ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى القرآن الكريم والتفسير (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=57)
-   -   تفسير أيسر التفاسير**** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=235072)

ابو معاذ المسلم 05-01-2021 06:54 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
تفسير قوله تعالى: (إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً ...)
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ [آل عمران:177]، أي: اشتروا الكفر: أخذوه وأعطوا الثمن وهو الإيمان، فهؤلاء ارتدوا بعد إيمانهم، كالذين هربوا من المدينة والتحقوا بالكافرين. إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ [آل عمران:177]، أي: أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر، وهذا بيع وشراء ويفهمه العرب أكثر من غيرهم، كالذي أعطاه الدار وأخذ الدينار، يعني: باعوا إيمانهم بالكفر، واشتروا الكفر بالإيمان والمعنى واحد، وهؤلاء يتواجدون في كل زمان ومكان، فكم وكم ممن ينتسبون إلى الإسلام والإيمان وهم يخرجون أفراداً وجماعات! لا صلاة ولا صيام ولا ذكر الله، فهؤلاء يقول تعالى عنهم: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:177]، فلن يؤلمون الله بكونهم ارتدوا بعد إيمانهم، أو فسقوا بعد طاعتهم، أو فجروا بعد استقامتهم.وأخيراً: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:177] الأليم: المؤلم شديد الألم، والألم أيضاً يشعر به صاحبه ولا يطيقه ولا يقوى حتى على أن يصفه من شدته! وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:176]؛ لأنهم سارعوا إلى الكفر وعجلوا، فعذابهم عظيم ما يقادر قدره، وهؤلاء اشتروا الكفر بعد أن عرفوا الإيمان ودخلوا فيه، ثم وارتدوا، فعذابهم أليم شديد.
تفسير قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ...)
قال الله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:178] سواء اليوم أو غداً أو إلى يوم القيامة، وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:178] أي: كفروا بالله ولقائه، بالله ورسوله، بالله وكتابه، بالله وشرعه، بالله وصفاته، بالله وحقوقه الواجبة على عبيده، فهؤلاء: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ [آل عمران:178] ونرخي الزمام، ونطيل العمر، ونوسع العيش، فإذا هم في عيش رغد وحياة سعيدة ينبغي ألا يحسبوا ولا يظنوا أنما هذا الإملاء خير لأنفسهم، فهذا ليس بخير لهم مطلقاً، بل هو شر لهم، وهؤلاء أيضاً علم الله في كتاب المقادير أنهم لا يتوبون ولا يرجعون، فزادهم في الرخاء والنعمة وطول العمر. قال تعالى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ [آل عمران:178]، أملى يملي: إذا أرخى الزمام وزاد في الأجل والعمر، إنما نملي لهم؛ لحكمة وهي: لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178]، والإثم: هو المهلك والموبق في أتون الجحيم. أملي لهم من أجل أن يزدادوا إثماً.قال تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران:178]، مهين: أشد من الأليم والعظيم، فتكسر أنوفهم ويذلون. ‏
أثر ابن مسعود: (ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له)
وهنا لطيفة قال: شاهده قول ابن مسعود رضي الله عنه - وهو عبد الله بن مسعود الهذلي ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجلاه رقيقتان، ضعيف البنية، ولكن يزن الدنيا وما فيها، فوالله! لو وضع في كفة ميزان، ووضعت الصين واليابان وأمريكا والمشركون كلهم لرجحت كفة عبد الله بن مسعود ! يقول: (ما من أحد -صيغة العموم- بر ولا فاجر..) البر: صاحب الصالحات، المغموس في الخيرات، المسابق والمنافس في الصالحات.والفاجر: الخارج عن حدود الله عز وجل، يقال: تفجر الأنبوب إذا خرج الماء منه، فالطريق المستقيم الموصل إلى دار السلام الذي سألنا الله، بل علمنا الله أن ندعوه في كل ركعة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، الذي يصل بنا إلى الجنة، فالصراط المستقيم: هذا واجب افعله، وهذا حرام اتركه، ثم امش فيه فقط.فهذه كلمة طيبة قلها تملقاً إلى الله، وهذه كلمة خبيثة اتركها واهجرها تملقاً إلى الله كذلك، فأنت ما بين الأمر والنهي ماش، فإن فجرت -والعياذ بالله- وخرجت، فتركت الواجب وفعلت الحرام فهذا هو الفجور! إذاً: (ما من أحد بر وفاجر إلا والموت خير له)، هذه الصعبة! فمن الآن ما بقي حزن ولا كرب، فإذا جاء ملك الموت زغردنا!قال: إن كان براً -أي: بار-، فقد قال الله تعالى: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [آل عمران:198] من هذه الدنيا وأوساخها وأموالها وكل ما فيها، فهذا إخبار من الله، وما عند الله من ذلك النعيم المقيم في جواره خير لكل بار، فمن هنا لا ينبغي الخوف من الموت.قال: وإن كان فاجراً، فقد قال الله تعالى: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178] نرخي الزمام ونطيل العمر؛ لأجل أن يزدادوا إثماً فيعظم عذابهم وشقاؤهم الأبدي؛ لأنه لو أخذهم في أول مرة عذابه يكون أهون، فأهل الجنة يتفاوتون في نعيمها، وأهل النار يتفاوتون في عذابها وشقائها، فليسوا في مستوى واحد، وهاهو تعالى يعلل يقول: (إنما نملي لهم) في رغد العيش وطول العمر؛ ليزدادوا إثماً.فاستنبط من هذا البحر العلامة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ما من أحد -يعني: من الناس- براً أو فاجر إلا والموت خير له)، فمن هنا المسلمون لا يحزنون ولا يكربون أبداً ولا يخافون من الموت، فقد كان إذا نودي: الله أكبر! حي على الجهاد يفرحون ويستبشرون، فـأبو دجانة كان أشد فرحاً.وعلل فقال: (إن كان براً فالله يقول: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [آل عمران:198]، وإن كان فاجراً، فالله يقول: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178]) لا يموت الآن أفضل؛ حتى يزيد قنطاراً من المعاصي والذنوب.فإذا طابت النفس وطهرت تاقت إلى الملكوت الأعلى، مع أن فتناً كقطع الليل المظلم زاحفة زحفاً! فقد سمعت خبراً أن مجموعة من اللصوص أوقفوا سيارة بها نسوة ومعهن سائق لا سلاح معه، فأوقفوهن وقالوا: اخلعن الحلي التي معكن وإلا الموت، فنزعن الحلي، وقال لهن اللصوص: قولوا للشرطة: هؤلاء سعوديون ما وجدوا عملاً بطالون، فهم يفعلون هذا. فهل هؤلاء مؤمنون دخل الإيمان في قلوبهم؟ وهل عرفوا الله عز وجل، وعرفوا رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهل عرفوا أن رسول الله كان يشد الحجر على بطنه حتى يتماثل ويمشي من شدة الجوع! ولم يقل لأحد: جعت يا فلان؟! فالذي يفعل هذا الفعل ليس بمؤمن. فلا نلومهم؛ لأنهم ما عرفوا الطريق إلى الله، وما عرفوا الله عز وجل معرفة أثمرت لهم حبه ولا الخوف منه، فيجب علينا أن نعالج الموقف قبل أن يعظم، وندعوهم إلى بيوت الرب لنزكي أنفسهم، ولنعلمهم علماً يزيد في طاقة نورهم، فيعرفون الخير والشر والحق والباطل والفضيلة والرذيلة، أما تركهم كالبهائم فسيسطون علينا ويفعلون العجب.فكل الذي تشكوه أمة الإسلام في الشرق والغرب لمن الجهل، فإن كان ظلماً أو فسقاً أو فجوراً أو مكابرة أو شركاً أو باطلاً فمرده إلى الجهل؛ لقول الله تعالى في محكم كتابه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، أي: إنما يخاف الله من عباده العلماء.فمثلاً نقول: ابحث في قريتكم عن أعلمكم بالله تجده أتقاكم لله، أو ابحث في جماعتك، أو في موكبك، أو في مركز عملك، والله! ستجد أعلمكم بالله أتقاكم له، وأفجركم أجهلكم.فلهذا يجب أن يتعلم المؤمنون والمؤمنات، وطريق التعليم الذي سلكناه منذ خمسين سنة ما نفع؛ لأننا أفسدناه بكلمة الوظيفة، فيأخذ الرجل طفله للمدرسة ولا يقول له: تعلم لتعرف الله، وتعبده فيعزك ويرفعك. ولكن يقول له: تعلم لتكون كذا وكذا. فهل رأيتم رجلاً أخذ طفله للمدرسة، وقال: تعلم لتعرف الله، لتحبه، لتكون من أوليائه؟!وزادوا الطين بلة مع البنات أيضاً، فالبنت أيضاً يقال لها: تعلمي للمستقبل. فهذه فتاة اشتكاها أبوها؛ لأنها عند أمها المطلقة، فدعاني لأتوسط في الخير لتذهب البنت مع أبيها إلى الطائف وهي في المدينة، وفجأة تقول البنت: مستقبلي يا بابا! مستقبلي يا بابا! أي: كيف تمنعني وأنا في المرحلة المتوسطة؟ في طريقي إلى الوظيفة، تمنعني أنت من التعلم؟! قلت لها بإلهام من الله: هذه أمك تسمع -أمها معها- من أمك هذه إلى فاطمة الزهراء أو إلى عائشة أم المؤمنين والله ما توظفت امرأة! وعشن ومتن سعيدات، وأنتِ فقط: مستقبلي يا بابا! إذا ما تعلمت للوظيفة وتوظفت ضاع مستقبلك!!فالذي نفخ هذه الروح الشيطانية المنتنة العفنة هو الثالوث الأسود: اليهود والمجوس والنصارى، فحولوا التعليم إلى مادي بحت، فقلنا: هيا نترك هذا التعليم ونترك طالبيه فليطلبوه للدنيا المحضة، لا يقولوا: الآخرة، بل للدنيا، حولوه إلى مصانع ومزارع و.. و.. وماديات، وحسبنا أن يجتمع أهل الحي في مسجدهم، أهل القرية في قريتهم بنسائهم ورجالهم وأطفالهم من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وذلك كل ليلة وطول العام، بل وطول العمر يتعلمون الكتاب والحكمة، فإنها لا تمضي سنة إلا وتغيرت طباعهم، وتبدلت نفسياتهم، وأصبحوا ربانيين، فكيف إذا استمر أهل القرية والمدينة على هذا النمط من تلقي الكتاب والحكمة؟ سيصبحون كلهم كالشيخ ابن باز ، فهل سيبقى من يكذب، ويسرق، ويفجر، ويغش ويخدع؟ والله ما يبقى! فلا طريق غير هذا ولا وجود له، إما أن نسلك هذا المسلك، وإلا سوف نستقبل المستقبل بالويلات والمحن والمصائب، فلا طريق أيضاً للنجاة إلا هذا، أن يعرف الناس ربهم معرفة يقينية، توجد لهم حبه تعالى، وما يكره تعالى فيتملقونه بحب ما يحب، وكره ما يكره، فتأتي الولاية وحينئذ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، وكأن سائلاً يقول: من هم أولياؤك يا ربنا؟! فأجاب تعالى بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:64].حقق الإيمان وواصل التقوى وأنت ولي الله عز وجل، لا تخف إذا خاف الناس، ولا تحزن إذا حزن الناس، منفي عنك الخوف والحزن في الحياة الدنيا وفي البرزخ وفي يوم القيامة الدار الآخرة.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

معنى الآيات
قال المؤلف غفر الله لنا وله ولكم، ورحمنا جميعاً: [معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة أحد، ففي هذه الآيات الثلاث وقد كشفت الأحداث عن أمور خطيرة، حيث ظهر النفاق مكشوفاً لا ستار عليه، وحصل من ذلك ألم شديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. يخاطب الله تعالى رسوله قائلاً له: لا يحزنك مسارعة هؤلاء المنافقين في الكفر، وقال: في الكفر، ولم يقل: إلى الكفر، إشارة إلى أنهم ما خرجوا منه حتى يعودوا إليه -هذه لطيفة لغوية-، وقال: في الكفر، ولم يقل: إلى الكفر إشارة إلى أنهم ما خرجوا منه؛ لأن إسلامهم كان نفاقاً فقط. إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:176]، والله يريد ألا يجعل لهم نصيباً من نعيم الآخرة، فلذا تركهم في كفرهم، كلما خرجوا منه عادوا إليه، وحكم عليهم بالعذاب العظيم، فقال: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:176]، وهذا ما تضمنته الآية الأولى.أما الآية الثانية فقد تضمنت حكم الله تعالى على الذين يرتدون بعد إيمانهم فيبيعون الإيمان بالكفر ويشترون الضلالة بالهدى؛ حكم عليهم بأنهم لن يضروا الله شيئاً من الضرر ولهم عذاب أليم، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:177]، والعذاب الأليم هو عذاب النار، إذ لا آلم ولا أشد إيجاعاً منه أبداً.وأما الآية الثالثة فقد تضمنت بطلان حسبان الكافرين أن الله تعالى عندما يمهلهم ويمد في أعمارهم، ولن يعاجلهم بالعذاب أن ذلك خير لهم، لا! بل هو شر لهم، إذ كلما تأخروا يوماً اكتسبوا فيه إثماً، فبقدر ما تطول حياتهم يعظم ذنبهم وتكثر آثامهم، وحينئذ يوبقون ويهلكون هلاكاً لا نظير له، قال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران:178]، أي: ذو إهانة؛ لأنهم كانوا ذوي كبرٍ وعلوٍ في الأرض وفسادا، فلذا ناسب أن يكون في عذابهم إهانات لهم].
هداية الآيات
قال: [من هداية الآيات: أولاً: لا ينبغي للمؤمن أن يحزنه كفر كافر ولا فسق فاسق]، فلنربي أنفسنا على أن لا يحزننا كفر من يكفر، ولا فسق من يفسق لِم؟قال: [لأن ذلك لا يضر الله شيئاً، وسيجزي الله الكافرين والفاسقين بعدله ورحمته].إذاً: ادع إلى الله، وإن أبى الناس إلا الفسق والكفر فشأنهم، لا تحزن أنت أبداً، فلن يضروا الله شيئاً، وهمك أنت مولاك جل جلاله.[ثانياً: لا ينبغي للعبد أن يغره إمهال الله له، وعليه أن يبادر بالتوبة من كل ذنب، إذ ليس هناك إهمال، وإنما هو إمهال].فيا من زال جاثماً على كثير من كبائر الذنوب عجل، ولا تغتر بهذا الإمهال، فإنه إمهال وليس إهمالاً: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178].[ثالثاً: الموت للعبد خير من الحياة..]، سبحان الله! قال ابن مسعود : (ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له، إن كان براً فالله يقول: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [آل عمران:198]، وإن كان فاجراً فالله يقول: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178]).إذاً: [الموت للعبد خير من الحياة براً كان أو فاجراًً؛ لأنه إذا كان صالحاً فالآخرة خير له من الدنيا قطعاً، وإن كان غير ذلك حتى لا يزداد إثماً فيوبق بكثرة ذنوبه ويهلك].هذا والله تعالى أسأل أن يجعلنا وإياكم ممن يحبون الدار الآخرة ويرغبون فيها، ويكرهون الدنيا ولا يحبونها.

