ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=41)
-   -   :: سلسلة رموز الإصلاح (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=237130)

ابو معاذ المسلم 12-12-2020 07:52 AM

رد: :: سلسلة رموز الإصلاح
 
علاّمة الشام جمال الدين القاسمي [1]

. أسامه شحادة
https://majles.alukah.net/imgcache/2020/12/62.jpg

تمهيد:

هو أبو الفرج محمد جمال الدين القاسمي الكيلاني الحسني الدمشقي، وهو من أحفاد الشيخ عبد القادر الجيلاني من سلالة الحسن السبط، كان إمام الشام في عصره، نشأ مقلداً وصوفياً لكنه تحول لمنهج السلف، فأصبح داعياً للعلم والاجتهاد ومحاربة الجهل والتعصب، وقف حياته على العلم والتعليم، وكان هيناً ليناً في دعوته، وبرغم ما ألحقه به أعداؤه من الجهلة والمتعصبة من أذى إلا أنه لم ينشغل بهم.

كان من رجالات الإصلاح في نهاية عصر الدولة العثمانية وله صلات ومراسلات بعلماء عصره المصلحين في العديد من البلدان، فقد زار لبنان ومصر وفلسطين والأردن والمدينة المنورة، ورغم قصر عمره (49 سنة) ألا أنه ألف ما يزيد عن 100 مؤلف.

لخص العلامة رشيد رضا منهج القاسمي الإصلاحي في التأليف مقارنة مع شيخه وصديقه العلامة طاهر الجزائري فقال: "والعلامتان الجزائري والقاسمي كانا سببين في سعة الاطلاع وحسن الاختيار، إلا أن الجزائري كان أكثر اطلاعا على الكتب وولوعاً بالاستقصاء والبحث، والقاسمي أشد تحريا للإصلاح، وعناية بما ينفع جماهير الناس"[1].

وقد ترك القاسمي بعد وفاته عددا من التلاميذ أصبحوا هم علماء الشام، وعددا آخر أصبحوا هم ساسة الشام وقادته.

ولادته ونشأته العلمية:

ولد جمال الدين القاسمي في دمشق سنة 1282هـ / 1866م، في بيت علم وتقوى[2]، فقد كان جده عالماً فاضلاً، وكذلك كان أبوه، وهذه ميزة لجمال الدين، فقد درجت العادة في ذلك الزمان أن يتوارث الأبناء وظائف آبائهم الدينية كالإمامة والخطابة والإفتاء والقضاء، فوصل لهذه المناصب الجهلة والحمقى بالوراثة لا بالكفاءة، فانتشر الجهل والتعصب وقلة الدين، حتى كنت لا تجد في مدن وقرى بكاملها من يحسن القراءة والكتابة! بل وصل الحال أن المدارس على ندرتها كانت تدرس اللغة العربية ونحوها بالتركية على شيخ تركي!!

وقد فاقم من انتشار الجهل تواطؤ أصحاب المناصب الشرعية والسياسية على بقاء الجهل مخيماً حفاظاً على مكاسبهم ونفوذهم، ولذلك كانوا دوماً أعداء لكل مصلح ومحب للعلم.

درس القاسمي بداية على والده الشيخ محمد سعيد القاسمي، ثم درس في مكتب بالمدرسة الظاهرية، وحضر دروس الشيخ سليم العطار والشيخ بكرى العطار شيخ الشام، والشيخ محمد الخاني الذي علمه أوراد الطريقة النقشبندية والتي تركها لاحقاً.

كان القاسمي يطالع كثيرا من الصغر ولا ينشغل باللعب مع أقرانه، ولذلك وجد في أوراقه عدة دفاتر فيها ملخصات ومنتخبات من مطالعته في الكتب – طبعاً نقصد المخطوطات – أطلق عليها اسم "سفينة" وعمره 15 سنة!! وقد كان محافظاً على وقته وله همة عالية في القراءة، قال عن نفسه: "وقد اتفق لي بحمده تعالى قراءة صحيح مسلم بتمامه رواية ودراية في أربعين يوماً، وقراءة سنن ابن ماجه كذلك في واحد وعشرين يوماً، وقراءة الموطأ كذلك في تسعة عشر يوماً... فدع عنك الكسل، واحرص على عزيز وقتك بدرس العلم وإحسان العمل".

وقد حبب للقاسمي القراءة حتى قيل إنه قرأ واقتنى غالب ما طبع في عصره من كتب، وبيته يحتوي على مكتبة أسسها جده الشيخ قاسم ووسعها أبوه ونماها القاسمي بعد وفاة والده حتى تركها وفيها 2000 مجلد، وجعل لها غرفة خاصة وصنع فهرساً بكتبها، وتتميز مكتبة آل القاسمي بتنوعها الواسع وعدم اقتصارها على الكتب الشرعية، وأوقفها على ذريته وطلبة العلم ونشر إعلانا بذلك في الصحف، وهي لليوم مفتوحة للباحثين، فجزى الله أحفاد القاسمي على رعايتهم لوصية ووقف جدهم.

ولتميزه في طلب العلم وعدم اكتفائه بمكانة أبيه طلب بعض الطلبة منه أن يشرح لهم بعض مقدمات العلوم وعمره 14 سنة، فكان يدرسهم بعد المغرب قبل موعد درس أبيه، الذي كان يواظب على حضوره.


نشاطه العلمي والدعوي:

بدأ نشاطه الدعوي وعمره 21 سنة حين طلب بعض الفضلاء من والده سنة 1303هـ أن يرسل جمال الدين ليكون إماماً لهم في مسجدهم في الصلوات الخمس ويقيم الدروس لهم، فأذن له والده فأحيى جمال الدين مسجدهم بإمامة الصلوات وبدروسه في الصباح وبين العشائين.

ثم أصبح مدرساً في مدرسة عبد الله باشا العظيم والتي كانت إحدى حصون الدعوة إلى الإصلاح في العاصمة الأموية بحسب وصف العلامة محب الدين الخطيب إذ كان من المستفيدين منها، وكان من المدرسين فيها: العلامتان طاهر الجزائري وجمال الدين القاسمي ولكل واحد منهما غرفة يستقبل فيها تلاميذه.

وبسبب تميزه في التعليم والإصلاح تم اختياره – فيما يبدو - من قبل الوالي ضمن عدد من الفضلاء سنة 1309هـ لإلقاء دروس عامة في شهر رمضان في بعض النواحي من سوريا، فذهب إلى وادي العجم وسجل يوميات تلك الرحلة في كتاب بعنوان "بذل الهمم في موعظة أهل وادي العجم"، وفي السنة التالية اختار أن يذهب إلى قضاء النبك وألف فيها "حُسن السبك في الرحلة إلى قضاء النبك"، وطلب أيضاً في السنة التي تليها فذهب إلى بعلبك، وكرر الذهاب إليها في السنة التي تليها، ثم يبدو أنه طمع في تلك الرحلات بعض الطماعين البطالين الذين لا يهمّهم سوى المكافأة المالية فأبطلت الدولة تلك الرحلات، ويعلق القاسمي على ذلك بقوله: "مع أن بها النفع العام، لمن قام بها حق القيام".

ويبدو أن هذه الرحلات فتحت عيون القاسمي لأحوال البلد ومقدار الجهل والخرافة والظلم الذي يحيق بالناس.

وفي سنة 1317هـ توفي والده فحزن عليه كثيراً، وقد قام العلامة عبدالرزاق البيطار والعلامة طاهر الجزائري بزيارة والي الشام برفقة القاسمي لتنصيبه مقام والده في إمامة وخطابة وتدريس مسجد السنانية وهو المسجد الذي كان يؤمه والده وجده من قبله، فتولى الإمامة والتدريس فيه للطلبة والعامة وألف فيه كثيرا من كتبه وأهمها تفسيره (محاسن التأويل) بين عامي 1317-1329هـ.

تحوله لمنهج السلف وما لقي من مصاعب بسبب ذلك:

نشأ القاسمي مثل أهل عصره على المذهب الشافعي والعقيدة الأشعرية والطريقة النقشبندية، ولكن لكونه طالب علم ذكيا ومتميزا ولأ والده وجده كانا من العلماء ولكونه كثير المطالعة، فقد سهل عليه أن يكتشف خطأ ما هو عليه وأن الحق هو في اتباع القرآن والسنة ومنهج السلف الصالح، وليس بين أيدينا تصريح له أو لغيره بكيفية أو بتاريخ انتقاله لمنهج السلف على غرار قصة تحول رشيد رضا التي كتبها بنفسه، لكن لدينا بعض الإشارات التي قد تساعد على ذلك.

وقد يكون السبب في عدم تدوين هذه القصة هو طبيعة البيئة التي عاش في ظلها القاسمي، فهو كان في بيئة مقلقة له أمنياً، فالرسائل والكتب مراقبة، وبيته مهدد في أي لحظة بالتفتيش والبحث عن كتب أو رسائل من دعاة الإصلاح، فمثلاً حين كان يتراسل القاسمي مع بعض أصدقائه ويراد الإشارة إلى محمد كرد علي فإنهم يعبرون عنه بقولهم "صاحب اسم مفعول اقتبس"، نسبة لمجلته المقتبس!!

فإذا بحثنا عن سبب تحوله لمنهج السلف سنجد أن القاسمي عاصر الشيخ طاهر الجزائري والذي اشتهر ببعث كتب شيخ الإسلام من خلال نسخها وبيعها بأثمان رخيصة في سوق الوراقين، كما نجد أن القاسمي كان يحضر حلقة الشيخ طاهر الكبرى، بل كان زميلاً له في مدرسة عبدالله باشا وله غرفة يلتقي الطلاب فيها سنة 1311هـ تقريباً، ونجد أن طاهر الجزائري هو الذي سعى في تنصيب القاسمي إماما محل أبيه، وسنجد أن القاسمي رافق الشيخ طاهر الجزائري ليل نهار في سنة 1323هـ قبل هجرة الجزائري لمصر، كما أن الجزائري شارك القاسمي في تنقيح بعض مباحث كتابه قواعد التحديث.

ومن المتفق عليه بين المؤرخين لتلك الفترة أن الشيخ عبد الرزاق البيطار وهو من أجل علماء الشام كان والقاسمي صديقين حميمين برغم أن البيطار أسن من القاسمي بثلاثين سنة!! ومعلوم أن البيطار كان أيضا على خلاف منهج السلف ثم تحول إليه لكنه عرف ذلك متأخراً بخلاف القاسمي، وقد اشتهرت كلمة البيطار للقاسمي بخصوص تحوله لمنهج السلف مبكراً: "يا جمال.. احمد الله على أن انتهيت وأنت في سعة من عمرك، ولحيتك سوداء، فتتمكن من الاستمتاع بعقلك، ويتسع الوقت لنشر فضلك".

ومعلوم أن البيطار أيضاً كان من رواد حلقة طاهر الجزائري، فالراجح عندى أن لطاهر الجزائري دورا مركزيا في تحول البيطار والقاسمي لمنهج السلف، برغم أن القاسمي هو الذي اختص واشتهر بنشر منهج السلف في الشام بعد عصر ابن تيمية وابن القيم، لأن القاسمي كان رجل عامة والجزائري كان رجل خاصة. ولعل هذا هو السبب الذي جعل القاسمي يقول عن طاهر الجزائري "الشيخ المفيد والمرقي الوحيد"!!

أما متى كان ذلك؟ فليس هناك تاريخ مؤكد إلا إشارات عامة أيضاً، ففي سنة 1306هـ ختم القاسمي أحد كتبه بقوله: "تم على يد مختصره الفقير محمد جمال الدين أبي الفرج القاسمي الأشعري الدمشقي النقشبندي الخالدي الشافعي"، وهذا يحدد لنا أن نبحث عن تاريخ تحوله بعد هذا التاريخ.

سنجد أن طاهر الجزائري في سنة 1311هـ تقريباً أمر محب الدين الخطيب وكان عمره 9 سنوات بالتردد على غرفة الأستاذ أحمد النويلاتي وجمال القاسمي بمدرسة عبدالله باشا، ونجد أن القاسمي والبيطار في سنة 1313هـ يتعرضون لمحنة عرفت باسم حادثة المجتهدين، حيث لفق لهم بعض الحاسدين تهمة ادعاء الاجتهاد!! وهي تهمة كانت رائجة في عصر الجمود والتعصب والتخلف، بينما يتهم السلفيون اليوم بالجمود!!

ونجد أن القاسمي يكتب في رسالة منه للعلامة نعمان الآلوسي سنة 1316هـ فيقول: "فإلى الله المشتكى من جماعة نبذوا الآثار ظهريا، وأضحى مذهب السلف بينهم نسياً منسياً، خلا جماعة من أحبابنا الصادقين، فإنهم في مشربهم السلفي عقد الشام الثمين، وقد نالتنا وإياهم محنة سلفت من نحو ثلاثة أعوام"، ويقصد حادثة المجددين.

وهذه الرسالة هي رد على الرسالة التي أجاز فيها الآلوسي القاسمي وأوصاه في آخرها بمنهج السلف فقال له: "وأوصي المجاز – القاسمي- باتباع مذهب السلف، فإنه أسلم بل أعلم وأحكم والسلوك في طريقهم الأقوم" وذلك سنة 1315هـ.

وهذا يدل على أن القاسمي لم يعد سلفياً فحسب بل إن حوله مجموعة سلفية، وأيضاً نجد القاسمي في ترجمته لوالده "بيت القصيد في ترجمة الوالد السعيد" يصرح بأن والده انتهج منهج السلف في آخر حياته، ووالده توفي سنة 1317هـ، وكان والده وأخوه محمد عيد قد انتصروا له حين أوقفه المفتي سنة 1313 من دون بقية زملائه في حادثة المجتهدين، وهذا فيه إشارة لتأييدهم لمذهب جمال خاصة أن والد جمال كان يحضُر هذه المجالس.

ومن هذا كله يمكن أن نقول إن القاسمي بدأ في التحول للسلفية من سنة 1310 تقريبا أو قبلها بقليل، ولكنه بقي يتطور حتى وصل لمرحلة رضي فيها عن نفسه وهي عام 1320، ولذلك نجده يصرح أنه غير راض عن كل ما كتبه قبل ذلك العام.

وبعد أن حاولنا تلمس كيفية وتاريخ تحول القاسمي للسلفية، نعرض للمحن التي تعرض لها بسبب ذلك، وقد لخص القاسمي ما تعرض له من اضطهاد في رسالة شخصية لرشيد رضا:

1- في سنة 1313 اتهم وبعض أصدقائه الذين وصفهم بالسلفيين بالاجتهاد، ولأنه كان أصغرهم سناً فقد أوقف ليلة من دونهم، ويجب أن نلاحظ أن التهمة الأولى للقاسمي ورفاقه وعلى رأسهم الشيخ عبدالرزاق البيطار كانت هي تهمة الاجتهاد ومحاولة قراءة كتب تفسير القرآن والحديث وكتب أصول الفقه، ولم توجه لهم تهمة الوهابية إلا بعد سنوات، كما أنهم في الجلسات التي اتهموا فيها بالاجتهاد كانوا أيضاً يدرسون كتاب "كشف الغمة" للشعراني الصوفي، وهذا يؤكد تطورهم التدريجي للسلفية بترك التعصب والجمود الفقهي بداية.

2- في سنة 1318 تم إيقاف السيد عبدالحميد الزهراوي مما أثار الخوف في نفوس أصدقائه ومنهم القاسمي، والذي جاءه البوليس ليلاً وطلب منه نسخته من كتاب الزهراوي الذي أوقف بسببه، مما يدل على شدة محاربة الأفكار الإصلاحية في ذلك الوقت.

3- وفي سنة 1322 زار دمشق قادما من مصر المحامى أحمد الحسيني وكان القاسمي تعرف به في القاهرة قبلها بسنة وأكرم القاسمي ورحب به، فلما جاء الشام ذهب لزيارته قياما بواجبه، فاستدعي من الوالي وحقق معه حول سبب زيارته له، وأمر القاسمي بقطع الصلة به، حيث اتهم بعض الوشاة الحسيني بأنه معادٍ للحكومة ومن دعاة الاجتهاد!

4- وفي سنة 1324 اتهم الشيخ عبدالرزاق البيطار بأنه وهابي وحقق معه ومع بعض طلابه، مما أثار الخوف والقلق في نفوسهم، واتهم القاسمي معه في ذلك، لكن ما انقذه من التحقيق أنه كان مسافراً مع الشيخ طاهر الجزائري إلى صيدا، وبقي هناك لمدة شهرين قلقا حتى هدأت الأمور وعاد.

5- وفي رمضان من نفس السنة 1324 أقام عليه الجامدون والمتعصبون والذين يسميهم القاسمي بالحشوية – كان يطلق قديماً على أهل السنة، فأصبح اليوم لقب أعدائهم- بسبب كتاب مجموع الأصول، والذي جمع فيه بعض الرسائل حول الاجتهاد ومن ضمنها رسالة لابن عربي الصوفي، لأن منهج القاسمي صدم هؤلاء المتعصبة الصوفية بكلام رموزهم.

فكانوا يجتمعون في المسجد الأموي من العصر وحتى آخر الليل يسبون القاسمي ويتوعدونه لولا تدخل بعض الفضلاء، وقد كان القاسمي في تلك الفترة يعيش فترة صعبة قال عنها: " ولكن كيف كان الصحب والآل، في هذه الليالي؟ حدث ولا حرج".

6- في عام 1326 تم تفتيش منزله ومسجده بحثاً عن كتب ومراسلات ممنوعة، وصادروا ثلاثة أكياس كتب مطبوعة ومخطوطة، بقيت شهرين عندهم، ولما تقرر إرجاعها اعترض بعض الحشوية، فتقرر تحويلها للمحكمة الشرعية لفحصها، فبرأه القاضي، ولكن يقول القاسمي: "فماذا كان حال العائلة والأهل في هذه الأشهر؟".

7- وفي رمضان من عام 1326 يزور محمد رشيد رضا دمشق ويعقد له درس في المسجد الأموي، فقامت قائمة الحشوية وهيجوا الناس عليه واتهموه بالوهابية، حتى اضطر لمغادرة دمشق، ولزم القاسمي بيته ثلاثة شهور أما البيطار فبقي 130 يوما لم يخرج من بيته، وذلك خوفا من أن يتعرضا لاعتداء من أحد في الشارع.

وقد نظم الأمير عادل أرسلان شقيق أمير البيان الأمير شكيب أرسلان قصيدة يسخر بها من هؤلاء الحشوية، وتكشف عن عمق الروابط بين المصلحين في ذلك الزمان قال فيها:

يا أيها الفقهاء أول من درى *** أن البطاطا شرح متن البامية
إني رأيت الشورباء حزينة *** أضحت على أذيالكم مترامية
فكلوا المحاشي والمواشي جملة *** تهتز من فوق بقول نامية
أظننتم الدستور حرم أكلها *** لا والذي خلق العقول السامية
ما دخل وهابيتي في أمركم *** ماذا اخترمت لتنكروا إسلاميه
هي شيعة لا تشتم الكوسا فما *** الداعي لتكفيري ودق عظامية
ماخنتكم في صحبة المحشي *** ولا أفسدت بالتقليل منه صياميه

هذه الحوادث تعطينا تصورا عن الأحوال التي كان يعيشها القاسمي ورفاقه من قبل الجهلة والمبتدعة، والذين كانوا رافضين لنشر العلم وفتح باب الاجتهاد.

أما ما تعرض له القاسمي ورفاقه من تنكيل من قبل الحكومة في عهد السلطان عبد الحميد وحكومة الاتحاد والترقي فقد كان شديداً، ففي عام 1327 يتهم القاسمي والبيطار بالتحريض على تأسيس جمعية النهضة السورية المناهضة لحكم الاتحاديين والمطالبة بالاستقلال الإداري وقيام حكومة عربية، وأنهم على صلة بأمراء من نجد، فأنكر هذه التهم وبين عدم صلته بجمعية النهضة، والتي كان رئيسها محب الدين الخطيب وسكرتيرها صلاح القاسمي شقيقه الأصغر!

دور القاسمي الإصلاحي:

برغم حياة القاسمي القصيرة حيت عاش 49 سنة فقط وكانت مليئة بالحوادث والمحن، إلا أنه عُدّ علامة الشام، فقد وفقه الله عز وجل مبكراً لطلب العلم والاطلاع الواسع ومنحه الذكاء الحاد، ويسر له معرفة منهج السلف والحق مبكرا وهو شاب.

وهذا كله جعل تأثير القاسمي ممتداً لليوم، فقد تمثل الدور الإصلاحي للقاسمي في ثلاثة محاور:

1- نشر الكتب المهمة لعلماء الأمة، وتأليف الكتب المهمة لحياة الأمة اليوم:

يلخص لنا القاسمي رؤيته لدور الكتاب في نهضة الأمة ونشر منهج الحق في رسالة للشيخ محمد نصيف، من أعيان مدينة جُدة يحثه فيها على طباعة الكتب فيقول: "ولا يخفى فضلكم أن أعظم واسطة لنشر المذهب السلفي هو طبع كتبه، وأن كتاباً واحداً تتناوله الأيدي على طبقاتها خير من مئة داعٍ وخطيب، لأن الكتاب يبقى أثره، ويأخذه الموافق والمخالف، وأعرف كثيراً من الجامدين اهتدوا بواسطة ما طبعناه ونشرناه، اهتداء ما كان يظن، والحمد لله على ذلك".

