضي عنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حتى يتمكنوا من أن يعبدوا الله تعالى؛ لأن الكفار في مكة قد ضايقوهم ومنعوهم من عبادة الله تعالى، إذ إن المقصود والهدف أن تتمكن من أن تعبد الله تعالى، فهو سبحانه وتعالى قد خلقك لهذه العبادة وهي سلم سعادتك إلى الملكوت الأعلى، كما أن علة وجودنا في هذه الحياة أن نعبد ربنا عز وجل، وذلك ليؤهلنا إلى أن ينزلنا في العالم العلوي الجنة.فإذا كنت في بلد بل في عمارة، وما استطعت أن تعبد الله فيها، فيجب أن تخرج من هذه العمارة ما دام أن وجودك يحملك على أن تتأثم وترتكب المعاصي والذنوب، فارحل من هذه العمارة إلى أخرى، إذ إن العبرة ما هي بمساحة الأرض، وإنما العبرة بوجود مكان تعبد الله تعالى فيه.وقد كتبنا رسالة بعنوان: إعلام الأنام بحكم الهجرة في الإسلام، وخلاصتها: أيها المسلمون في بلاد الكفر! هل أنتم مضطهدون مضطرون إليها؟ هل دولكم وإخوانكم ألجئوكم إلى الخروج من البلاد الإسلامية فلجأتم إلى تلك الديار تعبدون الله تعالى؟ فإن قلتم: نعم، قلنا: لا بأس فأنتم في خير، وإن قلتم: لا، ما اضطهدونا ولا عذبونا ولا منعونا أن نصوم ونصلي، لكن خرجنا لطلب الرزق والعيش، قلنا: والله ما يجوز لكم أن تعيشوا بين ظهراني الكفار من أجل القوت، إذاً: وقعنا في مشكلة، فما المخرج منها؟ قلت لهم وبتوفيق من ربي: يا معشر الإخوان! يا أبناء الإسلام! الطريق هي أن تنووا بإقامتكم في ديار الكفر الدعوة إلى الإسلام، فتحولوا نيتكم من طلب العيش إلى نشر دعوة الله تعالى، وأول شيء يجب أن تصححوه هو عقائدكم، وأن تكون لا إله إلا الله محمد رسول الله نوراً تلوح على أسماعكم وأبصاركم وألسنتكم، فلا خرافة ولا ضلالة ولا شرك ولا باطل، وإنما توحيد حقيقي كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
دور المسلمين المقيمين في بلاد الغرب في نشر الإسلام والدعوة إليه
ثانياً: أن تتهذب أخلاقكم وآدابكم فتسمون وتعلون على أولئك الكافرين، فيظهر منكم الصدق والأمان والوفاء والطهر حتى يتأثر بكم أولئك الكفار، أما أنكم ناوون البقاء لنشر الإسلام وأنتم تطردون الناس من الإسلام بكذبكم وجرائمكم وتلصصكم وهبوطكم فلا ينفع هذا، بل لا بد وأن تكونوا كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم أخيراً: تدعون إلى الله تعالى بالكلمة الطيبة إذا أمكنكم، ولما يكون لكم المسجد فهو مركز دعوتكم، ويأتي من يريد أن يدخل في الإسلام فيبين له، وبهذه النية فأنتم مرابطون في سبيل الله، ويجري لكم أجركم إلى يوم القيامة، وقد وزعنا هذه الرسالة، لكن ما دام أنه لا توجد لجنة عليا تحتضن مثل هذا، فقلَّ من بلغته أو عمل بها.إذاً: الذين يعيشون في بلاد الكفر ما داموا آمنين على دينهم وأعراضهم وأبدانهم فيجوز لهم البقاء هناك، لكن لا بد وأن يحولوا هجرتهم من أجل المال أو الطعام والشراب إلى هجرة من أجل نشر الإسلام والدعوة إلى الله تعالى بين الناس، وهذه النية لا تتحقق إلا بالمبادئ الآتية:أولاً: لا بد من عقيدة صحيحة سليمة، أما أن توجد جماعات خرافية ضالة تعبد الأولياء، فإن هذا لا قيمة لدينهم ولا لوجودهم، بل لا بد من عقيدة ربانية كعقيدة رسول الله وأصحابه.ثانياً: لا بد من استقامة لتكونوا مقبولين بين الكافرين، بل وأفضل منهم وأسمى وأعلى، فيظهر منكم الصدق والوفاء والشجاعة والكرم والطهر، ولا يبق مظهر من مظاهر الباطل والسوء فيكم، وبهذا تنشرون دعوة الله، ولكم أجر المرابطين في سبيل الله، ولو لم يسلم على يدك واحد طول حياتك، بل يكفيك أنك بينت الإسلام وأظهرته.والخلاصة: أن الهجرة فريضة الله على كل مؤمن إذا وجد نفسه في مكان لا يستطيع أن يعبد الله عز وجل، وبعض الشبان يقولون: نحن منعونا من إعفاء اللحية، فكيف نفعل؟ أقول: اللحية ليست هي الدين الإسلامي كله، وإنما هي سنة من سنن الإسلام، وما منعوكم من إعفاء اللحية إلا لما وجدت الفتن، وذلك كفتنة جهيمان وغيرها، حتى أصبح كل ذي لحية ينسب إلى هؤلاء الذين يعملون الفتن، وقد صدر أمر خادم الحرمين بأن هذا الباب لا يفتح علينا، والجيش السعودي ورجال البوليس بلحى.أقول: أحدثنا شغباً وتعباً للحكومة فأصبحت تتبع أصحاب هذه الفتنة، إذاً: في هذه الفترة إذا حلقت وجهك فلا بأس، وذلك حتى تسلم من الفتنة، ولما تنتهي الفتنة فباب الله مفتوح، فعد إلى سنة نبيك صلى الله عليه وسلم.والشاهد عندنا: أنهم لا يقولون: نحن نهاجر لأننا في بلادنا الآن قد منعنا من الصلاة في وقتها، لا، إذ إن هذا وقت فتنة، ولما تنتهي السنة والسنتان تعودون إلى ما كنتم حيث لا فتن.فالذين يجب عليهم أن يهاجروا هم الذين يُمنعون من أن يعبدوا الله تعالى ويوحدوه، وهذا هو الحكم الشرعي، ويبقى إذا وجدت نفسك في قرية ما فيها من يعرف الله، ولا كيف يعبد الله تعالى، أو وجدت نفسك في بلد ما فيه من يفرق بين الحلال والحرام، فإنه يجب عليك أن تهاجر إلى بلد تعرف كيف تعبد الله عز وجل، أن تهاجر إلى بلد تتعلم فيه دين الله تعالى، إذ السر في الهجرة هي أن نعبد الله من أجل أن نهيئ أنفسنا للكمال والسعادة في هذه الدار وفي الدار الأخرى، وبالتالي فأيما ظرف أو حال عطّل هذه العبادة فيجب عليك أن نرحل.وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.




ابو معاذ المسلم 30-04-2021 02:15 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 

http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة النساء - (53)
الحلقة (276)

تفسير سورة النساء (58)