ابو معاذ المسلم 05-01-2021 06:55 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة آل عمران - (73)
الحلقة (214)

تفسير سورة آل عمران (76)


إن الإيمان ليس كلمة مجردة يتلفظ بها الإنسان والله عز وجل من سنته في عباده أن يمحصهم بالأوامر والتكاليف والمصائب والحروب، حتى يتميز المؤمنون الصادقون عن المنافقين الكاذبين، ومن أبواب الاختبار والابتلاء التي يتعرض لها العباد ما يأمرهم الله عز وجل به من بذل المال من زكوات ونفقات وصدقات وغير ذلك، فالمؤمن الصادق يعلم أن المال مال الله وهو مستخلف فيه، فينفق المال طيبة به نفسه، وأما المنافق فيعتقد أن المال ماله فيبخل به ظناً منه أن الخير له في حفظ ماله، ولا يعلم أنه شر محظ يطوق به يوم القيامة جزاء وفاقاً.
بدعة الاحتفال بذكرى المولد النبوي
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب ربنا عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده ).الحمد لله على توفيقه وإفضاله وإنعامه. معاشر المؤمنين والمؤمنات! بين يدي الدرس، أسر إلي هذا الطالب اللبيب، وقال: إن الليلة ليلة المولد، فنريد كلمة قبل الدرس، فأجبته: بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.وبعد: فالليلة ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، وهي الثلاثاء، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين، والشهور تزيد وتنقص، فهيا نحتفل بذكرى الحبيب صلى الله عليه وسلم. فيا أبنائي! يا إخوة الإسلام! يا مؤمنات! فوالله الذي لا إله غيره ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً نحتفل به في ذكراه! فهل نكذب على رسول الله؟ ونبتكر ونخترع عبادات وألوان من الطاعات؟ أعوذ بالله أن نقع في هذه الورطة! فلو نصمت دهراً طويلاً هل يقوم من يقول: افعلوا كذا وكذا؟ آالله أمر به؟ هل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علمنا ذلك وأرشدنا إليه، ورغبنا فيه وحبذه إلينا؛ فننهض به ولو ننفق ما في جيوبنا؟ الجواب: والله! الذي لا إله غيره ما ترك لنا الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيئاً، ولا ترك أصحابه ولا أولادهم ولا أحفادهم، ولا أئمة الإسلام الأربعة، ولا من بعدهم، ولا عرفوا شيئاً اسمه احتفال بالمولد النبوي.فهل نكذب ونبتدع؟! يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )، فهل يجوز لنا أن نقول: من أجلك يا رسول الله ابتدعنا بدعة؟! وهل عندنا وجه نواجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام؟! ولو انفتح باب الابتداع؛ لأصبحت نسبة الدين السليم الصحيح (1%) فكل عالم وكل مفكر وكل غني وكل ذي رغبة يبتدع، فأين الإسلام حينئذ، وبم يعبد الله؟! بم تزكى النفوس وتطهر من أجل النجاة من النار؟ معاشر المستمعين والمستمعات! غداً المولد النبوي، فماذا نصنع؟ وكم شاة نذبح؟! أو نذبح الدجاج؟! وإذا ذبحنا فلمن نقدم هذا الطعام؟! وكم ركعة نصلي؟! ننشد قصائد ما هي؟ فما الذي نفعل؟! الجواب: والله ما عندنا شيء، ما علينا إلا أن نذكره صلى الله عليه وسلم في كل أوقاتنا. وعورة أخرى نزيح الستار عنها من باب التعليم..فالذكريات لا تكون إلا لأناس يموتون ولا يذكرون، ولهم فضائل ولهم كرامات، فلكي لا ينسوا من بين شعبهم أو أمتهم أو إخوانهم يقيمون له ذكرى سنوية! حتى يذكروه بخير، أما حبيبنا صلى الله عليه وسلم -نعوذ بالله أن ننساه سنة كاملة-، ونحن نسمع المؤذنون خمس مرات على المنارات: أشهد أن محمداً رسول الله، الإنس والجن والحيوان والكل يسمعون ويفهمون هذا.فلا نصلي ركعتين ولا العشرات من الركعات إلا ونسلم عليه وجهاً لوجه! بعدما نعظم الله بالتحيات اللائقة به، ونحن جالسون بين يديه تعالى نقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات، ثم نقول: السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، فهل ننسى هذا الذي نسلم عليه في كل يوم عشرات المرات؛ لتقام له ذكرى؟! آه! ماذا فعل بنا الثالوث.. فبدعة الاحتفال بالمولد النبوي عرفت في القرن الرابع، فقد مضت ثلاثة قرون ذهبية ليس فيها شيء اسمه مولد، ولما هبطنا حيث أبعدونا عن القرآن والسنة أوجدنا ذكرى المولد ائتساء بذكرى النصارى لعيسى عليه السلام، فهل نقتدي باليهود والنصارى أم نقتدي برسول الله؟! فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقم ذكرى لإبراهيم الخليل، ولا لإسماعيل، ولا لموسى الكليم، ولا لعيسى عليهم السلام. فما معنى ذكرى المولد؟! الجواب: إني أحمد الله على أن الله علمنا قبل أن نقع في هذه البدعة، وتركناها وابتعدنا عنها، فثلاثة أرباع الذين كانوا يساهمون في هذه البدعة قد انتهوا، وبقيت جماعات قليلة، نسأل الله أن يتوب علينا وعليهم.فإن عدم الاحتفال بالمولد رسمياً أو غير رسمياً لن يضرنا في ديننا شيئاً، بل يرفعنا ويزيد في إيماننا -إن شاء الله-؛ لأننا تنزهنا عن البدع والضلالات.فما جعل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عيدين: عيد رمضان وعيد الأضحى، وعلمنا ماذا نقول، وماذا نفعل وكيف نصلي، ومن في نفسه شيء وما اطمأن يسأل أهل العلم، لكن لا يسأل الذين تعودوا على هذه البدعة، وأصبحوا يدعون إليها، ويحضون عليها! يسأل أهل العلم البصراء العارفين بالكتاب والسنة.
تفسير قوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ...)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران:179-180].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! اسمعوا هذا الخبر الإلهي، يقول تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ [آل عمران:179] ليس من شأنه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [آل عمران:179] أي: بدون امتحان، ولا اختبار ولا حرب ولا سلم ولا تكليف، ما كان من شأنه أن يفعل هذا حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179].فقد قرئ: (يميِّز) قراءة حمزة، ويمِيز، مازه يميزه إذا ميزه واشتهر به. فليس من شأن الله -وهو العليم الحكيم- أن يترك المؤمنين يدعون الإيمان على ما هم عليه بدون امتحان واختبار؛ يميِّز به الخبيث من الطيب والكافر من المنافق، والصالح من الطالح.وهذا كمسح دموع المؤمنين في غزوة أحد -وهي آخر أحداثها-، فذكر الله تعالى لهم السبب الذي من أجله أوجد هذه الحرب ودارت، وحدث الذي حدث؛ وذلك من أجل أن يميز الله الخبيث من الطيب، ففي الطريق رجع ثلاثمائة نفر، فلو ما كانت هذه الوقعة لما تميز المنافق من المؤمن، فالمنافقون يقولون: أنهم مؤمنون، ويتبجحون ويقولون: نحن أفضل منكم. فالذين انهزموا وهربوا شاردين، كيف يظهر ذلك فيهم لولا وجود هذه المعركة والهزيمة؟! ‏
حكمة إظهار المؤمن الصادق من الكاذب
قال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [آل عمران:179] أيها الأصحاب! حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179].وهذا عام، واقرءوا له: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2]، وهذا الحسبان باطل، فلو كان العبد ما يفتن في الإيمان ما اختبره الله عز وجل وابتلاه، ولا يملك هذا الاختبار والابتلاء إلا الجبار عز وجل.فهذا يبتليه بالفقر وفجأة يفقد كل شيء، ينظر: هل كان مؤمناً وبقي على إيمانه أم أصبح يسرق ويفجر؟! وهذا كان عزيزاً فيذله امتحاناً له، هل سيصبر ويرجع إلى الله ويثبت على قرع بابه أو ينتكس، وهذا الفقير يصب عليه المال، فينظر: هل سيصبح يشيش ويتبجح بالباطل أم سيأكل كما يأكل المؤمنون؟! وهكذا لا بد من الاختبار، وإلا كل سيقول: أنا مؤمن.
الحكمة من استئثار الله عز وجل واختصاصه بعلم الغيب دون خلقه
قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران:179]، فالله عز وجل أوجد وقعة أحد قبل أن يوجد العالم بكل خيوطها ونسيجها، وعلم ذلك وكتبه، لكن لم يطلع عليه أحد؛ لأنه للامتحان والاختبار. فقوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ [آل عمران:179] أي: ليس من شأنه جل جلاله أن يطلع أحداً من خلقه على الغيب، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران:179] أي: يختار من يشاء ويخبره بالغيب ويطلعه عليه. فمن ادعى علم الغيب من غير الرسل فقد كفر، ووجب قتله بعد أن يستتاب ثلاثة أيام، فادعاء علم الغيب كفر بالله عز وجل؛ لأنه كذب الله عز وجل أبشع تكذيب.ولطيفة أخرى: إذا كان مولاك يخفي أموراً لصالح حياتك أيجوز لك أن تفتش عنها وتظهرها؟ فالله سبحانه وتعالى يخفي هذا لأجل أن تنتظم الحياة وتسير إلى نهايتها، وأنت تريد أن تطلع عليها؛ لتقف الحياة وما فيها؟! فلهذا كل من يدعي الغيب يلعن، ويدعى إلى المحكمة ويستتاب، فإن لم يتب يقتل ويموت على الكفر.والرسول صلى الله عليه وسلم إذا لم يطلعه الله على غيب فلن يعلمه؛ إذ قال: وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188] وهذا رسول الله. قال له: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188]، فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم بهذه الحادثة لما كسرت رباعيته وشج وجهه، ولم يقتل عمه حمزة . قال: وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:188]، ومع هذا عاشت أمة الإسلام قرون، وادعاء علم الغيب عجب عجاب، فالعجوز العمياء تدعي الغيب وتأخذ المال، والجاهل المركب بجهله يربط بين عودين أو خشبتين ويدعي الغيب، فيأخذ بمسمار ويفعل كذا، فلا إله إلا الله! كأننا لسنا بالمسلمين. وما كان هذا إلا بمؤامرة الثالوث الأسود، وما يبرح يحتال حتى يسوي بيننا وبينه إلى جهنم، ثم يزغردون ويولولون، أما أن يبقى المسلمين مرتفعين وأملهم في دار السلام أقوى فلا يريدون؛ فلهذا ينشرون الخبث بوسائط عجيبة، ويعملون ليلاً ونهاراً على نشره.

يتبع

ابو معاذ المسلم 05-01-2021 06:55 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
ثمن الجنة الإيمان والتقوى
إذاً: قوله تعالى مخاطباً المؤمنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [آل عمران:179]، ولم يقل: ورسوله فقط؛ لأن الإيمان بالرسول فقط لا ينفع؛ ينفع الإيمان برسل الله عز وجل أجمعين، من لم يؤمن برسول فقط من مائة وأربعة وعشرين ألف نبي فليس بمؤمن، فقد كفر اليهود؛ لأنهم كذبوا بعيسى، وكفر النصارى؛ لأنهم كذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع أن اليهود آمنوا بكل الرسل إلا عيسى، والنصارى آمنوا بموسى وهارون وزكريا وعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [آل عمران:179] ثم قال تعالى: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا [آل عمران:179] فمجرد إيمان لا يكفي، وهذه آية تحقيق الولاية.فمن يريد أن يكون كـعبد القادر الجيلاني ؟! وكمولاي إدريس في المغرب؟! كـالعيدروس في حضرموت؟! لا نريد الولاية. إذاً: لا يوجد من هو طلق: ليس ولياً لله ولا ولياً للشيطان، فإما أن تكون ولياً لله أو أنت ولي للشيطان، فمن يقول: ما أنا بولي لله ولا للشيطان، فلا يعقل، إما أن توالي الله بالإيمان والتقوى، وإما أن توالي الشيطان بالكفر والطغيان والعصيان.لعل بعض -السامعين- ما زالوا يفهمون أن الولي ذاك الذي يظهر الله على يديه الكرامات، فإذا السماء صحو يرفع يديه: أمطري يا سماء! دقائق والأودية تسيل! وما زالوا أيضاً يفهمون أن الولي ذاك الذي يقول: العام الآتي ستلد امرأتك ولد وسمه باسمه! فهل أصحاب الكرامات هم الأولياء؟!فلا ولي ما زال حياً إلا إذا كان دجالاً يدعي الغيب ويكذب! أما ولياً بمعنى الكلمة لا يذكر إلا إذا كان ميتاً.وأكرر القول: فمن يذهب إلى كراتشي ويجيد لغة الكراتشيين، ويلتقي بأول من يلتقي به عنده نزوله من المطار يقول: أنا جئت من بلادنا لأزور ولياً من أولياء كراتشي، فوالله ما يأخذ بيده إلا إلى قبر، ولا يفهم أن كراتشي ذات المليون نسمة بينهم ولي في السوق ولا في المسجد!فمن قال: أولئك عجم، فهناك مثلاً في القاهرة، بلاد الأزهر والعلوم والمعارف، زر قرية من القرى، وقل: أنا قدمت إلى دياركم لأزور وأتبرك بولي من أولياء الله عندكم، فلن يأخذ بيدك إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن القاهرة المعزية فيها ولي يبيع ويشتري! أو هو في السوق أو المسجد. وقل هذا حيث شئت، ولكن فقط الذين شهدوا هذه الدروس عرفوا، لو تلقى واحداً منهم والله ما يدلك على قبر. لطيفة: ما السر في أن أعداء الإسلام حصروا الولاية فقط في من مات؟ الجواب: السر أنهم فصلونا عن ولاية الله؛ ليزنوا بنسائنا وبناتنا؛ ليسلبوا ويسرقوا أموالنا؛ لينهشوا ويهتكوا أعراضنا؛ ليتكبروا علينا؛ ليحسدونا؛ ليشيع الظلم والخبث والشر بين المسلمين، وقد فعلوا ونجحوا.معشر المستمعين! فهذه بربرية، فالولي عندنا أيام الظلمة! والولي ما تستطيع أن تقول فيه كلمة، فلو تسب ولياً كفرت! من يستطيع أن يقول: سيدي عبد القادر كذا؟! تقديساً أكثر من تقديس الله! ينقلون المرضى إلى أضرحتهم، يعفرون وجوههم بترابهم، ويرحلون إليهم من المغرب إلى بغداد؛ لأجل زيارة الولي عبد القادر ، وينذرون لهم النذور، فهذه الشاة لسيدي عبد القادر ، تأليه كامل!! كيف تورطوا في هذه؟العدو الثالوث هو الذي حصر الولاية في من مات! والأحياء كلهم أعداء الله، افجر بنسائهم، كل أموالهم، سب اشتم -لعلي واهم- والله مجالس يجلسون يسبون ويشتمون ويعيرون: فلان وفلان، ما تركوا عالماً ولا حاكم ولا عبد صالح، موجة عارمة؛ لأنهم غير أولياء الله!فولي الله من يقوى على أن يمسه بسوء؟ والله يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، والحديث في صحيح البخاري، ( من آذى لي ولياً فقد آذنته ) أي: أعلنت الحرب عليه، عرف هذا أجدادنا وأسلافنا ولكن ما عرفوا من هو الولي؟الولي الذي قالوا: هذا ولي الله! وعبدوه، أما ولي في السوق يبيع ويشتري، في المزرعة يفلح ويزرع فليس هذا بولي!وقد قلت تقريراً لهذه الحقيقة: كنت جالساً مع شيوخ وأنا طفل صغير، تحدثوا. قالوا: فلان إذا زنى وعليه جنابة الزنا لا يمر بالشارع الفلاني حتى لا يمر بسيدي فلان! والله العظيم! يفجر بامرأة مؤمن، يفسد عرضه وحياته يلطخها، ولا يخاف الله عز وجل، ويخاف أن يمر بجنابته على ضريح وقبر سيدي فلان! فهذا هو الجهل المركب، وهذا هو الجهل الذي بذر بذرته الثالوث يوم أن صرفونا عن كتاب الله، وحولوه إلى المقابر.. صرفونا عن الحديث وحولوه إلى التبرك.. عمَّ الظلام وهبطت الأمة، واستعمرت واستغلت وتجاهلت ودخلت في البلاء وإلى الآن ترزح.
وجوب العودة إلى الكتاب والسنة لمحاربة الجهل
فما الحيلة إذاً لإنقاذ أمة الإسلام، فالجهاد كلمة باطلة مسمومة عبث، كيف تجاهد؟! بمن تجاهد؟! فهذا لا ينفع، فماذا نصنع؟الجواب: نسلم لربنا قلوبنا ووجوهنا. ما تستطيع. إذاً: كيف تجاهد؟! هيا نسلم قلوبنا ووجوهنا لله، كيف نسلم قلوبنا ووجوهنا؟! هل نعطي الله وجوهنا وقلوبنا؟! نعم، فقلبك لا يتقلب إلا في طلب رضا الله، ووجهك لا تقبل به على أحد، تسأل ولا تطلب ولا تأمل ولا ترجو إلا الله. والطريق سوف تموت هذه الدعوة، فلن ننساها ما دمنا نتكلم، وإني والله! لعلى علم، إن أراد المسلمون في أي مكان كانوا، سواء كانوا عرباً أو عجماً .. في الحضر أو في البدو.. إذا هم قالوا: هيا نسلم لله قلوبنا ووجوهنا، ثم إذا دقت الساعة السادسة مساء، عندما يقف العمل في العالم يتوضئون ويتطهرون، ويحملون أطفالهم ونساءهم إلى بيت ربهم، إلى المسجد الجامع الذي يتسع لكل أفراد الحي أو القرية، ولا يتخلف إلا مريض أو ممرض، أما الخوف قلا خوف، يحضرون حضورنا هذا، ويصلون المغرب، ثم يجلس لهم العالم بالله ومحابه ومساخطه، ليلة آية يتغنون بها ويحفظونها، ويفهمون مراد الله منها، ويعزمون على تطبيق ما أمروا به ودعوا إليه، ويعودون في قناعة وبنفوس مطمئنة هادئة، لا شرس ولا طمع ولا.. ولا.. قانعين يرددون تلك الآية، ويذكرون تلك الأحكام، وكلهم عزم على تطبيقها، ويرى الرجل امرأته تطبقها، وترى المرأة رجلها يطبقها.. وهكذا. غداً حديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، الكتاب والحكمة، وهكذا ليلة آية وأخرى حديث طول العام، فسيصبح أهل القرية علماء، وإذا علموا فلن يعصون الله، فهل رأيتم عالماً يفجر ويسرق ويكذب؟ فكل المنكر والباطل من الجهل والجهال، وحينئذ تصبح تلك البلاد كلها لله تعالى أولياء، وحينئذٍ إذا أرادوا أن يجاهدوا كلهم مستعدون، فهذا هو الطريق، ولو كان هناك طريق يأخذ بأمة الإسلام إلى أن تعود إلى قيادتها وسيادتها وطهارتها وكمالها فوالله! ما نجحده ولو تقطع رقابنا! ولكن لا وجود إلا هذا، فهذا امتحان كما جاء في الآية، (ليميِّز): هل نحن حقاً مسلمون أم لا؟ فكيف نعجز إذاً على أن نجتمع في بيت ربنا، ونبكي بين يديه طول العام؟ ومن قال: نعطل أعمالنا ونوقف متاجرنا ومقاهينا؟ قلنا له: هؤلاء الكفار إذا دقت الساعة السادسة في أوروبا أو في أمريكا أو في الصين يقف العمل، اقتدوا بالكفار! أو نحن ما نستطيع؟ لأن الشياطين لا تريد أن نسمو أو نرتفع أو نعلو، تريد أن نبقى مكبلين مقيدين.
شرطي تحقيق الولاية
قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران:179]، فهذا الأجر العظيم لا يقدر قدره.أولاً: الطهر والصفاء والكمال والراحة والسعادة في الدنيا.وشيء آخر أعظم: جوار الله في الملكوت الأعلى، والخلد في دار السلام، وهذا الأجر العظيم، وهذا الجزاء مقابل إيمان وتقوى! أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].فالذي لا يعرف محاب الله ولا مساخطه فلا يستطيع أن يتقي الله، ولا يعرف ما يحب الله من الاعتقاد والقول والعمل والصفة والذات لا يستطيع أيضاً أن يتقي الله، وكيف يتقيه وهو ما يعرف فيما يتقيه؟ فمستحيل أن يزني الزاني وهو يعرف الله رسوله ويعرف كيف يعبده. أدركنا رجل من أهل المدينة يبول في ثيابه في باب الرحمة، سيدي كامل، ويتمسحون به، هذا ولي الله، أعوذ بالله! الذي يبول على ثيابه ولا يصلي ولا يصوم فهل هذا ولي الله؟! ويدخن أيضاً ويعلمهم التدخين للبركة!فولاية الله تتحقق بشيئين اثنين لا ثالث لهما:أولهما: الإيمان الصحيح الذي إن عرضته على القرآن وقع عليه، أو أتيت عالماً بالقرآن قلت له: أعرض عليك إيماني هل صحيح أم لا؟ يقول: نعم، أنت المؤمن، لا دعوى: أنا مؤمن.ثانياً: التقوى، وهي خوف من الله يحملك على ألا تعصيه، لا بترك واجب ولا بفعل حرام، ولا يمكنك أن تعرف الواجبات وكيف تؤديها في أوقاتها وكمياتها وكيفياتها، وتعرف المحرمات وكيف تتقيها وأنت لا تعلم، فهذا مستحيل! فلهذا لن يكون جاهل ولياً لله مطلقاً.ما اتخذ الله ولياً جاهلاً إلا علمه، وهذه كلمة سليمة، يعني: إذا أرادك ولياً يعلمك بجعلك تبحث وتسأل العلماء وتحفظ ما تسمع وتطبق ما تتعلم؛ حتى تبلغ درجة الولاية. أما جاهل لا يعرف كيف يتبول ولا يعرف كيف يتنزه من البول فهل هو ولي الله؟! فإلى العلم.. مشغولون ما عندنا.. فهذا الاعتذار باطل، فقط من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء في مسجد الحي، فالكل يسكنون في أحياء، يتفقوا أهل الحي على أن يجلسوا بنسائهم وأطفالهم في جامعهم كل ليلة، ويطلبوا ويبحثوا عن عالماً ويأتوا به ويتعلمون منه، فلا يكلف هذا الارتحال والسفر، ولا يكلف أيضاً القراءة والكتابة.
تفسير قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله خيراً لهم ...)
ثم قال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [آل عمران:180] أي: من المال، وهذه الآية في الجهاد، والجهاد بالمال أولاً والنفس: وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ [التوبة:41].قال تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف:10] ما هي؟ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ [الصف:11].فقوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ [آل عمران:180] أي: يظنن الَّذِينَ يَبْخَلُونَ [آل عمران:180] ويمنعون الحقوق الواجبة في أموالهم من الزكاة والنفقات والصدقات أن هذا البخل خَيْرًا لَهُمْ [آل عمران:180]، لا والله! بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ [آل عمران:180]، أخبر بهذا الله العليم الحكيم، بل هو شر لهم وليس بخير؛ لأن المال يورث الطغيان، فإذا ما سلكت مسلك الرشد معه أطغاك، فكثير من الأغنياء لا يزكون، فقد كانوا يزكون أيام ما كانوا فقراء، عندما كانت الزكاة مائة ريال أو ألف ريال، فلما أصبحت زكاتهم مليوناً بخلوا ولم يزكوا. ‏
البخل بالمال شر ووبال على صاحبه
قال تعالى: بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ [آل عمران:180] انظر. فقال: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:180] والطوق يضع في العنق وهنا الطوق من جهنم، فالأموال تجمع وتلصق في العنق طوقاً، وأعظم من هذا ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه -يعني: شدقيه-، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، أنا مالك، أنا كنزك، وقرأ صلى الله عليه وسلم: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ [آل عمران:180] ). وآية التوبة: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34] متى؟ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [التوبة:35] ويقولون لهم: هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:35].فلهذا القرية أو المدينة التي صلحت ما بقي فيها من يمنع الزكاة ويمنع الصدقة، لكن قبل الإسلام، وقبل ما القلب والوجه لله، وقبل الولاية والعلم لا يستطيعون، وما يقدرون، فسبحان الله العظيم! وأخيراً يقول تعالى: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [آل عمران:180] فلما لم تنفق يا عبد الله! هل هذا المال سيبقى لك إلى يوم القيامة؟! سيرثك الله، فالله يورث امرأتك وابنك، ويرث الكل.إذاً: فمن الخير ألا تمنع ما أوجب عليك، أده وأنت مرتاح النفس، وكانوا يجاهدون بالمال، والآن -الحمد لله- المال لا تحتاج إليه الحكومة، لكن لو شاء الله وقالوا: نريد أن نغزو العدو الفلاني! فهنا يمتحن المؤمنون بالمال. فهذا يخرج بنصف ماله، وهذا بربعه، وهذا يقول: ما عندنا، وهذه محنة لا بد منها؛ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ [الأنفال:37].قال تعالى: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران:180] أي: بأمورنا الظاهرة والباطنة كلها بين يدي الله، فهو خالقها وكاتبها في كتاب المقادير! وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