ويبدو أن تحول القاسمي لمنهج السلف أصلاً كان بسبب بعض الكتب التي كان الشيخ طاهر الجزائري ينشرها. ويمكن أن نتحدث عن اهتمام القاسمي بالكتب في النقاط التالية:

أ – حرص القاسمي على نشر الكتب النافعة وخاصة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وكان هذا غالب موضوعات رسائله للعلامة الآلوسي، وقد نصحه الآلوسي مراسلة الشيخ نصيف بخصوص طباعة آثار ابن تيمية، فكتب له القاسمي سنة 1327هـ: " أخي تعلمون أن شيخ الإسلام توفي بدمشق وأن رسائله بحمد الله معظمها والحمد لله في دمشق، وإن فقد منها شيء أو طار من الشام لغيرها إلا أن في المكتبة العمومية – يقصد المكتبة الظاهرية التي أسسها طاهر الجزائري- عندنا من رسائله وقواعده في كتاب " الكواكب" الذي جمعه الشيخ ابن عروة، وكتب فيه جملة وافرة من تآليف شيخ الإسلام وبها ما يكفي ويشفي... فإن رأيتم أن نسعى لنسخ كل ما هو عندنا بالشام بحيث لا نبقي له – قدس الله روحه – شيئاً يكون ذلك من أكبر حسناتكم".

ب - كما أن القاسمي كان يحث بعض الأمراء والملوك على طباعة الكتب ونشرها بين العلماء، كما فعل مع سلطان مراكش حين زار دمشق.

ج - وكان القاسمي يحرص على طباعة كتب بعض العلماء المتبوعين من المقلدة والمتعصبة، انظر ماذا كتب القاسمي لأحد أصدقائه في رسالة سنة 1328: "ظفرنا بنسخة ورسالة مهمة للبركوي، انتصر فيها للشيخين فيما ذهب إليه، لا بل زاد عليهما كما ترون من مطالعتها، وقد عانيت كثيراً في تصحيحها، لأن الأصل المطبوع محرف للغاية.

وهذه الرسالة تأثيرها على الجامدين والجهمية أكثر من تأثير مؤلفات الشيخين في الموضوع، لأن الإمام البركوي شهرته عظيمة، ولا يظن الجامدون بمثله أن يصدع بما صدع به، لأنهم يحسبون أن هذا البحث لم ينفرد به إلا الحنابلة، وأما رجل حنفي تركي يوافق على ذلك، فلا يخالونه، إلا أن هذا الرجل - رضي الله عنه- لقد أبان عن فضل عظيم، ودين قويم، وقلب سليم".

د - أما كتب القاسمي نفسه فقد زادت عن مئة كتاب، وغالبها مما يحتاجه الناس ويسد ثغرة عندهم ويقدم بديلاً عن الباطل الذي اعتادوه، ومن أمثلة ذلك:

- كتاباه "منتخب التوسلات" و"الأوراد المأثورة": فحين وجد أن الناس تتمسك بأوراد للقطب الفلاني والولي العلاني، رغب بأن يستبدل لهم ذلك بأدعية من القرآن وأدعية الفرج بعد الشدة، وسماها "منتخب التوسلات" وذلك في سنة 1315. ثم جمع أوراد الصباح والمساء وما يقال في السَّحر مما صحح وثبت، وسماها "الأوراد المأثورة" في سنة 1319، وكتب القاسمي عن ذلك: "وحبذا اليوم الذي نرى فيه لا ينتشر إلا المأثور، ولا يعتقد إلا الحق، وما ذلك على الله بعزيز"، والحمد لله اليوم غالب الفضائيات والإذاعات تنشر ما ورد في السنة الصحيحة مما تقر به عين القاسمي ولعلها تكون في ميزان حسناته إن شاء الله.

- كتابه دلائل التوحيد: وقد كتبه سنة 1326 رداً على مقال في صحيفة المؤيد تتضمن إنكار وجود الله وبعض الشبه عن الإسلام، وذلك حين رفض أحد كبار علماء الشام الرد بمقال على المقال الذى انتشر في آلاف النسخ من الجريدة، واكتفى بالرد عليه في درسه بالمسجد الأموي!! وهذا المنطق الأعوج لا يزال لليوم هناك من يسير عليه! أما القاسمي فقد انتصب للدفاع والرد بكتاب يطبع بالآلاف ويكون بين يدى الناس الذين يحتاجونه وهم المثقفون الذين يقرؤون الجرائد التي تنتشر فيها هذه التفاهات.


- كتابه قواعد التحديث: وقد صنفه عام 1320 وراجعه مع الجزائري سنة 1324 وطبع 1352 سنة، أي بعد وفاته بعشرين سنة. والكتاب يقوم على جمع كلام العلماء السابقين، وهو ما عابه محمد كرد علي على القاسمي، لكن حجة القاسمي أنه أراد أن يجابه المتعصبة الجامدين الحشويين الرافضين للبحث في الأحاديث وتمييز الصحيح من السقيم بأقوال علمائهم المتبوعين والمشهورين.

- شذرة من السيرة النبوية: رسالة صغيرة ألفها وطبعها في مطبعة المنار أثناء زيارته للقاهرة سنة 1321، وكان الغرض منها أن يكون بديلاً لما يقرأ في الموالد من كتب بدعية تحتوي على الكثير من الخرافات والأكاذيب.

وهي من فصلين: إعجاز القرآن، وغرر من الوصايا النبوية، وختمها بأربع فوائد: أصل قصة المولد، التحذير من البدع في تلاوة قصة المولد، حكم القيام عند ذكر الولادة، من أحدث المولد.

- إصلاح المساجد من البدع والعوائد: وذكر القاسمي أن سبب تأليف هذا الكتاب هو كثرة البدع في المساجد، مما جعل إزالتها أولوية لدى المصلحين.

- موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين: كان القاسمي لما زار مصر سنة 1321 برفقة الشيخ عبد الرزاق البيطار التقى بالشيخ محمد عبده، وحضر بعض دروسه وزاره في بيته وأصبح بينهما صلة قوية على غرار صلة البيطار بعبده الوثيقة من قبل، ومن الأشياء التي سأل عنها القاسمي عبده: هل هناك كتاب تنصح أن ندرسه للعامة؟ فكان جواب محمد عبده: إن أحسن ما ينفع العامة كتب الغزالي بشرط تجريدها من الواهيات. ويبدو أن هذا صادف قبولا وقناعة سابقة للقاسمي تجاه كتب الغزالي، ولذلك فبعد عودته بسنتين شرع في اختصار كتاب إحياء علوم الدين وأخرج لنا كتابه المتميز "موعظة المؤمنين".

- قاموس الصناعات الشامية: من حرص القاسمي على التأليف ونفع المسلمين ومن بره بأبيه أنه اقترح عليه تأليف كتاب في نهاية حياته حول الصناعات والحرف في الشام، فسأله أبوه كيف أفعل؟ فأجابه: تستأجر دابة وتذهب لمحل الحرفيين وتسجل أسماء الصناعات والحرف ثم تدرسها. وقد فعل والده ذلك، لكنه مات وقد وصل لحرف السين، فأتمه جمال وزوج شقيقته خليل العظم.

وقد أصبح هذا الكتاب فريداً في بابه ولم يعرف له مثيل، وهذا يدل على سعة أفق القاسمي واهتمامه بالحياة والصناعة ونهضتها وعلم التاريخ والاجتماع، وقد قامت دراسات تحليلية كثيرة حول الكتاب عربية وغربية.

- إرشاد الخلق للعمل بخبر البرق: ألفه سنة 1329 لبيان جواز الاعتماد على الوسائل الحديثة للاتصالات في نقل خبر ثبوت شهر رمضان والعيد. وهو مما يدل على معاصرته للقضايا المستجدة ومواكبته للمخترعات الحديثة، وكان طاهر الجزائري قد حثه على تأليفه.

- الاستئناس لتصحيح أنكحة الناس: وذلك لبيان حقيقة الطلاق بالثلاثة وأنه لا يقع، وإلا لأصبح غالب الناس أولاد زنا، بسبب قلة دينهم.

- محاسن التأويل: وهو تفسير قيم كتبه في أربع عشرة سنة، ولم يطبع إلا بعد وفاته بأكثر من أربعين سنة، وقد كانت عائلة القاسمي تعتبره كنزاً، فلما تعرض حيهم للقصف الفرنسي سنة 1925، لم يحمل أولاد القاسمي من بيتهم إلا تفسير والدهم والذي كان في 12 مجلدا بخط القاسمي نفسه، ولم يكن له نسخة أخرى! والتزم القاسمي أن يضمن تفسيره كل ما يقع عليه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم مما يتعلق بتفسير القرآن في موضعه.

كُتب القاسمي كثيرة ولكن هذه بعضاً منها تدل على سعة أفقه ومعايشته لأحوال أمته، وحرصه على نهضتها ورفعتها من خلال التأليف كوسيلة إصلاحية، لا فائدة دنيوية من ورائها كحالنا اليوم حيث التأليف عند كثيرين وسيلة لمنصب أو ترقية أو مال، يقول القاسمي عن أحد الكتب في رسالة لمحمد نصيف: "ويعلم الحق أني لو أوتيت ما يمكنني القيام بطبعه على نفقتي لما تأخرت في طبع كل ما جمعت، ولكن يكفي (كما يقول الأستاذ طاهر الجزائري) الفقير: أن يجمع ويؤلف..".

هـ - وكان القاسمي يطلب من بعض طلبته نسخ بعض الكتب ويعطيه أجراً، بدلاً من أن يذله بقبول الصدقة والزكاة. وكان يحث ويشجع بعض طلبته على تأليف الكتب، وقد شجع تلميذه بهجة البيطار على تأليف بعض الكتب وأثنى عليه في رسائله الشخصية لبعض أصدقائه.


ابو معاذ المسلم 12-12-2020 07:57 AM

رد: :: سلسلة رموز الإصلاح
 
علاّمة الشام جمال الدين القاسمي [2]

. أسامه شحادة
http://albayan.co.uk/Uploads/img/thu...1434121432.jpg




تمهيد:

في الحلقة الماضية تناولنا نشأة علامة الشام جمال الدين القاسمي ومسيرته في طلب العلم، وتناولنا الدور الأول من أدوار القاسمي الإصلاحية وهو نشر الكتب وتأليفها، ونواصل بيان أدواره الإصلاحية ومسيرته الدعوية.

دور القاسمي الإصلاحي:

2- نشره للعلم ورعايته لطلابه وتنشئتهم ليكونوا قادة ودعاة متميزين:

لقد تميز القاسمي باهتمامه بطلبته ورعايته لهم في مختلف جوانب حياتهم، ولذلك استمروا على الوفاء لمنهج شيخهم بعد وفاته وكانوا قادة الشام وعلماءه. ومن مظاهر اهتمام القاسمي بطلابه ما يلي:

1- كان القاسمي يدرّس في غالب أوقاته وفي كل مكان، في مسجده وبيته وبيوت أصدقائه وفي الرحلات والمتنزهات، وكان بيته يستقبل أفواج الطلاب من الصباح إلى ما بعد العشاء.

رثاه أخوه صلاح الدين فقال:


كان يقضى النهار والليل بالدرس *** ويحيي الأسحار بالتهليل
قد أذابت حياته لوعة البحـ *** ـث فناب الضلوع داء النحول

2- كان القاسمي يدرّس جميع الطبقات من العامة والخاصة وطلبة الشريعة وطلاب المدارس العصرية، ولكن كان له عناية خاصة بالأذكياء من طلبته.


3- كان القاسمي يعامل طلابه على أنهم أصحابه وأصدقاؤه، فيقول في إجازة كتبها لتلميذه: "طلب منى مصاحبنا وقريبنا الشيخ حامد التقي الإجازة".

4- كان يحث طلبته على النقاش والحوار معه، فمن ذلك قوله لهم: "عليكم أن تفكروا بتفكير خصوم السلفية وتأتوني بحججهم وشبههم لأرد عليها".

5- كان يعدّ طلابه ليكونوا دعاة وموجهين للمجتمع، فلما اشتكى إليه أحدهم أن الناس لا يتقبلون منه تدريسه ووعظه وأنه يريد العودة للدراسة على الشيخ، كتب إليه يقول: "إنني علمتك السنين الطويلة لترينا خدمتك للعلم وآثارك في مثل هذه البلاد المتعطشة لأمثالك فاثبت في وظيفتك".

6- كان القاسمي يهتم جداً بتحلي طلابه بالأدب والعقل والذكاء، ولكنه يعرف أن هذا يحتاج إلى تفاعل الطالب مع شيخه، ولذلك نبه القاسمي أحد طلابه بقوله: "بقي علم لا أستطيع تعليمك إياه وهو أن تكون ذكياً بحاثاً لبقاً، فكن من نفسك كذلك".

7- كان يحرص على أن يتيح لطلبته الالتقاء بالعلماء والمصلحين الذين يزورونه حتى يرفع من سويّتهم العلمية، وحتى يستفيدوا من أكثر من شيخ ولا يكونوا أسرى لأسلوبه وطريقته.

8 - ضرب القاسمي للناس المثل بنفسه بطلب العلم وتعليمه، فلما جاءه عبدالوهاب الإنكليزي وصادق النقشبندي وهما من خريجي المدارس العصرية لتعلم ما ينقصهم من علوم الدين، طلب منهم القاسمي أن يدرسوه ما ينقصه من علوم الدنيا، فدرس عليهم الجغرافيا والرياضيات، رغم أنهم من جيل طلابه وتلاميذه!!

9- وكانت النتيجة أن طلاب القاسمي أكملوا مسيرة شيخهم بنشر الإصلاح والعلم وإقامة الجمعيات الثقافية ونشر المؤلفات النافعة مما أحدث نهضة إصلاحية في الشام قضى عليها حافظ الأسد ببعثيته الدموية وعلويته الطائفية، هذه النهضة لا يزال يتحسر عليها المخلصون.

10- مما يبين أهمية وجود تلاميذ للمصلحين يحملون دعوتهم ويبرهنون على نجاح مسعاهم، قول القاسمي: "وقد ظهر لي أخيراً شيء آخر: وهو أن حق من يصنف في تراجم الرجال أن لا يُترجم إلا ذوي الأثر أو التأثير، فالأول يدخل فيه من صنف وألف في أي فن كان، بشرط الإجادة لما صنفه أو اخترعه، ما لم يسبق فيه، ويدخل في الثاني كل عالم غير مؤلف، ولكنه أنجب تلامذة، أو وقف نفسه على التعليم في فن أو فنون، وكان سالكاً سبيل السلف في النصح، والصدق، والإخلاص، والأخلاق"، وقد جمع الله عز وجل للقاسمي كل ذلك إن شاء الله.

طلاب القاسمي:

قال الأديب حسني كنعان: "تلاميذ العلامة الكبير المرحوم الشيخ جمال الدين القاسمي في دمشق كثيرون، وهم صفوة علماء البلاد الشامية وفضلائها"، ولذلك أرى أنه يمكن أن نقسم طلاب القاسمي إلى ثلاث مجموعات هي:

أولاً- طلابه الذين أصبحوا من علماء الشام:

1- العلامة محمد بهجة البيطار: وهو حفيد العلامة عبدالرزاق البيطار، رفيق درب القاسمي، كان من أبرز وأكبر طلاب القاسمي، درس عليه أربع سنوات، تولى الخطابة والتدريس في مسجد الدقاق بأمر من جده البيطار، وعمل مدرساً في عدد من المدارس الأهلية والنظامية، فدرس الدين والعربية والفرنسية، وكان عضوا بمجمع اللغة العربية بدمشق، وكانت باكورة أعماله في المجمع محاضرة عن "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية"، طلب منه الملك عبدالعزيز بن سعود سنة 1344هـ إدارة المعهد العلمي بمكة المكرمة، فأقام بها سنين ودرس بالحرم المكي والمدنى، وأصبح عضوا بمحكمة مكة المكرمة، وسنفصل في سيرته في حلقة خاصة.


قال عنه ظافر ابن العلامة جمال القاسمي: "كان تلميذاً لوالدي جمال الدين القاسمي، لا بل كان من أخص تلاميذه، إن لم يكن أخصهم على الإطلاق".

وقال ولده عاصم البيطار عن علاقة أبيه بشيخه القاسمي: "غرس في نفسه حب السلفية ونقاء العقيدة والبعد عن الزيف والقشور وحسن الانتفاع بالوقت".

قال في شيخه القاسمي: "ولو طال عمره لرأينا من آثاره النافعة أكثر مما رأينا، ومن نفاسة تآليفه فوق ما شاهدنا، فإن الإستاذ كان في تجدد مستمر، استمده من علوم العصر وحقائقه، وانكشف له به عن كثير من أسرار الشريعة وغوامضها". وقال أيضاً: "أستاذنا الإمام، عالم الشام، وعلم الأعلام"، وكان يذكر شيخه القاسمي دوما ويترحم عليه، ولذلك سارع إلى مساعدة تلميذه ظافر القاسمي في نشر تراث أبيه خاصة كتاب (قواعد التحديث)، وتفسير القاسمي (محاسن التأويل).

2- الشيخ حامد التقي: كان من أقارب القاسمي وأسن طلابه، درس عليه ولازمه 17 سنة، ولذلك كان من أعرف الناس بشيخه، واصل حمل رسالة شيخه الإصلاحية في التدريس والخطابة في المساجد والتعليم في المدارس، وكان كثير الثناء والمدح للقاسمي حتى سأله سائل: ألا يوجد عالم في دمشق سوى شيخك القاسمي؟ فأجابه: بلى يوجد في دمشق كثير من العلماء... ولكن هؤلاء العلماء على كثرتهم لم يقم منهم أحد بجهد علمي مثل الجهود التي قام بها أستاذنا المرحوم، فكان مدرساً وواعظاً، وخطيباً وموجهاً، ومصلحاً ومؤلفاً،... وكان إلى هذا يدرس بالمسجد للعامة وفي البيت للخاصة، والحلقة التي يعقدها في داره يؤمه فيها كبار الشخصيات السورية الذين لهم صيتهم وشهرتهم بالأقطار العربية والعالم الإسلامي، أمثال السادة المرحومين: الأمير شكيب أرسلان، والشيخ طاهر الجزائري للمشاركة في التوجيه، وعبدالرحمن الشهبندر، ومحمد كرد علي، والشيخ جميل الشطي. أ.هـ

ومن تلاميذ الشيخ حامد: الشيخ علي الصابوني والشيخ محمد مهدى إستانبولي.

3- الشيخ توفيق البرزة: كان من طلاب القاسمي المبرزين والذين كان القاسمي يستشيرهم في المسائل والقضايا، درس أيضاً على الشيخ كامل القصاب رفيق الشيخ عز الدين القسام، واشتهر بالدفاع والمناظرة عن الإسلام ضد شبهات المستشرقين والمنحرفين من أهل البدع.

قال عن القاسمي: "إن من يلازمه ويرى علمه وسيرته، قلّ أن يعجبه كثير من الشيوخ الذين يدعون التربية وهم غلاظ الأكباد، قساة القلوب".

4- الشيخ عبدالفتاح الإمام: لازم القاسمي زماناً وأصبح من حملة منهج وفكر القاسمي الإصلاحي، كان يشبه العلامة طاهر الجزائري في هيئته البسيطة والمتواضعة وترك الزواج، اهتم بالشأن العام وتأسيس الجمعيات وحث الناس كثيراً على ذلك ثم كان من المؤسسين لجمعية "التمدن الإسلامي" وكتب في مجلتها "التمدن الإسلامي" مقالات قوية، وشارك أيضاً في تأسيس جمعية "أنصار الفضيلة"، وجمعية "الشبان المسلمين" وأصبح رئيساً لها، تفرغ للكتابة والتأليف ونشر الكتب، وكان حريصاً على الدفاع عن الإسلام في وجه خصومه في تلك المرحلة التي وفدت فيها الأفكار الغربية للشام.

5- الشيخ محمد جميل الشطي: لازم القاسمي واستفاد منه كثيرا، وأصبح مفتي الحنابلة في زمانه. قال في رثاء شيخه القاسمي:

مهلاً عداة المصلحين عدمتكم *** إنى لكم والله غير مسالم
ها نحن بالمرصاد أنصار الهدى *** ندعو إلى الجولان كل مزاحم
إن كان مات القاسمي فإنكم *** سترون منا كل يوم قاسمي
نحمي طريقته ونرعى عهده *** في الحق لا نخشى ملامة لائم

ثانيا- تلاميذه الذين أصبحوا علماء في بلادهم:

1- الشيخ محمد بخيت المطيعي: مفتي الديار المصرية، التقي بالقاسمي ودرس عليه العلوم الفلسفية لما زار القاهرة.