رخص الله عز وجل لعباده إذا هم خرجوا في سفر أن يقصروا الصلاة إن خافوا عدوهم، وبعد أن انتشر الإسلام وأمن الناس واضمحل الشرك والكفر بقيت رخصة القصر في سائر السفر، رحمة من الله عز وجل بعباده، فمن خرج في سفر شرع له أن يقصر الصلاة الرباعية كالظهر والعصر والعشاء فيصليها ركعتين ركعتين، وأما الفجر والمغرب فلا قصر فيها.
مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فاللهم لك الحمد على ما أوليت وأعطيت، اللهم لك الحمد على ما أحسنت وأفضلت، فإنا لك شاكرون.
وجوب الهجرة عندما يحال بين العبد وربه والوعيد لمن ترك ذلك
معاشر المستمعين والمستمعات! قبل أن نشرع في آيات جديدة فنتلوها ونأخذ في دراستها، أعيد إلى أذهانكم ما سبق أن درسناه في الليلة الفائتة، قال تعالى -وقوله الحق- بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النساء:97]، كيف ظلموا أنفسهم وقد كانت نورانية كهذه المصابيح؟ ظلموها بأن أفرغوا عليها أطناناً من الذنوب والآثام فتعفنت واسودت، ومثل ذلك أن تأتي إلى مؤمن طاهر نقي فتصب عليه الأوساخ والقاذورات، وأنت بذلك تكون قد ظلمته. قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ [النساء:97]، والقائل هو ملك الموت وأعوانه، أي: قالوا لهم: فيم كنتم؟ في مزابل؟ في مراحيض؟ في أي مكان كنتم حتى أصبحتم هكذا؟ فقالوا معتذرين: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ [النساء:97]، أي: قهرونا وغلبونا ومنعونا من أن نذكر الله تعالى، وأن نقف بين يدي الله عز وجل، وأن ننكر الشرك والمشركين، فهذه هي علتهم، فردت عليهم الملائكة فقالت: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97]، فما استطاعوا أن يجادلوا؛ لأن الحجة قد قامت عليهم.فقال تعالى في الحكم عليهم: فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97]، فلماذا كان مستقرهم ومأواهم جهنم؟ لأن أرواحهم خبيثة منتنة عفنة ليست أهلاً لأن تنازل الأبرار وتجالسهم في الملكوت الأعلى، فهل في هذا ظلم؟ لا والله، إذ الآن لو يدخل عليكم رجل ملطخ بالدماء والقيوح والقاذورات والأبوال، فهل تسمحون له أن يجلس بينكم؟ والله ما تسمحون له، إذاً فكيف يُسمح لشخص ملطخ متعفن بأوضار الذنوب والآثام أن يدخل الجنة دار السلام؟!
سقوط الهجرة عن أصحاب الأعذار
وإن قلتم: يا شيخ! ما استطعنا أن نخرج من تلك الديار؛ لأننا مرضى لا نستطيع أن نمشي أو نهرب في الليل، والمرأة تقول: أنا ضعيفة لا أعرف الطريق، ولا أدري أين نذهب؟ والطفل الصغير يقول: يا رب! ما ذنبي، فماذا قال الله تعالى فيهم؟ قال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:98-99]، فهل هناك أوضح من هذا البيان الإلهي؟ لو كنا نجتمع على كتاب الله منذ نعومة أظفارنا، منذ وجود أسلافنا والله ما هبطنا أبداً، ولكن هجرنا كتاب ربنا عز وجل، وصدق الله إذ يقول على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]، حولتموه إلى الموتى.إذاً: أولاً: الهجرة واجبة من مكة إلى المدينة وجوباً عينياً لا كفائياً، ثم لما فتح الله مكة على رسول الله والمؤمنين سقطت تلك الهجرة عنهم، فأهل مكة يبقون في مكة، ثم أيما مؤمن وجد نفسه في دار أو في بلد لا يجد فيه من يعرف الله تعالى، ولا الطريق إليه، وجب عليه أن يهاجر إلى بلد آخر ليعرف الله، ويعرف كيف يعبده ويتقرب إليه.ثانياً: إذا وجد المؤمن نفسه في بلد لا يستطيع أن يقيم فيها صلاة، ولا أن يتجنب ما حرم الله، لا من أكل ولا من شرب ولا من ملبوس، فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى مكان آخر ليتمكن من عبادة الله تعالى، إذ الهجرة هي الانتقال من مكان إلى مكان لأجل أن نعبد الله تلك العبادة التي هي علة وجودنا وعلة وجود الكون كله، وهي السلم للوصول إلى الملكوت الأعلى، فإذا تعطلت من أجل فقر أو خوف هاجر يا عبد الله إلى بلد آخر.وكان أول من هاجر في سبيل الله هو الخليل إبراهيم عليه السلام، فاقتدوا بأبيكم، واقرءوا قوله تعالى: وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي [العنكبوت:26]، وذلك بعد أن حُكِم عليه بالإعدام، فأججوا النار وأوقدوها أربعين يوماً أو أكثر، وأرادوا أن يلقوه فيها حتى لا تتعلق به قلوب الناس أو يفتنهم عن دينهم الجاهلي الكافر، ولما أرادوا أن يلقوه في النار ما استطاعوا لشدة لهبها وحرها، فوضعوه في منجنيق ودفعوه من بعيد، وقبل أن يصل إلى النار عرض له جبريل فقال له: هل لك حاجة يا إبراهيم؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم، والمتصوفة والهابطون في الضلال يقولون: قال إبراهيم: حالي يغني عن سؤالي، ومعنى هذا: إياكم أن تدعو الله عز وجل، إذ إن هذا عيب عليكم، كيف تدعوه وهو يعرف حالك؟! ومعنى هذا أيضاً أنهم هدموا أعظم حصن في الإسلام وهو العبادة، إذ إن الدعاء هو العبادة ومخها، فاستطاعوا أن يحرموا المؤمنين والمؤمنات من دعاء الله حتى يبقوا هابطين، وهذا من تخطيط الثالوث الأسود، والمقلدون يقلدون ويقولون: هذا من وضع الماكرين، فقالوا: ليس هناك حاجة إلى أن تقول: رب أعطني، ارزقني، اعملي لي كذا، هل هو ما يعرف؟ معناها: أنك تقول: رب لا يدري وأنا أبين له! وهذه مقتلة ومذبحة للعقيدة، فالدعاء هو العبادة، قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف:55]، إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي [الجن:20]، فمن ترك دعاء الله كفر، فهل عرفتم من أين أخذوا هذا؟ إبراهيم قال: أما إليك فلا، أي: أنا أدعو ربي فقط، فقال الله عز وجل: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فانقلبت برداً لولا قوله: وسلاماً، إذ إن البرد يقتل كالنار تقتل، وما أتت النار إلا على قيد في يديه ورجليه، فأحرقته فقط وخرج وقال: إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي [العنكبوت:26]، فودعهم وتركهم، وهاجر معه ابن أخيه لوطاً وامرأته سارة، فخرجوا تائهين في الأرض، ليس عندهم ما يركبون ولا ما يأكلون، فاتجهوا غرباً تجاه فلسطين.
بيان من هو المهاجر الحق
فهل فيكم من قد هاجر؟ هذا رجل يقول: أنا من المهاجرين، على كل حال الله يعلم ما في نياتنا وقلوبنا، فالذي يهاجر من بلد إلى بلد يريد وجه الله هو المهاجر، لكن أفضل المهاجرين هو من أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( المهاجر )، و(أل) الدالة على عراقة الوصف ومكانة ...، ( المهاجر ) بحق، ( من هجر ما نهى الله ورسوله عنه )، أي: المهاجر بحق وصدق، من هجر، أي: ترك، ما نهى الله تعالى عنه ورسوله من سائر المنهيات والمحرمات، فذلك هو المهاجر بحق، فمن فاتته الهجرة من دار إلى دار فلا تفوته، فاستعن بالله واهجر بقلبك وبسمعك وببصرك كلما نهى الله تعالى عنه ورسوله.واعلموا أنه لا بد من أن تكون القلوب مقبلة على ربها، فصححوا معتقداتكم، وحققوا معنى لا إله إلا الله، فصاحب هذه المنزلة العالية قلبه لا يتقلب إلا في طلب رضا الله، أما مع دعاء الأموات والاستغاثة بهم والنذور لهم والعكوف على قبورهم والتمسح بأتربة أضرحتهم، فهذا يتنافى منافاة كاملة مع الإيمان بالله ورسوله، إذ لا يصح أبداً أن يكون صاحبها مؤمناً، وقد خدعونا وغرونا وفعلوا بنا العجب، والحمد لله قد صحونا وانتبهنا وعرفنا ألا إله إلا الله معناها: لا ينبغي أن يوجد في الأكوان من نقبل عليه بقلوبنا ووجوهنا إلا الله تعالى، فلو تعطش ألف سنة لا تقل: يا سيدي عبد القادر اروني، ولو تجوع حتى يكاد الجوع أن يقتلك فلا تقل: يا أولياء الله! أنا خادمكم، ولو تصاب بمصائب فلا تفزع فيها إلى غير الله أبداً؛ لأن هذه الفضائل والمقامات السامية لا بد لها من أصل ألا وهو توحيد الله عز وجل.إذاً: المهاجر المؤمن الصادق ذو التوحيد الخالص هو الذي هجر كل ما نهى الله عنه من الكذب والغيبة والنميمة والغش والخداع والعجب والسرقة والفجور والزنا والربا وعقوق الوالدين وأذية الجيران وأذية المؤمنين، بل كل ما نهى الله ورسوله عنه، فهذا هو المهاجر حقاً، فاللهم اجعلنا منهم.