ابو معاذ المسلم 05-01-2021 06:56 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة آل عمران - (74)
الحلقة (215)

تفسير سورة آل عمران (77)



الإيمان بالله عز وجل وتصديق رسوله هو سبيل العبد لدخول الجنة والفوز بالنعيم المقيم، وهذا الإيمان لا يكفي فيه النطق باللسان وإنما لابد من الإتيان بالدليل على صدقه واليقين به، وذلك بالصبر على البلاء، ومقاتلة الأعداء، والإنفاق في سبيل الله في السراء والضراء، فمن فعل ذلك فقد أثبت صدق إيمانه، واستحقاقه لعفو ربه ورضوانه، والفوز بنعيمه وجناته.
قراءة في تفسير قوله تعالى: (وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ...) وما بعدها من
كتاب أيسر التفاسير
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده ).وها نحن ما زلنا مع الآيتين الكريمتين واللتين شرعنا في تفسيرهما الليلة الماضية، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران:179-180].
شرح الكلمات
مفردات هاتين الآيتين الكريمتين كما في التفسير. قال:[ شرح الكلمات. (ليذر) معناه: ليترك.(يمِيز) قال: بمعنى: يميِّز ويبين الفرق بين الشيء والآخر.(الخبيث من الناس): من خبثت نفسه بالشرك والمعاصي، وخبثت ضد طابت وطهرت.(الطيب من الناس): من طهرت نفسه بالإيمان والعمل الصالح].إذاً: النفس تخبث بالشرك والمعاصي، وتطيب وتطهر بالإيمان والعمل الصالح.[(الغيب): ما غاب فلم يدرك بالحواس، لا بالسمع ولا بالبصر ولا بغيرهما، ذاك هو الغيب ما غاب عنك فلم تدركه بحواسك. (يجتبي) أي: يختار ويصطفي وينتقي.(يبخلون) معناها: يمنعون ويظنون. والمنع والظن هو البخل.(يطوقون) أي: يجعل طوقاً في عنق أحدهم]. هذه هي المفردات.
معنى الآيات
وأما معنى الآيتين الكريمتين كما هما في الشرح المبين.قال: [ معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث وقعة أحد -الوقعة والواقعة بمعنى واحد- وما لازمها -أي: تلك الواقعة- من ظروف وأحوال مرت بنا وعايشناها.فأخبر تعالى في هذه الآية الأولى أنه ليس من شأنه تعالى أن يترك المؤمنين على ما هم عليه، ففيهم المؤمن الصادق في إيمانه، وفيهم الكاذب فيه وهو المنافق، -المجتمع كان خليطاً في أيام الهجرة إلى المدينة- بل لا بد من الابتلاء والاختبار والامتحان بالتكاليف الشاقة، ومنها الجهاد والهجرة والصلاة والزكاة]، وهذه التكاليف فيها مشقة، ومشقة الجهاد واضحة، ومشقة الحج والهجرة أيضاً واضحة، ومشقة الصلاة في المحافظة على أوقاتها بتلك الدقة أيضاً مشقة.[وغير الشاقة من سائر العبادات حتى يميِّز المؤمن الصادق وهو الطيب الروح من المؤمن الكاذب، وهو المنافق الخبيث الروح].قال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179] وقد فعل. وأحداث وقعة أحد هي التي بينت. قال: [وذلك أن الله لم يكن من سنته في خلقه أن يطلعهم على الغيب، فيميِّز المؤمن من المنافق والبار من الفاجر، وإنما يبتلي بالتكاليف ويظهر بها المؤمن من الكافر، والصالح من الفاسد، أو ويظهر هو تعالى بها المؤمن من الكافر والصالح من الفاسد.إلا أنه تعالى قد يجتبي من رسله من يشاء، فيطلعه على الغيب، ويظهره على مواطن الأمور، وبناء على هذا: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [آل عمران:179] حق الإيمان، فإنكم إذا آمنتم صادق الإيمان واتقيتم معاصي الرحمن كان لكم بذلك أعظم الأجر وهو الجنة دار الخلود، دار الحبور والسرور]، وهذا ما دلت عليه الآية الأولى [أما الآية الثانية فإن الله تعالى يخبر عن خطأ البخلاء الذين يملكون المال ويبخلون به، فيقول: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ [آل عمران:180] من المال الذي تفضل الله به عليهم أن بخلهم به خير لأنفسهم كما يظنون، بل هو -أي: البخل- شر لهم؛ وذلك لسببين: الأول: ما يلحقهم في الدنيا من معرة البخل، وآثاره السيئة على النفس.والثاني: أن الله تعالى سيعذبهم به، بحيث يجعله طوقاً من نار في أعناقهم، أو بصورة ثعبان فيطوقهم، ويقول لصاحبه: أنا مالك، أنا كنزك، أنا مالك، أنا كنزك -كما جاء في الحديث-؛ فعلى من يظن هذا الظن الباطل أن يعدل عنه، ويعلم أن الخير في الإنفاق لا في البخل، وأن ما يبخل به هو مال الله وسيرثه ويورثه غيره، ولم يجن البخلاء إلا المعرة في الدنيا والعذاب في الآخرة.قال تعالى: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران:180]. إذاً: فاتقوه فيما آتاكم فآتوا زكاته وتطوعوا بالفضل الزائد؛ فإن ذلك خير لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون]. وهذا معنى الآيتين الكريمتين. وقبل بيان هداية الآيات، نتأمل قوله تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179] وهو حق وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران:179] حتى تعرفوا المؤمن من المنافق، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران:179] ويطلع من أراد منهم على غيب يعلمه، أما غير الرسل فلا حظ لهم في هذا الاختيار. والخلاصة: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [آل عمران:179].ثانياً: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران:179]، أي: الجنة دار الحبور والسرور.. اللهم اجعلنا من أهلها. وقوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ [آل عمران:180]، وبين تعالى قال: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران:180].
هداية الآيات
وهاتان الآيتان الكريمتان تحملان هدايات ربانية.. اللهم عرفنا بها واجعلنا من المهتدين بها: قال: [من هداية الآيات: أولاً: من حكم التكليف إظهار المؤمن الصادق من المؤمن الكاذب]، فالتكليف له حكم وليست حكمة واحدة، لكن من حكمه أن يظهر المؤمن بحق والمؤمن المزيف الكاذب. فلولا التكليف الجزئي بفرضية الصلاة خمسة أوقات في أربع وعشرين ساعة وأن من تركها فقد كفر، ما عرفنا البار من الفاجر، والتقي من الآثم، وما عرفنا المؤمن من الكافر؛ لذلك فرض الله تعالى الصلاة ليميز المؤمن من الكافر.ولولا أن الله أيضاً فرض الزكاة، وفرض النفقات في أوقاتها ما عرفنا المبذال المنفاق المتصدق من البخيل، فلابد وأن يتميز البخيل من المنفق السخي. إذاً: من حكم التكليف الذي هو عبادة ألزمنا الله بها سواء بفعل ما نفعل أو بترك ما نترك. [ثانياً: استئثار الرب تعالى -أي: اختصاصه دون غيره- بعلم الغيب دون خلقه -اللهم- إلا ما يطلع عليه رسله لحكمة اقتضت ذلك].فالذي استأثر بالغيب واختص به هو الله جل جلاله وعظم سلطانه، أما قال تعالى وقوله الحق: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران:179]، فليس من شأنه عز وجل أن يطلع أحداً من خلقه على الغيب إلا من يشاء، ولهذا -بالأمس- قررنا أن الذي يدعي علم الغيب كافر وطاغوت، ويجب قتله بعد استتابته ثلاثة أيام بإجماع الأمة.لطيفة: فلو كنت -يا عبد الله- اطلعت على غيب لاستحيت أن تطلع الناس عليه؛ لأن الله ستره وغطاه ولن يطلع عليه غيره؛ لتنتظم الحياة وتواصل مسيرتها إلى نهايتها، فلو كنا نطلع على الغيب لوقفت الحياة.فمثلاً: لو علموا الذين عزموا الليلة على السفر -وهم أكثر من مليوني شخص- أنه سيصيبهم مكروه لألغوا السفر. مثلاً: إن كان أباك أو أخاك أو محبك يكتم عنك شيئاً ويخفيه وفيه خيرٌ لك ولا يطلعك عليه، ستساعده على ستر ذلك وتغطيته إن كنت الرشيد الحكيم. وقد ادعى الغيب أناس.. وما زال هناك رجالاً ونساء بمئات الآلاف في العالم الإسلامي يدعون الغيب، ويأتون الناس إليهم ويقدمون لهم المال؛ ليطلعوهم على كذا وكذا، والسبب أنهم جهلة عاشوا في الظلام وماتوا فيه.[ثالثاً: ثمن الجنة] فيا من يريد أن يشتري داراً في الجنة! ويا من يرغب في بستان في الجنة! ويا من يرغب في دار في الملكوت الأعلى! أقبل على الله. إذاً: ثمن الجنة هو الإيمان وتقوى الرحمن؛ لقوله تعالى: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران:179]، أي: هذا الأجر العظيم يكون في الملكوت الأعلى وهو الجنة دار السلام. إذاً: لطيفة أخرى: إن لم تكن ولياً لله فأنت ولي للشيطان عدو الله، فليس هناك وسط بين ذلك، فلا تقل: لست بولي الله ولا بولي الشيطان. فمستحيل هذا، إما أن توالي الله أو توالي الشيطان. يعني: إما أن تطيع الله فأنت وليه أو تطيع الشيطان فأنت وليه، فالشيطان يأمر وينهى، فمن استجاب له فهو وليه. فيا من يرغب في أن يصبح ولياً لله! آمن واتقي.. آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما يتم فيه، والقضاء والقدر وما يجري فيه، وبكل ما أمرك الله ورسوله أن تؤمن به. وهذا الإيمان وهو الثمن الأول للجنة. قال: [التقوى وهي أن تتعلم ما يحب الله من الاعتقادات والأقوال والأفعال والصفات والذوات، وتحب ما يحب وتفعله لله خالصاً، وتعرف ما يبغض الله ما يكره الله من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات والذوات وتكرهها وتتركها]، وهذا يعطيك صك بأنك ولي الله، وإذا شككت ارفع يديك في حاجة من حاجاتك واسأله قضاءها، تقضى بين يديك بإذن الله. والآية دلت على هذا: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا [آل عمران:179]، والجنة يدخلها أولياء الرحمن.وقوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، وكأن سائلاً يسأل يقول: يا ربِّ! من أولياؤك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ فيجيب تعالى بنفسه قائلاً: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، وكأن قائل يقول: ما هي علامات ذلك وإشاراته؟ الجواب: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64]، أي: بشرى الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له. أي: منامة صالحة تراها تدلك على أنك ولي الله، فإذا لم ترها أنت يراها عبد صالح لك ويقصها عليك، وقد يأتيك من بلد إلى بلد ليبلغكها، فلأن تذهب من المدينة إلى الصين بالنفقة والتعب والسهر لتعلم هذه البشرى، فإن تعبك ونفقتك ومالك لا تساوي شيئاً مقابل هذه البشرى، وأعطيناها ونحن في أمن ورخاء ولا نحفظها ولا نبالي، وغداً نسأل عنها؟ فلا ندري، هاه.. لا ندري.