2- العلامة أحمد شاكر: محدث الديار المصرية، لازم القاسمي في القاهرة، يقول أحمد شاكر: "أستاذنا القاسمي رحمه الله كنت ممن اتصل به من طلاب العلم، ولزم حضرته، واستفاد من توجيهه إلى الطريق السوي، والسبيل القويم".

3- الشيخ عبد العزيز السناني: من علماء نجد، رحل إلى القاسمي وأخذ عنه واستمرت بينهما المراسلة.

4- الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع: من علماء نجد، زار دمشق ولازم القاسمي فيها مدة ودرس عليه ورغّبه بالعلم.

ثالثاً – من الشخصيات العامة التي تأثرت بدعوته ومؤلفاته:

كان للقاسمي لقاءات وجلسات عامة مع كثير من النخب والشباب الذكي النابه الذين درسوا في المدارس العصرية التابعة للإرساليات التبشيرية أو الدولة والتي لم تكن تهتم بالعلوم الشرعية، أو في الجامعات، كما تأثر الكثير منهم بكتب القاسمي، وذلك أن القاسمي كان يدرك مدى أهمية كسب هؤلاء الشباب الذكي المتعلم لصف الإصلاح الإسلامي في مقاومة الخرافة والجهل في الداخل والغزو الفكري الأوروبي الوافد.


وكانت علاقة القاسمي بهم لا تقتصر على التعليم بل حتى التشجيع على الكتابة ومراجعة ما ينشرون، فيكتب القاسمي في يومياته: "زارنى بعد العشاء سليم أفندي الجزائري ومعه أسعد أفندي بنباشي وبقية رفقتهم، وتم ما صححته له من مقالة (ميزان التعقل)، وفيها عبارات أشرت عليه بحذفها، والاستعاضة عنها. فلا أدري أيمتثل أم لا! نسأله تعالى أن يجعل كُتابنا ونبهاءنا ممن يعضد الدين، ويدعم قواعد اليقين، ويوقف نفسه على محاسن الإسلام، بمنّه وكرمه".


من أبرز هؤلاء الشباب:

1- العلامة محب الدين الخطيب: صاحب المطبعة السلفية ومكتبتها والذي كان له دور بارز في تأسيس مسيرة الصحوة الإسلامية المعاصرة، كان محب الدين صديق شقيق القاسمي الأصغر صلاح الدين، وكان محب الدين مؤسس جمعية النهضة والتي كان صلاح الدين أمين السر فيها، وبسبب مشاركة شقيق القاسمي فيها وصغر سن المؤسسين لها حيث كانوا في العشرين من عمرهم فقد تم اتهام القاسمي واستجوابه من قبل وزارة العدل بدمشق بأنه المحرض والمدبر للجمعية من وراء الكواليس، وهو الأمر الذي نفاه القاسمي، ولكن بالتأكيد أن القاسمي كان راضياً عن الجمعية وأعمالها، وهو ما سيتأكد لاحقاً بدعم القاسمي لمسار أخيه السياسي- الذي تولى رعايته وتنشئته- حين أعلن عودة الدستور سنة 1326هـ وانضمامه لبعض الأحزاب.

وقد كان محب الدين يحضر بعض جلسات حلقة الشيخ طاهر الجزائري والتي يشارك بها القاسمي، وكان يتردد محب الدين على مدرسة عبدالله باشا التي يدرس بها القاسمي، وكان يلتقي به في بيته مع زملائه الشباب في الإجازات التي يقضونها في دمشق بعد سفرهم للدراسة في إسطنبول.

كتب محب الدين لزميله صلاح الدين معزيا له في وفاة القاسمي فقال: "ذاكرين الليالي الجميلة التي جمعتني وإياك بجامعة الصداقة والإخاء بين جدران جامع السنانية، وفي حلقة الدرس الذي كان فقيد دولة الإصلاح جمال الدين يخترق فيه بحكمته سجف أرواحنا، وحجب أفئدتنا، فيبني هناك ما هدمه جهل معلمينا الآخرين من سعادة الإيمان وطمأنينة اليقين، جزاه الله عن الإسلام بأحسن ما يجزي الله به أولياءه".

ويقول عن فضل القاسمي عليه: " لولا أن الله سبحانه تداركنا فقيض لنا آباء روحيين أنقذونا من هذا الجو الخانق، وأقربهم إلى أخي صلاح الدين شقيقه الأكبر علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي وإخوان له في حلقة نورانية كانت تسمى "حلقة الشيخ طاهر الجزائري"".

ويصف الخطيب دور القاسمي فيقول: "والسيد جمال الدين القاسمي رحمه الله مصباح من مصابيح الإصلاح الإسلامي التي ارتفعت فوق دياجير حياتنا الحاضرة في الثلث الأول من القرن الهجري الرابع عشر فنفع الله بعلمه وعمله ما شاء أن ينفعهم، ثم انتقل إلى رحمة الله تاركاً من آثاره العلمية المطبوعة ما لا تكاد تخلو منه مكتبة قائل بالإصلاح في العالم الإسلامي".

2- الأستاذ خير الدين الزركلي: المؤرخ المشهور صاحب كتاب (الأعلام)، تعرف على القاسمي من كتبه وخاصة كتابه "دلائل التوحيد"، ثم التقى به واستفاد منه كثيراً، ترجم له في كتابه الإعلام فقال: "إمام الشام في عصره، علماً بالدين، وتضلعاً من فنون الأدب، كان سلفي العقيدة، اتهمه حسدته بتأسيس مذهب جديد في الدين سموه: "المذهب الجمالي"، فقبضت عليه الحكومة سنة (1313هـ) وسألته، فرد التهمة، فأخلي سبيله، واعتذر إليه والي دمشق".

وأكتفي بهؤلاء من قائمة طويلة تضم د.عبدالرحمن شهبندر الذي أصبح وزير خارجية سوريا سنة 1920، وشكري العسلي الذي أصبح النائب في مجلس المبعوثان وكان من القادة الذين أعدمهم جمال باشا السفاح في دمشق سنة 1916م، وفارس الخوري المسيحي الذي شارك في تأسيس المجمع العلمي بدمشق وأصبح وزيراً وممثل سوريا في مجلس الأمن وترأسه فترة وتولى رئاسة حكومة سوريا وكان وطنياً فريداً، ومحمد كرد علي العلامة اللغوي المعروف، وغيرهم من المصلحين والأعلام الذين استفادوا من القاسمي ومنهجه وعلمه.

3- فتح باب الاجتهاد والعمل على مواكبة قضايا العصر وتقديم حلول لمشاكله

هذا هو المحور الثالث من محاور الإصلاح الذي قام به القاسمي، فالاجتهاد وكسر الجمود والتقليد ومعالجة المشاكل العصرية كانت هي المهيمنة على مسار القاسمي، فلم يكن يقبل بالانزواء عن حياة الناس وقضاياهم، بل كان يدرك تماماً وظيفة العالم في إرشاد الخلق وهدايتهم ودوره الطليعي في قيادة الجماهير لا الركض خلفها.

وأجمل بعض معالم هذا الدور الإصلاحي في النقاط التالية:

1- مواكبة العلوم والمعارف العصرية، ولذلك كان يحرص على مطالعة المجلات والصحف، ومتابعة أخبار المخترعات العصرية، وكان القاسمي يقول: "أسباب الرقي انتشار هذه الثلاثة: المطابع والجرائد والمدارس إذا وجهت توجيهاً صحيحاً".


ومن ذلك قصته في إدراك فائدة الهاتف حين قام بزيارة لمنزل الشيخ محمد عبده مفتي مصر في مصر (سنة 1321هـ /1904م) دون موعد سابق فلم يجده وكان بعيدا،ً فتأسف على ضياع الوقت – وهو الحريص على وقته – بينما صديق له اتصل بمنزل المفتي وعلم أنه غير موجود فلم يذهب، فعلق القاسمي على ذلك في كتابه عن رحلته لمصر: "فتوفر له الأجرة التي صرفت، والوقت الذي أضعناه، وهذه ثمرة العلوم المكتشفة، والتي عادت على الناس بفوائد لا تحصى".

ويعلق القاسمي على اكتشاف التلغراف فيقول: "ما ظهر من التلغراف هو قطرة من بحر ما سيظهر في العصور التالية من المكتشفات والمخترعات (ويخلق ما لا تعلمون) مما فيه مرتفق للناس، ومنتفع لهم، وخدمة لعامة طبقاتهم"، فيكشف القاسمي بذلك عن بصيرة نورانية ترتبط بالقرآن الكريم وتحلق في سماء العلم والتقدم.

2- كان القاسمي متابعاً للأفكار الجديدة في السياسة والاقتصاد كما كان دارساً للأفكار القديمة لأهل البدع، يقول القاسمي عن نبز الجامدين للمصلحين: "وإن رأوا حثه على البذل والإنفاق في سبيل الله، ودعواه الموسرين للعطف على البؤساء، لقبوه اشتراكياً"، مما يدل على معرفته لمفهوم الاشتراكية في ذلك الزمان المتقدم!!

وعلى نفس المنوال نجد القاسمي في كتابه "جوامع الآداب" يفصل في آداب النائب البرلماني لمجلس المبعوثان العثماني فيقول: "النائب مشرع للقوانين أول ما تجب عليه معرفته أن يحسن علم الحقوق ويعرف حركة المجالس النيابية عند الأمم الراقية ويحسن تاريخ أمته واجتماعها ويعرف ما يدليها ويرفعها ويدرك علائق حكومتنا بحكومات أوروبا وما تم بينا وبينها من المعاهدات وما نالوه منا من الامتيازات ويكون قادراً على الاستخراج من كتب السياسة والإدارة والقضاء بإحدى اللغات الأجنبية". مما يدل على عميق إدراك القاسمي للعملية الديمقراطية وآلياتها مبكراً.

3- كان القاسمي على منهج الأنبياء في إصلاح دين الناس ودنياهم، فلم يكتفِ بتعليم الدين ووعظ المسلمين، بل كان يحرص على إصلاح حال المسلمين بإرشادهم لاستخدام الوسائل العصرية في شؤون دينهم ودنياهم، فها هو القاسمي يؤلف كتاب "إرشاد الخلق للعمل بخبر البرق" وكتاب "فتاوى الأشراف بالعمل بالتلغراف"، لتسخير الوسائل الحديثة للاتصالات في خدمة الإسلام والمسلمين.

وبالمقابل نجد القاسمي يحث الناس على استخدام السماد الكيماوي بأنواعه والآلات الزراعية وضرورة مكافحة الآفات والحشرات المضرة بالزراعة، مما يساعد على نمو الزراعة والعمران في الشام، ومن أجل هذا حث والده على تأليف كتاب قاموس الصناعات الشامية والذي يعد لليوم فريداً في بابه.

ولما زار المدينة المنورة كتب في وصف رحلته يقول: "والمدينة في حاجة كبرى إلى مصلح، وأمير غيور، يسعى في تنوير طرقها، واتساع عمرانها، وتمهيد سبل رقيها المادي والأدبي".

4- كان القاسمي مؤيداً لسنّ دستور للدولة العثمانية يتم من خلاله تحديد المسؤوليات والحقوق للناس والحكومة والسلطان، ولذلك حين أعلن الدستور سنة 1326هـ /1908م أيده القاسمي ونقد الذين عارضوا الدستور العثماني من بعض العلماء المأجورين أتباع أبي الهدي الصيادي والذين روجو أن الدستور يحتوي على مخالفات شرعية فتصدى لهم القاسمي وبين أن الدستور والقانون يشبهان الفروع المدونة في كتب الفقه التي مأخوذها الاجتهاد من المصادر الأربعة: الكتاب والسنة والقياس والإجماع، وأنه قام به علماء بالشرع لهم.

وقد حضر القاسمي حفلاً بمناسبة إعلان الدستور لحزب الأحرار ألقي فيه صلاح القاسمي كلمة بعنوان "منزلة القانون من الدين" ووجد ظافر القاسمي مسودة الخطاب بخط أبيه جمال القاسمي!!

وقد فرح القاسمي بزوال حالة الخوف والكبت وشيوع الحرية للبحث والعلم والدعوة التي تدعم انتشار الإصلاح، وهو حال يشابه حالنا اليوم بازدياد مساحة حرية التعبير والدعوة ونسأل الله تعالى أن يجنبنا حالة الكبت من جديد بسبب المكائد والمؤامرات التي يحيكها بعض الفاسدين في الداخل بحثّ من الأعداء في الخارج والغفلة عن ذلك من قبل المسلمين، كما حدث للشام بعد حكم الاتحاديين حتى ترحم الناس على السلطان عبد الحميد وعرفوا فضله!!

5- حث القاسمي المصلحين على تولي المناصب والمسؤوليات العامة من أجل دعم حركة الإصلاح وعدم ترك المجال للمفسدين، فنراه يكاتب أحد أصدقائه مصبراً إياه على البقاء في منصبه فيقول: "ولا أحب أن تظهروا الاستقالة، أو التأفف.... وهكذا مشربي ونصيحتي لإخواني الذين يستشيروني في الاستقالة من المناصب في الحكومة، مع علمي أن بقاءهم رحمة، وأنه لا يأتي خلف لهم يحاكيهم، ولربما كانت استقالة المصلح أو الخيّر أو التقي بلاء، وثلمة لا تسد.

فوجود الكامل في وظيفة أو منصب يعلم الناس كيف يكون الكمال، كيف يكون الورع، كيف تكون الرحمة بالناس، كيف تكون المعاملة بالحسنى، وهكذا... فالحمد لله الذي أرانا أناساً يقتدى بفعالهم مثلكم"، وهذا الخطاب كأنه موجه اليوم لإخواننا من الإسلاميين الذي وصلوا لسدة الحكم في عدد من البلاد، فعليهم أن يتقوا الله ربهم ويحسنوا إلى عباده فينالوا أجر الإتقان وأداء الأمانة، وأجر الدعوة للخير وتقديم الأسوة الحسنة.

وحدث أن دخل القاسمي على شيخه بكري العطار فرآه مضطرباً، بسبب موظف بالمحكمة الشرعية يعطل معاملة له عنده من شهر من أجل الحصول على رشوة، فإذا كنت أنا شيخ علماء دمشق لا أستطيع تمرير معاملة إلا برشوة، فكيف يصنع عامة الناس.

فعاتبه القاسمي وقال له: "قد عاملك بما تستحق، لأن ديدنك في دروسك العامة والخاصة أنك تنفر الناس من قبول وظائف المحاكم الشرعية وتقول: إن المحاكم "مصاطب" جهنم، فإذا لم يتقدم لطلب أمثال هذه المناصب الأتقياء تقدم الجاهل الفاسد أمثال هذا الرجل الذي تشكو منه.

فقال له شيخه: أصبت، فإننا نحن مقصرون في عدم قبول هذه الوظائف للقيام بحق العباد.

6- تبنى الشيخ القاسمي جواز دفع الزكاة للمصالح العامة للمسلمين وأن ذلك يدخل في مصرف (في سبيل الله)، وقد رد على الشيخ رشيد رضا منعه من ذلك وكتب إليه يقول: " فإذن "سبيل الله" كل أمر فيه تقرب إلى الله، فإذا دفع الإنسان من ماله إعانة لمدرس، أو طريق، أو مشروع خيري، أو طبع كتاباً، أو اشترى شيئاً منها لمحتاج، أو نحوه فكله في سبيل الله يجوز حسبانه من الزكاة المفروضة.... وهذه الفتوى تسهل على كثير من الأغنياء الدفع من أموالهم لبعض المهمات التي يحتاج إليها، ويحسبونه أنه لا يحسب من زكاتهم، فيتوقفون أو يدفعون على كره".

7- في مطلع القرن العشرين أعلنت اليابان أنها ستعيد النظر في وضعها الديني وتبحث عن دين يلبي حاجة اليابانيين الذين اهتزت قناعاتهم بالبوذية والوثنية بسبب تطور الحالة العلمية والعقلية للشعب الياباني المتجه باطراد نحو الصناعة والتقدم والرقي.

وقد شغل ذلك فكر القاسمي وعدد من العلماء، فكتب القاسمي في يومياته يقول: "زرت في الضحوة الشيخ عبدالله الخاني، وكانت المذاكرة أهمها في إسلام اليابان وأن الأولى انتخاب رجال أكفاء حكماء من كل بلدة مهمة من بلاد الدولة، يتعاضدون ويتذاكرون، ويكتبون جداول في مزايا الإسلام، ورفع الشبه الحديثة والقديمة التي يختلقها أعداؤه، وأن يستفيدوا بمبادلة آرائهم ما يعود عليهم بالفائدة، وإلا فوجود جماعة قليلين رسمياً قد لا يجدي. والله العليم"، مما ينبئ عن شعور عالٍ بالمسؤولية عن نشر الإسلام في ربوع الدنيا.

وكتب القاسمي في رسالة لأحد رفاقه يقول: "لما جمعت الهمة للرد على الدهريين في كتابهم المرسل من اليابان، أعياني أن أجد ضالتي في الكتب المتداولة، إذ رأيتها كأنها جمعت لزمن غير هذا الزمان، أو لبلاد غير هذه البلاد، فطفقت أنقب وأبحث عما يرد الشبه تلك الضالة"، فخرج لنا بكتابه الرائع (دلائل التوحيد).

8- ومما تميز به القاسمي مخالطة الناس ومعرفة حاجاتهم والتيسير عليهم بترك الجمود والتعصب الفقهي دون دليل بالفتوى الميسرة المقرونة بالدليل الشرعي، ففي كتابه (المسح على الجوربين) يشير القاسمي لأثر التشدد بدون حق في منع المسح على الخفين على الصغار من تلاميذ المدارس فيقول: "رثى بعض أساتذة المدارس ما يعانيه الأطفال والبنات في الوضوء أيام الشتاء من مشقة غسل الرجلين، وما ينالها من الألم والبرودة... قيل لو أنهم يعلمون رخصة لتيسر لهم الأمر، وترفع عنهم الإصر، لما وجدوا عذراً في ترك الصلاة التي هي من أعظم دعائم الإيمان وأشهر شعائر الإسلام". وقد لا يفهم البعض أهمية هذا التيسير لأنه لم يعش زمن التعصب المقيت الذي كان يبطل صلاة من مسح على الخفين والجوارب مما جعل الكثير يتفلت من الصلاة هرباً من مشقة الوضوء في البرد!!

9- بمخالطة الناس أدرك القاسمي عجز القضاء الشرعي الجامد على التقليد الرافض للاجتهاد عن حل مشاكل الناس بسبب تمسكه بأقوال الرجال بدلاً من نصوص الوحي، فدعا إلى إصلاح القضاء وألف في ذلك كتابه (أوامر في إصلاح القضاء الشرعي في تنفيذ بعض العقود على مذهب الشافعية وغيرهم"، ولذلك دعا إلى اجتهاد القاضي والاعتماد على الدليل الصحيح وعدم الالتزام بالمذهب فقط، ودعا إلى اعتماد كافة المذاهب في القضاء وعدم قصرها على المذهب الحنفي وهو ما استجابت له حكومة الباب العالي بالدولة العثمانية.

ونكتفي بهذه الملامح من الدور الإصلاحي الاجتهادي الذي قام به جمال الدين القاسمي رحمه الله.


وقفة مع المآخذات على القاسمي:

أخذ على القاسمي في زمنه واليوم أناس من قصيري النظر بعض الاجتهادات والأقوال التي تخالف منهج السلف كدفاعه عن الجهم بن صفوان في كتابه (تاريخ الجهمية)، وكذلك ثنائه على ابن عربي، وميله للتقريب مع الشيعة والتهوين من شأنهم، ومسائل أخرى.

وبداية أقول لا شك أن القاسمي أخطأ في هذه المسائل، ولكن هل هذا يجعله دخيلا على السلفية، والسلفية منه براء!!

لماذا نفترض العصمة والكمال للبشر؟ القاسمي كغيره من العلماء يصيب ويخطئ، ومن المقرر أن الخطأ في المسائل العلمية والعملية مما يغفر للعلماء والمجتهدين، فلماذا التشنيع والنكال؟!

وحال القاسمي تقدم له الكثير من العذر والمسامحة على هذه الزلات، فهو قد نشأ على خلاف منهج السلف ثم تعرف عليه في وقت غربة وشدة، وثانيا مات شاباً لم يمتد به الحياة ليدرك خطأه في تلك المسائل، وكان في وقت لا زالت فيه كثير من المخطوطات التي تبين الصواب والحق غير متوفرة، وأخيراً فإن هذه المسائل لم تكن عمدة منهجه ولا هي مما قام طلابه بنشرها بل طويت ولم تجد من يحملها وينشرها.