يتبع

ابو معاذ المسلم 30-04-2021 02:15 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
فضل الهجرة في سبيل الله تعالى
وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً [النساء:100]، هذا خبر إلهي، فأبشروا يا عباد الله، من يهاجر في سبيل الله ويترك الدار والبلاد لأنهم ما سمحوا له أن يعبد الرحمن فيها، فليعلم وإن ترك ماله وترك منصبه أن الله سيعوضه الله -والله- خيراً مما ترك بهذا الوعد الإلهي. يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا [النساء:100]، أي: ما يرغم به أنف أعدائه الذين منعوه من عبادة الله تعالى، وَسَعَةً [النساء:100]، أي: وسعة في رزقه الخير الكثير، وقد هاجر المسلمون من مكة فتركوا أموالهم وأوطانهم، وما هي إلا سبع أو ثمان سنوات إلا وهم يوزعون الفضة في الأكياس، فيا من تهجر ما نهى الله عنه ورسوله امنع نساءك وبناتك من السفور، ولا تخاف ولا تشقى ولا تتعب، بل طهر بيتك واهجر منه ما يشابه بيوت الغافلين، من الفيديوهات والتلفازات التي تعرض العواهر وهن يغنين ويرقصن وأهل البيت يشاهدون نساء ورجالاً! بل حتى لو كنت في بلد لا تستطيع أبداً إلا أن يكون في بيتك تلفاز ونساؤك وأطفالك يشاهدون، والله لوجبت عليك الهجرة، وحرام عليك أن تبقى في ذلك البلد، ولو تلتحق برءوس الجبال خير لك، ولكن الحمد لله ليس هناك مؤمن قد أكره على هذا، لا في بلاد الإسلام ولا في بلاد الكفر أبداً، ولكن الجهل وظلمة النفس هي التي أوقعت الناس في هذا.سألني شاب فقال: هل يجوز لبناتنا أن يمارسن الرياضة البدنية؟ فقلت: لا، فقد أعطانا الله رياضة حُرِمها اليهود والنصارى والبلاشفة والعالم الكافر بكامله، هذه الرياضة تؤدى خمس مرات في اليوم والليلة، ألا وهي إقامة الصلاة، فوالله لو أقمنا الصلاة كما أراد الله ورسوله ما احتجنا إلى رياضة بدن قط، لكن أكثرهم لا يصلون، ومن صلى لا يطمئن ولا يستقر، فلو أنك تقف معتدلاً كما يعدلونك أصحاب الرياضة ثم قلت: الله أكبر من كل جوارحك، ثم تأخذ في تلاوة الآيات-وأنت مع الله-فتفصح في بيانها وإخراجها من فمك، ثم تقول: الله أكبر، وتمد ظهرك وصلبك وتقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، وذلك سبع مرات، أو تسع أو إحدى عشرة أو عشرين وأنت في تلك الحال، ثم ترفع باعتدال وتقول: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ثم تقول: الله أكبر، وتمد نفسك على الأرض، وجبهتك وأنفك وأعضاؤك كلها مشدودة وأنت تسبح فتقول: سبحان ربي الأعلى، وتدعو بما شئت من خيري الدنيا والآخرة، ثم ترفع فتقول: الله أكبر، وتجلس جلسة معتدلة وتقول: رب اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني، وتفعل ذلك في صلاتك كلها، والله لا توجد رياضة أنفع من هذه، وأن أتكلم على علم، أمع هذا نقول: هل لبناتنا أن يمارسن الرياضة؟! لو كانت الرياضة ضرورية لبدن المسلم لأنزل الله فيها قرآناً، ولشرعها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الله شرع إقامة الصلاة فقال: وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [البقرة:277] ولم يقل: صلوا، فتؤدى خمس مرات كل مرة على الأقل نصف ساعة مع النوافل والقيام في الليل وفي آخره، فهل صاحب هذه الرياضة يحتاج إلى أن يجري في الشارع؟! وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا [النساء:100] إلى من؟ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ [النساء:100] قبل الوصول، كأن مرض في الطريق فمات، فما أجره؟ قال: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء:100] ويجزيه به، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:100].فهذه الآيات المباركات التي درسناها بالأمس تستقر هذه العلوم في أذهانكم، كما عرفتم أول المهاجرين، وعرفتم المهاجر الحق من هو؟ الذي يهجر ما نهى الله عنه ورسوله، فإن فاتتك الهجرة لكونك آمناً في ديارك، فإن هناك هجرة أخرى أعظم من تلك، ألا وهي أن تهجر ما نهى الله
ورسوله عنه من سائر الذنوب والمعاصي.
تفسير قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ...)
والآن مع قول الله عز وجل: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101]، كانوا وما زالوا إلى يوم القيامة. ‏
جواز قصر الصلاة لمن كان مسافراً
وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [النساء:101]، أي: ضربتم بأرجلكم مسافرين للهجرة أو للجهاد أو للتجارة أو لأي عمل كان. فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ [النساء:101]، أي: حرج أو تضييق أو إثم أبداً. أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101]، أي: أن تقصر الطويلة منها، فتصلي الظهر ركعتين، وتصلى العصر ركعتين، والعشاء ركعتين، أما المغرب فوتر لا تنقص، إذ هي وتر النهار، والصبح كما هي. إذاً: هذه الآية تحمل حكماً فقهياً وهو مشروعية قصر الصلاة الرباعية في حال السفر للجهاد أو للعمرة أو للتجارة أو لأي عمل شرعي يحبه الله ويأذن فيه. وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101]، وهذا الشرط قد زال، فقد تحررت الجزيرة واستقلت البلاد وقامت دولة الإسلام، وما بقي من يخاف، فتمشي من الرياض إلى المدينة، أو من مكة إلى نجران ولا تخاف شيئاً، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلن عن عفو الله عنه، فشرع قصر الصلاة في السفر، وأنها سنة ثابتة وقائمة إلى يوم القيامة، وليست مستحبة أو فضيلة من الفضائل فقط، بل رحمة الله عز وجل بالمؤمنين، فقد أذن لهم أن يقصروا الرباعية، فبدل أن يصلوا الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، يصلوها ركعتين ركعتين وإن كنا في أمن كامل.
معنى قوله تعالى: (إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً)
ثم قال تعالى: إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101]، أي: كانوا وما زالوا عدواً واضحاً بيناً، وأقل ما يحمله على عداوتك أن يراك تسعى لتكمل وتسعد وهو يسعى ليشقى ويهلك، وهو ما يحب لك هذا، والآن بعض الأوروبيين يعرف الإسلام، ولكن شهوته ودنياه ما تتركه يدخل في الإسلام فيتقيد بالصيام والصلاة والأوامر الأخرى، فما يقوى على هذا، ومن ثم يحسد المسلم لأنه يدخل الجنة وهو يدخل النار، وصدق الله العظيم إذ يقول: إِنَّ الْكَافِرِينَ [النساء:101]، أي: المتوغلين في الكفر، كَانُوا [النساء:101] وما زالوا، لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101]، أي: واضح بين.
