ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   القبر (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=216653)

ابو معاذ المسلم 14-11-2019 05:25 AM

القبر
 
القبر






مراد باخريصة



الخطبة الأولى




في زحمة الحياة ووسط المشاغل والانشغالات كثيرًا ما نغفل عن الإعداد ليوم الرحيل والاستعداد للقاء الله والدار الآخرة فنريد اليوم _ يا عباد الله أن نعظ أنفسنا وأن نرقق قلوبنا بذكر القبر وضمته وضيقه وظلمته فالقبر أول منزل من منازل الآخرة وكلنا داخله يقول الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه عند ما قيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وإذا وقفت على قبر بكيت حتى تبتل لحيتك فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ((إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعد أشد)) ورحم الله الربيع بن خيثم فإنه قد حفر في داره قبرًا فكان إذا وجد في قلبه قسوة دخل فيه فأضطجع ثم يصيح ويصرخ (رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت) ثم يرد على نفسه: يا ربيع قد رجعت فاعمل).



ونحن يجب علينا أن نقف مع أنفسنا وأن نتذكر حالنا ومآلنا وأن نتأمل تلك اللحظات التي سنمر بها فيا ترى هل نكون ممن يقال في حقهم، ﴿ يُثَبّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ في الحياة الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ ﴾ [إبراهيم:27]. أم نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الأنعام: 93].



إن القبر له هول عظيم وفظاعة شديدة فعذابه من الأهوال الكبار وفتنته من الفتن العظيمة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ بالله منها فيقول ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر...)) وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول لأصحابه: ((تعوذوا بالله من عذاب القبر)) فيقولون: نعوذ بالله من عذاب القبر رواه مسلم.



وللقبر ظلمة شديدة كما أخبر بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه فقال: ((إن هذه القبور مليئة ظلمة على أهلها، وإن الله عز وجل منورها لهم بصلاتي عليهم)).



وله ضمة لا ينجو منها أحدا، كبيرًا كان أو صغيرًا، صالحًا كان أو طالحًا، ولو نجى منها أحد، لنجى منها سعد بن معاذ، الذي تحرك لموته عرش الرحمن، وشهد جنازته سبعون ألفًا من الملائكة وفتحت له أبواب السماء.



فلنبكي على أنفسنا فالقبر ينتظرنا والفزع الأكبر مداهمنا والتراب فراشنا والدود أنيسنا فكيف سيكون حالنا؟ عجيب حالنا نوقن بالموت ثم ننساه ونتحقق من الضرر ثم نغشاه، نخشى الناس، والله أحق أن نخشاه، نغتر بصحتنا وننسى السقم، ونفرح بالعافية ولا نذكر الألم، ونزهو بشبابنا ونغفل عن الهرم، تطول أعمارنا وتزداد ذنوبنا، ويبيض شعرنا وتسود قلوبنا، فقلوبنا مريضة عز شفاؤها، وعيون تكحلت بالحرام فقل بكاؤها، وجوارحنا غرقت في الشهوات فحق عزاؤها.



إن القبور تنادينا فتقول لنا لقد عمرتم دار الزوال وخربتم دار المآل وغفلتم عن الأهوال ونسيتم هذه الأحوال فألهاكم التكاثر وغركم الأمل فتركتم العمل فطوبى لمن سمع ووعى، وحقق ما ادعى، ونهى النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى.



إن القبر سكن موحش ضيق وحفرة مخيفة سنجد أنفسنا ممدين فيه في ليلة من الليالي فرشنا فيه التراب وتصاحبنا فيه الديدان والدواب ويبكي علينا الأصحاب والأحباب ﴿ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 100].



وفي القبر تبدأ الفتنة العظيمة والامتحان الكبير عند ما يأتيك ملكان أسودان أزرقان فيجلسانك ويسألانك عن ربك وعن دينك وعن نبيك - صلى الله عليه وسلم - فإن ثُبت ووفقت نادى مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة وألبسوه من الجنة وإن خبت وخسرت ولم توفق نادى مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار.



عباد الله من وجد في قلبه قسوة فليقف على القبور وسكانها وليتأمل في أولئك القوم الذين كانوا يعيشون بين أظهرنا ويمشون معنا فهجم الموت عليهم ومحى التراب محاسن وجوههم يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)) ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 99 - 103].



الخطبة الثانية


(مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث العظيم أن النميمة وعدم الاستتار من البول من أسباب عذاب القبر فلننتبه جيدًا لهذا..



ومن أسباب عذاب القبر السرقة والاختلاس فإن رجلًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ عباءة أو شملة غلها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الشملة تشتعل عليه نارًا في قبره.



ومن أسباب عذاب القبر ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، والافتراء والكذب على الناس، وأكل الربا، والزنا، وأذية المرأة لزوجها وجيرانها،، وإفطار يوم من رمضان بغير عذر.



وأما الأسباب المنجية من عذاب القبر فكثيرة منها التعوذ بالله منه كما مر معنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستعيذ بالله من عذاب القبر ويأمر أصحابه أن يتعوذوا بالله من عذاب القبر.



ومن الأسباب المنجية من عذاب القبر اجتناب الأسباب الموجبة لعذاب القبر والتوبة إلى الله منها.



ومنها قراءة سورة الملك: أي حفظها والمبادرة إلى فهمها، فقد روى أصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: ((إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفَعَت لصاحبها حتى غفر له: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾ [الملك: 1]. وصح أن النبي سماها المانعة.



ولهذا كان السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم يعلّمونها أهليهم وأولادهم، ولا ينامون حتى يقرؤوها فعلينا أن نتأسى بهم.



ومن أسباب النجاة من عذاب القبر الوفاة يوم الجمعة أو ليلة الجمعة ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله تعالى فتنة القبر رواه أحمد وحسنه الألباني.



وكذلك الرباط في سبيل الله والشهادة في سبيله يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ((إن للشهيد عند الله سبع خصال: وذكر منها يجار من عذاب القبر).



عباد الله:

والله سنبيت في القبر وحدنا وستنهش الديدان لحمنا وعظمنا وسنبقى رهن أعمالنا فلنعمل أعمالًا صالحة تنجّينا وتُبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.



فلنجدد إيماننا ولنشحذ هممنا وعزمنا وخاصة أننا قادمون على أيام فاضلة هي أيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة التي يستحب فيها الإكثار من الأعمال الصالحة.



المرجع:

موسوعة خطب المنبر - الإصدار الثاني - الشاملة.





الساعة الآن : 07:20 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 12.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 12.15 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.77%)]