وأظن أن نفسية القاسمي التي عانت من الاضطهاد السياسي في الحقبة الحميدية جعلته يتعاطف مع جهم والجعد بوصفه مثقفا مضطهدا كحال القاسمي ضد الوالي خالد القسري الظالم!! وأما تساهله مع الشيعة فكان بسبب طمعه في محاولة جمع كلمة الأمة الإسلامية المشتتة ضد خصومها الذين يقضمون أطرافها كل يوم، ولنتذكر أنه كان يناقش في كتابة "نقد النصائح الكافية" بعض شيعة حضرموت المقيمين في أندونيسيا، وكان هذا مسلك رشيد رضا، ولكن ظهر فيما بعد لرشيد رضا أنه لا أمل من الشيعة وتقريبهم فنبذهم، فيما لم يمتد العمر بالقاسمي!

وفاته:
توفي رحمه الله تعالي في 23 جمادى الأولى 1332هـ الموافق 18/4/1914م، وكان عمره 49 عاماً، وذلك بعد مرض استمر معه عدة أشهر، ودفن في مقبرة الباب الصغير، وكانت جنازته حافلة جداً، ونعاه أهل العلم في دمشق وبيروت ومصر والعراق. وأكتفي بتعزية العلامة السيد محمود شكري الألوسي للسيد رشيد رضا بوفاة القاسمي، والذي كتب إليه يقول: (أما بعد؛ فقد نعت إلينا صحف البلاد الشامية وفاة العلامة السيد جمال الدين القاسمي قدّس الله روحه الزكية، فأمضّ ذلك الخبر قلبي وأفض لبّي، وجرح فؤادي وطرد رقادي.... وحيث كان المشار إليه من أعزة أحبابكم، وخُلّص أصفيائكم، مع ما كان عليه من الفضل الوافر، والأدب الباهر، والورع الظاهر، والنسب الطاهر، والذب عن الشرع المبين، وقوة الإيمان واليقين، ومناضلة الحائدين والملحدين، وأنه حسبما اعترف له الموافق والمخالف: أحيا به الله الشريعة والهدى وأقام فيه شعائر الإسلام... هذا مع أسفي عليه كل الأسف، وتصاعد أنفاسي بمزيد اللهف، وقد جرت عليه من العيون عيون، فإنّا لله وإنا إليه راجعون).



ابو معاذ المسلم 04-02-2021 12:25 PM

رد: :: سلسلة رموز الإصلاح
 
الشيخ المجاهد عز الدين القسام
أسامه شحادة




https://majles.alukah.net/imgcache/2021/02/4.jpg


تمهيد:

إن كان الشيخ المجاهد البطل عز الدين القسام لا يُعرف الكثير عن تفاصيل حياته وسيرته فذلك لأنه لم يدونها أو يترك خلفه شيئا يشير إليها، لكنه ترك خلفه أثراً ومنهجاً حياً في الأمة لا تزال تقتدى به الأجيال.

والعجيب أن سيرة القسام تناولها طرفان قصرا في حقها، فغالب من درس حركة القسام هم اليساريون من أمثال الكاتب الفلسطيني اليساري عبد القادر ياسين الذي قدم الشيخ القسام في كتاباته في قالب اشتراكي ومناضل ثوري ينطلق من جذر طبقي ومتمرد على البرجوازية العفنة ويسعى لبناء دولة اشتراكية! في تغييب كامل للإسلام والدين عن منهج القسام وحركته.


وقابلَهم طرف آخر متأخر فدافع عن إسلامية القسام وسلفيته لكنه كان ضيق الأفق، فحصر القسام وجهاده في قالب ضيق بسبب رؤيته الخاصة للسياسة والدين، فمثلاً الأستاذ محمد محمد حسن شراب رجح أن الشيخ كامل القصاب شبه عميل للإنجليز وأن القسام تعامل معه مضطراً!! وأن مشاركته مع القسام في كتاب النقد والبيان مشاركة رمزية!! وأن العلاقة بين القسام والحاج أمين الحسيني كانت متوترة بسبب تذبذب الحسيني في وطنيته!! وهذا غير صحيح، وسبب هذه الآراء العجيبة هو تحليله للأحداث السياسية بطريقة متعسفة تميل لرؤية حزب التحرير، وإلا فإن المعاصرين للقصاب والحاج أمين مثل الشيخ علي الطنطاوي والشيخ زهير الشاويش لهم رؤية مناقضة تماماً حول وطنية القصاب والحاج أمين وهي الرؤية المنطقية والتي تدل عليها نتائج حياة القصاب والحسيني.

والداعي لهذا التنبيه هو شح المصادر الأصلية عن سيرة القسام، وندرة المصادر الصافية فيها!!

نشأته:

هو عز الدين عبد القادر مصطفى يوسف محمد القسام، وقد اختلف في سنة ولادته ولكن الأرجح أنه ولد في عام 1300هـ الموافق 1883م، في مدينة جبلة في محافظة اللاذقية في سوريا.

والده هو عبد القادر بن محمود القسام، أحد شيوخ الطريقة القادرية وكذلك جده، وكان جده قد قدم من العراق إلى جبلة، ولذلك كان بعض مريدي القادرية بالعراق يزورون قبر جده ووالده في جبلة.

ولذلك نشا القسام في بيت متدين وذي صبغة صوفية، ولذلك ذهب للكُتاب فقرأ القرآن وتعلم القراءة والكتابة والحساب على يد والده، ثم درس في جبلة على يد الشيخ سليم طيارة والشيخ أحمد الأورادي، ولما رأى أبوه حرصه على العلم أرسله للأزهر ليزداد علماً، وهو في سن الرابعة عشرة، وكان ذلك سنة 1896م. هذا هو كل ما لدينا عن القسام في صغره !!

في الأزهر:

اختلف المؤرخون للقسام حول المدة التي قضاها في مصر، ولكنها فترة لا تقل عن سبع سنوات ولا تزيد عن عشر سنوات، ولم يذكر أحد تفاصيل حياته في مصر أو العلماء الذين التقى بهم أو أخذ عنهم، لكنه ذهب للأزهر زمن تولي الشيخ محمد عبده لمشيخته، وقيامه ببعض الإصلاحات فيه، وكانت مصر آنذاك تعيش صراعاً بين التيار الإسلامي الذي يمثله جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، والعلمانيين أتباع المحتلين من أمثال فرح أنطون ولطفي السيد.

كما أن الصراع السياسي مع الاحتلال البريطاني كان على أشدّه بعد فشل ثورة أحمد عرابي سنة 1882م، وتزعّم مصطفى كامل تيار المقاومة للاحتلال.

والقصة اليتيمة التي رُويت عن حياة القسام في أثناء دراسته بالأزهر، هي حين انقطع المصروف عنه وعن رفيقه عز الدين التنوخي من أهلهما، فاقترح القسام أن يصنعا هريسة ويبيعاها للطلاب، فخجل التنوخي وقال: أنا أخجل أن أنادي على بضاعتنا، فقال له القسام: أنا أصيح على بضاعتنا، وهكذا تمكنا من إكمال دراستهما.

وفي مرة جاء والد التنوخي لزيارته بالقاهرة فوجده واقفاً بجوار القسام وهو ينادي على هريستهما، فسألهما: ما هذا؟

فخجل التنوخي وقال لوالده متنصلاً: عز الدين علمني، وهو صاحب الفكرة، ولكن التنوخي صدم حين أجابه والده: لقد علمك الحياة.

وهي قصة تكشف عن شخصية عصامية مبكرة للقسام، قادرة على مواجهة الظروف والتحديات وابتكار الحلول والعلاج للأزمات، وهو ما سيكون سبب تميز القسام في تكوين أول تنظيم عسكري جهادي في فلسطين.

عودته من الأزهر:

هناك تنازع في السنة التي عاد فيها القسام لبلده جبلة بناء على الخلاف في عدد السنوات التي قضاها بالأزهر، فالبعض يرى أنه عاد في سنة 1903م والبعض يقول عاد في سنة 1906م، وقد ظهر أثر الأزهر على الشاب العائد، ومن هذه الآثار يمكن أن نستشف المحاضن التي عايشها القسام في مصر.

فبداية رفض القسام أن يقوم بزيارة قصر الأفندي المتحكم في المنطقة على طريقة الإقطاع، ويعلن أن المسافر والضيف هو المستحق للزيارة وليس المقيم، ويهوّن على أبيه بالقول من أن الأفندي لن يستطيع أذيتك بسبب قوتي بعلمي وإيماني، وهذا يشير إلى وجود وعي جديد في ذهن الشاب المتعلم تجاه أصحاب النفوذ والجاه.

ومن ثم يسافر القسام لتركيا فيزور مساجدها ليطلع على طرق التدريس وخطب الجمعة فيها قبل أن يعود ويتفرغ للتعليم والتدريس في المساجد والمدارس وتجمعات العمال وكل مكان، ويمكن أن نقسم جهود القسام للجوانب التالية:

1- التعليم والخطابة والإمامة:

فبدأ يعلم في زاوية والده ولم يقتصر في تدريسه على الأطفال بل علّم حتى الكبار والعمال والفتيات شملهم بتعليمه وإرشاده، ولم يقتصر على القرآن الكريم بل علمهم القراءة والكتابة والعلوم الأولية.

وعمل مدرساً في جامع السلطان، وبدأ يخطب في مسجد المنصورى بطريقة مختلفة عن الخطب التقليدية، فأصبحت القرية لا تتخلف عن صلاة الجمعة وبدأت آثار دعوته تنتشر ويلمسها الجميع، وبدأ وعي جديد ينتشر بين الناس يحرص على العلم والفضيلة وأداء الفروض الشرعية.

واستمر القسام في التدريس طيلة حياته، فدرّس في مدينتي بانياس واللاذقية قبل أن يفتتح مدرسة في بلده جبلة سنة 1912م.

ولما هاجر لفلسطين سنة 1920م عمل في التدريس أيضاً، فقد درّس في مدرسة الإناث الإسلامية وفي مدرسة البرج الإسلامية للطلاب، وهما مدرستان تتبعان الجمعية الإسلامية في حيفا، وكان يرعى طلابه علميا ويوجههم لبناء مستقبلهم بإرشادهم لما يوافق قدراتهم من مهن وأعمال.

وتولى القسام الإمامة والخطابة والتدريس بمسجد الاستقلال، والذي أصبح منارة لبث العلم والوعي في حيفا وما حولها، وكانت خطبه ودروسه تتناول كافة شؤون الدين والدنيا، وبث فيها ضرورة العلم والعمل والجهاد حتى يحافظ المسلم على إيمانه وحياته من مطامع المحتلين البريطانيين واليهود، ففي إحدى خطبه كان يخبئ سلاحاً تحت ثيابه فرفعه وقال: "مَن كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فليقتني مثل هذا"، فأُخذ مباشرة إلى السجن وتظاهر الناس لإخراجه وأضربوا إضراباً عاماً.

وينقل يوسف الشايب الذي استمع لآخر خطبة جمعة للقسام عنه قوله: "أيها الناس لقد علمتكم أمور دينكم حتى صار كل واحد منكم عالما بها، وعلمتكم أمور وطنكم حتى وجب عليكم الجهاد، ألا هل بلّغت اللهم فاشهد، فإلى الجهاد أيها المسلمون".

وأسس في حيفا مدرسة لتعليم العمال الأميين القراءة والكتابة والدين وصنع منهم قادة للجهاد في فلسطين حملوا الراية بعده سنين طويلة.

ولزيادة مساحة تعليمه وتدريسه عمل القسام في وظيفة مأذون ليتجول بين الناس الذين قد لا يحضرون للمسجد لكنهم يحتاجون لشيخ عند الزواج، فكان يستغل الأعراس لبث الدعوة والتعليم والتواصل مع الناس.

وأيضاً حين تأسست في فلسطين فروع لجمعية الشباب المسلمين سنة 1928م التي كانت قد تأسست أصلاً في مصر سنة 1927م على يد نخبة من الشخصيات السلفية منهم العلامة محب الدين الخطيب والعلامة محمود تيمور باشا، كان القسام رئيساً لفرع حيفا، وفي سنة 1932م انتخب القسام رئيساً مؤقتا للمؤتمر العام لفروع الجمعية بفلسطين بوصفه أكبر الأعضاء سناً، وقد استفاد القسام من أنشطة الجمعية وانتشارها لنشر العلم والدعوة للجهاد في ربوع فلسطين وتهيئة الشباب بدنياً للجهاد من خلال فرق الكشافة التابعة للجمعية.

وهذه السيرة الطويلة من التعليم وبث الوعي والاهتمام بكافة شرائح المجتمع والانضمام للجمعيات تؤكد أن القسام كان على صلة وثيقة بالشيخ محمد رشيد رضا، سواء صلة مباشرة أو متابعة مجلته المنار والتي أصلت وأسست للأفكار والمنهج الذي التزمه القسام طيلة حياته.

2- سلفية القسام:

تميز القسام بعد عودته من مصر بالتزام الكتاب والسنة ومنهج الصحابة، مما يدلل على تأثره بالبيئة الإصلاحية السلفية في مصر، وذلك بعد أن كان صوفياً على الطريقة القادرية كوالده وجده، ومن أول مظاهر ذلك أنه منع زيارة قبر جده ووالده من قبل أفراد الطريقة القادرية بالعراق، وذلك لأن السفر لزيارة القبور من الأمور التي نهى عنها الشرع.

وحارب كثيرا من البدع والخرافات التي تنتشر بين الناس في ذلك الزمان مثل:

- حج النساء إلى مزار الخضر على سفوح جبل الكرمل وتقديم القرابين له.

- ما يصنعه بعض الجهلة من بدع على المآذن في الأذان وفي المساجد عقب الصلوات وغيرها.

- أنكر قراءة المولد النبوي بالغناء والتمطيط، والمبالغة بتوقيعه على ألحان الموسيقى، ورفض ما أدخل في سيرة مولده صلى الله عليه وسلم من الأمور التي لم تثبت، ودعا إلى العناية بأحوال وشمائل النبي صلى الله عليه وسلم، والتزام سنته العملية وسيرته كقدوة للمسلمين.

- أنكر على فرقتي البهائية والقاديانية اللتين تتواجدان في حيفا وعكا، وأنكر على من شارك في جنازة عباس البهائي.

- رفع الأصوات بالتهليل والتكبير أثناء تشييع الجنائز. وهي القضية التي كبرت حتى أصدر هو والشيخ كامل القصاب كتابه الوحيد "النقد والبيان في دفع أوهام خزيران، والدفاع عن سنة خير الأنام فيما يتعلق بالسنة، والبدعة، والمولد، وآداب قراءة القرآن، والصياح والنياح في الجنائز، والمآتم والمقابر".

وهذه بعض العبارات الواردة في الكتاب مما يدلّ على سلفيتهما:

* قالا عن كتاب الاعتصام للشاطبي: "وكنا نود أن نرشد الأستاذ الجزار وتلميذه إلى الاستفادة من هذا الكتاب الذي لا ندّ له في بابه، ولكنا خشينا أن يرميا مؤلفه بالنزعة (الوهابية) - التي هي حجة العاجز لترويج الباطل، وإضاعة الدين- التي رميانا بها، وإن تقدم زمن ذلك الإمام الشاطبي العظيم على زمن محمد بن عبدالوهاب ما يقرب من (500 سنة)!! لأنه لا يبعد أن يعللا ذلك بأنه من باب أخذ المتقدم عن المتأخر!".

* وقالا: "يعلم أن ذلك الدعي في العلم يعد العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم زيغاً، والعياذ بالله تعالى".

* وقالا عن اتباعهما للسنة النبوية: "وأكبر دليل على تمسكنا بسنة نبيِنا، وسنة الشيخين من بعده، نهينا الناس عن مخالفة سنة الخلفاء الراشدين في تشييع الجنازة برفع الصوت".

ومن الدلائل على سلفية القسام تعاونه مع الشيخ كامل القصاب في الثورة السورية والثورة الفلسطينية، والشيخ كامل القصاب من رؤوس السلفيين في الشام وأحد الشخصيات التي اعتمد عليها الملك عبدالعزيز بن سعود في تأسيس إدارة المعارف بمكة.

ومن الدلائل أيضاً ثناء وتأييد كبار السلفيين في عصره عليه وعلى الشيخ القصاب بسبب كتابهما "النقد والبيان"، وهذا يؤشر لوجود علاقات ومعرفة بينه وبينهم سواء كانت علاقة مباشرة أو من خلال علاقته بالقصاب، فمن هؤلاء في الشام: الشيخ محمد بهجة البيطار، الشيخ عبد القادر بدران، محمد جميل الشطي.

ومنهم العلامة محمد بهجت الأثري بالعراق، والعلامة محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية.

ومن الإشارات المهمة على ترسيخ القسام للسلفية في نفوس طلابه وتلاميذه ما نقله الأستاذ زهير الشاويش عن ملازمة أحد أبرز تلاميذ القسام والقادة القساميين وهو أبو إبراهيم الصغير عند إقامته بدمشق لدروس العلامة الألباني.

ومن الإشارات اللطيفة في هذا الباب أن العلامة الألباني كان يحضر دروس العلامة محمد بهجت البيطار لكتاب الحماسة لأبي تمام مع عدد من أساتذة المجمع العلمي منهم الأستاذ عز الدين التنوخي شريك القسام في بيع الهريسة بالقاهرة!!

3- مشاركات القسام الجهادية في ليبيا وسوريا

كثير من الناس يظن أن جهاد القسام اقتصر على فلسطين ضد الإنجليز واليهود وهذا غير صحيح، فأول مشاركة جهادية للقسام كانت عام 1911م حين حرّض الناس على التطوع للجهاد في طرابلس الغرب بليبيا ضد الإيطاليين، فقاد مظاهرة في بلدته جبلة وهي تهتف: يا رحيم ويا رحمن ... انصر مولانا السلطان ... واكسر أعداءنا الطليان.

ومن ثم انتقى 250 متطوعا للجهاد وجمع لهم التبرعات ونسق مع السلطات العثمانية التي رحبت بتطوعهم، وطلبت منهم المجيء للأسكندرونة لتسفيرهم إلى طرابلس بليبيا، لكنهم مكثوا في الأسكندرونة 40 يوماً دون جدوى وبعدها طلب منهم العودة، وقيل إن التبرعات أرسلها القسام مع ثقات لأهل طرابلس، وقيل إن القسام سافر سراً لطرابلس والتقى بشيخ المجاهدين عمر المختار وسلمه إياها، وقيل بنى بها مدرسة في جبلة.

وحين احتلت فرنسا سوريا على إثر اتفاقيات سايس بيكو، كان القسام أول الرافضين لها والمجاهدين ضدها في شمال سوريا، وهو من أشعل الثورة في جبال صهيون ضد الفرنسيين، وتعاون في ذلك مع عمر البيطار، ولذلك باع بيته واشترى بثمنه سلاحاً يجاهد به، وهذا كله بعد أن عبأ الناس في المسجد والمدرسة واللقاءات للجهاد ضد الاحتلال الفرنسي، ومن استجاب له قام القسام بتدريبه على استعمال السلاح بسبب خبرته العسكرية التي اكتسبها من فترة انضمامه للجيش العثماني زمن الحرب العالمية الأولى.

وبسبب دوره المركزي في الجهاد أرسل له الفرنسيون أحد أقاربه ليساومه على ترك الجهاد مقابل تعيينه قاضياً شرعياً، ولما رفض ذلك أوعزوا للديوان العرفي في دويلة العلويين التي أسسوها أن يصدروا عليه حكما بالإعدام، وهذه فضيحة من فضائح العلويين عبر التاريخ بوقوفهم إلى جانب المحتلّين ضد أبناء بلدهم وليس دينهم!!

وبسبب عجز الثورة عن مقاومة فرنسا في الشمال والحكم بالإعدام على القسام قرر ومعه عدد من رفاقه مغادرة سوريا لفلسطين، فذهب لدمشق ونزل عند صديقه القديم عز الدين التنوخي، وشارك في معركة ميسلون بدمشق، وبعدها سافر سراً إلى عكا ثم استقر في حيفا.

4 – جهاده في فلسطين

وصل القسام عام 1921م إلى فلسطين مع بعض رفاقه ولم يكن الجهاد ضد اليهود والإنجليز غائبا عن تخطيطه، فهو تلميذ لرشيد رضا الذي كان أول من حذر من خطر الهجرات والصهيونية ومخططاتها، ولذلك سعى أن يكون قريباً من العمال والفقراء لأنهم دوماً المحضن المؤيد للجهاد لأنهم أنقى في الفطرة ولم يتلطخوا بالعمالة للمحتلين.

ولذلك حرص على مخالطتهم وتعليمهم وتوجيههم وزرع عقيدة الجهاد بينهم، فاستخلص من المجاهدين الشرفاء والذين قادوا الجهاد في فلسطين سنوات طويلة حتى بعد استشهاده رحمه الله.

كانت رؤية القسام للخطر الصهيوني على فلسطين تنبع من ثقافة عميقة تدرك أبعاد المشروع الصهيوني مبكراً بفضل كتابات رشيد رضا، كما أنها تدرك عبثية الوسائل السلمية في مقاومتها وذلك بعد تجربته في جهاد ومقاومة الفرنسيين، وكان القسام حازماً وواضحاً أن الجهاد هو الحل لمقاومة الصهيونية، وأن على أهل فلسطين البدء بالجهاد وعدم الانتظار حتى يتمكن اليهود من توطين أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود في فلسطين.