بعض الأحكام المتعلقة بالسفر
ونعود إلى بعض الأحكام المتعلقة بالسفر فأقول: هذه الآية تدل على مشروعية القصر، وأن القصر سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل إن بعض أهل العلم يقول: إن القصر واجب، ويستشهد بحديث: ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم زيدت في الحضر وأقرت في السفر )، والحديث روته عائشة وخالفته بعملها، وقال أهل الملة الصحيحة من المذاهب الأربعة: لا وجوب أبداً، وإنما القصر من سنن الإسلام، فلو أتم لما بطلت صلاته ولما لحقه إثم أبداً؛ لأن الذي يقول: إن القصر واجب، لو صليت أربعاً فإنك صلاتك باطلة، فأنت زدت فيها ركعتين، وفي الحقيقة هذه الأقوال الشاذة والبعيدة والمتطرفة نحن بعيدون عنها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا مذهبية ولا تعصب، وإنما مسلمون نطلب الطريق إلى الله عز وجل من كتابه وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.إذاً: القصر سنة مؤكدة فلا تتركه يا عبد الله، يقول الرسول: ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته )، فهل يتصدق عليك مولاك وتقول: أنا لا أقبل؟ هل هذا أدب مع مولاك؟ إنها صدقة تصدق الله بها علينا فلنرضى بها ولنفرح ولنحمد الله على ذلك.ثم إن قوله: ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [النساء:101]، يعني: مسافرين، فكم هي مسافة القصر؟ من العلماء من يقول: كل سفر يجوز للمؤمن أن يقصر فيه، ومعنى هذا: من خرج من هنا إلى أحد فهو مسافر؛ لأنه تجاوز البلد، وسافر كما تسفر المرأة إذا أبعدت الحجاب عنها، وهذا القول باطل ومردود وإن كان صاحبه من أئمة الإسلام وبصائر الهدى كـابن حزم، إذ السفر الحق هو الذي يرحل فيه الإنسان عن بلده ليجتاز مسافة يوم، أما مسافة عشر دقائق أو ربع ساعة في البستان فليس بسفر هذا، وإن تركت الدار وراءك، والدليل على ذلك: أن أسفار النبي صلى الله عليه وسلم كلها كانت أكثر من يوم وليلة.وبعض الفقهاء من قال: يجوز القصر إن كانت المسافة سبعين ميلاً أو خمسة وثمانين كيلو، والقول الذي قلت به ورجحته وكتبته في المنهاج أنه ثمانية وأربعين كيلو، وهو قول وسط، وديننا دين الوسطية، ومنهم من يقول: مسافة عشرين ميلاً، ومنهم من يقول: ثمانين أو خمسة وسبعين، والدليل على ما ذهبت إليه دليل علمي، ألا وهو أن الميل في لغة العرب ولغة القرآن وعرف علماء الأندلس وأئمة الإسلام ألفا ذراع، وألفا ذراع هو كيلو متر، والكيلو متر فيه ألف متر، والمتر ذراعان، وهنا فإن أوروبا قد أخذت هذا من الإسلام، إذ ما كانوا يعرفون الكيلو متر، وبالتالي فمن سافر مسافة ثمانية وأربعين كيلو فما فوق فهو مسافر وله جواز القصر، فإذا ركبت بعيرك أو حمارك ومشيت فإنك لا تستطيع أن تقطع خمسين كيلو إلا وقد انتهى النهار، ومع هذا إذا قال الرجل: أنا حنفي أو شافعي أو حنبلي أو مالكي لا أقصر، فهذا شأنه ولا نلومه أبداً، وجزاه الله خيراً، وإنما فقط من قال: أنا أقصر إذا خرجت من البلد فلا نقبل ذلك منه؛ لأن هذه ليست مسافة قصر، أما إذا كانت المسافة مسافة قصر فله أن يقصر، ومسافة القصر كما ذكرنا ثمانية وأربعين كيلو، سواء بالحمار أو بالسيارة أو بالطيارة أو بغير ذلك، قال تعالى: وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]. ثانياً: متى نبتدئ في القصر؟ لما تترك البلد والدور وراءك، فإذا حضرت الصلاة وأنا إنسان مسافر إلى جدة مسافة خمسين كيلو فأقصر، لكن لا تقصر وأنت في البلد، كأن دخل وقت العشاء فنصلي العشاء ركعتين فلا يجوز هذا أبداً حتى تفارق البلد الذي خرجت منه، أما إذا دخلت البلد التي سافرت إليها، كأن سافرت إلى ينبع وأذن المغرب فقلت: سأصلي المغرب والعشاء ونخرج، فيجوز لك ذلك لأنك مسافر، إذ إن ينبع ما هي بلدك، إنما فقط بلدك التي أنت فيها مقيم، فلا تقصر حتى تغادر وتترك بلدك وراءك، والآن نحن نقصر في مطار المدينة إذا حضرت الصلاة؛ لأننا قد تركنا المدينة وراءنا بأميال وهكذا، ثم تبقى تقصر إلى أن تعود إلى بلدك، فإذا دخلت بلدك انتهى القصر وجاء الإتمام والتتميم.ويبقى مسألة وهي: إذا نويت الإقامة بجدة أو بالقاهرة أو بالرياض يومين أو ثلاثة أو أربعة فلك أن تقصر الصلاة، لكن إذا عزمت أن تقيم أكثر من أربعة أيام، كأن عزمت أن تقيم خمسة أيام أو أسبوعاً أو شهراً فلا تقصر؛ لأنك أصبحت مقيماً، فأنت إذا سافرت الآن إلى مدينة بريدة، وأردت أن تقيم خمسة عشر يوماً أو عشرة أيام، فبمجرد ما تدخل المدينة لا تقصر الصلاة؛ لأنك أصبحت من أهلها، أما إذا كنت لا تدري هل سنخرج غداً أو بعد غد؟ ففي هذه الحال تبقى تقصر ولو شهراً، وقد قصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصلاة في تبوك عشرين يوماً، فقد خرجوا من المدينة وأخذوا في قصر الصلاة حتى عادوا؛ لأن الرسول ما يرحل ولا يقيم إلا بإذن الله، فهو ينتظر أمر الله عز وجل، فهو لا يدري متى يقول: سافروا أو تقدموا لقتال العدو؟ وهذا الذي عليه الأئمة الجمهور، وهو الوسط. إذاً: إن نوى الإقامة لأكثر من أربعة أيام فإنه يتم الصلاة حتى يستأنف السفر ويقبل خارجاً من بلده، فإن لم يدر متى يخرج غداً بعد غد، فإنه يبقى يقصر ما دام كذلك ولو عاماً.وهنا استغل بعض الطلبة فقلدوا الأباضيين، والأباضي إذا رحل من بلده وترك زوجته وأولاده فهو مسافر، ولو فتح دكاناً أو متجراً عظيماً، فإنه يشتغل لأعوام ويقول: أنا مسافر؛ لأن امرأتي في البلد، وقد أخذ هذا بعض طلاب العلم الذين يدرسون في أمريكا وأوروبا فقالوا: نحن نقصر لأننا لسن من أهل البلد، وقد أخطئوا، وبالتالي يجب أن يراجعوا أمرهم، ثم أي سفر هذا؟!كذلك الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جائز، فلك أنت فيه حر، فلك أن تجمع، ولك ألا تجمع، إذ كونك تصلي الصلاة في وقتها هذا أفضل لك، لكن إذا الضرورة استدعت ذلك، كأنك أصابك التعب أو الإعياء فاجمع ولا تتحرج، فتجمع المغرب والعشاء، والظهر والعصر، إن شئت جمع تقديم فتصلي العصر مع الظهر، أو جمع تأخير فتصلي الظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء، أو تصلي العشاء مع المغرب فهذا جمع تقديم، والكل واسع، وراعي فيه مصلحة سفرك وحاجتك إلى ذلك، وإن شاء الله سنعود إلى الآية في يوم آخر.وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.