يتبع

ابو معاذ المسلم 05-01-2021 06:56 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
الثالوث الأسود وجهوده في حرب الإسلام
ولطيفة سياسية اجتماعية نفسية: وهي أيضاً أغلى من خمسين ألف ريال، فلأن تعرفها وتضمرها في نفسك وتعمل بمقتضاها خير لك من أن تعطى شيكاً بخمسين ألف ريال وتذهب به إلى أوروبا تفجر أو تشتري به تلفاز وفيديو وترقص. وهذه من مكايد الثالوث الأسود وهم المجوس واليهود والنصارى، وسبب تحولهم إلى ثعبان أسود أن المجوس من يوم أن سقط عرش كسرى وأعطاه عمر سراقة بن جعشم وألبسه على رأسه؛ تمثيلاً لبشرى النبي صلى الله عليه وسلم، تكون حزب وطني يعمل في الظلام للانتقام من الإسلام، ودليل ذلك عمر بن الخطاب قتله أبو لؤلؤة المجوسي في محراب رسول الله.فاليهود ما إن أيسوا من حصول على خير في هذه الديار؛ لأنهم نزحوا من الشام على أمل أن النبي الخاتم نبي آخر الزمان إذا ظهر بين جبال فاران، وهاجر إلى المدينة ذات السبخة والنخيل، وهذه الصفات محفوظة عندهم في التوراة كما نحفظ نحن: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، فمن الضرب والتعذيب الذي يتلقونه من الروم والرومان نزحت طائفة منهم؛ انتظاراً للنبوة وهروباً من التعذيب. إذ كان النصارى يقلون اليهودي في الزيت في قدر كبير يتسع لبعير، فيضعون فيه اليهودي وهم فرحون وصدورهم منشرحة؛ لاعتقادهم أن اليهود قتلوا وصلبوا إلههم، فهذا الفهم الهابط! انظر إلى أين تصل البشرية إذا فقدت نور الله عز وجل! فاليهود هم الذين صلبوا المسيح وقتلوه، فكيف إذاً المسيحي يرضى عن يهودي، وهو قد قتل وصلب إلهه؟! فلو أن شخصاً أراد أن يقتل نبيك فلن تنظر إليه.فلما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يجتمع دينان في الجزيرة ) اغتاظ اليهود، وخافوا من أن يدخل اليهود كلهم في الإسلام، وخافوا من يفقدوا وجودهم، فأعلنوا الحرب على الإسلام وبدءوا، فقد حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات.إذاً: فمن ثم بحثوا اليهود عمن يتعاونون معه، فوجدوا الحزب المجوسي، وحامل الراية الدعوة اليهودية عبد الله بن سبأ الصنعاني اليماني وهو من غلاة اليهود عربي اللسان؛ فاحتضن الحزب الوطني المجوسي، وما إن لاحت أنوار الإسلام في الغرب والشرق وانتهت إلى الأندلس حتى رفعت الصليبية رأسها؛ خوفاً من أن نور الإسلام سيغمر الدنيا، فبحثوا عمن يتعاونون فوجدوا اليهود والمجوس فتعانقوا، مع أنهم أعداء لبعضهم البعض وتعاونوا وتحابوا و.. و.. وإلى الآن في الظلام متعاونون على الإسلام؛ لأن الإسلام لا يريدونه؛ لأنه يسعد ويعز ويرفع إلى السماء ويُدخل الجنة، ولا طريق إلى ذلك إلا الإسلام. فهم يريدون الحفاظ على مناصب وكراسي وسمعة وشهرة، واستعباد لإخوانهم وأوطانهم؛ فيبغضونهم في الإسلام ويعفنونه ويشوهونه. وصورة سريعة: فقد ذكر الشيخ رشيد رضا في تفسيره المنار، عن شيخه الشيخ محمد عبده تغمدهما الله برحمته، يقول: كان الشيخ في باريس في فندق ولم يكن حينذاك حنفيات مياه في فرنسا، فطلب ماءً يتوضأ به في ساحة الفندق، ولما توضأ جاء طفل صغير وهو ابن لرئيسة الفندق جاء يحبو وأراد أن يمس الماء، فقالت له أمه بكلمة على لسانها: كخ كخ كخ، هذا توضأ به عربي وفيه جراثيم، الطفل صدق أمه، وقال: ماما جراثيم رآها في الماء. ومعنى عربي مسلم. وما زالت المرأة الأوروبية إلى الآن تخوف طفلها إذا عمل باطل، تقول: عربي عربي عربي عند الباب! فعملوا على تشويه الإسلام وقبحوه، وكم ضحكوا وسخروا عن تعدد الزوجات، فقد عدوها من الأباطيل، فهؤلاء مجانين وحمقى، فالله سبحانه وتعالى يشرع، وأنت الأحمق الجاهل تقول: لا، وتقول: أنا مؤمن، أين علمك؟! وأين فقهك؟! وأين بصيرتك؟! وهذا هو الثالوث الأسود، فمن كيده ومكره أيضاً لما عجز في ميادين المعارك والجهاد والدماء، قال: إذاً نبحث عن طريقة إطفاء هذا النور.. لا بقوة السلاح فلا نقوى عليه، فقد فشلوا في كل معركة طيلة ثلاثمائة سنة، قالوا: نبحث عن سبب هذه القوة، وعن سبب هذا النور وهذه الهداية، فوجدوا ذلك في اثنين:الأول: في القرآن الكريم، فما ارتفعت هذه الأمة ولا سامت ولا سادت إلا بنور القرآن، فاستطاعوا للأسف الشديد أن يحولوا القرآن إلى المقابر. أليس يقرأ القرآن الآن على الموتى؟! فيا أبناء الإسلام! ماذا تريدون من قراءة القرآن على الميت؟! هل تريدون من الميت أن يقوم يصلي، ويقول: أستغفر الله وأتوب إليه؟! وهل تريدون منه أيضاً أن يقوم ويعترف بحقوق الناس؟! فما الذي يفيده إذاً؟ فقط توبخونه لم ما فعلت؟ ولم ما فعلت؟ وانتشرت الخطة وأصبح العالم الإسلامي عرب وعجم إذا مات الميت وشيع إلى القبر يجمعون أهل القرآن، وأهل القرآن لا يملكون شيئاً فلا وظيفة لهم ولا شيء... ضيعوا أوقاتهم في حفظ القرآن الكريم؛ لأجل هذا القوت لا أقل ولا أكثر، فيستدعونهم في بعض الأموات ليلة واحدة إذا كان فقير، ثلاث ليال.. سبع .. إلى واحد وعشرين إذا كان الهالك ذا ثروة وغنى ومال. فتجد عند باب المقبرة من يقرأ القرآن مقابل مبلغ من المال على قبر ما.وهذا هو حال القرآن فلا يجتمع عليه اثنان في ظل شجرة أو جدار أو في منزل؛ ليتدبرها ويتفهم مراد الله من كلامه لهم. فمن منا قال لأخيه: اقرأ علي شيئاً من القرآن لنتدبره؟!فرسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أنزل وكلف بتبيينه يقول لـعبد الله بن مسعود : ( يا ابن أم عبد ! اقرأ علي شيئاً من القرآن، فيقول عبد الله : أعليك أنزل وعليك أقرأ يا رسول الله؟! فيقول: نعم، أحب أن أسمعه من غيري )، فأين أمة الإسلام؟! فقد قتلوها، أما استعمروها وأذلوها من اندونيسيا إلى موريتانيا؟ فلو كانت حية وذات علم وبصيرة فهل سيسودها الكفر ويحكمها؟! مستحيل. ( ويقرأ عليه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء:1] إلى أن ينتهي إلى قول الله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] وإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان الدمع وهو يقول: حسبك حسبك حسبك ). انتقل الشيخ الطيب العقبي من هذه الديار إلى الديار الجزائرية خريج هذا المسجد، وهو مؤسس جريدة القبلة وبعده أم القرى، وهذا الذي مسح تاريخه العرب؛ لأنهم يكرهون التوحيد، فكان يلقي دروساً كهذه، ومن ثم ونحن في القرية نقرأ القرآن جاء عامي يشتغل في الميناء لا يعرف الألف من الباء يجلسني وأنا طفل وكان يقول: اقرأ علي شيئاً من القرآن، ويغمض عينيه ويدلي رأسه وأنا أقرأ. فـالعقبي حدثهم بحديث رسول الله، هذا الوحيد الذي يطلب منا أن نقرأ عليه القرآن. فقد أعرضت هذه الأمة عن القرآن إعراضاً كاملاً وماتت. والثاني: الولاية، فولاية الله تعالى حصروها في الأموات لا في الأحياء، وقد قلت لكم وإلى الآن: لولا هذه الدعوة التي انتشرت من هذا المسجد.. فإذا ذهبت إلى القاهرة أو إلى دمشق أو إلى بغداد أو إلى كراتشي أو إلى اسطنبول أو إلى مراكش أو إلى تونس فأول من تلقاه في الطريق تقول له: أنا غريب جئت من بلادنا لأزور ولياً من أولياء الله في هذه المدينة، والله! ما يأخذ بيدك إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن تلك العاصمة ذات المليونين والثلاثة فيها ولي حي. فقد حصروا الولاية في الأموات وسلبوها الأحياء؛ ليصبح المؤمن يزني بامرأة المؤمن -فوالله! إنهم ليزنون-. فلو كان يعرف أن هذا ولي الله فهل سيزني بامرأته؟! يفسد ما عليه ونحن نراه إذا مر بقبر الولي ترتعد فرائصه؟! كيف يزني بامرأة ولي؟! ولو عرف أنه ولي هل سيسلب ماله، ويحتال عليه ويأكل ماله بالغش أو بالكذب؟! والله ما كان، ولو اعتقد أنه ولي فلن يسبه ولا يشتمه؟ فهل سمعتم جماعة ينتقدون عبد القادر ويسبونه؟! مستحيل. مجالسنا كلها غيبة ونميمة وسب وشتم؛ لأنهم ما عرفوا من هم أولياء الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.وهذا من فعل الثالوث الأسود، وما زال يفعل العجائب، فهل كان يعقل بين العرب الجهال أن يسمح الفحل لامرأته أن تنظر إلى رجل وهو يرقص أمامها؟! فوالله ما نرضى أن يسمع أصوات نسائنا حتى العبد الصالح. فكيف إذاً بامرأتك وهذا المغني يرقص في التلفاز وأنت تضحك، فهذه الغيرة مسحها الثالوث. وهذا مجرد مثال فقط.يبعث أحدهم امرأته تشتغل في البنك الفلاني في الدار الفلانية وتصافح الموظفين، فهل هذا كان في بال إنسان آدمي؟ والآن واقع وما حصلنا عليه، ونبكي ليل نهار، آه لو أجد وظيفة لامرأتي. فعل هذا الثالوث الأسود، وما زال يفعل.
تابع قراءة في تفسير قوله تعالى: (وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ...) وما بعدها
من كتاب أيسر التفاسير

هداية الآيات
قال: [ثالثاً: ثمن الجنة الإيمان والتقوى وهما مفتاحا الولاية] بهما تدخل ولاية الله. رابعاً: [ البخل بالمال شر لصاحبه وليس بخير له كما يظن البخلاء ]، بالبخل بالمال وهو منع حقوق الله منه والحفاظ عليه، فصاحبه يظن أن هذا خير له وهو شر له، وقد قال تعالى: بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ [آل عمران:180].قال: خامساً: [من أوتي مالاً ومنع حق الله فيه عذب به يوم القيامة]، دل على ذلك قوله تعالى: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:180] وآية سورة التوبة، وهي قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34] متى؟ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [التوبة:35] ويقال لهم: هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:35]. هذه الآية -يا معاشر المؤمنين- هي التي جهزت غزاة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى شرقوا وغربوا، فلم تكن هناك ميزانية ولا مال ولا ولا.. ولكن هذه الآية فقط يخرجون بأموالهم، فقد خرج أبا بكر بماله، وخرج عمر بنصف ماله.والحمد لله فقد خرجنا بنصف المال مرة من المرات، فقد كانت هناك دعوة للجهاد في الجزائر؛ لأنه قتال كفار فرنسا، وحكومتنا الرشيدة فتحت الأبواب وأصبحنا نجمع المال من باب السلام إلى باب المجيدي كل جمعة، ضريبة على الطلاب في مدارس الابتدائية والمتوسطة ريال على كل طالب. وعند الجمع كان عندنا أربعمائة ريال خرجنا بنصفها، وقلنا: نجرب، مائتين ريال، وكان يومها راتب الأستاذ في الابتدائية ثمانين ريال. والشاهد عندنا لتفهموا أنه ما كان عندهم بيوت ولا أموال، إذا نادى إمام المسلمين: الجهاد! المال! يخرجون من بيوتهم بأموالهم ويقرءون هذه الآية: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35] . قال: [ وحديث البخاري -يقول صلى الله عليه وسلم-: ( من آتاه الله مالاً فلم يؤده زكاته مثل له شجاعاً أقرع ) ] والعياذ بالله، ثعبان شجاع أقرع؛ لأن الحية القرعاء كلها سم وسمها قاتل. قال: [ ( له زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه -أي: شدقيه- ويقول له: أنا مالك أنا كنزك ) ] وهو يعذبه ملايين السنين، ثم قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية: [ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:180] ]. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.


ابو معاذ المسلم 09-01-2021 06:00 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة آل عمران - (75)
الحلقة (216)

تفسير سورة آل عمران (78)

تاريخ يهود في إنكار الحق وبث الشبهات لا يخفى على ذي عقل، ومن ذلك أنهم زعموا أن الله فقير ومحتاج إلى عباده، وذلك أنه دعاهم إلى إقراضه سبحانه ووعدهم بمضاعفة أجرهم أضعافاً كثيرة، ومن ذلك أيضاً أنهم ادعوا كذباً وزوراً أن الله عهد إليهم في كتبهم السابقة ألا يؤمنوا لنبي حتى يأتي بقربان من صدقة فتنزل عليه نار من السماء فتحرقه، وقد أنزل الله في كتابه خبرهم وكذبهم وبين حالهم في تكذيبهم للرسل من قبل وقتلهم إياهم ظلماً وعتواً.
تفسير قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال -فداه أبي وأمي- وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده ) اللهم حقق لنا رجاءنا إنك ولينا، ولا ولي لنا سواك.ما زلنا مع سورة آل عمران عليهم السلام، وقد انتهى بنا الدرس إلى هذه الآيات الأربع المباركات، نتلوها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران:181-184].فهيا نتغنى بهذه الآيات متأملين متفكرين باحثين عن مدلولاتها ومعانيها؛ علنا أن نظفر بنور إلهي يغمر قلوبنا، وينور طريقنا، فلا ظلمة ولا خبث ولا شر ولا إثم. ‏

سبب نزول قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ...)

