ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   فتاوى وأحكام منوعة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=109)
-   -   سلطة تقدير العقوبة وتنفيذها في الفقه الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=222852)

ابو معاذ المسلم 20-01-2020 07:27 PM

سلطة تقدير العقوبة وتنفيذها في الفقه الإسلامي
 
سلطة تقدير العقوبة وتنفيذها في الفقه الإسلامي

وعلاقتها بجرائم الشرف


أ. د. علي أبو البصل



العقوبات متعلقات بموجبات لها وأسباب: فمنها ما يكون حقاً لآدمي، يسقط بإسقاطه، ويستوفى بطلبه، ومنها ما يثبت حقاً لله تعالى؛ لارتباطه بسبب هو حق الله تعالى، كالحدود عقوبات مقدرة شرعاً حقاً لله تعالى لا تسقط بالعفو والإسقاط، ومنها التعزيرات مفوضة لرأي الإمام، فإن رأى الصفح والتجاوز تكرماً فعل، ولا معترض عليه فيما عمل، وإن رأى إقامة التعزير تأديباً وتهذيباً، فرأيه المتبع[1].

إذا ثبت هذا: فإن عقوبات الحدود والقصاص مقدرة بالشرع، والتعزير للحاكم المسلم، وتنفيذها من مهام الدولة، ومؤسساتها المختصة، وليست موكولة للأفراد، أو من اختصاصهم، وإنما ينحصر دورهم في تحريك الدعوى لدى القضاء، وتقديم البينات، واستيفاء الحقوق بناء على الحكم القضائي الصادر والمقتضي لذلك.[2]

قال الكاساني:
"ولاية الاستيفاء للإمام بالإجماع.... ولاية إقامة الحد ثابتة للإمام لمصلحة العباد، وهي صيانة أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم..... والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته، وانقياد الرعية له قهراً، وجبراً، ولا يخاف تبعة الجناة، وأتباعهم؛ لانعدام المعارضة بينهم، وبين الإمام، وتهمة الميل، والمحاباة، والتواني عن الإقامة منفية في حقه، فيقيم على وجهها، فيحصل الغرض المشروع له الولاية بيقين...... والتعزير هو التعيير، والتوبيخ، وذلك غير مقدر، فقد يكون بالحبس، وقد يكون برفع الصوت، وتعبيس الوجه، وقد يكون بضرب أسواط على حسب الجناية، وحال الجاني، والمولّى يساوي الإمام في هذا؛ لأنه من باب التأديب، فله قدرة التأديب".[3]

وقال ابن رشد:
وأما فيما يحكم فاتفقوا أن القاضي يحكم في كل شيء من الحقوق، كان حقا لله، أو حقا للآدميين، وأنه نائب عن الإمام الأعظم في هذا المعنى، وأنه يعقد الأنكحة، ويقدم الأوصياء".[4]

وجاء في البيان:
"ومن وجب له القصاص لم يجز له أن يقتص بغير إذن السلطان، أو بغير حضوره؛ لاختلاف العلماء في وجوب القصاص في مواضع، فلو قلنا: له أن يستوفيه من غير إذن السلطان لم نأمن أن يقتص فيما لا يستحق فيه القصاص، فإن خالف واقتص بغير إذن السلطان، فقد استوفى حقه، قال الشافعي - رحمه الله تعالى - ويعزر، ولا شيء عليه، ومن أصحابنا من قال: لا يعزر؛ لأنه استوفى حقه، والأول أصح؛ لأنه افتأت على السلطان"[5]

وقال الجويني:
"فصل الخصومات الثائرة، وقطع المنازعات الشاجرة، وهذا يناط بالقضاة، والحكام".[6]

وقال الماوردي:
"وأما بعد ثبوت جرائمهم، فيستوي في إقامة الحدود عليهم أحوال الأمراء والقضاة".[7]

وقال الشوكاني:
"الأسباب التي ورد بها الشرع هي: الإقرار، أو البينة، أو اليمين، فإذا حصل واحد من هذه على وجه الصحة، فقد وجب به حكم الشرع، ووجب عنده إلزام الخصم..... وقد أوجب الله على عباده الحكم بالحق والعدل، وكف يد الظالم عن المظلوم، واستخراج المظلمة من يد الظالم وردها إلى المظلوم، فيجب التوصل إلى ذلك بما يسوغه الشرع".[8]

والأدلة على ذلك كثيرة، نذكر منها:
أ- قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ المائدة: 48.

وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة وجوب الحكم بما أنزله الله تعالى في القرآن؛ لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه، وتحريم اتباع أهواء أهل الملل السابقة، ومعنى الآية أن الله تعالى جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن، وأما بعده فلا شرعة، ولا منهاج إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم[9] من إتباع للحق، وابتعاد عن الأهواء في اتخاذ القرارات، ومن أدوات ذلك تفعيل مؤسسات الدولة.

ب- قال تعالى: ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [النساء: 65].

وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة أن الحكم في الخصومات للقضاء، ويجب احترام الحكم القضائي بتنفيذه، وعدم التشكيك فيه، وهذا جزء من عقيدة المسلم، ومنهاج حياته.[10]

ج- قال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: 45].

وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة؛ لعموم هذه الآية الكريمة، وفى هذه الآية توبيخ لليهود، وتقريع؛ لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة، ويفاضلون بين الأنفس، والظاهر من النظم القرآني أن العين إذا فقئت حتى لم يبق فيها مجال للإدراك أنها تفقأ عين الجاني بها، والأنف إذا جدعت جميعها، فإنها تجدع أنف الجاني بها، والأذن إذا قطعت جميعها، فإنها تقطع أذن الجاني بها، وكذلك السن، والعدالة لا تتحقق في هذا كله إلا بقوة الحاكم، ومن خلال مؤسسات الدولة الإسلامية.[11]

د- قال تعالى: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ ص: 26.

وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة أن الحكم في الخصومات للقضاء، وهو واجب على الحاكم إذا خوصم إليه، وأنه غير جائز له إهمال الحكم، وعلى الحكام ثلاثا أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوا الله تعالى، ولا يخشوا الناس، وأن لا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وإنما عليهم الحكم بالحق والعدل.[12]

هـ- عن البراء بن عازب، قال: كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطا فأفسدت فيه، فكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.[13]

و- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " خياركم أحسنكم قضاء "[14]

ز- عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أدخل الله عز وجل رجلاً كان سهلاً، مشترياً وبائعاً وقاضياً ومقتضياً، الجنَّةَ"[15].

ح- عن علي - رضي الله عنه - قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن قاضيا، فقلت يا رسول الله ترسلني، وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء فقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء، قال: فما زلت قاضيا، أو ما شككت في قضاء بعد.[16]

ط- عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار ".[17]

وجه الاستدلال بالأدلة من السنة:
الأدلة تدل بشكل قاطع على أن السيادة للشرع، والفصل في الخصومات يكون بالحق والعدل من خلال القضاء، ودور الخصوم في تقديم الدعاوى، وإثباتها بالأدلة المقررة شرعا، وعلى القاضي أن يستمع للخصوم، ولا يقضي إلا بعد أن يعطي لكل حقه في تقديم البيانات، والدفوع، وعلى الجميع احترام الحكم القضائي بعد صدوره، حفاظا على هيبة الدولة، واستقرار القضاء.


[1] غياث الأمم في التياث الظُّلم، ص 218.

[2] انظر: الأحكام السلطانية؛ للماوردي، ص 241.

[3] بدائع الصنائع، ج 9 ص 249، 252، 253.

[4] انظر: بداية المجتهد، ص 708.

[5] انظر: البيان شرح كتاب المهذب، ج 11، ص 405.

[6] انظر: غياث الأمم في التياث الظلم، ص 341.

[7] انظر: الأحكام السلطانية، ص 241.

[8] انظر: السيل الجرَّار، ص 756.

[9] انظر: فتح القدير، ج 2، ص 49.

[10] انظر: تفسير القرطبي، ج 5، ص 269.

[11] انظر: فتح القدير، ج 2، ص 49.

[12] انظر: أحكام القرآن؛ للجصَّاص، ج 5، ص 253.

[13] الحديث صحيح؛ انظر: سنن أبي داود، ج 3، ص 298، باب: المواشي تفسد زرع قوم.

[14] الحديث صحيح؛ انظر: سنن النسائي الكبرى، ج 4، ص 60، الترغيب في حسن القضاء.

[15] الحديث صحيح؛ انظر: سنن النسائي الكبرى، ج 4، ص 60، حسن المعاملة والرفق في المطالبة.

[16] الحديث صحيح؛ انظر: سنن أبي داود، ج 3، ص 301، باب: كيف القضاء.

[17] الحديث صحيح؛ انظر: سنن أبي داود، ج 3، ص 301، باب: في قضاء القاضي إذا أخطأ.




الساعة الآن : 06:41 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 15.48 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 15.39 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.61%)]