ابو معاذ المسلم 30-04-2021 02:17 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة النساء - (54)
الحلقة (277)

تفسير سورة النساء (59)


الصلاة هي عمود الدين؛ لذلك فإن الله لم يرخص لأحد في ترك الصلاة حتى لو كان مريضاً أو خائفاً، فشرع للمريض صفة صلاة تناسبه، وشرع للخائف صفة صلاة تناسبه، وصلاة الخوف تكون عند ترقب لقاء العدو أو أثناء المعركة، ولها صفات متعددة تصل إلى إحدى عشرة صفة، تتناسب مع الحال التي يكون فيها المؤمنون، وموضعهم من عدوهم، فإذا زال الخوف عاد المسلمون لإقامة صلاة الجماعة كما كانوا يقيمونها أول الأمر.
مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في هذه الليلة ليلة الأحد من يوم السبت ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق رجاءنا، وأعطنا سؤلنا، وارفع درجاتنا، واجعلنا من عبادك الصالحين.ومعنا هذه الآيات الأربع وقد درسنا الآية الأولى منها، وبقي معنا الآيات الثلاث وهي تتحدث عن مسألة فقهية، فاللهم فقهنا في الدين، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ).فهيا نتلو الآيات ونستمع ونصغي ونتدبر ونتفكر حتى نفهم مراد الله تعالى منها، إذ إننا مأمورون بتدبر القرآن الكريم، فقال مولانا: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وهذا في الحقيقة ذم للمنافقين؛ لأنهم لم يتدبروا القرآن الكريم، أما المؤمنون فإنهم يتدبرون الآيات حتى يفهموا ما يريد الله تعالى منهم فيقدموا مطلوب الله، فأولئك هم المؤمنون الأحياء، فهيا نتلو الآيات الكريمات حتى نفهم مراد الله تعالى منها، فقال تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا * وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:101-104]. وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [النساء:101]، أي: ضربتم بأرجلكم مسافرين، إذ الماشي على الأرض يضربها برجليه. فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ [النساء:101]، أي: تضييق وحرج. أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101]، فتصلوا الرباعية كالظهر والعصر والعشاء اثنتين، وقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم لـعمر عندما قال: قد زال الخوف يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ). وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101]، وهذه الآية قد درسناها.وخلاصة ما علمناه من الآية: أن قصر الرباعية في السفر سنة مؤكدة، ولا نقول كما يقول بعض الغلاة: إنها فريضة، ولو أتم أحد فصلاته باطلة، وهذا اتركوه جانباً، ولا نقول: هذه رخصة إن شئت عملت بها وإن شئت تركتها، فأيضاً نترك هذا جانباً؛ لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمتنا ما تركوا القصر قط في المسافات التي يقصر فيها، فالصلاة ذات الأربع الركعات كالظهر والعصر والعشاء تقصر إلى اثنتين اثنتين، وتقرأ في الأولى بالفاتحة وسورة، وفي الثانية كذلك، والمغرب لا تقصر لأنها وتر، والصبح لا تقصر لأنها ركعتان.وأما المسافة التي نقصر فيها فكذلك نترك الغلو أو التطرف كما يقولون، فلا نقول: كل من خرج من بلده كيلو متراً فإنه يقصر، بل لا بد وأن تكون المسافة مسافة يوم وليلة على بعيرك، وأقلها ثمانية وأربعين كيلو متراً، فإذا خرجت من بلدك وكانت المسافة ثمانية وأربعين كيلو أو خمسين كيلو، ثم أذن المؤذن فدخل الوقت فلك أن تقصر حتى ترجع إلى بلدك، فإذا دخلت بلدك فقد انتهى القصر، وإن أقمت في البلد الذي سافرت إليه أكثر من أربعة أيام أو أسبوعاً أو شهراً فيجب أن تتم صلاتك؛ لأنه قد انتهى السفر، لكن إن أقمت فيها يوماً أو يومين أو ثلاثة إلى الأربعة فاقصر، وإن كنت لا تدري متى تخرج منها غداً أو بعد غد، أو حتى يجيء فلان، ما استقريت أبداً على مدة المكث، أو استقريت على البقاء في هذا البلد أكثر من أربعة أيام، فواصل القصر حتى تعود، وهذا الذي عليه أئمة الإسلام: مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وتلامذتهم.وأما الجمع في السفر فللمسافر إذا احتاج إلى الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، أن يجمع، وهذا جائز، وليس بسنة يثاب عليها ويأثم على تركها، وإنما يجوز فقط، وينظر المسافر في ذلك إلى مصلحته، فله أن يصلي الظهر والعصر في وقت الظهر أولاً، أو يؤخرها ويصليها في وقت العصر، أو يصلي المغرب والعشاء في وقت المغرب، أو يؤخر المغرب ويصليها مع العشاء. وقد نجمع ليلة المطر، وذلك أيام كان لا أضواء ولا سفلتة للطرقات، وليس عندنا ثياب ولا مدفئات كاليوم، فيؤذن للمغرب فيصلي أهل القرية المغرب والعشاء ثم يعودون ما دام الضوء موجوداً في الشوارع، وهذه رحمة الله بنا، ورخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته.وكذلك المريض الذي يصعب عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها، فله أن يجمع وهو على فراشه، فيصلي الظهر مع العصر جمع تقديم أو تأخير، ويصلي المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير؛ لمرضه وعلته وعدم قدرته على القيام والصلاة. الآية مرة أخرى، قال تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ [النساء:101] وما زالوا، عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101]، وهنا قال عمر: ( قد انتهى الخوف يا رسول الله؟ فقال: اسكت يا عمر! هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته )، فأولاً كان العذر: السفر والخوف، وإذا زال الخوف يبقى هذا كصدقة تفضل الله بها علينا، فنأخذ بصدقة الله ولا نردها أبداً.
تفسير قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ...)
والآن مع الآيات الباقية وهي في صلاة الخوف، قال تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا * وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:102-104].صلاة الخوف يعني إذا كنت خائفاً كيف تصلي؟ قالت العلماء: إذا كان السيل آت من الغرب إلى الشرق، وإذا دخلت تصلي جاءك السيل فأغرقك وأهلكك، استقبل السيل واترك القبلة، وكذلك عدو ينتظرك ويتربص بك وأنت تعلم أنه يجيء من هذا الطريق، فإذا أردت أن تصلي فاستقبل جهة العدو، وكل هذا حفظاً لأولياء الله عز وجل من أن ينالهم مكروه أو سوء.فهيا بنا إلى صلاة الخوف في حال الحرب، قال تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ [النساء:102]، أي: يا رسولنا! والمخاطبون هم أصحابه صلى الله عليه وسلم، وقد شذ أبو يوسف من أئمة المذهب الحنفي فقال: إن صلاة الخوف قد انتهت؛ لأنها لا تكون إلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ إن الله قد قال: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ [النساء:102]، وما دام أن الرسول ليس بيننا إذاً ليس هناك صلاة خوف، فرد عليه أهل العلم أجمعون، وقالوا: فقط أن يكون معنا إمامنا وحامل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا صلى بنا صلينا وراءه في حال الخوف وفي حال السلم.
صفة صلاة الخوف
فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء:102]، أي: أذن المؤذن للصلاة وأقامها، فماذا نصنع؟ قال: فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء:102]، أي: اقسم الجيش إلى قسمين، فقد يكونون أربعون أو مائة شخص أو مائتين أو أربعمائة، فاقسمهم إلى نصفين.إذاً: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء:102]، أي: دعوتهم إليها وأقمتها، فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء:102]، أي: يصفون فيصلون وراءك. وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102]، أي: ما يضعون الرشاش والمدفع أو السيف أو الرمح، بل يحملونها استعداداً لما قد يحدث.إذاً: وَلْيَأْخُذُوا [النساء:102]، وهذا أمر، يأخذون ماذا؟ أَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102]، وما قال: سيوفهم؛ لعلمه أن يوماً سيأتي ما ينفع فيه السيف. فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ [النساء:102]، أي: فإذا سجدت يا رسولنا ومن معك فليكن أولئك الحاملون للسلاح من ورائكم يحمونكم. مرة أخرى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102]، ولا يضعونها، بل يصلون وأسلحتهم على أعناقهم وأكتافهم، فَإِذَا سَجَدُوا [النساء:102] أي: الذين معك، فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ [النساء:102]، أي: أولئك الذين هم كالحرس يحمونكم. وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102].ولصلاة الخوف أكثر من إحدى عشرة صورة، وكل ذلك بحسب شدة الخوف ووضع المعركة، وهذه الصورة التي في هذه الآية تقتضي أن يكون العدو غير حاضر، وإنما نتوقع هجومه علينا فقط، وفي هذه الحال يقول إمامنا بعد أن يقيم الصلاة فينا: فلتأت طائفة ولتصل ورائي، فيصفون ويصلون وراء الإمام، والطائفة الأخرى تقف في وجه العدو، والكل سلاحه في يده أو على كتفه، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة ويبقى واقفاً وهم يتمون لأنفسهم، ثم يذهبون إلى المعسكر، فيقفون موقف أولئك، ثم يأتي أولئك فيصلي بهم الإمام ركعة ويبقى جالساً ويقومون هم فيصلون الركعة الثانية ويسلم بهم الإمام جميعاً.وخلاصة القول: أن هذا بحسب وضع المعركة، فأحياناً يتطلب منا أن نصلي ونحن على صهوات الخيول، والرجل يجري وهو يصلي، والمهم أن صلاة الجماعة هي منبع الفضائل الإسلامية، ومصدر المودة والإخاء والتعاون، وقوام هذه الملة، فلا تترك حتى في حال الحرب، بل حتى في شدة الخوف، والله ليصلين أحدهم وهو يطارد العدو، وذلك خوفاً من أن يفوته، وأما الهارب فلا تسأل. إذاً: للمسلم في الحرب أن يصلي بالإيماء، أو يصلي على ظهر الخيل بالإيماء والإشارة، وليس شرطاً أن يأتي بالركوع والسجود، وإنما بحسب وضع المعركة، فإن تطلب منا الوضع أن نصلي ونحن نهاجم العدو نصلي بالإيماء والإشارة، إن لم يتطلب منا الوضع لأننا ما أطلقنا الرصاص بعد، والعدو ينتظر متى نغفل حتى ينصب علينا، فنقسم أنفسنا إلى قسمين، فقسم يقفون في وجه العدو، وقسم يصلي ركعة مع الإمام، ثم يتمون لأنفسهم والإمام واقف ينتظر، ثم تذهب حتى تقف في وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلون وراء إمامنا الركعة الثانية، ركعتين، ويبقى الإمام جالساً فيصلون الركعة الثانية ويسلم بهم، ولا نقول: كيف هذا؟ هذا تشريع الله وقد أذن الله فيه ولا حرج.واسمعوا إلى الآيات مرة أخرى، يقول تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ [النساء:102]، وقد أبطلنا قول من قال: ليس هناك صلاة خوف إلا مع النبي صلى الله عليه وسلم! وتسعة وتسعون في المائة قالوا: صلاة الخوف تصح وراء إمامنا في المعركة، ولا نحتاج إلى رسول الله في كل مكان، والمهم أن هذا القول لا التفات إليه، وأما قوله تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ [النساء:102]، فلأنه يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن ينزل وهو يشرع ويبين، والإنسان الذي قال بهذا القول مهما كان قد تزل قدمه، إذ قد يخطئ البشر، لكن ما نأخذ بأخطاء شخص ونترك صواب مائة، فدائماً كن مع جماعة المسلمين، أما أن يشذ شاذ فنجري وراءه فإننا سنهلك، ثم ما الداعي إلى ذلك؟ وهل هو أفضل أم أمة كاملة أفضل؟ ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بالجماعة ). وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ [النساء:102]، أي: الآخرون الذين يحمونكم، وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى [النساء:102]، هي نفسها، لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102].ثم قال تعالى: وَدَّ [النساء:102]، من؟ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:102]، ومعنى: (ود): أي: أحب، وهي تعني أكثر من كلمة الحب. وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ [النساء:102]، يخبر الله تعالى عما في قلوبهم، إذ هو خالق القلوب وعالم بحركاتها. وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً [النساء:102]، فإذا مالوا عليهم وهم يصلون أكلوهم. وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ [النساء:102]، وتصلوا؛ لأنه إذا كان هناك مطر وشخص مريض ما يقوى على حمل سلاحه فله أن يضع سيفه بين يديه ولا حرج، وهذه رخصة ثانية.يقول تعالى: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:102]، أي: لا إثم ولا حرج، إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ [النساء:102]، وهذه رخصة، وَخُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:102]، أي: يجب أن تأخذوا حذركم من عدوكم. إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء:102]، أي: إن الله قد هيأ للكافرين عذاباً مهيناً يهينهم ويكسر أنوفهم ويذلهم بأيديكم أيها المؤمنون.