قال تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]، أوحى الله جل جلاله هذا الكلام إلى رسوله النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر لابد له من سبب اقتضى نزول هذا الخبر؛ فقد كان في المدينة (مدراس)، وبلغتنا العربية (مدرسة)، وبلغة اليهود (المدراس) يجتمعون فيه ويتعلمون الكتاب والحكمة التي عندهم، فذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليدعو معلمهم ومربيهم فنحاص إلى الإسلام، فبإسلام المدرس يسلم التلاميذ وينقادوا، ولما دعاه أبو بكر الصديق إلى الإسلام رفض ولم يقبل، وتعلل واحتج بما جاء في الآيات، ولما قال: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181] بمعنى: كيف يستقرضنا ويطلب المال، ونحن أغنياء وهو فقير؟! فـأبو بكر الصديق لم يتمالك نفسه حتى ضربه على وجهه ضربة شديدة، وذلك جزاؤه.وهنا ذكرت مرات فقلت: إذا كان الشخص مناوئاً ضد دعوة الحق وتنصر بمثل هذه الكلمة فلو كنا كـأبي بكر لا نتمالك فنضربه على خده حتى لا يعود لمثل هذا، ولكن لضعفنا يسب الرسول ويقال فيه كذا وكذا، ونحن لا نحرك ساكناً ولا نشتكي، فهذه القضية لا تحتاج إلى أن ترفع دعوى إلى محكمة.فلما قال هذا اليهودي كلمة خبث ووصف الله عز وجل بالفقر، ما كان من أبي بكر الصديق إلا أن ضربه على وجهه، فذهب اليهودي يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. أقول: يبلغني أنه يوجد من غير أهل السنة والجماعة من يطعن في عائشة أو يسب أبا بكر ، فأقول: أنه وبمجرد ما يقول كلمة الكفر هذه اصفعه على خده حتى يتأدب، ولا أقول: اضربه بعصا أو اقتله -لا تنقلوا عني غير هذا-، ولكن كما فعل أبو بكر فقط، ما دام فاه بكلمة باطلة خبيثة أعطه صفعة حتى لا يعود ويقولها، وإلا فسوف يتجرأ ويسبهما في كل مناسبة. فقط تأديباً له حتى يحترم موقف أهل السنة كذلك، ولا يقول الباطل بينهم، وتأتي تشتكي إلي ماذا نفعل وماذا نقول؟ ولما اشتكى اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أبا بكر فعلت؟ قال: نعم. فقبل أن يأتي بالجواب حتى نزلت هذه الآية الكريمة: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]؛ لأن اليهودي أنكر وقال: ما قلت: نحن أغنياء والله فقير، فكذبه الله وقال: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا [آل عمران:181]، ويسجل ويجزون به ساعة الجزاء. سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا [آل عمران:181] هذا أولاً، وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ [آل عمران:181] عند صب العذاب عليهم: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:181]، والحريق: النار الملتهبة لا الجمر. وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [آل عمران:181-182] أي: هذا الجزاء بعذاب الحريق مقابل ما قدمته أيديكم من الكذب والباطل والإثم، وقتل الأنبياء، والكفر والخروج عن طاعة الله ورسوله.
تفسير قوله تعالى: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ... )
جاء فنحاص وعلماء كثيرون، وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: نحن لا نستطيع أن نؤمن بك، ونتابعك على دينك؛ حتى تأتينا بقربان تأكله النار. والقربان: هو ما يتقرب به إلى الله؛ سواء نعجة وإلا بقرة تذبح وتوضع هناك وتأتي نار بيضاء من السماء فتأكلها أو ثياب أو أي شيء مما يتقرب به إلى الله عز وجل. وهذا كان في بني إسرائيل، فـيوشع بن نون لما خرج موسى ببني إسرائيل من أرض سيناء ورفضوا القتال وجبنوا وعاقبهم الله بأربعين سنة تيهان في صحراء سيناء، فلما انتهت وتوفي موسى وقبض هارون قادهم يوشع بن نون فتى موسى ونبأه الله عز وجل، وطالبوه بالآية فلما غزا وانتصر على العمالقة جمعوا الغنائم كلها وأتت نار من السماء فأحرقتها. إذاً فقال اليهود: لن نؤمن حتى تأتينا بقربان تأكله النار، قال الله لرسوله: قل لهم: قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ [آل عمران:183] أي: المعجزات وَبِالَّذِي قُلْتُمْ [آل عمران:183] وطالبتم به من القربان تأكله النار، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ [آل عمران:183]؟ فقد قتلوا يحيى وولده زكريا عليهما السلام، وقتلوا عيسى عليه السلام، وإن لم يقتلوه واقعاً قتلوه حكماً؛ لأن عيسى عليه السلام لما بلغه المؤامرة دخل إلى بيته وأغلق بابه، وإذا بمدير الشرطة برجاله يقرعون باب بيته فأبى الخروج، فدخل مدير الشرطة أولاً فألقى الله الشبه عليه، ورفع عيسى من روزنة البيت، فما كان منهم إلا أن ألقوا الحديد في يديه ورجليه وجروه على أنه عيسى بن مريم، وصلبوه في اليوم التالي، فهم يعتبرون قتلوه قضاء وشرعاً. لكن الله عز وجل رفع عيسى إليه في دار السلام، وسينزل عما قريب بالمنارة البيضاء بمسجد دمشق.والشاهد: قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ [آل عمران:183]، وطالبتم به وهو القربان تأكله النار، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:183] بدعواكم؟
تفسير قوله تعالى: (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك ....)
ثم قال لرسوله معزياً مسلياً: فَإِنْ كَذَّبُوكَ [آل عمران:184] يا رسولنا فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ [آل عمران:184] فليس واحد ولا عشرة ولا مائة، مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران:184]. إذاً فلا تكرب ولا تحزن واصبر، وائتسي بمن قبلك.
ملخص لما جاء في تفسير الآيات
نعيد تلاوة الآيات:قال تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]، أي: قال: إن الله فقير ونحن أغنياء هو فنحاص المعلم في المدراس، فقال تعالى: سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا [آل عمران:181] أي: سيدون ويسجل؛ ليجزوا به، ونكتب قتلهم الأنبياء، فقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا في بعض الأحيان يقتلون سبعين نبياً، وفي المساء أسواقهم عامرة كأسواقنا الليلة بالمدينة، وكأن شيئاً ما وقع بعدما قتلوا سبعين نبياً؛ لأن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرين ألف وأكثرهم من بني إسرائيل. قال تعالى: وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران:181] وهل هناك حق يقتل به النبي؟ نعم. لكن حاشاهم أن يزنوا فيقتلوا، أو يقتلوا ظلماً وعدواناً فيقتلوا من غير حق، لكن تشديد وإكثار من التشنيع عليهم. قال تعالى: وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:181] أي: يقال لهم هذا عند دخولهم النار وهم فيها، فهذا العذاب الروحي أشد من العذاب البدني، ويقول لهم هذا الكلام ملائكة الله الزبانية بأمر من الله عز وجل، وينسب القول إليه عز وجل. قال تعالى: ذَلِكَ [آل عمران:182] أي: العذاب والهون والدون بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [آل عمران:182] أي: بما قدمت أيديهم في الدنيا حين كانوا يأكلون الربا ويفجرون ويقتلون الأنبياء والعلماء. قال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:182]، حاشاه أن يظلم عبيده، فهو غني عنهم، فكيف يظلمهم؟! لطيفة: لا يتصور الظلم إلا من ضعيف، أما القوي القادر الغني لا يظلم. الظلم.. أن تجور وتظلم أخاك وتخطف قرص العيش من يده، فمثلاً: ما تجد أين تسكن تحتال وتطرد صاحب المسكن لتسكن.. أنت محتاج إلى وظيفة فتحتال وتغش وتبعد فلان عن وظيفته لتحتلها.. تريد أن تملك تقوم بثورة حتى تملك.فالظلم لا يتصور إلا من ضعيف، قوي.. غني لا يظلم. والله عز وجل بيده كل شيء، وإليه مصير كل شيء، وهو خالق كل شيء، فكيف يتصور منه الظلم؟! فلهذا نفى تعالى الظلم عنه في عشرات الآيات، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] أي: عبيده هو جل جلاله وعظم سلطانه. قال تعالى: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا [آل عمران:183] أي: في التوراة، أو في الإنجيل، أو على ألسنة الأنبياء وهم كاذبون: أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ [آل عمران:183]، ومن الجائز أن يكون هذا في كتبهم، فإذا ادعى أحد منهم النبوة يقولون: هات قربان نتقرب به إلى الله، ونرى السماء تنزل وتختطفه، أي: تنزل من السماء نار تحرق هذا القربان. وهكذا حكى الله تعالى قولهم لرسوله ولنا. الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ [آل عمران:183]، أي: فإن كنت أنت رسول الله كما تدعي وتقول وتطالبنا بالإيمان بك: ائتنا بقربان تأكله النار، وبذلك نؤمن، فوالله! لو أتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالقربان وشاهدوا النار ما آمنوا به، فهم يريدون أن يسودوا العالم ويتطلعون إلى مملكة بني إسرائيل؛ لأن ما جاء به الرسول من الهدى والبينات أفضل مليون مرة من قربان تأكله النار، فلو شاهدوا القربان لقالوا: ما رأينا؛ لأنهم غير عازمين على الإيمان، عرفوا أنه رسول الله، وأن هذا دين الله، ولكن قالوا: إذا آمنا نذوب في الإسلام وتنعدم شخصيتنا ووجودنا! ومن شك في هذا.. كيف أذلوا ألف مليون مسلم وأقاموا دولة إسرائيل؟! فلو كانوا فقط يريدون الأكل والشرب أو اللباس أو المال، والله! ما يفعلون هذا، فهو متوفر لهم بالخديعة والكذب، لكن يريدون مملكة تسود العالم.. كلمة (من النيل إلى الفرات) مقدمة فقط، والآن مشوا خطوات وكادوا يملكون العالم، هم الآن يديرون دفة العالم. فهم الذين وضعوا الشيوعية، وهم الذين نسجوا خيوطها، وهم الذين أبطلوا الشيوعية، بلغوا مأربهم وانتهوا إلى حاجتهم وهي أن حولوا ثلاثة أرباع الصليبين المتعصبين إلى بلاشفة وملاحدة علمانيين لا يؤمنون بالله ولا بلقائه، وهؤلاء ما يخافونهم ويعدونهم كالبهائم يركبونها.فثلاثة أرباع النصارى الذين كانوا أرقاء القلوب تذرف عيونهم الدموع إذا ذكر الله يتصدقون، فإذا نظر أحدهم إلى اليهود يستغفر الله، فحالهم يقول: لا يجوز أن تفتح عينيك في يهودي، فهو قاتل إلهك وكيف ترضى عنه؟واستطاعوا بهذا السحر أن حولوا النصارى إلى رجال لهم، وأعوان يعملون معهم بعدما مسحوا قلوبهم من شيء اسمه: الله، والإيمان بلقاء الله. فما المخرج أن نسلم، فإذا أسلم العرب والمسلمون رحل بنو عمنا.. فهل نحن الآن غير مسلمين؟ إيه نعم، فالإسلام الحقيقي لا وجود له بالصورة العامة في العالم الإسلامي، فلو أسلمنا لقلنا: بايعناك يا إمام الحرمين والمسلمين، وأصبحت دولتنا واحدة في أربعة وعشرين ساعة، وتسلمنا الدستور الإسلامي وطبقناه من أقصى الشرق إلى أدناه. ماذا يكلفنا؟ يكلفنا فقط أن نؤمن بالله ولقائه، لا وطنية ولا قبلية ولا مال ولا دينار ولا درهم، آمنا بالله وأسلمنا قلوبنا ووجوهنا له، حينها نقول: نحن مسلمون. وعندنا برهنة وهذه البرهنة: أخبرنا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، فقال في صحيح مسلم وغيره: ( لتقاتلن اليهود ثم لتسلطن عليهم )، بينا وجه التسلط.. فلو أسلمنا في أربعة وعشرين ساعة سيوجد الله تعالى مؤامرة يهودية لأمريكا، فرجالها سيكتشفون أن اليهود أرادوا أن ينسفوا أمريكا كلها ويحولوها إلى مقبرة، إذاً ستثور أمريكا وتقول: اليهود، من وجد يهودي احرقه بالنار. وتقول للعرب والمسلمين: عليكم بهم، وهذا هو معنى التسليط، فقد حصل نظيره على عهد هتلر النازي الألماني فقد اكتشف مؤامرة يهودية ضد ألمانيا، فسلطه الله عليهم وقتل منهم حوالي ثلاثين ألفاً وأذلهم شر ذلة. يقول صلى الله عليه وسلم: ( ثم لتسلطن عليهم، فتقتلوهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله إلا شجر الغرقد، فإنه شجر اليهود ).

يتبع

ابو معاذ المسلم 09-01-2021 06:00 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
لطيفة
لطيفة: هي (يا مسلم) أينطق الله الشجر والحجر ليقولوا الكذب؟! فحاشا لله أن يكذب الشجر والحجر. فمن هنا نقول: انهزم العرب بين حفنة اليهود في حرب ذات مرة؛ لأنهم ليسوا بأولياء الله، فلو انتصروا بالعربية والقومية لانمسح الإسلام من ديارهم نهائياً، ولكن الله يأبى إلا أن يبقى الإسلام نور الله ليُدخل في رحمته من يشاء، فكل عام يموت آلاف من المسلمين والمسلمات الربانيين والربانيات، لكن لو انتصر العرب بكفرهم وعنادهم وقوميتهم ما أصبح من يقول: مسلم حتى يذل ويهان. فالله سبحانه وتعالى هو الذي حفظ لنا الإسلام، فلهذا يقول الشجر: يا مسلم! ولن يقولها إلا مسلم حقيقي أسلم قلبه لله، فلا يتقلب إلا في طلب رضا الله، وأسلم وجهه فلا يرى إلا الله عز وجل. قال تعالى: قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:183]، الاستفهام هنا للإهانة والذل والمسكنة؛ لقوله تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [آل عمران:184] أي: اصبر يا رسولنا وتحمل كما تحمل من سبقك من الأنبياء والمرسلين.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