ولذلك يتفق المؤرخون على أن طلاب القسام وتلاميذه هم الذين بدؤوا الجهاد في فلسطين، فثورة البراق سنة 1929م كانت رداً على اعتداء اليهود على حائط البراق، وبسبب هذه الثورة وقع عدد من الشهداء والمصابين وقدم عدد آخر للمحاكمة التي حكمت عليهم بالإعدام وهم الأبطال الثلاثة المشهورون: فؤاد حجازى وعطا الزير ومحمد جمجوم.

وفي يوم إعدامهم خطب القسام خطبة نارية وهو متجهم الوجه دامع العينين فقال: "يا أهل حيفا يا مسلمون ألا تعرفون فؤاد حجازي؟ ألم يكن فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم إخوانكم؟ ألم يجلسوا معكم في دروس جامع الاستقلال ؟ إنهم الآن على أعواد المشانق".

وشارك في ثورة البراق من تلاميذ القسام وأعوانه: عبدالله الأصبح في منطقة صفد، والشيخ فرحان السعدي في قضاء جنين.

وكان لطلاب القسام عدة عمليات جهادية في المدة من 1931 – 1935م، منها الهجوم على مستعمرة الياجور قرب يافا، وعمليات الهجوم على مستعمرات بلغوريا وكفار هاسيديم وعتليت والعفولة، والهجوم على مستعمرة نهلال.

وقد كان نشاط القسام التحريضي على الجهاد موضع مراقبة من الإنجليز، ولذلك حين تصاعدت الهجمات في شمال فلسطين اتهم القسام بأنه المدبر لها، واستدعي للتحقيق لكن لم يثبت عليه شيء، وذلك بسبب دقته الفائقة في السرية والكتمان، ولكن مع هذا قرر القسام إيقاف الهجمات لفترة.

تنظيم القسام الجهادي

لم يكن جهاد القسام عفويا، بل كان عن تخطيط دقيق وعمل مرتب استغرق وقتاً طويلاً، فهو كان ينتقي عناصره من رواد دروسه وخطبه، ولا يقبل إلا من يجد فيه الإخلاص والجدية والاستعداد للتضحية والالتزام بالسرية، فعندها يدخله في حلقة سرية مكونة من 5 أفراد يهيئهم علمياً ومعنوياً وعسكرياً للجهاد.

وقد تمكن القسام من تكوين حوالي 12 حلقة لا تعرف إحداها الأخرى، ثم ارتفع عدد أعضاء المجموعة لـ 9 أفراد.

ولم يكن يستثني القسام أي شريحة من تنظيمه بل حرص حتى على الرجال المتورطين في السرقة والمشاكل، إذ كان يرى فيهم جرأة وشجاعة لو وجهت للجهاد لكان لها تميز، وفعلاً كان هناك عدد من رفقاء القسام من هؤلاء مثل: حسن الباير الذي روى قصته فقال: "أنا من قرية برقين قضاء جنين، وكنت من قبل أسرق وأرتكب المحرمات، فجاءني المرحوم عز الدين القسام، وأخذ يهديني ويعلمني الصلاة، وينهاني عن مخالفة الشرع الشريف وأوامر الله، وقبل مدة أخذني المرحوم الشيخ عز الدين القسام إلى أحد جبال برقين، وهناك أعطاني بندقية، فسألته: لم هذه؟ فأجاب: لأجل أن تتمرن عليها، وتجاهد مع إخوانك في سبيل الله".

وتكونت قيادة للتنظيم من أبرز هذه المجموعات وكان الجميع يدفع اشتراكا شهريا بسيطا للتنظيم، وكان للتنظيم مجموعات في 13 مدينة ومنطقة في فلسطين، وكان له عدة لجان منها: لجنة لشراء السلاح، ولجنة للتجسس على العدو، ولجنة للتدريب العسكري، ولجنة للاتصالات السياسية، ولجنة التمويل.

وعُرف أتباع القسام بعد استشهاده باسم القساميين لأنه لم يضع اسما للتنظيم، واختلف في عدد أعضاء التنظيم عند استشهاده فبعضهم يحصره في أعضاء المجموعات فقط وبعضهم يتجاوزه ليصل لرقم 1000 قسامي!!

كان القسام يرفض دعوات بعض أنصاره للقيام بثورة شاملة وكان يصر على تأجيل ذلك لحين استكمال الاستعداد وتوفر مخزون جيد من الأسلحة وزيادة العدد لحد الكفاية، لأنه يعد لثورة جهادية شاملة وليس لعملية محدودة فهو يدرك فداحة المخطط الصهيوني الذي لا يجدي معه عمل جهادي محدود.

لكن مع تزايدد أعداد التنظيم وتصاعد وتيرة الهجرة اليهودية ووقوع ثورة البراق وتكاثر الشكوك حول نشاط القسام من قبل الإنجليز، واكتشاف تهريب اليهود للسلاح عبر الميناء كل هذا جعل القسام يسرع من خطته وينطلق للعلنية فخطب خطبته الأخيرة وخرج مباشرة من حيفا، حتى أن الشرطة بحثت عنه بعد الخطبة فلم تجده!!

وكانت نية القسام عدم البدء بالقتال مع الإنجليز واليهود، بل التجول بين الناس وحثهم على الجهاد واقتناء السلاح وتهيئتهم، لكن قدر الله غير ذلك، إذ بينما كان القسام يبث الدعوة الجهادية في نواحي جنين قام بعض الحرس بإطلاق النار على دورية شرطة لظنه أنها تبحث عنهم، فانتبه الإنجليز لوجود جماعة مسلحة جهادية وقد ربطتها بغياب القسام، وفورا أمر القسام بالرحيل فتوجهوا جهة أحراش قرية يعبد، ولكن الإنجليز أعلنوا عن مكافأة لمن يدل على (عصابة إجرامية قتلت شرطياً) – نفس الدعاية التي يقوم بها بشار الأسد اليوم بعد 75 سنة ضد الثوة السورية!! – وفعلا قام بعض الناس بإبلاغ الشرطة عن تحركات القسام ومجموعته وهم لا يعرفونهم، حتى حوصر القسام ومعه 8 من رفاقه، ومع هذا أمر القسام أن لا يطلقوا النار على الشرطة العرب الذين جعلهم الإنجليز في المقدمة، وإنما يطلقون على الإنجليز فقط!! ورفض القسام الاستسلام فاستُشهد بإذن الله هو وثلاثة من رفاقه وجرح وأسر الباقي منهم وذلك يوم 20/11/1935م.

أثر جهاد القسام على القضية الفلسطينية

قلنا أن القسام لم يكن يسعى للصدام في ذلك الوقت مع الإنجليز فقد نقل عنه قوله: " ليس المهم أن نحرر فلسطين في بضعة أشهر، بل المهم أن نعطي من أنفسنا الدرس للأمة، وللأجيال القادمة"، وفعلاً حقق الله ما كان يقصده القسام باستشهاده وإحياء الجهاد في القضية الفلسطينية.

ومن أول مظاهر اليقظة الجهادية التي أحدثها القسام ما جرى في جنازته، إذ قرر الإنجليز الساعة العاشرة صباحاً لموعد خروج الجنازة من بيت القسام الواقع خارج بلدة جبلة للمقبرة دون الصلاة عليها في المسجد في وسط حيفا، لكن المشيعين رفضوا ذلك ويصف لنا الأستاذ أكرم زعيتر مسيرة الجنازة وهو من السياسيين القلائل الذين شاركوا في جنازة القسام ورفيقيه، إذ خرج الآلاف يشيعونها من كافة أنحاء فلسطين وقد تحولت لمظاهرة ضد المحتلين حيث ساروا بالجنازة لوسط حيفا وصلّوا عليها في جامع الجرينة، وهم يكبرون ويهتفون بالانتقام له، وهاجم المشيعون دائرة البوليس واصطدموا بالقوات الإضافية التي جاءت لمنع مسيرة الجنازة وأجبروها على الانسحاب، ورفض المشيعون نقل الجنازة بالسيارة وحملوها على أكتافهم للمقبرة التي تبعد خمسة كيلومترات عن البلدة.

وكتب أكرم زعيتر عن أثر استشهاد القسام فقال: "ليس من سبيل إلى الخلاص إلا الجهاد الدامي، وقد فتح القسام الباب فلنلجنه، وإنا لفاعلون إنها دعوة جديدة أخذت تظهر على ألسنة الناس، ويجهر بها الكتاب، ولم نكن نعرفها من قبل نفخت في الأمة روحاً لم تكن تفطن لها.. "، وقال أيضاً: "لقد سمعتك قبل اليوم خطيباً تتكئ على السيف، وتهدر من على المنبر، وسمعتك اليوم خطيباً تتكئ على الأعناق، ولا منبر تقف عليه، ولكنك والله اليوم أخطب منك حياً".

وقال عجاج نويهض: "سافر القسام وكان جواز سفره الأكبر مصحفاً في جيبه وقلبه"، وقال حمدي الحسيني: "إن القسام عدل من هذه القضية ما إعوج"، وقال الشيخ سليمان التاجي: "القسام نقل القضية من دور الكلام إلى دور العمل".

ورثاه الشاعر فؤاد الخطيب بقوله:

أولت عمامتك العمائم

شرفا تقصر عنده التيجان

إن الزعامة والطريق مخوفة

غير الزعامة والطريق أمان

لقد اختط القسام في حياته وموته منهجاً جهادياً أعطى القضية الفلسطينية بعداً جديداً لا تزال ثماره الزكية تؤتى أكلها لليوم والحمد لله.

القساميون على نهج شيخهم

ذكرنا أن القسام لم يكن معه إلا 8 من رفاقه يوم استشهاده لأن خطته كانت بث رفاقه بين الناس لتهيئتهم للجهاد، وفعلاً كان رفاق القسام على قدر المسئولية والأمانة.

وصفهم أحمد الشقيري وهو أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية فقال: "لم تجر على ألسنتهم تعابير الكفاح المسلح والحركة الوطنية والاستعمار والصهيونية، فقد كانت تعابيرهم على بساطته تنبع من ينبوع أروع وأرفع، هو «الإيمان والجهاد في سبيل اللّه»، لقد كانوا قوماً مؤمنين، صنعهم الإيمان، فصفت نفوسهم، وتآلفت إراداتهم، وتعاظمت عزائمهم، وأحسوا أن حبلهم مع اللّه قد أصبح موصولاً، وأن الباب بينهم وبينه قد بات مفتوحاً".

وكان زعيم القساميين الذي حمل الراية بعد القسام هو الشيخ المجاهد فرحان السعدي والذي فجر الثورة الشهيرة (ثورة 1936م) بعد 5 شهور من استشهاد القسام، والتي استمرت حتى 1939، وما لبث أن أُعدم سنة 1937 وهو في الثمانين من عمره بسب جهاده ضد الإنجليز واليهود.

وبعد إعدامه واصل القساميون المسيرة وكانوا القادة في المسيرة الجهادية في كل فلسطين وخاصة مناطق الشمال، فقاموا باغتيال حاكم منطقة الخليل لويس أندروز سنة 1937، ويعتبر أبو إبراهيم الكبير من أبرز القادة القساميين.

ولأن القساميين لم يكن لهم اسم أو حزب خاص فقد كان المؤرخون للقضية الفلسطينية يشيرون لهم باسم الشيوخ، مثل المؤرخ الفلسطيني المعروف محمد عزة دروزة في قوله: "وكل ما أمكن هو توحيد القيادة العليا في عدة مناطق تحت إدارة عصبة من طبقة المشايخ التي كان يتزعمها أبو إبراهيم الكبير خليل العيسى"، وذكر منهم:

الشيخ أبو إبراهيم الصغير، توفيق الإبراهيم تلميذ العلامة الألبانى لاحقاً، وأبو علي سليمان العبد القادر، والشيخ عطية أحمد، والشيخ يوسف أبو درة، الشيخ عبدالفتاح العبد.

الخاتمة

لقد كانت حياة القسام نموذجاً للعالم المربي والداعية المصلح والمجاهد الصابر، ويكاد أن يكون قدّم تجربة متكاملة للعلاقة بين العلم والعمل، وأعاد للناس تجسيد المفهوم النبوي لدور العالم وهو وراثة النبوة وتجسيدها في واقع الناس بالتعليم والقدوة وقرن العلم بالعمل والجهاد، فرحمة الله على الشيخ عز الدين القسام ورفاقه بالأمس واليوم والمستقبل.


ابو معاذ المسلم 04-02-2021 12:26 PM

رد: :: سلسلة رموز الإصلاح
 
عالم الشام محمد بهجة البيطار
أسامه شحادة



https://majles.alukah.net/imgcache/2021/02/5.jpg


تمهيد

يعد العلامة الشيخ محمد بهجة البيطار أحد أبرز وأشهر تلاميذ العلامة جمال الدين القاسمي، وأحد رواد الإصلاح الديني والتربوي في الشام والجزيرة العربية، وقد كان رحمه الله فقيها وبحاثة ومحققا ومؤرخا ولغويا، ورغم هذا فإنه لم يأخذ حقه من الترجمة ولم يدون في سيرته إلا كتاب وحيد للدكتور عدنان الخطيب لا يفي بحق البيطار.

ولد محمد بهجة البيطار بدمشق سنة 1894 لأسرة دمشقية عريقة تعود جذورها للجزائر قبل أكثر من مائتي عام، وعرف كثير من أفرادها بالعلم والأدب والتقوى، فوالده هو الشيخ محمد بهاء الدين بن عبد الغني حسن إبراهيم الشهير بابن البيطار والذي كان يعد من رؤوس الصوفية في زمانه والذي كان عالماً أديباً، وكان جده عالماً معروفاً تولى الإمامة والخطابة وخلفه فيها ابنه والد علامتنا محمد بهجة ، ووالدته هي ابنة عم أبيه الشيخ عبد الرزاق ابن حسن البيطار، رفيق العلامتين طاهر الجزائري وجمال الدين القاسمي.

كانت بدايته العلمية الدراسة على يد والده فتلقى مبادئ علوم الدين واللغة، ثم درس الابتدائية في المدرسة الريحانية، ودرس الثانوية في المدرسة الكاملية بدمشق والتي أسسها الشيخ كامل القصاب رفيق الشيخ المجاهد عز الدين القسام. وتعلم الفرنسية في المدرسة العيزرية النصرانية على يد المسيو موريس والذي أسلم على يد الشيخ بهجة وأصبح الأستاذ عبدالله الريحاني.

تحوله لمنهج السلف وشيوخه:

نشأ بهجة البيطار– بحسب ترجمته لجده - في عصر راج فيه "جمود على القديم، وتلقي الأقوال بالتسليم من دون تمحيص للصحيح من السقيم"، وكان أبوه من غلاة الصوفية القائلين بوحدة الوجود كابن عربي وابن سبعين والحلاج، وغيرهم، فنشأ على طريقة أبيه، لكن الله لطف به وهداه لمنهج السلف وذلك بواسطة جده لأمه الشيخ عبدالرزاق البيطار والذي ترك التعصب المذهبي والغلو الصوفي بعد بلوغه سن الخمسين كما ترجم بهجة البيطار لجده في مجلة المنار ونشرها في مقدمة تحقيقه لكتاب جده "حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر"، إذ توفي والده سنة 1910م وعمر بهجة حوالى 16 سنة، فتولى جده رعايته فترك التصوف وسار في طريق طلب العلم بالدليل وترك البدع والخرافات والأحاديث الضعيفة.

وتابع بهجة البيطار دراسة العلوم الدينية والعربية على يد جده الشيخ عبد الرزاق البيطار، وعلى رفيقه الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي الذي لازمه بهجة آخر ثلاث سنوات من حياته كما ذكر ذلك في ترجمته لجده، وحيث توفي القاسمي سنة 1332هـ/1914م، فعلى هذا يكون بهجة البيطار تحول لمنهج السلف وعمره حوالى 16-17 سنة تقريباً، وقد تركت هذه السنوات الثلاث على شخصية بهجة أثراً كبيراً طوال حياته، يقول ابنه عاصم البيطار: "وكان والدي ملازماً للشيخ جمال الدين، شديد التعلق به، وكان للشيخ - رحمه الله- أثر كبير، غرس في نفسه حب السلف ونقاء العقيدة، والبعد عن الزيف والقشور، وحسن الانتفاع بالوقت والثبات على العقيدة، والصبر على المكاره في سبيلها، وكم كنت أراه يبكي وهو يذكر أستاذه القاسمي".‏

ودرس بهجة البيطار على محدث الديار الشامية الشيخ محمد بدر الحسيني، وعلى الشيخ محمد خضر حسين التونسي والذي تولى مشيخة الأزهر لاحقاً، وقد كان مجيء الخضر لدمشق قبيل وفاة القاسمي فعوض الله به أهل دمشق عن فقد القاسمي، يحدثنا بهجة البيطار عن شيوخه والبيئة التي عاش فيها فيقول: "أستاذنا الجليل الشيخ محمد الخضر حسين، عَلَمٌ من أعلام الإسلام هاجر إلى دمشق في عهد علامتي الشام المرحومين: جدي عبدالرزاق البيطار، وأستاذي الشيخ جمال الدين القاسمي؛ فاغتبطا بلقائه، واغتبط بلقائهما، وكنا نلقاه، ونزوره معهما، ونحضر مجالسه عندهما، فَأُحْكِمَتْ بيننا روابط الصحبة والألفة والود من ذلك العهد. ولما توفي شيخنا القاسمي - تغمده المولى برضوانه - أوائل سنة 1332 هـ لم نجد نحن معشر تلاميذه مَنْ نقرأ عليه أحب إلينا ولا آثر عندنا من الأستاذ الخضر؛ لما هو متصف به من الرسوخ في العلم، والتواضع في الخلق، واللطف في الحديث، والرقة في الطبع، والإخلاص في المحبة، والبر بالإخوان، والإحسان إلى الناس، فكان مصداق قول الشاعر:

كأنك من كل الطباع مركبٌ فأنت إلى كلِّ النفوس محبَّبُ

وأخذنا من ذلك الحين نقتطف ثمار العلوم والآداب من تلكم الروضة الأُنُف، ونرتشف كؤوس الأخلاق من سلسبيل الهدى والتقوى، ولم يكن طلاب المدارس العالية في دمشق بأقل رغبة في دروسه، وإجلالا لمقامه، وإعجاباً بأخلاقه من إخوانهم طلاب العلوم الشرعية، بل كانوا كلهم مغتبطين في هذه المحبة والصحبة، مجتمعين حول هذا البدر المنير.

وقد قرأنا عليه في المعقول والمنقول، والفروع والأصول، طائفة من أفضل ما صنف في موضوعه، وهي لعمر الحق دالة على حسن اختياره، وسلامة ذوقه، وقوة علمه، وشدة حرصه على النهوض بطلابه، وإعدادهم للنهوض بأمتهم.

وقد كنت نظمت أبياتاً جمعت فيها بين ذكر هذه الكتب، ووصف دروس الأستاذ، وجعلتها ذكرى لنفسي ولمن شاركوني في الطلب والتحصيل، عند أستاذنا الجليل، فقلت:

يا سائلي عَنْ درسِ ربِّ الفضْل مولانا الإمام

ابن الحسين التونسيِّ محمد الخضر الهمام

سَلْ عنهُ مُسْتصفى الأصول لليث معترك الزحام

أعني الغزاليَّ الحكيــم رئيس أعلام الكلام


وكذاك في فن الخلاف بداية العالي المقام

أعني ابنَ رُشْدٍ مَنْ غدا بطل الفلاسفة العظام

وكذا صحيح أبي حسيــنٍ مسلمٍ حَبْرِ الأنام

وكذلك المغني إلى شيخ النحاة ابن الهشام

وكـذا كـتاب أبي يزيد ابـن المبرّد في الختام

تـلك الدروس كما الشموس تـنير أفلاك الظلام

يـدني إلـيك بـها حقائـق كـل علم بانسجام

فـتكون مـنك حقائق المعنى على طرف الثمام

فـالحق عـوضنا بـه مـن شـيخنا شيخ الشآم

فـعـليه مـا ذرّ الـغزالـة رحمة الملك السلام

وهكذا كان تحول مسار محمد بهجة البيطار بسبب بوفاة والده وتحول جده وملازمته للقاسمي ودراسته على الخضر حسين، فغدا مع الأيام بتوفيق الله ومن ثم جده واجتهاده عالم الشام محمد بهجة البيطار.

مساره العملي والدعوي والتربوي:

1- عقب وفاة والده سنة 1910 تولى البيطار الخطابة والتدريس في جامع القاعة بحي الميدان خلفاً لوالده وعمره 16 سنة، ثم تولى سنة 1917 الخطابة والتدريس في جامع كريم الدين الشهير بالدقاق خلفاً لخاله، والذي بقي بهجة يخطب ويدرس فيه حتى توفي، وجامع الدقاق هو مسجد الحي التي تسكنه أسرة البيطار، والذي توارث فيه آل البيطار الإمامة والخطابة لأكثر من مائة عام.