يتبع

ابو معاذ المسلم 30-04-2021 02:17 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
تفسير قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فاذكروا الله...)
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103].قال تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ [النساء:103]، أي: فرغتم منها، فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء:103].إذاً: خلقنا للذكر فقط، فقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، سواء كنا في الصلاة أو في الجهاد، فإذا اطمأننا، فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ [النساء:103]، أي: فرغتم منها، فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء:103]، وهذا اللفظ يدخل فيه كل مؤمن ومؤمنة، فإذا فرغ من الصلاة فيذكر الله عز وجل وإن كان يمشي، وإن كان يقود سيارته، بل يقود طيارته وهو يذكر الله، إذ إن ذكر الله غذاء روحي يزيد في طاقة إيمانك، ويزيد في طاقة صبرك، ويزيد في طاقة كمالك، ويدخل فيه الدعاء وأنواع الذكر؟ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء:103]، وهذا اللفظ أيضاً يدل على أنه إذا اشتدت المعركة نصلي على أي حال، فلك أن تصلي وأنت جالس والرشاش في يدك؛ لأنك إن قمت ضربك الآخر برصاصة، بل ممكن أن تنام على جنبك حتى تتقي الرصاصة، وثم أنت تذكر الله وتصلي. فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ [النساء:103]، وزال الخوف والإعياء والمرض، فإذا اطمأننتم ماذا تصنعون؟ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء:103]، أي: أقيموها كما تقام في حال الأمن والصحة والعافية، وأتموها على الوجه الذي نزل به جبريل وعلم رسول الله كيف يصلي، فيقوم ويقرأ ويطمئن في الركوع وفي السجود وفي الجلوس. فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ [النساء:103]، يعني: زال الخوف وسكنتم فأقيموا الصلاة، وإن قلت: لم يا الله؟ والجواب: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، أي: كتاب مؤقت، صلاة مؤقتة، فلا تستطيع أن تصلي أي صلاة في غير وقتها، إذ إن الصلاة مؤقتة بأوقاتها المحددة من قبل ذي العرش جل جلاله وعظم سلطانه، فلا تصح صلاة قبل وقتها أبداً إلا ما أذن فيه عز وجل، وذلك كالجمع بين الصلاتين للمسافر والمريض كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، وقد نزل جبريل فصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح عند الكعبة في أول وقتها، ثم جاء الظهر فصلى بالرسول عند الكعبة في أول وقتها، وجاء كذلك في العصر وفي المغرب وفي العشاء، ثم جاء اليوم الثاني فصلى به جميع الصلوات في آخر الوقت، ثم قال له: ما بين هذين وقت، أي: ما بين صلاتنا أمس وصلاتنا اليوم وقت، فمثلاً: يؤذن للظهر على الساعة الثانية عشرة وربع، وهو في اليوم الثاني جاءه في الثالثة فصلى به، والعصر في الثالثة والربع، فهذه الربع الساعة ما بين هذين وقت، وهكذا صلى العصر عند الساعة الثالثة والربع، وفي اليوم الثاني الخامسة والربع صلى العصر، وقال: ما بين هذين وقتين، إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103].
تفسير قوله تعالى: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم...)
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:104].ثم قال تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ [النساء:104]، أي: يا أولياء الله! يا جيش الرحمن! لا تهنوا ولا تضعفوا، والوهن هو الضعف والانهزام والخور. وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ [النساء:104]، أي: في طلب العدو وأنتم تجاهدون. إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ [النساء:104]، لجراحات أو تعب أو مرض أصابكم. فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ [النساء:104]، أي: هم، فإذا تألمنا نحن للتعب وللجوع وللمرض وللحرب الدائرة من ساعات طويلة، فالعدو هو أولى بهذا الألم. إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء:104]، وشيء آخر: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104]، فرق ما بينكم وبينهم، فأنتم ترجون المغفرة والعزة والنصر وهم آيسون من هذا لا يرجونه؛ لأنهم كفار لا يؤمنون بالله ولا بلقائه. وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:104]، فاقبلوا إرشاداته وتوجيهاته بل وأوامره؛ لأنه عليم بما يقنن ويشرِّع، حكيم لا يضع الشيء إلا في موضعه، فلو جاء من يقول: لا داعي لصلاة الخوف! والله ما نقبل كلامه؛ لأن المشرع ما كان جاهلاً فأخطأ، ولا كان أحمقاً ما يدري الأول من الآخر فوضع أشياء وهي خطأ، إنه عليم بخفايا الأمور وظواهرها، عليم بما بين أيدينا وما خلفنا، عليم بما في صدورنا، حكيم في كل شرعه وعمله، فلا يضع الشيء إلا في موضعه، والحكمة ما عرفناها إلا منه، إذ هو واهبها ومعطيها.
ملخص لما جاء في تفسير الآيات
هيا نتلو عليكم الآيات مرة أخرى، يقول تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101]، وقد زال الخوف وبقيت هذه الرخصة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأله عمر: ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته )، فبقيت هذه السنة إلى يوم القيامة.ثم قال تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء:102] أي: للصلاة، وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا [النساء:102]، أي: الآخرون من ورائكم يحمونكم، وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى [النساء:102]، أي: بعد صلاة الركعتين، لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ [النساء:102]، أيها القائد صلى الله عليه وسلم، وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102] فهذه هي صلاة الخوف. وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً [النساء:102]، فماذا يتركون لهم لو مالوا عليهم ميلة واحدة؟ يأكلونهم، وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ [النساء:102]، وقد تقدم أنه يصلي والسلاح، لكن إذا كانت حالة مطر شديد أو كان الرجل مريضاً ما يقوى على حمل السلاح والصلاة به، فقد أذن له الشرع بأن يضع سلاحه بين يديه، وهذه رخصة من الله تعالى، ولكن وَخُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:102]، لم؟ قال: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء:102]، ومعنى هذا: أنكم منتصرون أعزاء، وأما عدوكم فقد هيأ الله له الذل والهون والدون؛ لأنهم كفروا به، إذ إنه يطعمهم ويسقيهم وهم يجهلونه ولا يسألون عنه، ولا يحمدونه ولا يشكرونه.ثم قال تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ [النساء:103]، أي: فرغتم منها، ماذا نصنع؟ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء:103]، وهذه عامة إلى يوم القيامة، إذ لا يوجد مؤمن منا يقول عند الانتهاء من صلاته: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم يخرج ولا يذكر الله أبداً! أعوذ بالله، ولذلك إن كان هناك وقت متسع فيجلس على الأقل فيقول: استغفر الله ثلاث مرات، ثم يقول: ( اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام )، ثم يقول: ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك )، ثلاث مرات، ثم يقول: سبحان الله ثلاث وثلاثين، والحمد لله ثلاث وثلاثين، والله أكبر ثلاث وثلاثين، ثم يختم المائة فيقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له، الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم يقرأ آية الكرسي، والمواظبة عليها ضمان له بالجنة بإذن الله، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو الله ويسأله حاجاته، وإن كان مضطراً أن يخرج فليس هناك ما يمنعه أن يسبح الله وهو يمشي أو وهو على دابته، فهل فهم الصالحون هذا أو لا؟ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء:103]، حتى الصلاة أيضاً تتضمن هذه الآية، فإذا لم يستطع أن يصلي وهو قائم فيصلي وهو قاعد، أو ما استطاع أن يصلي وهو قاعد فيصلي على جنب، أو ما استطاع أن يصلي على جنبه فيصلي وهو مستلقٍ ويومئ برأسه أو بعينيه.وقوله: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ [النساء:103]، وما زالت عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النساء:103]، أي: المؤمنين الصادقين، كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، أي: محدد الوقت، فالكتب تأكيد والوقت معين.ثم قال عز وجل: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ [النساء:104]، أي: لا تضعفوا في طلب العدو أيها المجاهدون، ونخشى أن يسمع التائهون والضائعون فيقولون: الشيخ يقول: المجاهدون، نعم، المجاهدون الذين قادهم إمام بايعته الأمة فقادهم إلى دار الكفر ليدعو أهلها إلى الدخول في الإسلام، أو ليفتحوا المجال لتعليم تلك الأمة وإنقاذها من الكفر والخبث والشر والفساد، فإن أبوا إلا القتال فالقتال، وذلكم هو الجهاد، أما عصابات تتعنتر وتخرج عن الإمام وتلتحق بالجبال وتختبئ ويقولون: هذا جهاد! فبئس الجهاد، ووالله ما هو بالجهاد، إنما هي الفتنة العمياء والضلال المبين، وممكن واحد من الجالسين يقوم يتعنتر ويبين لنا، دلونا ماذا أنتجت تلك الطفرات؟ هل أوجدت دولة إسلامية؟! من إندونيسيا إلى بريطانيا ثلاثة وأربعين دولة ما استطاعت دولة واحدة أن تقيم الصلاة فقط أبداً، أو أن تجبوا الزكاة، أو أن تشكل فيها لجنة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل ذلك لأن الأمة هابطة جاهلة لاصقة بالأرض. وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ [النساء:104]، أي قوم؟ الكفرة المشركون الذين يحاربونكم. إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ [النساء:104]، فهم أيضاً يألمون، إذ إنهم بشر مثلكم، وبالتالي ما داموا يألمون وأنتم تألمون فأنتم أولى بالثبات والوقوف في وجوههم. فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104]، وهذا هو الفضل العظيم، فنحن نرجو إذا متنا أن نموت شهداء نبيت في دار السلام، وهم يبيتون في جهنم، وإذا انتصرنا نشرنا العدل والخير والطهر والصفا، وهم إذا انتصروا نشروا الخلاعة والدعارة والكفر والشر والفساد.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.