شرح الكلمات
قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ معاني الكلمات: عذاب الحريق هو عذاب النار المحرقة تحرق أجسادهم، ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [آل عمران:182] أي: ذلك العذاب بسبب ما قدمته أيديكم من الجرائم. عَهِدَ إِلَيْنَا [آل عمران:183]، أي: أمرنا ووصانا في كتابنا التوراة. أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ [آل عمران:183] أي: لا نتابعه على ما جاء به ولا نصدقه في نبوته.حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ [آل عمران:183]، القربان ما يتقرب به إلى الله من حيوان وغيره يوضع في مكان، فتنزل عليه نار بيضاء من السماء فتحرقه. بِالْبَيِّنَاتِ [آل عمران:183] أي: الآيات والمعجزات. وَبِالَّذِي قُلْتُمْ [آل عمران:183] أي: من القربان. فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ [آل عمران:183] الاستفهام للتوبيخ وممن قتلوا من الأنبياء زكريا ويحيى عليهما السلام. وَالزُّبُرِ [آل عمران:184] جمع زبور وهو الكتاب المزبور] زبر إذا كتب [ كصحف إبراهيم ]. [ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران:184] الواضح البين كالتوراة والزبور والإنجيل].
معاني الآيات
قال: [معنى الآيات: لما نزل قول الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة:245] ودخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت المدراس واليهود به وهم يستمعون لأكبر علمائهم، وأجل أحبارهم فنحاص فدعاه أبو بكر إلى الإسلام، فقال فنحاص : إن رباً يستقرض نحن أغنى منه ] أي: نحن أغنى منه، فكيف نؤمن به؟! قال: [أينهانا صاحبك عن الربا ويقبله؟] أينهانا صاحبك محمد عن الربا ويقبله في قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [البقرة:245]. [فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب اليهودي فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا أبا بكر فسأل الرسول أبا بكر قائلاً: ( وما حملك على ما صنعت؟ فقال: إنه قال: إن الله فقير ونحن أغنياء )، فأنكر اليهودي قال: ما قلت، فأنزل الله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران:181] أي: نكتبه أيضاً وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:181] وقولنا ذلك بسبب ما قدمته أيديكم من الشر والفساد وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:182]، فلم يكن جزاؤكم مجافياً للعدل ولا مباعداً له أبداً لتنزه الرب تبارك وتعالى عن الظلم لعباده]. قال: [ هذا ما تضمنته الآية الأولى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:181].والآية الثانية: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:182]. الآية الثالثة وهي قوله تعالى: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا [آل عمران:183] -بماذا؟- أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:183]، فقد تضمنت دعوى يهودية كاذبة باطلة لا صحة لها البتة والرد عليها، فالدعوى هي قولهم: إن الله قد أمرنا موصياً لنا أن لا نؤمن لرسول فنصدقه ونتابعه على ما جاء به؛ حتى يأتينا بقربان تأكله النار]. الذي قلته في يوشع بن نون كان مما فرض الله على بني إسرائيل أن الغنائم لا يقتسمونها كما نقتسمها نحن، أحلت لنا الغنائم، ولم تحل لنبي قبل نبينا وأمته، فقد كانوا يجمعون الغنائم أكوام من الثياب أو من الفضة فتأتي نار من السماء فتحرقها.أما كونهم عهد الله إليهم في التوراة وفي غيره أن لا يؤمنوا لرسول حتى يأتي بقربان تأكله النار، فهي كذبة من كذبهم ولا كان هذا. قال: [ والرد عليها فالدعوى هي قولهم: أن الله قد أمرنا موصياً لنا أن لا نؤمن لرسول فنصدقه ونتابعه على ما جاء به؛ حتى يأتينا بقربان تأكله النار، يريدون صدقة من حيوان أو غيره توضع أمامهم فتنزل عليها نار من السماء فتحرقها فذلك آية نبوته، وأنت يا محمد ما أتيتنا بذلك فلا نؤمن بك ولا نتابعك على دينك، وأما الرد فهو قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل يا رسولنا: قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ [آل عمران:183]، وهي المعجزات وَبِالَّذِي قُلْتُمْ [آل عمران:183] وهو قربان تأكله النار فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ [آل عمران:183] إذ قتلوا زكريا ويحيى وحاولوا قتل عيسى إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:183] بدعواكم؟ وأما الآية الرابعة فإنها تحمل العزاء لرسولنا صلى الله عليه وسلم إذ يقول له ربه تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ [آل عمران:184] فلم يؤمنوا بك فلا تحزن ولا تأسى؛ لأنك لست وحدك الذي كذبت، فقد كذبت رسل كثر كرام جاءا أقوامهم بالبينات أي بالمعجزات وبالزبر والكتاب المنير كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم، وكذبتهم أممهم كما كذبك هؤلاء اليهود والمشركين معهم فاصبر ولا تحزن ]. ولهذا صبر صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين سنة، فقد قال: ( لا تفضلوني على يونس ) ويونس ذو النون كم صبر كم عام..؟ تركهم وخرج من بلادهم ما استطاع وعوتب ورد إليهم، فنبينا صلى الله عليه وسلم صبر ثلاثة وعشرين سنة وهو يعاني ويكابد، لكن الله معه يصبره ويسليه ويحمله على ذلك. الآن عرفنا معنى الآيات: قال تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]، قالها فنحاص لـأبي بكر ، قال: ما نؤمن برب يحتاج إلينا وهو فقير ونحن أغنياء؛ نظراً إلى قول الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة:245] لأن الرسول كان يعلن عن جمع المال للجهاد وهم أشحاء وبخلاء ما يريدون، قالوا: ربنا فقير ونحن أغنياء، كيف نؤمن به؟ قال تعالى: وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ [آل عمران:181-183] والله كذبة كذبوها تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران:183-184] .
هداية الآيات
قال: [ من هداية الآيات: أولاً: كفر اليهود وسوء أدبهم مع الله تعالى ومع أنبيائهم ومع الناس أجمعين] الآية في قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181] قررت أن اليهود كفار وأن أدبهم أسوأ أدب؛ لأنهم ما تأدبوا مع الله وقالوا: فقير ونحن أغنياء، وما تأدبوا مع الأنبياء فقاتلوهم، وقالوا فيهم ما قالوا، هذا باقٍ إلى يوم القيامة إلا من أسلم منهم نجا. [ثانياً: تقرير جريمة قتل اليهود للأنبياء وهي من أبشع الجرائم] وإن قيل: هؤلاء ما قتلوا على عهد الرسول، فلم يكن هنا نبي غيره.الجواب: كما علمتم، قتل أسلافهم وأجدادهم وآباؤهم ورضوا بذلك ولازموا طريقهم وما زالوا يدافعون عنها، فكلهم قتلة في قضاء الله وحكمه. في نهر الخير روى القرطبي عن الكلبي أن قوله تعالى: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ [آل عمران:183] نزلت رداً على كعب بن الأشرف ومالك بن الصيد ووهب بن يهوذا وفنحاص بن عزريا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أتزعم أن الله أرسلك إلينا وأنه أنزل علينا كتاباً عهد إلينا فيه: أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله؛ حتى يأتينا بقربان تأكله النار؛ فإن جئتنا به صدقناك، فأنزل الله تعالى هذه الآية كما تقدم. قال: [ثالثاً: بيان كذب اليهود في دعواهم أن الله عهد إليهم أن لا يؤمنوا برسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار] إلا ما كان من الغنائم لما يجاهدون مع أنبيائهم ويغنمون فتأتي نار من السماء وتحرقها؛ لأنهم لو كانوا يستفيدون من الغنائم لقاتلوا كلهم لغير الله. لكن لما علم الله إيمان هذه الأمة وسلامة قلوبها وطهارة نياتها أذن لهم أن يغتنموا ويقتسموا الغنيمة؛ لقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41] وأرباع أخماس للمجاهدين صاحب الفرس له حظان، والماشي على رجليه له حظ واحد، والرسول أخبر قال: ( أعطيت خمساً لم يعطها نبي قبلي -منها-: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ) فأيما مؤمن أدركته الصلاة وجد المسجد والماء عنده، والتراب يتيمم ويصلي. قال: ( وأتيت الشفاعة العظمى يوم القيامة ) . قال: والخامسة: كان النبي يبعث إلى قومه.. ( وبعثت إلى الناس كافة ) إيه والله! فالحمد لله. قال: [ ثالثاً: بيان كذب اليهود في دعواهم أن الله عهد إليهم أن لا يؤمنوا بالرسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار. رابعاً: تعزية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر والثبات أمام ترهات اليهود وأباطيلهم ]. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

ابو معاذ المسلم 09-01-2021 06:01 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة آل عمران - (76)
الحلقة (217)

تفسير سورة آل عمران (79)


جاء في هذه الآيات تسلية الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتعزيتهم بأن هذه الحياة بكل ما فيها من سرور وحزن، أو فرح أو ترح، أو نصر أو هزيمة؛ إنما هي متاع الغرور، وأن العبد المؤمن فيها لابد وأن يبتلى في نفسه وماله، ولابد أن يتعرض للأذى من أعداء الله ورسله، ثم بعد ذلك الكل ميتون، وإلى ربهم يوم القيامة منقلبون، فيوفي سبحانه وتعالى المؤمنين أجرهم، ويدخلهم الجنة عرفها لهم.
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده ).وها نحن مع سورة آل عمران عليهم السلام، ومع هاتين الآيتين الكريمتين، وهذه تلاوتهما فتأملوا يفتح الله علي وعليكم.يقول تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران:185-186].
دلالة قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) على حتمية الموت
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا حكم الله الصادر علينا: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]، أي: تذوق مرارته وآلامه، فإن النفس عند مفارقة الجسد لا تتصور كيف حال هذا المريض، وحسبك أن تسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( المؤمن يموت بعرق جبينه )، فإذا كان بين يديك أخوك أو أمك أو قريبك، وهو يعاني من سكرات الموت، ورأيت جبينه يتفصد بالعرق، فلقنه: لا إله إلا الله، ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ). كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]، فهل هناك من عقّب على هذا الحكم، وأوقفه ولو في شخص واحد؟ طأطأت البشرية رأسها، وعرفت هذه الحقيقة التي أخبر بها الله عز وجل وطبقها ونزلها.حاول البلاشفة الحمر الملاحدة الشيوعيون طيلة ثمانية عشر عاماً وهم يبحثون عن كيفية الخلاص من الموت، وبعد ذلك فشلوا فشلاً ذريعاً، وأوقفوا مصانعهم وآلاتهم وأدواتهم التي كانوا يعملون بها على إيجاد الروح.وأخيراً قالوا: هذه الروح جاءت من الملكوت الأعلى، فلا مجال إلى إيجادها هنا.
دلالة قوله تعالى: (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) على أن الدنيا دار عمل لا دار جزاء
قال تعالى: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185].. وهذه الآيات تحمل العزاء والتسلية والتكبير والتثبيت لجماعة المؤمنين، وعلى رأسهم سيدهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن السياق ما زال مرتبط بأحداث واقعة أحد. وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]، فهنا حقيقة -تأملوها وحدثوا بها- وهي: أن العبد مهما عمل في حياته فلن يتلقى جزاء كسبه فيها، سواء كان عمله صالحاً أو فاسداً، أو خيراً أو شراً، فالجزاء ليس في الحياة الدنيا، فهذه الدار -أي: الدنيا- كل ما يلقى فيها العبد لا يكفي أن يكون جزاء عمله، فكم من عبد صالح عاش عشرات السنين وهو فقير؛ فإن وجد الطعام ما وجد السيارة، وكم من فاسق فاجر يرفل في ثياب الحرير، وكم من بر صالح تقي يعيش في رغد من العيش وطيبه، وكم من فاجر كافر في أشد البلاء والشقاء؛ لأن الجزاء ليس اليوم في هذه الحياة، فالدنيا دار عمل فقط، والجزاء مسبق.فإذا فهمت هذه الحقيقة واستقرت في الأذهان اعلموا أن العمل الصالح والاعتقاد الصالح والأخلاق المهذبة والآداب السليمة لابد وأن ينال العبد بركتها، ويعيش طيب النفس طاهر القلب مستريح الضمير، ببركة أعماله الصالحة وعقيدته الطيبة الصالحة؛ ناله بركة إيمانه وصالح أعماله.وأن صاحب الفجور والفسق والكفور يناله شؤم كفره وفسقه وظلمه: هم، كرب، غم؛ شؤمه ذلك الظلم والفساد والشر الذي يعمله، فما يحصل من خير أو شر هو إما بركة العمل الصالح ويمنها، أو شؤم العمل الفاسد وأثره. الجزاء غداً ليس اليوم، فمثلاً: هل يستطيع من يشتغل معاومة -أي: من العام إلى العام- أن يطالب بأجرته قبل نهاية عمله؟ والذي يشتغل مشاهرة -أي: كل شهر- هل يستطيع أن يطالب بأجرته قبل نهاية شهره؟ وهل الذي يشتغل مياومة -أي: كل يوم- يستطيع أن يطالب بأجرته من الضحى، وما كمل عمل يومه؟.الجواب: لا. فليس معقول هذا. فكل البشرية عاملة كادحة، تتلقى جزاءها عند نهاية العمل، وينتهي العمل عندما تذوق الروح الموت، وتنفصل عن البدن فحينها يبدأ الجزاء، وأول مرحلة القبر، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ثم تنتقل إلى أحد العالمين؛ العلوي أو السفلي، في عليين أو سجين، وتبقى هكذا مرهونة محبوسة في نعيم أو شقاء إلى أن ينتهي العمل العام.فالعمل العام: كالمصنع الذي يعمل لمدة ألف سنة.. ولما ينتهي حينئذ يتلقون الجزاء، فالذين ماتوا ويموتون أرواحهم إن كانت طاهرة زكية في عليين، وإن كانت خبيثة عفنة في سجين، حتى تنتهي هذه الدورة، فلها بداية ولابد لها من نهاية، فإذا انتهت هذه الدورة ولاحت في الآفاق نهايتها: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الواقعة:1]، إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ [الزلزلة:1]، الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ [القارعة:1-2].. انتهت هذه الحياة بكل ما فيها، من أفلاكها وكواكبها وجبالها وأراضيها تتم حياة ثانية، وهي الحياة الآخرة التي لا نهاية لها.إذاً: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ [آل عمران:185]، فالذي يوفينا أجورنا كاملة يوم القيامة هو الله سبحانه وتعالى الذي استخدمنا في هذه الدنيا، ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم في الأرض قياماً؛ ليساقوا إلى ساحة فصل القضاء والحكم عليهم، إما بالزحزحة عن النار ودخول الجنة، وإما بالإهلاك في النار.يوم القيامة هو ذلك اليوم التي تقوم الناس فيه إلى رب العالمين؛ لأجل الحساب أولاً والجزاء ثانياً.
الفوز الحقيقي هو دخول الجنة والنجاة من النار
وبين تعالى بإيجاز عجيب واختصار لا نظير له، فقال: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ [آل عمران:185]، وهم قيام بين يدي الله، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ [آل عمران:185]، وكان على شفا عرصات القيامة: وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ [آل عمران:185] أعلن عن فوزه: فاز فلان ابن فلان.ومعنى: فَازَ [آل عمران:185]: نجا من مرهوبه، وظفر بمرغوبه. فالفائز في الامتحانات نجا من الرسوب وفاز بالشهادة.إذاً: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ [آل عمران:185] بعيداً: وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، أي: ظفر بمرغوبة ومحبوبه ومطلوبه، ونجا مما يخاف ويرهب من عذاب النار، فهذا هو الفوز.أما ربحك شاة أو بعيراً -أيها البدوي- ما هو بربح، أو فوزك بالظفر بالدكتوراة وشهادة جامعية والكرسي والمنصب فلا يعد هذا بفوز. أو فوزك بامرأة إذا كانت صالحة فلا بأس.الفوز الحقيقي أن يبعد العبد عن عالم الشقاء ويجد نفسه في عالم السعادة، وهو أن ينجو من النار وعذابها، وأن ينعم بالجنة ونعيمها وهذا هو الفوز. فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ [آل عمران:185]، فالنار هي التي بين أيدينا ونشاهدها في الحطب والخشب، وهي تلتهب. فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذه النار وأوجدها وأوجد موادها؛ حتى لا يقول قائل: ما هي النار التي نُخَوف بها ونُهَدد؟!يقول الله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس:80]، أي: الشجر الأخضر بالماء تخرج منه النار.فمثلاً: نيويورك علم على مدينة، واليابان علم على إقليم بكامله. والنار إذاً علم على عالم الشقاء، فنسبة عالم الشقاء إلى عالم السعادة حسبنا قوله صلى الله عليه وسلم وهو المخبر بالوحي الإلهي: ( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم -أي: في النهر في البحر- فلينظر بم ترجع إليه )، فمثلاً: الذي يغمس يده في البحر الأحمر ويخرجها، ويكون هناك كيماويون حذاق يجمعون ذاك الندى أو البلل، فكم يجدونه من مليمتر أو جرام؟!فما نسبة الجرام إلى البحر؟!( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع إليه أصبعه )، وللتوضيح: فالجنة دار السلام أقل من يعطى فيها منزلاً يعطى مثل الدنيا مرتين، أي: مثل هذا الكوكب كوكبين، وأما النار عالم الشقاء، فحسبك أن تعلم أن الكافر عرض جسده مائة وخمسة وثلاثين كيلو متر، أي: ما بين كتفيه، وضرسه كجبل أحد، فأي عالم هذا يتسع لهذه الخليقة كلها؟! أقول: ضع رأسك بين ركبتيك وغمض عينك وفكر أنك هابط بالطائرة أو بالسيارة هابط.. هابط.. هابط.. إلى أين.. إلى أين..؟ يكل عقلك، فأين وصلت؟ وللتوضيح أكثر.. فكر: نازل.. نازل.. نازل.. إلى أين قل لي، تجد حدود، حديد، مياه.. إلى أين تنتهي؟ يخبرنا العلام الخلاق أنها تنتهي إلى عالم الشقاء، ذاك العالم الذي سمعتم عن أهله: ( ما بين كتفي أحدهم كما بين مكة وقديد، وإن ضرس أحدهم في النار كجبل أحد )، أحاديث صحاح.أما أهل الجنة فإنهم ليتراءون منازلهم فوق بعضها البعض كما نتراءى الكواكب الغابرة في السماء.فاللهِ العليمِ الحكيمِ القويِ القدير، الذي لا يعجزه شيء، وآية ذلك: لو تقم يا بني وتنظر إلى إخوانك الحاضرين وتجدهم على شكل واحد: آدميون: العينان والأنف، والمنخران والشفتان، والأسنان والفم والعنق، وتنظر فهل ستجد اثنين لا يفرق بينهما، بحيث هذا يدخل الليلة على امرأته، ويقول: أنا زوجك، تقول: أنت هو، والثاني يدخل على الأخرى يقول: أنا زوجك، تقول: أنت هو.. فلولا العلم والقدرة والحكمة كيف سيتم هذا؟!فلو اجتمعت البشرية كلها على صعيد واحد، ما اختلط اثنان ولم يميز بينهما، فأي علم أعظم من هذا؟ وأية قدرة أعظم من هذا. لا إله إلا الله. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]، يا من فقدوا أبناءهم وإخوانهم في أحد لا تحزنوا: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]، أي: اعملوا وواصلوا العمل الليل والنهار؛ العمل الصالح الذي يزكي أنفسكم ويطهرها ويؤهلها لأن تتلقى الجزاء: رضوان الله والنعيم المقيم.إذاً: لا تتململ وتقول: أنا أصوم وأصلي وما أسب ولا أشتم وأنا دائماً في مرض، أو دائماً في فقر أو دائماً في حاجة، فهذا كلام باطل يمليه عليك الشيطان، بل قل: أنا عبد الله ووليه، إن شاء أمرضني، وإن شاء أصحني، وإن شاء أعطاني وإن شاء منعني، وهو يعمل هكذا بي؛ ليربني ويرفعني إلى مستوى أوليائه.