2- في هذه المرحلة تعرف البيطار على كثير من المصلحين والقادة والمفكرين، فقد كان القاسمي وجده عبدالرزاق البيطار يتيحون له لقاء أعلام العصر حين يزورون دمشق وكانوا يذكرون أخبار طلابهم في مراسلاتهم مع أقرانهم، فهذا القاسمي يكتب للشيخ محمد ناصيف يقول: "مما قدمناه لكم: كتاب "نقد عين الميزان" للشيخ محمد بهجة البيطار، أحد ملازمي دروسنا الليلية والنهارية، وهو ممن يرجى له مستقبل علم حسن، إن شاء الله"، وكتب الألوسي للقاسمي يثني على كتاب بهجة البيطار فقال: "إنى أبارك لكم وأهنيكم على أن نبغ من تلامذتكم مثل العلامة الشيخ البيطار، بارك الله فيك وفيه، وقد ألقم الرافضي الحجر، ورد منه العجر والبجر"، وقد صدر هذا الكتاب سنة 1331هـ وعمر البيطار 20 سنة! ولاحظ تشجيع القاسمي والألوسي للبيطار والثناء عليه مما يفتقده كثير من المربين والمدرسين اليوم تجاه طلابهم وتلاميذهم!!

وهذا الرد من بهجة البيطار كان برضى شيخه القاسمي، وهذه الخطابات تكشف عن حقيقة وعي القاسمي بانحراف الشيعة وأن الظلم والكذب من طبعهم، فالقاسمي ألف رسالته "ميزان الجرح والتعديل" عام 1330هـ والتي تلطف معهم فيها بل جاملهم، مما جعل بعض علماء عصره ينتقده عليها لكن الشيعة شنوا عليه حملة ظالمة، فتصدى لهم البيطار عام 1331هـ وهو في العشرين من عمره، ثم ما لبث أن توفي القاسمي في العام التالي (1332هـ).

3- وبسبب دعم وتوجيه وتقديم شيوخ البيطار له عند المصلحين، نجد العلامة محمد رشيد رضا بالاتفاق مع الأمير فيصل بن الحسين يكلف محمد بهجة البيطار وشلاش النجدي أن يحملا رسالة سياسية ودينية للأمير عبد العزيز بن سعود في نجد لإرساء التعاون والتفاهم و"عقد اتفاق عام بين جميع أمراء الجزيرة العربية وأئمتها الكرام دفعاً للعدوان الأجنبي"، وذلك سنة 1338هـ/ 1920م. وهذا الاختيار للبيطار هو بسبب سلفيته مما يفتح المجال لتقبلها لدى عبدالعزيز.

وقد كانت هذه المهمة الأولى للبيطار لخدمة الإسلام على يد "سيدنا الإمام" ويقصد رشيد رضا كما دونها في كتابه الذي وصف به رحلته وسماه "الرحلة الحجازية النجدية، صور من حياة البادية 1338هـ - 1920 م"، وواضح اهتمام البيطار المبكر بعلم الاجتماع والعمران والذي سيكون حاضراً في حياة ومنهج البيطار طيلة حياته.

وكتب رشيد رضا في المنار عن هذه المهمة في مقالاته "العبرة بسيرة الملك فيصل رحمه الله تعالى" فقال: "وذكرت له – يقصد الأمير عبدالعزيز بن سعود- فيه أنني مرسل إياه مع الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار (وهو خير ثقة من أهل العلم والصلاح هنا، فثقوا به فيما يبلغكم عني ويبلغني عنكم، وإن كان غير متمرس بالسياسة على أنني لقنته ما لا بد له من العلم به من الأحوال الحاضرة)".

وفعلاً بقي الشيخ بهجة غير متمرس بالسياسة، ومن ذلك ما رواه الشيخ علي الطنطاوي تليمذ الشيخ بهجة عن خداع الروس للشيخ لما زار روسيا، فقال: "لقد خدع أكثر من ذهب إلى روسيا من العلماء والمشايخ، حتى شيخنا الشيخ بهجة. وكانت لي دروس ليلية في مسجد الجامعة بدمشق، وكنت أتكلم ليلة عن الشيوعية، فدخل شيخنا الشيخ بهجة. ففرحت، وقلت له: تفضل يا سيدي أهلاً وسهلاً، حدثهم عما رأيت في روسيا.

فكان مما قال: أنه لم ير عورة بادية ولا ذراعاً عارياً، ما رأى إلا الحجاب السابغ، فتألمت ووجدت أنه – غفر الله له – سيهدم عليّ ما بنيت، وينفض ما أبرمت. فسألته لأنبّه الشباب السامعين، وكم هي درجة الحرارة هناك يا سيدي؟ فقال: عشرون تحت الصفر. فأفهمتهم أن هذا الحجاب للخوف من البرد لا للحرص على الفضيلة".

وهذا لا ينقص من قدر الشيخ فقد فتح الله عز وجل له في باب التعليم والتربية ما لم يفتح له في باب السياسة، ولذلك لم يتصدر لها ويخض فيما لا يحسن، وكان مهتماً بدراسة علم الإجتماع والتعرف على أسرار الشعوب والعمران وله في ذلم مقالات مهمة في مجلة المنار وغيرها.

4- درس الشيخ في المدرسة الكاملية وغيرها من المدارس الأهلية، ثم طلبت منه مديرية التعليم بدمشق سنة 1921، زمن تولي العلامة محمد كرد علي لها، أن يدرس في مدرسة الميدان الابتدائية الدروس الدينية والعربية والفرنسية بمدرسة خالد بن الوليد، وكان الشيخ بهجة يدرك مدى أهمية هذه الوظيفة فأقبل عليها بكليته.

ويشرح لنا الشيخ الطنطاوي نظرتهم للتعليم الابتدائي آنذاك، فيقول: "لقد عرفتم أن الذين كانوا يعملون معي أو كنت أنا أعمل معهم في المدارس الابتدائية هم من جلّة مشايخنا ومن كبار زملائنا، علماء كبار وأدباء معروفون. حسبكم أن منهم شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار، وشيخنا حامد التقي، وأن منهم الطبيب الشيخ رفيق السباعي... ما كنت ولا كان كثير من إخواني نعد أنفسنا معلمين فقط. وما كنا نرانا مسؤولين أمام وزارة المعارف وحدها، نطبق مناهجها ونطيع أوامرها، بل كنا نعد الجواب للسؤال يوم العرض على الله: السؤال عن تربية الأولاد على ما يرضيه، على الشريعة التي بعث بها خاتم رسله، عن تخريج أمة جديدة تؤمن بالله إيماناً خالياً من الشرك كله، الظاهر منه والخفي. تخاف الله ولا تخاف في الحق أحداً إلا الله ... كنا نلقنهم العقيدة سالمة من الشوائب، ونعودهم العبادات بعيدة عن الرياء، والسلوك الذي يحببهم إلى الناس، ولا يكرههم إلى الله".

أما سر تفرد الشيخ البيطار بالقبول بين التلاميذ فتكشفه لنا نصيحة الشيخ لابنه عاصم لما تخرج من جامعة دمشق سنة 1952م وعزم على العمل في سلك التعليم، فأوصاه بقوله: هناك "أمر مهمٍّ يجب أن تضعه في حسبانك، وأن توليَه قَدْرًا كبيرًا من عنايتك واهتمامِك، هو أن تَكسبَ قلوبَ طلاَّبك، وأن تَحملَهُم على محبَّتك واحترامك، فإذا ما نَجحتَ في هذا الأمر، أدَّيتَ رسالتَكَ على الوجه الأكمَل الأتَمِّ؛ لأن طلاَّبَك إذا ما أحبُّوكَ أحبُّوا مادَّتَك واعتَنَوا بما تُقدِّم لهم من علم ونُصح وفائدة، وانتَفَعوا بها".

5- وفي سنة 1344هـ - 1926م طلب منه أن يمثل سوريا بالمؤتمر الإسلامي العالم الأول الذي دعا إلى عقده في مكة المكرمة الملك عبد العزيز بن سعود، لبحث قضايا المسلمين في العالم بعد إلغاء الخلافة العثمانية.

وبعد انتهاء المؤتمر طلب منه الملك عبد العزيز البقاء في مكة المكرمة للمساعدة على نهضة الحجاز بتوصية من الشيخ كامل القصاب الذي كان يتولى إدارة المعارف بالحجاز، خاصة أن البيطار في كتابه "الرحلة الحجازية النجدية" زار مدارس المدينة المنورة وكتب عن مشاهداته فيها وما تحتاجه من عناية وتطوير في مناهجها وأحوال المعلمين، كما كتب عن "المتدينة" وهم البدو الذين انخرطوا في الدعوة السلفية الوهابية لكن بعضهم لم يجد من يعلمه حقيقة الدعوة فخلط عاداته البدوية القديمة غير المنضبطة بالشرع بالدعوة الوهابية مما أنتج خليطا مشوها من السلوك المنسوب للشرع والوهابية وهما بريئان منها، وبسبب هذا السلوك المنحرف خشي البيطار على نفسه أن يقتل إذا مر في أراضيهم، ورأى البيطار أن انتشار الدعاة والعلماء بينهم ضرورة ملحة.

6- أسند إليه القصاب تأسيس وإدارة المعهد العلمي بمكة والذي يعتبر أول مدرسة حكومية، وبقي في إدارة المعهد خمس سنوات. وكان طيلة هذه السنوات يدرس بالحرم المكي، وتولى إمامة صلاة الظهر فيه بالنيابة في سنة 1345هـ ، ولما زار المدينة شهراً درّس في الحرم النبوي.

وفي هذه الأثناء (سنة 1346هـ) عين أيضاً عضواً بمحكمة مكة الشرعية الكبرى ونائبا لرئيس هيئة المراقبة القضائية، وقد رفض الشيخ راتب القضاء وبقي على راتب التعليم برغم أنه نصف راتب القضاء وذلك أن الزهد في الدنيا وزخرفها من سمات البيطار.

وفي سنة 1347 عين أيضا مفتشاً للعلوم الدينية بمدارس الحجاز، ومدرساً للتوحيد والتربية العلمية، كما عين عضوا بمجلس المعارف العمومية.

6- بعد خمس سنوات عاد محمد بهجة البيطار إلى دمشق سنة 1931م، فوجد أن وظيفته أسندت لغيره، وفقد عشرة أعوام من سنوات تقاعده، لكن هذا لم يؤثر عليه حيث عاد لمسجد الدقاق يؤم ويدرس ويخطب فيه، وكانت خطب الشيخ دعوة للعودة للقرآن والسنة والاجتهاد، وترك التعصب والتحذير من البدع والخرافات والشركيات، مما أدى لتغيير هائل في أهل دمشق، وممن تأثر بهذه الخطب: الشيخ علي الطنطاوي والذي يصف تفرد طريقة البيطار في الخطابة عن خطباء عصره، فيقول: "لم يكن يقرأ الخطبة من ديوان قديم كما كان يصنع أكثر الخطباء، ولا من ورقة مكتوبة يضع عينه فيها، ولا يرفع رأسه عنها، بل كان يخطب ارتجالا ولم يكن يلقي كلامه ذلك الإلقاء الملحن الممطوط الذي يسبب النعاس ويستدعي الملل، ... عرفته في تلك الأيام فوجدتني معجباً به، ولكني مخالف له، لقد وجدت أن الذي أسمعه منه يصدم كل ما نشأت عليه، فقد كنت في العقائد على ما قرره الأشاعرة والماتريدية، وهو شيء يعتمد في تثبيت التوحيد من قريب أو بعيد على الفلسفة اليونانية وهي فلسفة بدائية، وكنت موقنا بما ألقوه علينا وهو أن طريقة السلف في توحيد الصفات أسلم، وطريقة الخلف أحكم، فجاء الشيخ بهجة يقول لي: بأن ما عليه السلف هو الأسلم وهو الأحكم. وكنت قد نشأت على النفرة من ابن تيمية والهرب منه، بل وبغضه، فجاء يعظمه لي، ويحببه إلي، وكنت حنفياً متعصباً للمذهب الحنفي، وهو يريد أن أجاوز حدود التعصب المذهبي، وأن أعتمد على الدليل لا على ما قيل.

وتأثرت به وذهبت مع الأيام مذهبه مقتنعاً به، ولكن لم يكن هذا التحول هيناً ولا سهلاً، وما كنت سهل القياد ولا سريع الانقياد، بل ناضلت دون ما كنت اعتقده، وأمضيت عشرات الجلسات والسهرات في المجادلات والمناظرات، أنا باندفاعي وحماستي وعنفي، والشيخ بهجة بسعة صدره وطول أناته وغزير علمه وقوة حجته... فغدوت سلفي العقيدة متمسكاً بالدليل".

وقد كانت العادة أن الخطيب بعد صلاة الجمعة يستقبل المصلين في بيته، ويسجل لنا عاصم البيطار ذكرياته عن هذه الجلسات فيقول: "كانت تُعقَد في بيت سيدي الوالد رحمه الله (ت 1976م) من بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع حتى صلاة العصر، وكان أركان هذه الجلسات الفتية الدائمون الأساتذة الأجلاء: عز الدين علم الدين التنوخي والشيخ علي الطنطاوي وشاعر الشام أنور العطار وأستاذنا الأفغاني رحمهم الله جميعاً.‏ كانوا يؤدون صلاة الجمعة في جامع كريم الدين الشهير بالدقاق، وكان والدي مدرّساً فيه وخطيب الجمعة على منبره مدةً تزيد على ستين عاماً، فإذا قُضِيت الصلاة شرّفوا دارنا، وتناولوا طعام الغداء، ثم تبدأ الجلسة العملية التي كانت روضة من رياض المعرفة. ومن الطريف أنهم كانوا يشترطون أن يكون الطعام لوناً واحداً لا يتغير، وهو (الكوسا المحشوّ) ولطالما سمعت الأستاذ الطنطاوي يردد: لا صلاة إلا في الدقاق، ولا طعام إلا الكوسا... وكان الطنطاوي بحقٍّ هو المحرك لهذه الجلسات التي استمرت أعواماً؛ وكم يحزّ في النفس الآن أن وسائل التسجيل لم تكن متوافرة عندنا في تلك الأيام. ولو سُجّل ما كان يدور في هذه الاجتماعات لوقفنا على كنوزٍ من العلوم والمعارف. وقد تجاوزت أخبار هذه الجلسات الأسبوعية الحدود، ووصلت إلى أسماع الكثير من أصدقاء الوالد في العالمين العربي والإسلامي، ولذا كان يحضرها علماء كبار ممن يُلمُّون بدمشق، وإنني لأذكر ممن حضر عدداً من هذه الجلسات: أميرَ البيان شكيب أرسلان، وعين أعيان جدة الشيخ محمد نصيف، والعلامة الجليل أبا الحسن الندوي، ونائب رئيس جمعية العلماء الجزائريين ثم رئيسها بعد وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس، الشيخ البشير الإبراهيمي الذي أقام في دمشق فترة بعد أن نفاه الفرنسيون".

أما الشيخ علي الطنطاوي فيحدث عن خطب البيطار والجلسات التي تعقبها في بيته وأثرها في الشباب أمثاله فيقول: "وكنت كلما حضرت خطبته، وانصرف إلى داره انصرف معه جماعة من الناس، فوجدوا المائدة معدة، ففي كل جمعة وليمة، ويبقون يتحدثون ويستمعون إلى الشيخ فيستفيدون حتى يؤذن العصر، فيصلوا ويذهبوا، وكنت آخذ إليه كل من عنده شبهة في الدين، أو كلام في الإسلام سمعه من غير المسلمين، فيزيل الشيخ الشبهة ويدفع الاعتراض"، والطنطاوي في موضع آخر يقول إنه حضر خطبة البيطار أكثر من ثلث قرن"، وكان هذا دأب البيطار: كرم وضيافة وتعليم.

7- وبعد ثلاث سنوات دعته جمعية المقاصد في 1353هـ/ 1934م لتدريس العلوم الشرعية والأدب في كليتي المقاصد الخيرية للبنين والبنات في مدينة بيروت، وفي نفس السنة طلبت منه وزارة المعارف التدريس بثانوية البنات ودار المعلمات بدمشق، فكان يسافر عصر الجمعة لبيروت ويعود منها مساء الثلاثاء من كل أسبوع، وقد كان بدأ في مراجعة وتحقيق كتاب "قواعد التحديث" للقاسمي بطلب من ولده ظافر، فأصبح يستغل مكوثه في السيارة والقطار بين بيروت ودمشق لإكمال المراجعة والتصحيح.

8- ثم عين مدرسا في الكلية الشرعية في سنة 1361هـ، وبدأ يدرس تفسير القرآن من الوجهة الأدبية في دار المعلمين العليا سنة 1942م.

وقد كان البيطار متميزاً في تدريسه للطلاب حتى قال فيه أحد الأدباء من طلابه:

وما أستاذنا البيطار إلا وحيد الشام في علم الكتاب

فيشرح حين يشرح كل صدر بمعنى من معانيه العذاب

ويبعث همة الآساد فينا كان الشيخ في شرخ الشباب

9- وبسبب حسن عمله السابق في تأسيس المعهد العلمي بمكة أعاد الملك عبدالعزيز بن سعود في عام 1363هـ/ 1943م استدعاءه للحجاز ليتولى تأسيس دار التوحيد بالطائف لتعليم الطلبة ليكونوا قضاة ومفتين ودعاة، وبقي البيطار ثلاث سنوات هناك أسس فيها الدار حتى أصبحت ثانوية كبيرة، وقد رافقه في هذه المهمة ولداه يسار وعاصم. وقد كان للبيطار صلة شخصية بالملك عبد العزيز بل كانت من المتانة بحيث أنه شجع ويسر للشيخ علي الطنطاوي الكتابة والتواصل مع الملك.

ومن القضايا الجديرة بالبحث والدراسة هي الدور الكبير والريادي للعلماء السلفيين في دعم ومساعدة الدولة السعودية في نشأتها، فقد كان من سياسة الملك عبد العزيز الاستعانة بالعلماء السلفيين من الشام ومصر وغيرها في إنشاء المؤسسات العلمية والدعوية والتعليمية والإعلامية والسياسية، فقد كان من رجاله العلماء الأجلاء: كامل القصاب، محمد بهجة البيطار، خير الدين الزركلي، حامد الفقي، عبدالظاهر أبو السمح، تقي الدين الهلالي، وكان لرشيد رضا دور كبير في الدعاية للدولة السعودية ومنهجها.

10- وبعد أن أمضى ثلاث سنوات في الطائف عاد لدمشق، فعهدت إليه جامعة دمشق في عام 1947 تدريس مادتي التفسير والحديث في كلية الآداب، وفي سنة 1953 أُحيل للتقاعد.

11- لكن الشيخ البيطار بقي يقدم بعض المحاضرات في التفسير في كلية الشريعة، واستمر يدرس ويخطب الجمعة بمسجد الدقاق، وإلقاء الأحاديث الدينية والاجتماعية في الإذاعة السورية، بالإضافة لنشاطه الكبير لخدمة المجمع العلمي بإلقاء المحاضرات والإشراف على مجلة المجمع ومطبوعاته حتى وفاته، وكان البيطار قد انتخب عضواً عاملاً في المجمع العلمي العربي بدمشق سنة ‏1923م، وانتخب عضوا مراسلاً للمجمع العراقي سنة 1954م. كما كان البيطار عضواً في جمعية العلماء، ثم في رابطة العلماء في دمشق.

وبدأ البيطار يكتب في مجلة المجمع من سنة 1933م، وقد كتب مقالات كثيرة في التعريف بالكتب والمؤلفات الحديثة، ومما عرف به البيطار بحسب المسرد الذي وضعه د.عدنان الخطيب لمقالات البيطار نجد هذه الكتب: عبدة الشيطان لعبد الرزاق الحسني، الخلافة لتوماس آرنولد، بصائر جغرافية لرشيد العابري، الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد لمحمود الملاح، مذكرات سائح في الشرق العربي لأبي الحسن الندوي، توضيح الكافية الشافية لعبدالرحمن السعدي، رسائل الإيمان تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، ويتضح منها سعة اطلاع الشيخ وتنوع مطالعاته.

12- وتقديرا للشيخ ومكانته التربوية فقد تم استدعاؤه للرياض من قبل الملك سعود بن عبد العزيز سنة 1961 للمشاركة في مشاورات تأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، قدم خلالها تصوره والمنهج المقترح للجامعة. وفي السنة التالية زار المدينة المنورة وزار الجامعة واطلع على سير الأمور فيها وألقى بعض المحاضرات على الطلبة.

13- أتيح للشيخ زيارة الحجاز عدة مرات، وزار العراق والكويت ومصر وفلسطين والأردن وباكستان والهند وروسيا وأمريكا وكندا، وذلك لحضور بعض المؤتمرات وإلقاء بعض المحاضرات.

