ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   الملتقى الاسلامي العام (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=3)
-   -   عيد وحسرتان (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=223494)

ابو معاذ المسلم 27-01-2020 01:55 AM

عيد وحسرتان
 
عيد وحسرتان

أحمد مظهر العظمة

كيف نستطيع أن نتكلف البِشر في عيدنا هذا، ونبدي المسرات، والنفوس تكاد تذهب على الوطن المرزَّأ حسرات؟ نذكره، فنذكر طغيان الطبيعة على جانب، وجور السياسة على آخر، فنندب الضحايا والشهداء، ونحتفظ بذكريات مبللة بدمع الأسى، تفجر القلوب حناناً، فتخلق الرحمة، وتفرض المعونة، ولا ترضى باليسير، والشهداء لنا إخوان، والمطامع لبناء (هيكل سليمان)، والواقف على الأطلال، ومن تستصرخه النساء والأطفال من أحفاد من يعينون على نوائب الدهر، ويسرعون النهضة في الصريخ، ويسمعون كتابهم ينطق بينهم بالحق: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92]، فيجودون في هذا السبيل، ألا يخافون من ذي العرش إقلالاً.



اذكر أيها المسلم، حين تلبس يوم العيد أجدّ ما لديك، ثم يستقبل طريقُك إلى المسجد، رائحةَ الطيب منك، وأنت آخذ بيد ابنك الصغير الفخور بما كسوته وأنلته، الفَرِحِ بما يسمع ويرى - أذكر سفح قلمون:
مشهداً يملأ العيون دموعاً وأحاديث تجرح الأسماعا[1]



اذكر أن تلك المناظر الضارعة، كانت مواطن لعيش رغد رخي، تتغنى تحت لألاء شمسها، وهناء أرضها، بين ظلال الأغصان، وخرير الغدران، وأريج النسيم، إلى أن وقعت الواقعة، فكانت الفاجعة التي جعلت العيش الأوطف، ذكريات باكية حول ما اندفعت السيول نحوه، اندفاع الرياح الهوج أو البلاء النازل، فسقت كثيراً من أهلها بكأس حلاق[2]، لم يجدوا منها من واق. وسكنت تلك السيول الغضبى، ولم تسكن ثكالى يندبن الأبناء، وأطفال يبكون الآباء، ورضع يستصرخون الأمهات، حول منازل أصبحت قاعاً صفصفاً:
صم نداها وعفا رسمها واستعجمت عن منطق السائل[3]





لا تكاد ترفع يديك لتمسح عينيك، إلا وتذكر بعد قلمون فلسطين، فلسطين التي:
تسام الأذى والعسفَ من كل جانبٍ فتبقى كليث الغاب باغته الشرُّ
وكيف يطيق الذل من نال عزة لها كل حين في طبائعه أمر
وكيف تطيق العرب (صهيون) سيداً وخير لهم دفع المذلة والقبر
وكيف تطيق العرب جار كريه وهل يلذع الإيمانَ ثانيةً جحرُ
وهل يحسبون العرب لانت قناتهم لظلم؟ فبعض الظن إثم له الدَّحر
وحسبهُمُ أعوام تذكر عنهمُ بخط الدماء الطهر يهريقها الحُرُّ




فلسطين، التي تأخذك حين تذكرها، لوعة الحزن على أرض الحرم، وهزة الفخر بشباب الهمم، ثم تنطلق متضرعاً إلى الله جل وعز الذي وعد المؤمنين النصر، أن ينجز وعده، وينصر جنده، ويرد المعتدين خائبين عن فلسطين.

فلسطين التي آلمت على نفسها في جهادها الأبي، الباسل، المضرج بالدماء العزيزة، حول النفوس الشهيدة، الراجعة إلى ربها راضية مرضية؛ ألا تضع الحرب أوزارها، بين الحق و(الظلم المتمدن! والمكر الغني)، قبل أن تكشف ستارها عن عدل لا إرهاق، وإخلاص لا نفاق، وأماني ينشدها الإسلام والعروبة بلسان كل فتى من أبنائهما، جرّبه الحليفُ الناكث أيام النائب، فكان (أبرَّ بميثاق وأوفى وأصبرا)، وإن لم تبلغ فلسطين الغاية لا سمح الله – مقبرة أمة شهيدة تتلقى بعد الأبطال، الشيوخ والنساء والأطفال، تسجل لأدعياء المدنية، وأعداء الوفاء، وإخوان الذئاب؛ ما هم له أهل في تاريخ قرنهم العشرين.

ولكن ذلك ليس بكائن وابن الجزائر وجاوا والهند... يشعر بالخطر من (الصهيونية) على المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، فيشرك ابن بغداد والقاهرة ودمشق.. في مؤازرة ابن القدس الذي يراه أخاه وابن وطنه، وإن تناءت الديار، وفرق الدخيل، وظن أن سياسته مانعته مما يخشاه، وهو يعتمد على المدفع، ويستند إلى (مكيافيلي) ونحن نعتمد على الله سبحانه؛ ونستند إلى الحق، وسيكون لحقنا قوة بعد أن أبينا الهجوع، وكرهنا الخنوع، وشرعنا نناجي الجدود، ونحطم القيود، ونبني مجدنا الرفيع الثاني.

المصدر: مجلة التمدن الإسلامي، السنة الأولى، العدد الأول، 1354هـ


[1] للزهاوي.

[2] سقوا بكأس حلاق وهو الموت ومنه البيت:
ما أُرجّى بالعيش بعد أناس *** قد أراهم سقوا بكأس حلاق


[3] لامرئ القيس.


الساعة الآن : 04:53 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 8.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 8.40 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (1.10%)]