يتبع

ابو معاذ المسلم 09-01-2021 06:01 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
حقيقة الحياة الدنيا
وهذا الختام: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].. فالمتاع هو ما يتمتع به المسافر، والغرور أيضاً متاع ويغرك ويخدعك.فالدنيا هذه حالها؛ فلقد أغرت أمماً ولا أقول: أفراداً، فقد أوقعتهم في الهلاك والهاوية، غرتهم بزخرفها وزينتها، بطعامها وشرابها؛ غرتهم لأنهم انخدعوا لها، فجروا وراءها الليل والنهار يعملون على جمعها وإحصائها والتمتع بها، وما هي إلا سويعات: مات فلان!! انتهى ذلك الأمل وذلك الطلب والسعي المتواصل، ووجد نفسه في عالم غير هذا العالم، إما زحزحة عن النار ودخول الجنة، وإما الاستقرار في دار البوار والعياذ بالله تعالى.
تفسير قوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم...)
ثم وجه تعالى الخطاب إلينا -وإن كان أولاً إلى رسوله وأصحابه، ونحن أتباعهم كذلك- فقال: لَتُبْلَوُنَّ [آل عمران:186] فاللام واقعة للقسم، وعزة الله وجلاله: لَتُبْلَوُنَّ [آل عمران:186] أيها المؤمنون وأيتها المؤمنات! لتختبرن اختباراً ربانياً حقيقياً، فِي أَمْوَالِكُمْ [آل عمران:186]، أول ابتلاء.. حال الحول على مالك يجب أن تزكيه ولا تتردد فأنت ممتحن، فإذا وجبت نفقة في مالك يجب أن تخرجها ولا تتردد، فقد يصاب مالك بجوائح إن كان فلاحة، وإن كان مالك غنم تسبى وتؤخذ، وإن كان مالك نقوداً قد تسلب منك، فهذا ابتلاء، فلتصبر ولتشكر فأنت ممتحن.فالذي يعطى المال لا يعطاه لجمال وجهه ولا شرف نسبه وأصله، وما أعطيه إلا للامتحان والاختبار، فهل العبد يتقي الله فيه، ويقوم به كما أمره سيده ومولاه ومعطيه؟ أم يأخذه البطر والأشر والانتفاخ؛ فيسرف في الطعام والشراب والنكاح حتى يطغى والعياذ بالله؟!والذي يسلبه أيضاً بأي صورة من صور السلب؟ فهل يضجر ويسخط، أم يقول: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون؟ فهذا هو معنى الامتحان. لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ [آل عمران:186] في أموالكم أولاً، وفي أنفسكم، وفي النفس: مثلاً بالمرض والصحة والعافية والخوف. فقد تبتلى بالجهاد في أيام الشدة.. وتبتلى بالصيام في أيام القيظ.. أو بالحج وتمشي على قدميك آلاف ومئات الآلاف من الأميال.. مبتلى في نفسك بالمرض، قد يبتلى المرء فإذا به فاقد بصره، فاقد يده ورجله؛ ملازم لفراشه، كيف حاله؟ هل يقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم لك الحمد على ما أوليت، ولك الحمد على ما ابتليت، أنت سيدي ومولاي، حكمك حق وأنا عبدك؟أو يقول: آه ويصرخ ويضجر وينكر على الله عمله؟! لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [آل عمران:186] أولاً.وثانياً: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا [آل عمران:186].هانحن الآن ما نسمع؛ لأننا ما وقفنا موقف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، لو نتلاءم وتعود إلينا الحياة الربانية نصبح نسمع من اليهود والنصارى والمشركين والعالم بأسره النقد والسب والطعن وما هو فوق ذلك، وإلى الآن يوجد وإن كنا ما نشعر؛ يوجد من اليهود والنصارى وخاصة الكتاب وعلماء النفس وعلماء القانون وكذا الطعن في الإسلام و.. و.. و.. إلى أبعد حد، والذين يعايشونهم يسمعون كما أخبر الله: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [آل عمران:186] أي: من كل الكفار؛ لأن الكفار إما مشرك وإما كتابي. وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا [آل عمران:186]، فقد سمعها الرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر رضي الله عنه، ألم يقولوا الكفار: لن نؤمن لك حتى تأتي بقربان؟ وَإِنْ تَصْبِرُوا [آل عمران:186] على ذلك الأذى، وعلى ذلك الابتلاء في النفس والمال، وما تسمعون من أعدائكم؛ أعداء لا إله إلا الله، وتتقوا الله عز وجل فلا تضيعوا واجب مما أوجب، ولا ترتكبوا حراماً مما حرم، وتتقوه في الأسباب التي أمر بإتيانها وإحضارها؛ أسباب الجهاد وما إلى ذلك، فَإِنَّ ذَلِكَ [آل عمران:186] أي: الصبر والتقوى من الأمور المعزوم بها الحتمية، لا على سبيل الانتداب والاستنان والفضل فقط، بل الصبر والتقوى مما عزم الله علينا القيام به، وفرضه وألزمنا به، فالصبر والتقوى من الأمور الواجبة الحتمية، ليست من فضائل الأعمال ومستحباتها ومندوباتها، الصبر على المكاره، وتقوى الله ملازمة باب الله عز وجل بطاعته وطاعة رسوله فيما يأمر وفيما ينهى، هذا ليس من المستحبات، بل هو من عزائم الأمور؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران:186]، أي: من الأمور المعزوم بفعلها، والمفروض القيام بها.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

شرح الكلمات
قال: [ شرح الكلمات:قوله تعالى: ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] أي: ذائقة موت جسدها، أما هي فإنها لا تموت]. فالروح لا تموت فهي خالدة. إذاً: نذوق ألم خروج الروح من البدن، فالألم يكون في البدن، والجرح يؤلم الجسم، فكيف بخروج الروح؟ تذوق المرارة، ولهذا الرسول عانى منها، وهو في آخر ساعاته يقول: ( لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات )؛ لأن الروح سكنت هذا القصر سواء عامين أو عشرة أو وسبعين أو ومائة سنة، فمن الصعب خروجها بكل سهولة، فكل نفس ذائقة مرارة الموت وآلامه، وبمفارقة الروح للجسم يموت وتنقطع عنه الحياة.[ وقوله: تُوَفَّوْنَ [آل عمران:185] أي: تعطون جزاء أعمالكم خيراً أو شراً وافية لا نقص فيها أبداً ]. ولا حتى جرام واحد.[ قوله: زُحْزِحَ [آل عمران:185]: أي: نحي وأبعد.وقوله: فَازَ [آل عمران:185] أي: نجا من مرهوبه ومخوفه وهو النار، وظفر بمرغوبه ومحبوبه وهو الجنة.وقوله: مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]: المتاع: كل ما يستمتع به، والغرور: الخداع، فشبهت الدنيا بمتاع خادع غار صاحبه، لا يلبث أن يضمحل ويذهب.وقوله: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [آل عمران:186] أي: لتختبرن في أموالكم بأداء الحقوق الواجبة فيها، أو بذهابها بسبب من الأسباب، وفي أنفسكم بالتكاليف الشاقة؛ كالجهاد والحج، أو المرض والموت والفقر.وقوله: أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران:186] أي: اليهود والنصارى ] ما تتردد أبداً سواء تقرأ أو لا تقرأ.[ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [آل عمران:186] أي: العرب ]. والآن الصين واليابان والروس والهنادس والبوذا كلهم مشركون، كانوا العرب فقط، والآن الشرك عام.قال: [ وقوله: فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران:186]: يريد أن الصبر والتقوى من الأمور الواجبة التي هي عزائم وليس فيها رخص ولا ترخيص بحال من الأحوال].
معنى الآيتين
[معنى الآيتين الكريمتين:قال: ما زال السياق في تعزية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه]، أي: لما أصابهم في معركة أحد، فقد استشهد سبعون رجلاً. قال: [ لقد جاء في الآية السابقة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما آلمه من تكذيب اليهود والمشركين له]، فمثلاً: لو قلت كلمة في إخوانك وكذبوك وأنكروا عليك تبيت في كرب، والرسول يحمل رسالة الله ويضحك اليهود ويقولون: لو كنت نبياً هات الدليل والبرهان على نبوتك، ائتنا بقربان تأكله النار، ما يكرب لهذا الرسول ويحزن، وهو مكلف بالبلاغ؟قال: [عما آلمه من تكذيب اليهود والمشركين له، وفي هذه الآية أعظم تسلية وعزاء، إذ أخبر تعالى فيها بأن كل نفس مهما علت أو سفلت ذائقة الموت لا محالة، وأن الدنيا ليست دار جزاء، وإنما هي دار كسب وعمل، ولذا قد يجرم فيها المجرمون ويظلم الظالمون، ولا ينالهم مكروه، وقد يحسن فيها المحسنون ويصلح المصلحون ولا ينالهم محبوب]. [وفي هذه تسلية عظيمة وأخرى أيضاً: العلم بأن الحياة الدنيا بكل ما فيها لا تعدو -لا تتجاوز- كونها متاع الغرور، أي: متاع زائل غارٌ ببهرجه وجمال منظره، ثم لا يلبث أن يذهب ويزول، وهذا ما دلت عليه الآية الأولى.أما الآية الثانية: ففيها يخبر تعالى رسوله والمؤمنين -ونحن معهم الحمد لله- بأنهم لا محالة مختبرون في أموالهم وفي أنفسهم؛ في أموالهم بالحوائج، وبالواجبات اللازمة فيها، وفي أنفسهم بالمرض والموت والتكاليف الشاقة؛ كالجهاد والحج والصيام، وإنهم لابد وأن يسمعوا من أهل الكتاب والمشركين أذى كبيراً، كما قال فنحاص : الله فقير ونحن أغنياء! أو كما قال النصارى: المسيح ابن الله ]، المسيح ابن الله؟! كيف يستسيغها مؤمن هذه؟ لو قال المسيح ابن الله لصفع على خده، كيف يكون المسيح ابن الله؟! الله خالق السماوات والأرض، خالق الملكوت يحتاج إلى زوجة وولد؟ أين يذهب بعقلك. فهذا يؤلم المؤمن.[ وكما قال المشركون: اللات والعزى ومناة الآلهة مع الله، ثم حثهم تعالى على الصبر والتقوى، فقال: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا [آل عمران:186]، فإن صبركم وتقواكم مما أوجب الله تعالى عليكم، وليس هو من باب الندب والاستحباب، بل هو من باب الفرض والإيجاب].
هداية الآيتين
قال: [هداية الآيتين الكريمتين] لقوله تعالى: هُدًى لِلنَّاسِ [البقرة:185]، فكل آية تهديك إلى سبل السلام، وكل آية ترفرف وتلوح.. امش فالجنة أمامك.وأوضح هذا المعنى: لماذا سميت الآية آية؟ وآي القرآن ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، وكل آية تدل دلالة قطعية يقينية أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، الطريق الموصل إلى قربى يجعل له علامات تدل عليه، وكل علامة دالة على هذا الطريق، كذلك كل آية تدل دلالة يقينية أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومن آمن بهذا دخل في رحمة الله على علم. نقول: بسم الله الرحمن الرحيم: ق [ق:1]، فهل يوجد كلام بدون متكلم؟ مستحيل.إذاً: هذه الآية دالة على وجود الله الذي نطق بها وأنزلها، والذي نزلت عليه وتلقاها يكون رسولاً، فمستحيل أن يكون غير رسول، أيرسل إليه كلامه وينزله عليه ولا يكون رسوله؟ إذاً: فسدت العقول البشرية، ما أصلح شيء في الحقيقة، فكل آية أنزلها الله دالة على وجود الله وعلى علمه وقدرته وحكمته، والذي أنزل عليه لن يكون إلا رسوله ونبيه، فلهذا كل آية تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال: [ من هداية الآيتين:أولاً: ليست الدار الدنيا بدار جزاء، وإنما هي دار عمل ]. ما آية ذلك؟ كم من مستقيم عاش فقيراً ومريضاً، فهل جزي بصلاته وصيامه؟ وكم من فاجر عاش غنياً، هل عوقب بكفره؟ والعكس وإن وجدنا أثراً للعمل الصالح، نقول: بركة العمل الصالح، وإن وجدنا شقاء أو عذاب مع الكفر والفسق نقول: هذا من شؤم معاصيه، وليس هو الجزاء، جزاؤه: مجرم يخلقه الخالق ويرزقه ويحييه ويخلق كل شيء في الأرض والسماء من أجله، ثم يكفر به ويسبه ولا يطيعه كم يجازى هذا؟فلا يكفي أن يجازى بمرض خمسين عام، ولا يكفي أن يجازى بأن يقتل ويصلب مرة أو ألف، فلهذا الجزاء في المستقبل في الدار الآخرة، حيث يعيش بليارات السنين بلا نهاية في العذاب، مقابل الجريمة العظمى وهي الكفر.نسألكم: لِمَ خلق الله هذه الأكوان؟! أليس من أجلنا؟ يا ابن آدم لقد خلقت كل شيء من أجلك، أيخلق لك هذه العوالم كلها من أجل أن تذكره وتشكره، فإذا بك تكفره وتجهله، فتكون كمن نسف السماوات، ودمر الأرضين، وخرب العوالم كلها، كم يكون جزاءه إذاً؟يعيش في عذاب أبدي. قال: [ أولاً: ليست الدار الدنيا بدار جزاء أبداً، وإنما هي دار عمل ]، وإن رئي فيها خير أو عذاب هو شؤم أو بركة ويمن فقط.[ ثانياً: تعريف الفوز الحق، وهو الزحزحة عن النار ودخول الجنة.ثالثاً: بيان حقيقة هذه الحياة، وأنها كمتاع خادع؛ لا يلبث أن يتلاشى ويضمحل ]. وهو كذلك مشاهد.[ رابعاً: الابتلاء ضروري، فيجب الصبر والتقوى، فإنهما من عزائم الأمور لا من رخصها ]. يا من يريد أن يقرع باب الجنة! اصبر على ما ابتلاك الله به، واتقيه فلا تخرج عن طاعته ونهايتك معلومة وهي الاستقرار في دار السلام.اللهم حقق لنا ذلك. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ابو معاذ المسلم 09-01-2021 06:02 AM

رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
 
http://majles.alukah.net/imgcache/2018/02/44.jpg

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة آل عمران - (77)
الحلقة (218)

تفسير سورة آل عمران (8)