ابو معاذ المسلم 30-04-2021 02:18 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 

http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة النساء - (55)
الحلقة (278)

تفسير سورة النساء (6)

لقد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، بحجة أنهما لا يركبان فرساً ولا ينكيان عدواً، لكن لما جاء الإسلام ونزل الكتاب بين أن المرأة والطفل لهما حق في الميراث، وفي هذه الآيات يوجه الله عز وجل المؤمنين إلى أنهم إذا حضروا احتضار أحدهم فلا يسمحوا له أن يحيف في الوصية، بأن يوصي لوارث، أو يوصي بأكثر من الثلث، أو يريد حرمان الورثة بأي وجه من الوجوه.
الخلاف في كون البسملة آية في كل سور القرآن إلا سورة براءة
الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده ).اللهم حقق لنا هذا الرجاء، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك!وها نحن مع سورة النساء المدنية، وسبقتها سورة آل عمران المدنية، وسبقتها سورة البقرة المدنية، وسبقتها سورة الفاتحة المكية المدنية، نزلت بمكة ونزلت بالمدينة، فمرة نزلت بـ: بسم الله الرحمن الرحيم، وأخرى بدونها، فمن هنا من رأى نزولها بـ: بسم الله الرحمن الرحيم جعلها آية من آياتها السبع، وفرض قراءتها في كل قراءة، ومن رأى نزولها مرة ثانية بدونها رأى آياتها سبع آيات بدون بسم الله الرحمن الرحيم.والمذهب الجامع والطريق السديد: هو أننا لا ننكر على من لم يقرأها، ولا ننهى من قرأها، ونحن إن كنا أئمة نصلي بالناس نفتتح الفاتحة بـ: بسم الله الرحمن الرحيم سراً، ولا نجهر بها؛ حتى لا يتألم من يرى عدم قراءتها، ونقرأ بها لما ثبت من أنها نزلت بها. وبسم الله الرحمن الرحيم فاتحة كل سورة من كتاب الله، وليست بواجبة، وإنما الوجوب في آية من سورة النمل، فتلك بالإجماع آية من سورة النمل.لعلكم ما اطمأنت نفوسكم إلى هذا البيان، لا حرج، كل ما في الأمر أننا نهبط إلى أن تجتمع كلمتنا، ولا نختلف بيننا، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه:( صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووراء أبي بكر ووراء عمر فكانوا يفتتحون القراءة بـ: الحمد لله رب العالمين ) هل هناك من هو أعلم من أنس برسول الله وهو سيده ومولاه وأبي بكر وعمر ؟ هذا حديث في الصحيحين وفي الموطأ.فمن هنا الذي يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] أعظم أجراً، فمن هنا أخذاً بالحديث الصحيح ما نجهر بها، إذ من الجائز أنهم كانوا يسرونها سراً، ويرفعون أصواتهم بـ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] للفرق بين البسملة وبين آية من سورة الفاتحة.ومن رأى كالإمام الشافعي أنها آية: ألزم تلامذته ونفسه بأن يجهروا بها ويقرءوها.قلنا: لكم ذلك، فأنتم ما عصيتم الله! وأنتم طالبون رضا الله بسملوا، وما بقي بيننا خلاف.ومن قال: كيف تسقطون آية من كتاب الله؟ هذا كفر. قلنا: لا! لا تقل هذا يا عبد الله! السورة نزلت مرتين، قرأها جبريل على رسول رب العالمين فمرة بسمل، ومرة لم يبسمل، فقلنا: ليست آية، وإنما هي افتتاح السورة كما افتتحت بها عامة سور القرآن إلا براءة؛ لأنها إعلان حرب، ما يحسن ذكر بسم الله الرحمن الرحيم مع ذكر الضرب بالسيف!إذاً: بسم الله الرحمن الرحيم موجودة في كل سور القرآن، وهذا المصحف أمامكم اللهم إلا سورة براءة، ما السر؟ إعلان الحرب: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة:1-3] الآيات، فلم يحسن أن تفتتح بـ: بسم الله الرحمن الرحيم، التي تحمل راية الرحمة.الحمد لله، العلم ما يؤخذ في ليلة واحدة، الله يعلم أننا ظالمون،لم؟ كيف نفتتح آية بها الأحكام الكثيرة ونريد أن نفهمها ونحفظها في يوم واحد؟ ما هو صحيح، والله ما نحن بمستقيمين في هذا الباب، تعودنا أن حكماً واحداً يتقرر ويتكرر؛ حتى يصبح من الضروريات للعبد الذي يطلبه، وبذلك يستقر في نفسه، ويقوى على تطبيقه، والدعوة إليه.عرفتم خطأنا؟ هيا نستغفر الله إذاً، اللهم اغفر لنا وتب علينا، اللهم اغفر لنا وتب علينا!
قراءة في تفسير قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً...) من كتاب أيسر التفاسير
والآن أذكركم بالآيتين الكريمتين اللتين درسناهما بالأمس، ونستعرض هداياتهما، هل نحن علمنا؟ حفظنا؟ هل في نفوسنا شك فنحتاج إلى بيان؟! ثم ننتقل إلى ثلاث آيات أخرى.تلاوة الآيتين بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا نقول: بسم الرحمن الرحيم، وإن قلناها لا بأس، فإذا كانت أول السورة فمن السنة أن نفتتحها بـ: بسم الله الرحمن الرحيم، ونقدم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أيضاً، وإن كانت الآيات في أثناء السور وداخلها فالطريق السليم المعهود عن السلف الصالح أن نفتتحها بـ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أي: نتحصن بالله؛ حتى لا يفسد علينا قراءتنا، ولا يرمي ألواناً من الشك والاضطراب في نفوسنا؛ لأنه بالمرصاد، لا يريد أن نسعد ولا أن نكمل ولا أن نتعلم.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [النساء:5-6].
هداية الآيات
هاتان الآيتان تحملان هدايات.. تحملان أحكاماً شرعية؛ لأن السورة مدنية، حيث كان القانون تتوالى أحكامه يومياً لمدة عشر سنوات.قال: [ من هداية الآيات: أولاً: مشروعية الحجر على السفيه لمصلحته ] وقد يكون السفيه امرأة، وقد يكون رجلاً، من السفيه؟ الذي ما يحسن التصرف في المال، يسرف فيه، يكثر من إنفاقه، حتى يفتقر ويصبح عالة على المجتمع.وما معنى الحجر؟ حجرة على رأسه؟! ما الحجر؟ كأن تضعه في حجرك، لا تسمح له أن يتصرف، حجرت عليه؛ لأنه يتصرف تصرف السفهاء بالمال، وهذا المال مال الأمة، (أموالكم)، والمال قوام الأعمال، وقد قال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:5] لا بالتشنيع والتنفير والسب والشتم: يا أحمق! يا سفيه! لا. حرام هذا. لم إخوانكم ما يحجرون على سفهائهم؟ للجهل. ما عرفوا، وإلا فالأسرة إذا ظهر فيها فرد مبذر ينفق في المعاصي.. يبدد في المال يجب أن يصدر حكم من المحكمة على هذا الشخص حيث لا يشترى منه إذا أراد أن يبيع، ولا يباع له إذا أراد أن يشتري؛ لأنه محجور عليه، فهو يتصرف في حدود المعروف فقط، حتى إذا زال السفه وحل محله الرشد والبصيرة والمعرفة أعطوه ماله يبيع ويشتري.لم نفعل هذا؟ حفاظاً عليه أولاً، وحفاظاً على مال الأمة التي تعيش عليه.هل تعرفون التصرف الباطل؟ أعطيكم مثالاً: يا شيخ! اشتر سيارة، هذه التي معك كم سنة تستخدم؟ والسائق يتململ ويتبجح هذه ما تمشي يا شيخ! ما دامت هذه السيارة تحملك، وتأتي ببضائعك إلى بيتك لم تستبدلها؟ تبيعها بعشرة أو عشرين وتشتري أخرى بتسعين؟ أيجوز هذا؟ هذا مثل من الأمثلة.هذا الحذاء صالح نافع طيب، قالوا: بدله، فقد طالت عليه المدة له سنة كاملة، هذا عدنان غلبنا وجاء بحذاء جديد، لا يحل الإسراف في المال وتضييعه.