14- تميز الشيخ بزهده في الدنيا وزخارفها برغم علاقته بالملوك والرؤساء، فقد رفض تقاضي راتب القضاء بمكة واكتفى براتب التعليم برغم أنه نصف راتب القضاء، ولما أهداه الملك سيارة وهبها لدار التوحيد بالطائف، ولما صرف له المجمع العلمي بروسيا ألف ليرة لشراء الهدايا رفض استلامها، وحين دخل في شراكة لتأسيس مدرسة أهلية بعد رجوعه من الحجاز سنة 1931م وقدر أنها لم تنجح، تحمل الخسارة وحده ولم يطالب شركاه بتحمل الخسارة معه حفاظاً على صداقته بهم.

15- كان الشيخ آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يكن يقتصر على فئة دون أخرى، ففي حفل تأبين الشيخ المحدث بدر الدين الحسيني، حضر الحفلَ ولدُه رئيس الجمهورية السورية آنذاك الشيخ تاج الدين الحسيني ورئيس الحكومة والوزراء، عدد الشيخ البيطار في كلمته مناقب شيخه الحسيني ثم التفت نحو مقاعد الرئيس والحكومة ووجه الحديث إليهم أن الفقيد كان إذا قابل المسؤولين قال لهم: أيها الرؤساء أيها الوزراء والأمراء أيها الأغنياء: أنتم خلفاء الله في أرضه على عباده... فانظروا ماذا تقولون في خلافتكم... وعدلتم في الرعية جعلكم مع عباده الأبرار في جنات تجرى من تحتها الأنهار... وإن انحرفتم عن الطريق السوي... أدخلكم ناراً وقودها الناس والحجارة...

ثم عاد البيطار بوجهه للجمهور أمامه وقال: هكذا كان شيخنا الشيخ بدر الدين يقول تغمده الله برحمته".

16- كان للشيخ علاقات مع الهيئات السلفية خارج سوريا، فالبيطار كان من أوائل من تولى الفتيا على صفحات مجلة (الهدي النبوي) التابعة لجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر منذ الأعداد الأولى لصدورها، وذلك من خلال علاقة البيطار ببعض علماء الجماعة مثل الشيخ عبد الرزاق عفيفي الذي كان معلماً في دار التوحيد بالطائف والتي أسسها البيطار.

وكذلك تم منح البيطار منح لقب "الرئيس الشرفي" لجمعية العلماء المسلمين بالجزائر سنة 1951م، مع بعض العلماء الأجانب الذين يشتركون معها في الفكر والمنهج والهدف، بهدف توسيع نشاطها الإعلامي ولفك حصار الاحتلال الفرنسي لها، والذين منحوا هذا اللقب: محمد بهجة البيطار (سوريا)، محمد تقي الدين الهلالي (العراق)، محمد عبد اللطيف دراز (مصر)، محمد أمين الحسيني (فلسطين)، محمد بن العربي العلوي (المغرب)، عبد القادر المغربي (سوريا)، عبد العزيز جعيط (تونس)، مسعود الندوي (باكستان)، أحمد بن محمد التيجاني (المغرب)، محمد نصيف (الحجاز).

وقد كان للبيطار علاقة وثيقة جداً بالشيخ البشير الإبراهيمي حين استقر بالشام سنة 1916م قبل عودته للجزائر.

17- من ثمرات هذه المسيرة الطويلة للبيطار كوكبة من العلماء الأفذاذ في مجالات علمية متعددة، فمن تلاميذ البيطار: ولداه يسار وعاصم واللذان كانا متميزين في خلقهما وعلمهما حيث كان عاصم يعد أفضل مدرسي النحو في السعودية والشام، والشيخ الأديب علي الطنطاوي، وعميد مجمع اللغة العربية عز الدين التنوخي، والشيخ عبد القادر الأرناؤوط، والشيخ محمد نسيب الرفاعي، والشيخ الألبانى حيث كان يحضر دروسه مع عدد من أساتذة المجمع العلمي بدمشق، وكان الشيخ البيطار من الذين اقترحو تخريج أحاديث كتاب "منار السبيل" وهو من أهم كتب الحنابلة، فخرجه الشيخ الألباني في كتابه العظيم "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل".

ويقول الشيخ مسلم الغنيمي عن تطور حال تلاميذ البيطار: "حاول أوليائي أن يفصلونى عن الأستاذ الشيخ سعدي لأنه يتردد على الشيخ محمد بهجة، فأنا بقراءتي على أستاذ يتردد على الشيخ محمد بهجة أسيء إلى سمعة عائلتي (آل الغنيمي)، وكيف أصبح الحال اليوم من أن من تتلمذ عليه يعد مفخرة واعتزازاً، فقد تتلمذ عليه الملوك والأمراء والرؤساء والوزراء والدكاترة وأساتذة الجامعات، ولم يكن هذا الفارق العظيم بين الماضي المظلم المتدثر برداء العلم، والحاضر المشرق بنور العلم والعرفان إلا بسبب جهاده ونضاله وصبره على أذى المغرضين والمتمشيخين الجهل، وسار بالدعوة إلى الله على المنهاج الذي رسمه رب العالمين لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم: "ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"، فكانت النتيجة واحدة، صد وإعراض في أول الأمر، ثم دخول الناس في دين الله أفواجاً".

18- كانت وفاته في يوم السبت 30 جمادى الأولى 1396هـ/ 29 أيار- مايو 1976م إثر مرض لم يمهله طويلاً، فصلي عليه في مسجد الدقاق الذي أمّ فيه وخطب أكثر من سين عاماً، وشيعه خلق كثير منهم الوزراء والعلماء والأغنياء والفقراء.

19- أثنى عليه عدد من كبار العلماء فقال عنه العلامة البشير الإبراهيمي: "علم من أعلام الإسلام، وإمام من أئمة السلفية الحقة، دقيق الفهم لأسرار الكتاب والسنة، واسع الإطلاع على آراء المفسرين والمحدثين سديد البحث في تلك الآراء، أصولي النزعة في الموازنة والترجيح بينها ثم له بعد رأيه الخاص... والأستاذ البيطار مجموعة فضائل، ما شئت أن تراه في عالم مسلم من خلق فاضل إلا رأيته فيه... و(هو) مفكر عميق التفكير".

ورثاه العلامة محمد بهجة الأثري العراقي بقصيدة قال فيها:

عَلَمٌ على الذُّرُوات رفَّ كما رف السنا وتلامح النُّوْر

العلمُ ملءُ جنانه دُفَقٌ والعقل خلف لسانه وَقْرُ

تتألق الفصحى على فمه زهواً كما يتألق البدرُ

عالٍ على الأهواء مُتِّشِحٌ بحجىً له في لمحه غوْرُ

مصباحه الفرقان يتبعه أنى أشارت آيُهُ الزُّهْرُ

ينحو ويسلك ما تفهَّمه منه النبيُّ وصحبه الغُرُّ

ويقيم من مالوا به جنفاً حتى يثوب إلى الهدى الصُعْرُ

كم نزَّه الإسلام من بدعٍ قد باضها الشيطان والكفرُ

مقبوحةٍ شوهاءَ شاه بهاً وجه الهدى وتلوث الطهرُ

20- ترك البيطار 15 كتابا وتحقيقاً لبعض كتب شيوخه وفاءً لبعض حقهم عليه، كما ترك الفقيد مؤلفات عديدة وبحوثاً كثيرة نشرت له في مختلف الصحف والمجلات السورية والعربية السعودية والمصرية والعراقية. طبع بعضها مستقلاً، ومازال الكثير منها شتيتاً في باطن المجلات، أما تآليفه وما طبع منها مستقلاً من أبحاثه فهو:

* كتاب (قواعد التحديث، من فنون مصطلح الحديث لجمال الدين القاسمي) حققه وخرج أحاديثه.

* تفسير (سورة يوسف) حيث أكمل التفسير الذي بدأه السيد رشيد رضا مع التقديم له.

* كتاب (المعاملات في الإسلام وتحقيق ما ورد في الربا) وقد بدأه محمد رشيد رضا وأكمله البيطار ووضع مقدمته.

* كتاب (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر) تأليف جد البيطار، الشيخ عبد الرزاق، تحقيق محمد بهجة البيطار.

* رسالة (الإسلام والصحابة الكرام بين السنة والشيعة).

* بحث (الإنجيل والقرآن في كفتي الميزان).




مصادر للتوسع:

ترجمة ذاتية بقلم البيطار ملحقة بكتابه الرحلة الحجازية.

محمد بهجة البيطار، د.عدنان الخطيب.


رجال من التاريخ، علي الطنطاوي.

رجال فقدناهم، مجد مكي.
تاريخ علماء دمشق، محمد الحافظ ونزار أباظة.


ابو معاذ المسلم 04-02-2021 12:28 PM

رد: :: سلسلة رموز الإصلاح
 
محدث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني
أسامه شحادة



https://majles.alukah.net/imgcache/2021/02/6.jpg

تمهيد:

يعد محدث العصر الشيخ الألباني أحد أهم المصلحين السلفيين المعاصرين والذين تركو أثراً بارزاً على مسيرة الأمة الإسلامية، ولم يقتصر تأثيره ودوره على بلد محدد بل لقد بلغ تأثيره كافة أرجاء المعمورة ولا يمكن لباحث منصف في مسيرة الإصلاح المعاصر أن يتجاوز جهوده ودوره المحوري في الصحوة الإسلامية المعاصرة برغم أنه لم ينشئ جماعة خاصة به أو يرعى مؤسسة أو جمعية بعينها، ويكفيه شرفاً أن حرصه على نشر السنة النبوية الصحيحة أصبح وسام تفوق يتسابق الجميع على الوصول إليه حتى من خصومه ومخالفيه.



مولده ونشأته:

ولد الشيخ محمد ناصر الدين بن الحاج نوح نجاتي الألباني عام 1333هـ الموافق 1914م في مدينة أشقودرة، عاصمة دولة ألبانيا - حينئذ - لأسرة فقيرة متدينة يغلب عليها الطابع العلمي، وكان والده أحد علماء المذهب الحنفي والذي هو مذهب الدولة العثمانية، ولما ضعفت الخلافة الإسلامية تم اقتطاع ألبانيا من جسد الدولة العثمانية سنة 1912م وإلحاق بعضها بصربيا وجزء بالجبل الأسود/ مقدونيا وقسم بقي باسم ألبانيا، فاضطربت أحوال المسلمين بها لذلك، وأصبحت ألبانيا وكأنها تابعة لإيطاليا بزعامة موسوليني، وقلد أحمد زاغو ملك ألبانيا سياسات أتاتورك المعادية للدين فمنع المسلمات من لبس الحجاب، فآثر والده الهجرة إلى دمشق الشام للإقامة الدائمة فيها حرصاً على الإسلام والدين وذلك سنة 1923م، وفعل ذلك الكثير من الألبانيين.

في دمشق درس الألباني بمدرسة الإسعاف الخيري المرحلة الابتدائية وكان لا يعرف العربية أبداً، ولكن لأن المدارس النظامية في ذلك الوقت كانت تحت عهدة الاحتلال ولم تكن تعنى بالعلوم الشرعية بشكل جيد، لم يرغب والده أن يبقى في هذه المدارس وقام هو بنفسه بتعليمه فقرأ الألباني القرآن الكريم على يد والده ودرسه التجويد، والنحو والصرف، والفقه الحنفي، ودرس على الشيخ سعيد البرهاني "مراقي الفلاح" في الفقه الحنفي وبعض كتب اللغة والبلاغة.

كما تعلم علوم الشريعة على يد والده، فقد علمه أيضاً مهنة إصلاح الساعات، فأجادها حتى صار من أصحاب الشهره فيها، وأخذ يتكسب رزقه منها.

توجهه إلى علم الحديث واهتمامه به:

لقد نشأ الألباني في بيئة حنفية متعصبة، وكان التقليد والتصوف هما المنهجان السائدان في الشام آنذاك، وكان الألباني على هذا المنوال حيث يأخذه والده لزيارة قبور الأولياء كابن عربي والنابلسي، وكان الجو معاديا لدعوة الكتاب والسنة والتي كانت تُلقب وتُنبز بالوهابية، إلا أن الله عزوجل أراد للألباني أن ينتقل لمنهج الاتباع والاجتهاد والحرص على السنة، يقول الألباني عن ذلك: "فلم أزل على خطى والدي في هذا الاتجاه حتى هداني الله إلى السنة، فأقلعت عن الكثير مما كنت تلقيته عنه مما كان يحسبه قربة وعبادة"، وكان ذلك بتقدير الله لوالده بالهجرة لدمشق فتعلم العربية وقرأ الكتب السلفية، ولذلك كان الألباني يدعو ويشكر لوالديه دوماً هذا الفضل، برغم أن والده رفض منهجه السلفي وخيّره بين أن يوافقه في مذهبه الحنفي أو يفارقه في البيت والعمل، فاختار الألباني أن يتمسك باتباع الدليل الصحيح من القرآن الكريم والسنة، هذا والألباني لم يكن قد بلغ الثلاثين من عمره!!

وقصة تحول الألباني لمنهج الكتاب والسنة كان عن طريق قراءته وهو دون سن العشرين لمجلة المنار التي يصدرها العلامة محمد رشيد رضا في مصر، يحدثنا الألباني عن تلك الفترة فيقول: "أول ما ولعت بمطالعته من الكتب: القصص العربية كالظاهر وعنترة والملك سيف وما إليها. ثم القصص البوليسية المترجمة كأرسين لوبين وغيرها، وذات يوم لاحظت بين الكتب المعروضة لدى أحد الباعة جزءا من مجلة المنار فاطلعت عليه ووقعت فيه على بحث بقلم السيد رشيد رضا يصف فيه كتاب الإحياء للغزالي، ويشير إلى محاسنه ومآخذه .. ولأول مرة أواجه مثل هذا النقد العلمي فاجتذبني ذلك إلى مطالعة الجزء كله ثم أمضي لأتابع موضوع تخريج الحافظ العراقي على الإحياء ورأيتني أسعى لاستئجاره لأني لا أملك ثمنه. ومن ثم أقبلت على قراءة الكتب، فاستهواني ذلك التخريج الدقيق حتى صممت على نسخه".

من هنا كانت شرارة توجه الألباني لدراسة علم الحديث، وفي هذا دلالة هامة جداً على دور المجلات والصحف ووسائل الإعلام الصادقة في هداية المسلمين ونفعهم شباباً ورجالاً وأن الصحف والمجلات سبب هام من أسباب نهضة المسلمين العصرية، فبسبب مقال يشاء الله عز وجل ظهور محدث للعصر!!

وتدور عجلة الزمان ويبدأ الألباني في عام 1372هـ يكتب في المجلات أبحاثا ومقالات في علم الحديث في مجلة (التمدن الإسلامي) يكون لها تأثير كبير في نشر علم الحديث والعناية بالتزام السنة الصحيحة في سوريا وخارجها، وكانت بداية التعريف بالألباني في العالم الإسلامي، ويقول د. أحمد معبد عن هذه المقالات: "كنت أسأل نفسي كيف يعرف الشيخ ناصر الحديث الصحيح من الضعيف... هل هو ساحر"، ثم يصبح د.أحمد معبد شيخاً في علم الحديث.

ومجلة المنار كانت سبباً مهماً في قيام الصحوة الإسلامية الإصلاحية المباركة بل كان بعض المستشرقين يعدها وزارة الإعلام للعالم الإسلامي، وقد كانت تتداول في الشام عند الباعة بسبب ما شهده الشام من دعوة إصلاحية تناولناها في الحلقات السابقة كان من رموزها العلامة طاهر الجزائري والعلامة عبد الرزاق البيطار والعلامة جمال الدين القاسمي والشيخ محمد بهجة البيطار، والذي تعرف عليه الألباني وحضر بعض مجالسه ودروسه.

فواظب الفتى الألباني على مطالعة مجلة المنار والاستفادة من أبحاثها وخاصة تحقيقات رشيد رضا في علم الحديث وكان أول عمل حديثي قام به هو نسخ كتاب "المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" للحافظ العراقي، ولم يكن ذلك مجرد نسخ، فبعد أن نسخ نصف مجلد خطر له أن يقوم بشرح غريب الكلمات، فأعاد نسخ المجلد من جديد مع شرح غريب الكلمات حتى صار التعليق على الكتاب أكثر من المتن، وقد بلغ عدد صفحاته 2000 صفحة!! ويقول الألبانى عن ذلك الجهد: "وأحسب أن هذا المجهود الذي بذلته في دراستي تلك هو الذي شجعني وحبب إليّ المضي في ذلك الطريق"، وأصبح الاهتمام بالحديث وعلومه شغله الشاغل، وأصبح معروفاً بذلك في الأوساط العلمية بدمشق، حتى إن إدارة المكتبة الظاهرية بدمشق خصصت غرفة خاصة له ليقوم فيها بأبحاثه العلمية المفيدة، وسمح له أن يدخلها وقت ما شاء، وبقي الألباني يذكر فضل العلامة رشيد رضا عليه فيقول: "فإنني بفضل الله عز وجل بما أنا فيه من الاتجاه إلى السلفية أولا وإلى تمييز الأحاديث الضعيفة والصحيحة ثانياً يعود الفضل الأول في ذلك إلى السيد رضا رحمه الله عن طريق أعداد مجلته المنار التي وقفت عليها في أول اشتغالي بطلب العلم".

وهنا يجب أن نتنبه لتواصل الأجيال والتأثير غير المباشر لجهود المصلحين، فرشيد رضا يؤسس المنار ويبث فيها دعوته الإصلاحية والتي منها تعظيم السنة والدعوة لتنقيتها من الشوائب التي ألصقت بها فيتشربها الألباني ويجعلها تياراً جارفاً يسري في الأمة، والعلامة طاهر الجزائري يقوم بتأسيس المكتبة الظاهرية سنة 1296هـ - 1880م، والتي يقوم الألباني بعد حوالي 50 سنة بقراءة مخطوطاتها والبالغ عددها نحو عشرة آلاف مخطوط ورقة ورقة وهو يبحث عن ورقة ضائعة من مخطوط (ذم الملاهي) للحافظ ابن أبي الدنيا، وكان أحيانا يبقى واقفا على السلم عدة ساعات يقرأ، هذا كله وهو في إجازة مرضية بأمر الطبيب!!

وبسبب البحث عن هذه الورقة تمكّن الألباني من وضع فهرس لمخطوطات المكتبة الظاهرية! وقد أعاد الألباني قراءة كل المخطوطات في المكتبة الظاهرية ثلاث مرات، ونسخ كل ما فيها من فوائد حديثية، وأصبحت زيارة مكتبات المخطوطات وجمع ما فيها من فوائد حديثية هواية وصِفة لازمة للألباني فقد جمع من مخطوطات الظاهرية، ومكتبة الأوقاف بحلب، والمكتبة المحمودية بالمسجد النبوي، ومكتبة عارف حكمت بالمدينة النبوية، ومكتبة الجامعة الإسلامية، وغيرها من مكتبات المخطوطات حتى تجمع عنده حوالي أربعون مجلداً، وكانت هذه المجلدات الأربعون الثروة العلمية الحديثية التي تفوق بها الألباني في علم الحديث على غيره، ولقلة مالِه كان يكتب هذه الفوائد على ظهر ورق الإعلانات الذي يجمعه من الطرقات أو يشتريه بثمن بخس.

وليس بغريب أن يقرأ الألباني كل هذه المخطوطات، فالجميع يشهد له حتى في شيخوخته بجلَده وصبره على القراءة والبحث والكتابة حتى قبل 50 يوما من وفاته، فكيف كانت همته حين كان شاباً؟ فقد بدأ حياته بتعلم مهنة النجارة، لكن كان يتوقف العمل في الشتاء فاقترح عليه والده أن يعلّمه مهنة تصليح الساعات، فكان يستغل وقت الفراغ وعدم وجود عمل للمطالعة، وبعدما انفصل عن والده في دكان خاص به أصبح يعمل ساعة أو ساعتين في اليوم يحصل بها القوت الضروري لعائلته، ثم يذهب للمكتبة الظاهرية لعدة ساعات، ثم لما أصبح عنده مساعد في الدكان أصبح يعمل ثلاث ساعات يومي الثلاثاء والجمعة فقط، والباقي يقضيه في الظاهرية، فبهذا الجد والاجتهاد والعصامية في التعلم أصبح الألباني محدث الزمان وناصر السنة.

فما عسى أن يقول الشعر في رجل يدعوه حتى عداه ناصر الدين

وهذه المطالعة لمخطوطات الظاهرية ومنها كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية، وغيرهما من أعلام المدرسة السلفية كان لها بالغ الأثر في توجه الألباني السلفي.

دعوة العلامة الألباني:

هذه المطالعة لمجلة المنار ومن ثم مخطوطات الظاهرية وشخصية الألباني القوية والجريئة ساهمت في أن يبدأ الألباني في الجهر بقناعاته الإصلاحية والسلفية في دمشق، والجهر بهذه القناعات كان هو الشيء الجديد على دمشق وأهلها، فقد كان تلاميذ القاسمي موجودين ومعروفين أمثال العلامة بهجت البيطار، والشيخ عبد الفتاح الإمام، رئيس جمعية الشبان المسلمين في سوريا، والشيخ توفيق البزرة، لكن نشاطهم كان بين محبيهم وتلاميذهم، فجاء الألباني يجهر بها بين الناس ويدافع عنها بقوة وشدة، وبكل وضوح وصراحة، وتحمل في سبيل ذلك الكثير من المصاعب والمتاعب، ومن هنا أصبحت السلفية المعاصرة في الشام ترتبط باسم الألباني.