هذا الكون الفسيح بمخلوقاته وعوالمه ليس له إله إلا الله، وهذا ما شهد به الله عز وجل لنفسه، وما شهدت به ملائكته، وما شهد به أولوا العلم قاطبة، فهي أشرف شهادة على أشرف قضية، والمؤمن الحق لا يسعه إلا أن تواطئ شهادته شهادة الله وملائكته في هذه القضية، مدخراً لنفسه هذه الشهادة ليوم يلقى الله سبحانه وتعالى فيه.
تفسير قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط ....)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فالحمد لله الذي أهلنا لهذا الخير؛ إن ربنا لعلى كل شيء قدير.وقد انتهى بنا الدرس إلى هذه الآيات الثلاث، وهي من سورة آل عمران كما علمتم، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:18-20]. ‏
فضل شهادة أن لا إله إلا الله
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! نقل القرطبي رواية عن الكلبي رحمهما الله: أن حبرين من أحبار اليهود جاءا من الشام لما بلغهم ظهور محمد والإسلام، فلما انتهيا إلى المدينة -طيبة ذات السبخة والنخيل- قالا: ما أشبه هذه بمدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان -حسب النعوت في التوراة والإنجيل- ودخلا المدينة ووقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فعرفاه معرفة يقينية ( فقالا: أنت محمد؟ قال: نعم. أنت أحمد؟ قال: نعم. قالوا: نسألك؟ فقال: سلاني؟ قالوا: نسألك عن أعظم شهادة في كتاب الله، فأنزل الله تعالى هذه الشهادة: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))[آل عمران:18] ) فدل هذا على فضل هذه الشهادة.ثانياً: ما ورد في فضل هذه الشهادة، ونحن والحمد لله نعمل به، حتى إن التابعي الذي روى هذا الفضل قال لأحد طلبة العلم: إن تقم عندنا سنة نطلعك على هذه الفضيلة، تبقى سنة كاملة تطلب العلم عندنا ثم نزودك بها، وأغلب الطلبة الصغار كـعدنان وجماعته لا يقبلون هذا، ونحن -والحمد لله- كم فرحنا وكم سررنا بها وما تركناها مرة من يوم أن سمعناها؛ لأننا طماعون، هذه الفضيلة: ( أن من تلا هذه السورة وانتهى بتلاوته إلى هذه الآية: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))[آل عمران:18] قال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، فهي لي عند الله وديعة، يجاء به يوم القيامة، ويقول الله عز وجل: لقد عهد إلي عبدي وأنا أحق من يوفي بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة ). من قرأ هذه الآية أثناء قراءة السورة وانتهى إليها، قال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة - أي: أتركها عنده وديعة- فهي لي عند الله وديعة، يردها إلي يوم القيامة. قال: يجاء بهذا الشاهد يوم القيامة، ويقول الله عز وجل: لقد عهد إلي عبدي وأنا أحق بمن يوفي بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة. فإن شاء الله تقولونها، ومن قال لكم: الحديث ضعيف؛ ليثبطكم فقولوا له: نحن طماعون. ما الذي يضرني أن أقول هذا؟ هل هذا ينتقص من ديني وإيماني؟ لا. بل يزيد في إيماني وديني. إذاً: نقول: وأنا أشهد بما شهد الله، وأستودعك اللهم هذه الشهادة، فهي لي عندك وديعة ردها إلي عند الحاجة إليها. أي مانع يمنع من قول من هذا؟!
معنى قوله تعالى: (شهد الله)
إذاً: هيا نتدارس هذه الآية، يقول الله: شَهِدَ اللَّهُ [آل عمران:18] بمعنى: علم، إذ الشهادة لا تكون إلا على علم، فلا تشهد على كذا أو كذا حتى تكون قد رأيت أو سمعت أو علمت بوسائط العلم، فحينئذ تشهد. وهنا كثيرون من أهل العلم يقولون: الإيمان المقلد صاحبه لا ينفعه، يقول: سمعت الناس يقولون فقلت. هذا ما يجدي ولا ينفع! كيف تشهد أن لا إله إلا الله؟ كيف عرفت أنه لا إله إلا الله؟ ما هي وسائل معرفتك؟ تقول: نظرت إلى الكون كله فوجدته مخلوقاً مربوباً مدبراً، وعلمت أن خالقه ومدبره اسمه الله، فعلمت أنه لا إله إلا الله! ما عثرنا على خالق ولا مدبر في هذا الكون يحيي ويميت.. يعطي ويمنع.. يضر وينفع.. يضع ويرفع.. يبسط ويقبض، بحثنا فما وجدنا فعلمنا أن الذي يدير هذا الكون هو الرب الحق، هو الإله الذي لا إله غيره، فأنا أشهد أنه لا إله إلا هو.إذاً: لا تقل: سمعت الناس يقولون لا إله إلا الله فقلت لا إله إلا الله. حقاً هذه لا تجدي ولا تنفع؛ لأنه بالإمكان أن تشكك وترجع عما تقول، لكن إذا شهدت شهادة علم ومعرفة وأيقنت أن الإله هو المعبود -من أله بمعنى عبد، والمألوه هو المعبود- وهو من يستحق العبادة فيعبد لا تتزحزح، فتشهد بأنه الذي وهبني حياتي، وأعطاني رزقي وكلأني وحفظني من العوائق ومن العاهات والآفات، ذاك إلهي ومعبودي، بحثتُ عن غير الله فما وجدت، كل الكائنات مربوبة مخلوقة تمضي وتموت، وتتعرض للمحن والفتن، فليس فيها من هو الله يعبد أبداً، فقلت: إذاً: أشهد أنه لا إله إلا الله، فهذه شهادة علم.
من شهد أن لا إله إلا الله فقد وافقت شهادته شهادة الله وملائكته وأولي العلم
وهناك لطيفة في الإمكان أن تعوها، وهي: أولاً: أنك عندما تشهد أن لا إله إلا الله فأنت تشهد بشهادة الله، فمادام الله عز وجل العليم الخبير الحكيم خالق كل شيء قد شهد بناء على علمه أنه لا يوجد إله إلا هو فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فأنت تشهد بشهادة الله.ثانياً: الملائكة الذين يحفون بنا، ويحوطون بالكون وهم يسكنون السموات والأرضين؛ هذه الملائكة كلها مجمعة على أنه (لا إله إلا الله)، فهل بعد شهادة هذا العالم النوراني الذي لا يعرف الكذب ولا يعرف المعصية أبداً شهادة؟ شهادتهم لا تثق فيها أنت ولا تشهد بها؟! نحن نشهد بشهادة الملائكة؛ لأنهم عرفوا الكون ظاهره وباطنه، وما وجدوا من يستحق أن يؤله ويعبد فآمنوا بأنه لا إله إلا الله، فنحن أيضاً نتابع الملائكة.ثالثاً: أولوا العلم.. أصحاب العلم، الرسل، الملائكة، العلماء -أي: العارفون بالله عز وجل- وهؤلاء -وهم بالبلايين- كلهم شهدوا أمام العالم أنه لا إله إلا الله، وأنت تشك مع هذا؟ عهدنا بك إذا شهد أخوك على شيء تقلده، وهذا التقليد حسن؛ لأنه تقليد للعليم الحكيم، والله شهد فأنا أشهد، فأنا لست بأعلم من الله بالكون. إذاً: أنا أشهد بما شهد الله به، وأستودعك اللهم هذه الشهادة، وأشهد بما شهدت به الملائكة ومنهم حملة العرش والكروبيون والموكلون بالأرحام.. بالجنة.. بالنار.. بالسماء.. بالأمطار.. بالكون كله، لو كان إله غير الله مع الله فيعرفونه ويعثرون عليه، ولكنه لا إله إلا الله.رابعاً: الأنبياء مائة وأربعة وعشرين ألف نبي، والرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، والعلماء من آدم والعارفون بربهم.. الكل يشهد أنه لا إله إلا الله وأنت تقول: أنا لا دري؟ أنا أشك؟ أهذا عقل؟! إن الذين ما استطاعوا أن يدركوا هذه الشهادة من النظر إلى الكون يقولون: مادام ربنا قد شهد أنه لا إله إلا هو فنحن بشهادة الله نشهد، وإنهم لفائزون! شهد الملائكة -وشهادة الملائكة فوق كل شهادة من الناس- وشهد الأنبياء والرسل، وشهد العلماء ولا نشهد بشهادتهم؟! إذاً: ما بقيت شهادة في الدنيا، القاضي لا يقضي بشيء أبداً، مع أن القاضي يقبل شهادة اثنين على أن فلان مات وقتلوه ويقتلهم! ويشهد اثنان على أن العمارة الفلانية لفلان فيقضي القاضي بشهادتهما وينقل العمارة للآخر، فكيف إذاً يشهد الله وملائكته والعلماء ولا تقبل شهادتهم وتبقى مرتاباً شاكاً؟!الحمد لله، إذا تلونا هذه الآية نقرر هذه الحقيقة، ونحن نشهد بما شهد الله به، ونستودع الله هذه الشهادة، فهي لنا عند الله وديعة يردها إلينا إن شاء عند الحاجة إليها!
استحالة وجود إله حق مع الله
يا معشر المستمعين والمستمعات! علمتم أنه يستحيل أن يوجد إله حق في العوالم العلوية والسفلية مع الله أبداً، مستحيل! وكل من عبد معبوداً وألهه فعبادته باطلة وهو كافر وكذاب ودجال، فلا يوجد إله أبداً إلا الله، ونحن نوقن بهذا ونقوله عن علم وبصيرة، فلا يخالجنا شك ولا يقع في نفوسنا ريب، ونقسم بالله ملايين الإقسامات أنه لا إله إلا الله.هنا تأملوا! هل الذي شهد أنه لا إله إلا الله يجب عليه أن يعبده أم لا؟ الذي اعترف أن هذه السيارة لإبراهيم بن سلمان نقول له: أعطه سيارته إذاً. فإذا قال: لا أعطيه! وقد اعترف أمام القاضي أن هذه السيارة سيارة فلان فإنه يحتاج إلى الصفع والتأديب. والذي يعلن في وضوح وصراحة ويشهد أنه لا معبود بحق إلا الله ولا يعبده موقفه هذا أسوأ من الذي قال: ما أعترف به أنه الله! فإذا قلت له: لا تجاهر. قال: أنا ما عرفت أنه لا إله إلا هو، فأنا أعبد معه عيسى أو عبد القادر ، والذي يقول: أنا أعرف أنه لا إله إلا هو ولكن لا أعبده هذا أسوأ وأقبح. فلهذا بمجرد ما يقول المرء: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله نقول له: اغتسل فوراً، اغتسل بالماء الطاهر أو الطهور، وصل إذا حضرت الصلاة، وبعد شهرين أو ثلاثة يأتي رمضان فتصوم رمضان، وبعد أربعة أشهر سوف تحج حجة إن استطعت، وإن كان لديك مال وحال عليه فأخرج زكاته، فإن قال: لا. لا أزكي، أو لا أصوم أو لا أحج فكلامه باطل وشهادته مردودة عليه.إذاً: من قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) وجب عليه -أولاً- أن يعبد الله، إذ شهد أنه لا معبود إلا هو، فيقول بلسانه ما اعتقد بقلبه.إذاً: لا بد وأن يركع بين يديه سبحانه ويسجد.
صرف نوع من العبادة لغير الله ناقض لشهادة أن لا إله إلا الله
ثانياً: من شهد أن لا معبود إلا الله وعبده ثم عبد معه غيره بنوع من أنواع العبادة قل أو كثر فقد تناقض، فهو قال: أنا أشهد على علم أن لا معبود إلا الله، وها أنا أعبده، وهو في الوقت ذاته يعبد معه غيره بأي نوع من أنواع العبادة، فهذا تناقض، فكيف تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وتعبد سيدك فلان معه، فقد تناقضت.كان المفروض أن تقول: لا إله إلا الله وسيدي فلان! فنفهم عنك أنك تعتقد أن إبراهيم أو فلان يعبد، وأنت تعبده، وهذه العبادة باطلة وهو كفر، لكن فقط من حيث القضاء الشرعي إذا اعترف بأن لا معبود إلا الله، ثم عبد معه غيره فقد تناقض، نقض قوله الأول وأبطل كونه لا إله إلا الله، كان يقول: لا إله إلا الله وفلان معه! فإذا كان صادقاً في القول فلا يقول: لا معبود إلا الله ويعبده ويعبد معه غيره. والغالب أن من عرف أن لا إله إلا الله لا يعبد إلا الله، وإن وقع غير ذلك من بعض الناس فبسبب جهلهم بالعبادة التي فعلوها، والجهل بأنواع العبادات هو الذي يوقع الجاهلين في صرفها وعبادة غير الله بها.
ضابط العذر بالجهل في صرف نوع من العبادة لغير الله
هل يعذرون بجهلهم؟ يعذرون إذا وجدوا في بلد لا يوجد فيه من يعرف الله، وحيل بينهم وبين طلب العلم، أما أن يعيش الرجل سنوات عديدة ولا يعرف لم يعبد الله، ولا ما هي عبادة الله فلن ينجو من غضب الله وعذابه.ونمثل بالعبادة التي هي مخ العبادة وروح العبادة وهو الدعاء، السؤال والطلب، الدعاء هو السؤال والطلب: أعطني واكشف ضري، افعل كذا، هذا هو الدعاء، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الدعاء هو العبادة ) حصر العبادة كلها فيه، فما خرج منها شيء، كقوله: ( الحج عرفة )، فكل أعمال الحج اندرجت ودخلت في عرفة فإذا لم يقف الحاج بعرفة ما حج ولو طاف سبعين مرة، وكذلك الدعاء هو العبادة، وورد: (الدعاء مخ العبادة) وإن لم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالها صحابي أو تابعي فمرحباً بها!الدعاء مخ العبادة، فهل يعيش الإنسان بدون مخ؟ لا، إذاً: العبادة لا تنفع بدون دعاء، فالعبادة مخها الدعاء: أعطني، اكشف ضري، فرج عني، سبب كذا، هذا هو الدعاء، والذين يدعون مع الله غيره قد تناقضوا في شهادتهم.ولعل الأحداث ما شاهدوا هذا، لكن كبار السن يعرفون هذا، فقد عاشت أمتنا من آخر الشرق إلى آخر الغرب قبل ظهور هذه الدعوة الوهابية -كما يسمونها- والناس يعبدون الأولياء بعبادة فيها الرغبة والصدق أكثر من عبادة الله، إلا من نجى الله وسلم، فتجد واحداً في القرية، أو خمسة في المدينة، والباقون كلهم: يا رسول الله! يا فاطمة ! يا حسين ! يا عبد القادر ! يا عيدروس ! يا مولاي إدريس ! يا سيدي فلان! وأما الله فنسوه أبداً.تجد الرجل في يده المسبحة يسبح: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله! لا إله إلا الله، فيأخذه النعاس وتسقط المسبحة من يده فيقول: يا رسول الله! فهذا ما يعرف الله! قد يقول قائل: يا سيدي فلان! لعل الشيخ واهم؟ فهنا أقول لكم: إياكم أن يخطر ببالكم أن من يجلس هذا المجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكذب على الناس، أو يقول بدون علم، انزعوا هذا من أذهانكم. وقد قلت لكم: ركبنا مرة إلى جنب أخينا وهو يقود السيارة فما إن خرجت عن الطريق قال: يا رسول الله! يا رسول الله! فقلت له: أين الله يا فلان؟! تعود على هذا، شب وشاب عليه. وأكثر من هذا نحلف بغير الله! والمؤمنة يهزها الطلق والوجع وهي تلد وقد وضعوا لها حبلاً في خشبة أيام لم يكن هناك طبيبات ولا أطباء، ويا أسعد تلك الأيام! يهزها الطلق: يا رب! يا رسول الله! يا ألله! يا سيدي فلان! يا سيدي فلان! فتذكر مرة الله ومرة الأولياء، ولو ماتت على تلك الحال ما شمت رائحة الجنة. هذه هي عبادة غير الله، دعاء وسؤال غير الله شرك وكفر وإبطال لشهادة لا إله إلا الله، فكيف تشهد أن لا إله إلا الله ثم تؤله معه فلاناً؟ سيقول: يا شيخ! أنا ما ألهته. فأقول له: دعاؤك، طلبك، سؤالك منه والله لهو التأليه إذا ما تعرف! لولا رغبتك وطمعك واعتقادك أنه يعطيك والله ما سألته! فليبلغ السامعون والسامعات الغافلين والغافلات أن من قال: يا فلان! يدعوه ويسأله فقد أشرك في عبادة الله، ونقض شهادة لا إله إلا الله! نعم. يجوز أن تقول: يا إبراهيم! يا عثمان! يا أخي يا أبتاه! يا خادم! إذا كان يراك وتراه ويسمع كلامك وتسمع كلامه، ويقدر على أن يعطيك ما تطلب، لو تقول: يا أعمى قدني! يضحك عليك الناس أم لا؟ تسأل أعمى أن يقودك في الشارع وهو أعمى! تقول لفقير مسلوخ: أعطنا ألف ريال. يضحك عليك الناس أم لا يضحكون؟ يضحكون إذ كيف تسأل من لا يملك؟!فلهذا إن دعوت حياً يراك ويسمع ويقدر على أن يعطيك ما تطلب جاز ذلك بإجماع المسلمين، وأذن الله فيه، يا فلان! من فضلك كأس ماء، هذا لا بأس، ولا نقول: هذا دعاء غير الله، فهذا أذن الله فيه، وهذا من التعاون: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] لكن شخص لا تراه ولا يراك وبينك وبين بلاده عشرة آلاف كيلو متر ومات منذ ألف سنة وتناديه فلا، فهذا شرك. أسألكم بالله! كم ألف كيلو متر بين المغرب والعراق؟ عشرة آلاف كيلو، وبينك وبين عبد القادر ألف سنة، وتقول: يا سيدي عبد القادر ! يا راعي الحمراء، يا مولى بغداد ! المدد، تضحك على نفسك أم ماذا؟! أهو يسمع؟! والله يخبرك أن الميت لا يسمع وإن سمع فلا يستطيع أن يعطيك سؤلك، وقد بين تعالى هذا بياناً شافياً فقال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:14] والله ما يقف عبد القادر ولا سيدي إبراهيم ولا فاطمة ويقول: يا رب! سامحه، هذا كان يدعوني! والله ما من أحد إلا يتبرأ ممن كانوا يدعونه ويعبدونه. وضحت قضية السؤال والدعاء أم لا؟ الدعاء هو العبادة، فارفع يديك إلى الله في السوق بين الناس أو في أي مكان ولا يلومك إلا أحمق أو مجنون! رفعت كفيك إلى ذي العرش الذي يملك كل شيء، ويقدر على إعطاء كل شيء، فاسأله ولا تخف، أما أن تسأل من لا يراك ولا يسمعك وإن سمعك لا يقدر على أن يعطيك شيئاً فأنت بهلول تلعب وتعبث! وقد قلت لكم: شخص ليس عنده شيء فكيف تقول له: أعطني؟ أنت تضحك على نفسك! كالذي يقف على خربة دار مهدمة سقوفها طائحة، أبوابها منزوعة، فيقف أمام البيت فينادي: يا أهل الدار! إني فقير! يا أهل البيت إني محتاج. ليس في البيت أحد، فامش إلى بيت فيه أهله والطعام بين أيديهم واسألهم!

يتبع


الساعة الآن : 04:45 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 170.94 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 170.44 كيلو بايت... تم توفير 0.50 كيلو بايت...بمعدل (0.29%)]