أولاً: ريال واحد تنفقه في معصية الله شر إسراف وأعظمه، ولا يحل أبداً، بله نصف ريال تنفقه في غير مرضاة الله فهو من الإسراف القبيح، وصاحب عرضة لسخط الله وعذابه، عرفتم هذا؟ وما ينفق في طاعة الله وإن أنفقت الكثير لا يقال فيه: إسراف، ما دام في طاعة الله عز وجل.ما هي السبل التي ينفق فيها المال وتكون في طاعة الله؟الصدقات، الأوقات، الجهاد، صلة الأرحام، معالجة المرضى، في سبيل الله.. هذا سبيل الله، وإن كان أيضاً لا بد من الاعتدال والقصد، وإليكم هذا الحديث الشريف يحضرنا الآن وهو: لما مرض سعد بن أبي وقاص المكي المهاجر لا سعد بن معاذ الأنصاري ، لما مرض سعد بن أبي وقاص وكان مرضه شديداً فعاده النبي صلى الله عليه وسلم، ما معنى عاده؟ زاره. وعيادة المريض سنة من سنن الإسلام، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد : ( يا رسول الله! إني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة واحدة، فأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: فشطره -أي: نصفه- قال: لا. قال: الثلث. قال: الثلث، والثلث كثير ) الثلث لا بأس، والثلث كثير، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنك يا سعد ! أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة -أي: فقراء- يتكففون الناس ) هذا هو القول السديد، وقولوا لهم قولاً سديداً. لا نطيل على السامعين والسامعات، القصد القصد! في الإنفاق في الطعام في الشراب في اللباس في المركوب في السكن، وإياك والمباهاة والمفاخرة وإظهار العنتريات، لا! أنت عبد الله أليس كذلك؟ والعبد كيف حاله؟! إن شاء الله استفدنا هذه.إذاً: مشروعية الحجر عرفناها من الآية أم لا؟ وهي قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:5]. [ثانياً: استحباب تنمية الأموال ].كيف تنمي الأموال؟ كانت ألفاً فأصبحت ألفاً ومائتين! كانت خمسين ألفاً فأصبحت سبعين ألف، تنمو كما ينمو الشجر والعشب.[ثانياً: استحباب تنمية الأموال في الأوجه الحلال ] لا في الأوجه الحرام كالربا وتجارة الحشيشة، وكالفيديو والتلفاز وفي آلات الأغاني وفي أزياء العواهر والمشركات، بل ينبغي أن ننمي أموال فقرائنا ويتامانا وسفهائنا وأموالنا .. ننميها لتنمو وتكثر في أوجه الحلال، فلا تفتح دكاناً في المدينة تبيع فيه السيجارة، ولا تفتح قهوة تبيع فيها آلات الشيشة. لا تغضبوا، سوف تضحكون في القبر إن شاء الله، لا تفتح استوديو التصوير، وإياك أن تبيع آخرتك بدنياك الهابطة! أصحيح هذا؟ إي والله ( إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون ) قد يقول النحوي: لم ما قال: المصورين؟ قالت العلماء: من أجل أن يلفت النظر إلى الخطأ؛ حتى تقيس المصورون؛ لأنهم يضاهون خلق الله، ومن هنا اقترحنا على حكومتنا من سنين أن تأتي بكافر من الكفار الفقراء من الفلبينيين وتجعله في البلدية يصور في الجوازات. أيما مواطن يحتاج إلى صورة فهذا الكافر يصوره! أين نحتاجه؟ في البلديات .. في الجوازات .. في المستشفيات، حيث نحتاج إلى التصوير! اجعل هذا الكافر -وهو من أهل النار- يصور، وإذا قال: لم أنا ما أتوب وأسلم وأدخل الجنة؟ تفضل، اغتسل وتعال صل، ونبحث عن مصور آخر من أهل النار. معقول هذا الكلام أم لا؟ إذاً: [ استحباب تنمية الأموال ] في البنوك؟ لا! تودع مالك في بنك على أن تعطى كل سنة مائة ألف تعيش عليها، وتدع المليون هناك ينمى لك، فهذا لا يجوز، والله لأن تعيش على الكسبر والفلفل وكسور الخبز أحب إليك وأفضل من أن تعيش على هذا المبلغ المالي المحرم عليك؛ لأنها أيام وتنتهي، أطال الله عمر شيخكم، أصبح يستحي لما يقول: معشر الأبناء والإخوان! أين الإخوان؟ ماتوا، أولئك الذين كانوا في وجوههم البياض والشيب انتهوا، أين هم؟ وعما قريب تسمعون: مات الشيخ الجزائري .والله العظيم! ما هي إلا أيام فقط وتنتهي، كيف تبيع خلدك في دار السلام مع مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من أجل أوساخ قذرة؟ تستطيع أن تصوم على الخبز فقط، تستطيع أن تعيش ستين سنة وأنت جائع ولا تبالي، وأنت عزب ولا تفكر في فسق وخروج عن طاعة الله.قال: [ ثالثاً: وجوب اختبار السفيه قبل دفع ماله إليه ].من أين أخذنا هذا؟ من فرض علينا أن نمتحنه ونختبره؟ الله، فقد قال تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [النساء:6]. ما معنى ابتلوهم؟ بالعصا يعني؟! اختبروهم، أعطه عشرة ريالات وقل له: جئنا بكذا، وانظر كيف يتصرف. وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [النساء:6] والسفيه كاليتيم أيضاً، فإذا عرفنا أنه أصبح صالحاً لأن يأخذ ماله نمتحنه، فإن نجح أعطيناه ماله.قال: [ رابعاً: وجوب الإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه وبعد رشده ].هل عرفنا بم البلوغ يتحقق؟ أما في الغلام فإنبات الشعر حول العانة، وببلوغ الثامنة عشر من عمره، وأما الجارية فإنها تزيد على الإنبات بالحيض والحمل؛ فإن حاضت الجارية بلغت سن الرشد، ما حاضت لكن حملت، الولد في بطنها، يبقى شك في أنها بلغت؟ ما يبقى شك! إذا:ً [ خامساً: حرمة أكل مال اليتيم والسفيه مطلقاً ].لا يجوز أن تأكل مال السفيه، حجرت عليه وتأكل ماله، يجب أن تنميه وأن تحفظه له، وأن تنفق عليه منه في حدود فقط، حتى إذا ثاب إلى رشده وأصبح أهلاً للتصرف تعطيه أمواله، واليتيم كذلك تنمي ماله وتحفظه إذا بلغ سن الرشد ورشد ادفع إليه وأشهد عليه.من أين أخذنا هذا؟! وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا [النساء:6].قال: [سادساًً: الوالي على اليتيم إن كان غنياً فلا يأكل من مال اليتيم شيئاً، وإن كان فقيراً استقرض منه ] على أساس أن يرده يوم ما ييسر الله عليه [ ورد عند الوجد واليسار، وإن كان مال اليتيم يحتاج إلى ] عمل هل الوصي يعمل فيه؟ يعمل، بأجرة أو بدون أجرة؟ إذا كان فقيراً بأجرة كأجرة مثيله، هذا المال يحتاج إلى حراسة، الحارس عادة كم يعطى؟ يعطى مثلاً ألف ريال، أنت أيها الوصي! احرس وخذ الألف وما تزيد على الأجرة، هذا العمل يحتاج إلى رفع ووضع وإدخال وإخراج مثلاً وأنت فقير؛ اعمل هذا العمل وخذ أجرة مثلك، اسأل عن العمال في هذا الشأن كم يعطون؟ خذها أنت. واضح هذا المعنى؟قال: [ وإن كان مال اليتيم يحتاج إلى أجير للعمل فيه جاز للولي أن يعمل بأجرة المثل ].لا يزيد ولا ريالاً واحد، هذه التعاليم من أنزلها؟ من شرعها؟ من قننها؟ الله رب العالمين، هذا الذي كفره الإنس والجن، ليهلكوا ويعيشوا إلى جهنم، كيف ينسون الله وهذه تعاليمه وهذه هدايته؟

يتبع


الساعة الآن : 06:38 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 189.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 189.04 كيلو بايت... تم توفير 0.50 كيلو بايت...بمعدل (0.27%)]