فبدأ الألباني يناقش والده وشيخه وبقية شيوخه حول قضايا التوحيد والشرك مثل الصلاة في المساجد التى بها قبور ونتج عن هذه المناقشات تأليف كتابه "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد"، وتوالت النقاشات والمتاعب حتى طلب منه والده الانفصال عنه بسبب رفض الألباني الالتزام بالصلاة خلف الإمام الحنفي، إذ كانت صلاة الجماعة تقتصر على أتباع كل مذهب لوحده، ولذلك كانت تتكرر الجماعة أربع مرات لكل صلاة في مناقضة تامة لجمع الكلمة ووحدة الأمة بسبب التعصب والجمود الفقهي، فكان الألباني يرفض ذلك ويصلي مع أول إمام مهما كان مذهبه([1])، وكانت هذه من أولى القضايا التي خالف الألباني فيها الجمهور العام، واتهم بالوهابية، وعدم احترام المذاهب الأربعة، ورفعت ضده شكاوى كيدية عند السلطات. ففي مرة من المرات لما رآه الإمام وكان أحد المتعصّبة صاح فيه أمام الناس: يالّا ! بَرَّا ! بَرَّآ ! بَرّآ ! ولما رفض الشيخ الخروج من المسجد وتدخل الناس، صلى بهم لكنه بعد الصلاة عاد للصراخ والتهجم على الألباني وأرسل بعض أتباعه ليعتدوا على الشيخ في الشارع فمنعه أصدقاء الشيخ والمصلون من ذلك!

ولذلك منع الألباني من الخطابة والتدريس في عدد من المساجد والمدن، وسجن مرتين، وفي الأردن وشى به بعض الناس فأبعد من الأردن ثم تدخل بعض الشيخ محمد إبراهيم شقرة لدى الملك الحسين فسمح بعودته للأردن وبقي فيها حتى وفاته، وتعرض خلالها لبعض المضايقات الرسمية والأمنية.

هذا في الوقت الذي وافقه على دعوته أفاضل العلماء من تلاميذ الجزائري والقاسمي وعبد الرزاق البيطار، المعروفون بالعلم والدين في دمشق، والذين شجعوه على الاستمرار قدماً في دعوته، وقد لقيت دعوة الشيخ قبولا بين أوساط المثقفين وطلاب جامعة دمشق، لقدرتهم على فهم دعوة الشيخ، بعكس عامة الناس الأميين الذين تسيطر عليهم الخرافة والتصوف، وقد كانت دروس الشيخ منذ سنة 1943م بدأت في دكانه ثم انتقلت إلى بيوت بعض الإخوة ثم استأجروا لهم مقرا خاصاً للدروس، وفي سنة 1949م أقاموا أول صلاة للعيد بالمصلى وليس بالمساجد.

ومن الملاحظ تأثير البيئة على الشيخ، فهو هاجر من بلده خوفاً على دينه من بطش الحكومة المعادية للإسلام، ولذلك نجده يجعل استئناف الحياة الإسلامية وتطبيق حكم الله من صلب دعوته، كما أن مطالعته لمجلة الشيخ رشيد رضا "المنار" كان لها دور مهم في تكوين وبلورة شخصيته الثقافية وشمولية نظرته، ولذلك حقق الشيخ كتاب "حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام" لرشيد رضا في اهتمام مبكر بالمرأة المسلمة وتقدمها، وخصص لهن درسا خاصا لشرح كتاب "الأدب المفرد" للإمام البخاري.

كذلك وجود الشيخ في بيئة منفتحة ومشاركته علماء عصره أمثال: العلامة البيطار وأساتذة الجامعة السورية وغيرهم، جعلت الشيخ يدرس كتاب "منهاج الإسلام في الحكم" لمحمد أسد، وهو المستشرق اليهودي الذي أسلم، وبهذا يتضح حضور الجانب السياسي في فكر الشيخ مبكراً.

كما أن الشيخ حج أكثر من ثلاثين مرة واعتمر كثيراً وكانت رحلاته مليئة باللقاءات والمناقشات والدروس، وسافر مبكراً لأوربا وبعض البلاد الإسلامية، وكذلك التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، مما أتاح للشيخ أن يحتك بالعلماء الكبار كالعلامة أحمد شاكر والشيخ حامد الفقي والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة والدكتور تقي الدين الهلالي والأستاذ محب الدين الخطيب، ومن إدارة الجامعة الإسلامية العلامة محمد بن إبراهيم وبعده العلامة ابن باز وبالمدرسين في الجامعة والطلاب من بلاد شتى، كل ذلك جعل الشيخ يطلع على كثير من مشاكل وتجارب العمل الإسلامي وينقل رؤيته ودعوته لبلاد كثيرة، مما مكّن الشيخ من تكوين رؤيته السلفية الخاصة بالتغيير والنهضة، هذه الرؤية التي تعد أساس الفكر السلفي الدعوي والحركي المعاصر إن صح التعبير.

وأيضاً هذا الاحتكاك والسفر جعلا دعوة الشيخ تصل إلى أماكن عديدة رغم ضعف وسائل الاتصال في ذلك الزمن.



مراحل دعوة الألباني:

ويمكن تقسيم دعوة الشيخ الألباني إلى ثلاث مراحل:

أولاً: دعوته في سوريا

والتي تمثل مرحلة التكوين، فقد كان الشيخ في قوة الشباب وبداية حياته العلمية والدعوية، وكانت له دروس علمية يعقدها مرتين كل أسبوع ويحضرها طلبة العلم وبعض أساتذة الجامعات ومن هؤلاء الأستاذ أحمد راتب النفاخ ود. محمد رشاد سالم المصري، محقق كتاب منهاج السنة لابن تيمية، ومن الكتب التي كان يدرسها في حلقات علمية:

- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب.

- الروضة الندية شرح الدرر البهية للشوكاني، شرح صديق حسن خان.

- أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف.

- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير، شرح أحمد شاكر.

- منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد.

- فقه السنه لسيد سابق.

وكان الشيخ وهو في العشرينيات من عمره يكتب المقالات للمجلات مثل مجلة (التمدن الإسلامي) التي يرأسها الأستاذ أحمد العظمة ومجلة (المسلمون) التي يرأسها الدكتور مصطفى السباعي.

وأصبح له جولات دعوية منتظمة شهرياً لعدد من المحافظات كحمص وحماة وإدلب وحلب والرقة واللاذقية، وكان لها دور مؤثر في نشر الدعوة للتمسك بالكتاب والسنة وفهم السلف.

وتميزت هذه المرحلة بالانفتاح على الجماعات الإسلامية، فكان بعض قادة الإخوان يحضرون دروسه كالأستاذ عصام العطار، والشيخ زهير الشاويش وغيرهما، كما كتب الشيخ في مجلة الإخوان المسلمين المصرية تعليقات على كتاب "فقه السنة"، وأرسل له حسن البنا رسالة يحثه فيها على الاستمرار في الكتابة للمجلة، وكان الألباني من المتطوعين للجهاد في فلسطين عام 1948م مع جماعة الإخوان المسلمين، كما قابل في هذه الفترة العديد من قادة الجماعات كالشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير، وكانت له جولات دعوية داخل وخارج سوريا.

كما التقى ببعض قادة الفرق الضالة مثل عبدالله الحبشي ورد عليه، وكذلك القاديانيين.

وقد طلبت منه كلية الشريعة بجامعة دمشق تخريج أحاديث البيوع الخاصة بموسوعة الفقه التي عزمت الجامعة على إصدارها عام 1955م. كما اختير عضواً في لجنة الحديث التي شكلت في عهد الوحدة بين مصر وسوريا (1958-1961م)، للإشراف على نشر كتب السنة وتحقيقها.

وقد عمل الشيخ الألباني في المكتب الإسلامي الذي أسسه الشيخ زهير الشاويش في تحقيق التراث الإسلامي ونشر السنة وهو مما ساهم في نشر دعوة ومؤلفات وتحقيقات الشيخ في بلدان كثيرة.

وقد عاش الشيخ تقلبات الشام السياسية سواء الظلم الواقع عليها بسبب الاحتلال الفرنسي وتداعيات الثورة ضد الفرنسيين، ثم الحكومات الوطنية، وصولاً لمرحلة الانقلابات، ثم استيلاء البعثيين على الحكم واستفراد العلويين منهم بالحكم بالحركة التصحيحية التي قام بها حافظ الأسد عام 1970م.

تعرض الشيخ الألباني شأنه شأن رموز العلم والإصلاح دوماً للابتلاء، فقد سجن مرتين، الأولى كانت قبل عام 1967 حيث اعتقل لمدة شهر في قلعة دمشق، وهي نفس القلعة التي سجن فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وعندما قامت حرب الـ 67 رأت الحكومة أن تفرج عن جميع المعتقلين السياسيين، لكن بعدما اشتدت الحرب عاد الشيخ إلى المعتقل مرة ثانية بسب الوشايات وشهادت الزور ضده عند الحكام، فسجن في سجن الحسكة شمال شرق دمشق ثمانية أشهر، وفي السجن اختصر صحيح مسلم وهو من كتب الشيخ المفقودة، واجتمع مع شخصيات كبيرة في المعتقل.

وفي سنة 1980م هاجر الشيخ إلى الأردن وبقي فيها رحمه الله حتى توفي عام 1999م.

ومن تلاميذ الألباني في هذه المرحلة: أخوه الكبير محمد ناجي أبو أحمد - توفي مبكرا- ومن أشد مناصري الألباني ودعوته: الشيخ محمد عيد عباسي، الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي، الأستاذ خير الدين وانلي، الشيخ علي خشان، الشيخ عدنان العرعور، الشيخ محمد جميل زينو، الشيخ عبد الرحمن عبد الصمد، الأستاذ محمود مهدي الأستانبولي، ومن الذين استفادوا من الشيخ وتأثروا بمنهجه: الأستاذ زهير الشاويش، الأستاذ عصام العطار، الشيخ الدكتور عبد الرحمن الباني.

يتبع



ابو معاذ المسلم 04-02-2021 12:28 PM

رد: :: سلسلة رموز الإصلاح
 
ثانياً: مرحلة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة :

وهي على قصرها التي لم تتعدّ ثلاث سنوات (1381- 1383/ 1961-1963) تعد مرحلة هامة جداً في حياته، ذلك أنها أوجدت للشيخ تلاميذ حملوا دعوته لبلاد لم يزرها أو يعرفها، وأصبح هناك تيار ينسب للشيخ في العالم وليس سوريا فقط، لأنه درّس منهجه في علم الحديث عمليا وبطريقة أكاديمية للطلاب، وأحدث بذلك نقلة في شعبية علم الحديث في العالم بعد أن كان علماً نظرياً لا يعرفه إلا أفراد محدودون، ورسخ رؤيته الدعوية بين السلفيين. خاصة إذا علمنا أن الشيخ الألباني والشيخ محمد بن عبد الوهاب البنا هما اللذان رعيا في الجامعة الإسلامية الرحلة الأسبوعية للطلبة والتي كانت مدرسة دعوية علمية خرّجت العديد من العلماء والدعاة.

وكل من كتب عن الألباني في الجامعة الإسلامية ذكر نشاط الشيخ في التدريس حتى في الفسحة بين المحاضرات، وأما جلساته ولقاءاته بعد الدوام الجامعي فكانت دوما مناقشات وبحوث يدرب فيها الطلاب على النقاش وطلب الدليل للوصول للقناعة، وكانت هذه اللقاءات والجلسات سببا في تعرف الألبانى على كثير من العلماء والدعاة والمدرسين من السعودية وغير السعودية ومن السلفيين وغير السلفيين، وكانت سبباً أيضاً في التعريف به عندهم.

وقد سعد الشيخ بسكنى المدينة المنورة وقال: "وجدت مناخاً رائعاً جداً، لديهم استعداد لتقبل الدعوة أولاً، والمنهج العلمي الذي أنا فطرت عليه وظللت عليه ثانياً"، وقد طلب منه وزير المعارف السعودي – آنذاك- الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ في عام 1388هـ أن يتولى الإشراف على قسم الدراسات الإسلامية العليا في جامعة أم القرى بمكة، لكن حالت بعض الظروف دون ذلك، ولكن تم اختياره عضوا في المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من عام 1395- 1398هـ.

وقد أوصى الشيخ أن توقف مكتبته الشخصية بعد وفاته لصالح مكتبة الجامعة الإسلامية، في رد للجميل للجامعة ومكتبتها والمكتبات العامة على الشيخ، وقال الشيخ في وصيته: "لأن لي فيها ذكريات حسنة في الدعوة للكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح يوم كنت مدرساً فيها راجياً من الله تعالى أن ينفع بها روادها كما نفع بصاحبها – يومئذ- طلابها"، وهذا تواصل مع منهج الإصلاح الذي أسسه طاهر الجزائري بتأسيس المكتبة الظاهرية والتي تعذر على الألباني إهداؤها مكتبته لها وهي تحت حكم العلويين البعثيين من آل الأسد الذين فر بنفسه وأهله وكتبه من بطشهم قبل 30 سنة.

ومن أبرز تلاميذ الشيخ في المدينة: الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، الدكتور الشيخ عمر الأشقر الذي كان أمين مكتبة الجامعة وجار الشيخ في السكن، الشيخ مقبل الوادعي، الشيخ ربيع بن هادي المدخلي.



ثالثاً مرحلة الإقامة بالأردن :

هذه هي المدة الأخيرة من حياة الشيخ، وقد بدأت سنة 1980م، وكان عمر الشيخ حينها يقارب 66 سنة، وامتدت هذه المرحلة حتى وفاته سنة 1999م، ويحدثنا الألباني عن فراره بدينه من سوريا وهجرته للأردن فيقول: "هاجرت بنفسي وأهلي من دمشق الشام إلى عمان، في أول رمضان سنة 1400هـ فبادرت إلى بناء دار لي فيها آوي إليها ما دمت حياً، فيسر الله لي ذلك بمنّه وفضله وسكنتها بعد كثير من التعب والمرض أصابني من جراء ما بذلت من جهد في البناء والتأسيس، ولا زلت أشكو منه شيئاً قليلاً".

جعل الشيخ أعماله العلمية خلال إقامته بالأردن أولوية شبه مطلقة، على حساب نشاطه الدعوي، فها هو يقول: "فإنه ما كاد بعض إخواننا في الأردن يشعرون بأنني استقررت في الدار، حتى بدؤوا يطلبون مني أن أستأنف إلقاء الدروس التي كنت ألقيها... وعلى الرغم من أنني ما كنت عازماً على شيء من الإلقاء، لأوفر ما بقي من نشاط وعمر لإتمام بعض مشاريعي العلمية"، ولهذا الموقف عدة أسباب منها: بلوغ الشيخ هذا السن، واضطراب الوضع السياسي في المنطقة، وتعرض الشيخ للطرد من الأردن بسبب وشاية المخالفين لدعوة الكتاب والسنة والذين يعرفون خطورة الشيخ عليهم، فالشيخ كان له زيارات سابقة للأردن لزيارة ابنته المقيمة بعمان، وكان يلقي بعض الدروس في زياراته، وبعضها كان يتمّ في مقر جماعة الإخوان المسلمين بمدينة الزرقاء، وكان الألباني قد زار الأردن بدعوة من جماعة الإخوان عام 1973م لمعالجة انشقاق في جماعة الإخوان نتيجة فكر تبنى تكفير المجتمع بكامله، وتمكّن الشيخ من معالجة هذه الفتنة والقضاء عليها.

هذا التغيير في حياة الشيخ وتقليل النشاط الدعوي كان لمجمل هذه الأسباب، ولكن مع هذا الاهتمام بالجانب التأليفي إلا أن الشيخ بقي على تواصل مع الناس والعامة من خلال اللقاءات العامة في المناسبات الاجتماعية، وكذلك من خلال تلقي الاتصالات الهاتفية، وقد سجلت هذه اللقاءات والاتصالات فبلغت أكثر من ألف شريط.

ومن أبرز تلاميذ الألباني في الأردن: الشيخ محمد إبراهيم شقرة، الشيخ علي حسن الحلبي، الشيخ مشهور حسن سلمان، الشيخ محمد موسى نصر، الشيخ حسين العوايشة، والشيخ عصام هادي، وغيرهم.

منهج الألباني:

الدعوة الإسلامية العلمية تشكل لب رؤية الشيخ المنهجية للتغيير والإصلاح، والتي تعد أساس الفكر السلفي المعاصر، وهو يؤمن أن هذه الرؤية هي الموصلة للدولة الإسلامية، فهو يقول: "الذين يشتغلون بالدعوة هم الذين يشتغلون بإقامة الدولة المسلمة، لكن لا يلهجون بهذا الكلام، ولا يستغلون عواطف الناس، وإنما يعملون على السكوت والصمت"، وقد تحققت هذه الرؤية في مصر حيث فاجأ السلفيون الجميع بتصدر المشهد السياسي اعتماداً على جهودهم العلمية الهادئة طيلة العقود الماضية، والشيخ يعتبر نفسه امتدادا لحركة مصلحي الشام الذين لم يشكلوا إطارا أو تنظيما لتجسيد هذه الرؤية والتي كان يعبر عنها الألباني بقوله: "دعوتنا ثقّف ثم كتّل"، بعكس الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي كان له سعي قوي للتحالف مع قوة سياسية لتجسيد رؤيته الدعوية.

لكن الألباني الذي عاصر ظهور الجماعات الإسلامية قام بتأطير الدعوة السلفية في نقاط محددة حتى تتبين معالم الدعوة السلفية ويسهل فهمها لدى الجيل الجديد الذي أصبح يرغب بالنقاط العملية والمركزة وينفر من البيانات الإنشائية والبلاغية، فصاغ الألباني خمس نقاط تحدد معالم منهجه ودعوته وهدفه، سماها (دعوتنا) هي:

1- الرجوع إلى الكتاب الكريم والسُّنَّة الصحيحة، وَفَهمُهُما على النهج الذي كان عليهِ السَّلَف الصالح رضوان الله عليهم.

2- تعريف المسلمين بدينهم الحق ودعوتهم إلى العمل بتعاليمه وأحكامه، والتحلي بفضائله وآدابه، التي تَكْفُلُ لهم رِضوانَ الله، وتُحَقق لهم السعادة والمجد.

3- تحذير المسلمين من الشِّرك على اختلاف مظاهره، ومن البدع والأفكار الدخيلة، والأحاديث المنكرة والموضوعة، التي شَوَّهَت جمال الإسلام وحالت دون تقدم المسلمين.

4- إحياء التفكير الإسلامي الحر في القواعد الإسلامية، وإزالة الجمود الفكري الذي ران على عقول كثير من المسلمين، وأبعدهم عن منهل الإسلام الصافي.

5- السعي نحو استئناف حياة إسلامية وإنشاء مجتمع إسلامي وتطبيق حكم الله في الأرض.

هذه دعوتنا؛ ونحن ندعو المسلمين جميعاً إلى مؤازرتنا في حمل هذه الأمانة التي تنهض بهم.

آليات الألباني :

ولتحقيق هذه الأهداف فقد اعتمد الألباني عددا من الآليات هي:

1- التصفية والتربية: وهي عند الألباني نقطة البدء بالإصلاح لحل مشكلة ضياع وتخلف المسلمين، والمقصود بالتصفية تقديم الإسلام إلى الشباب المسلم مصفى من كل ما دخله على مد هذه القرون والسنين الطوال من العقائد الباطلة ومن الخرافات والبدع والضلالات، ومن ذلك ما دخل فيه من أحاديث غير صحيحة وقد تكون موضوعة ... فالتصفية إنما يراد بها تقديم العلاج الذي هو الإسلام الصحيح الذي حقق للأمة من قبل العزة والرفعة، وحين تم خلطه بالبدع والشركيات تخلفت الأمة وانحطت بين الأمم؛ وقد تركز جهد الشيخ في هذا الباب وقد جعل مشروعه الشخصي لنهضة الأمة "تقريب السنة بين يدي الأمة" وقد وُفق توفيقا كبيراً بفضل الله.

أما التربية فالمقصود بها تنشئة الجيل على الإسلام الصحيح عقيدة وعبادة وسلوكاً، ولكن الشيخ لم يفصل كثيراً في تفاصيل تطبيق وتنفيذ الأمة ولذلك لا يزال كثير من أتباع الشيخ لا يفهم من العملية التربوية سوى عنوانها!!

2- من السياسة اليوم ترك السياسة: يكرر الشيخ الألباني أن السياسة جزء مهم من الإسلام، ولكنه يعتقد أن مشاركة السلفيين في السياسة ليس هذا أوانه بل في مرحلة تالية، وهو يشرح موقفه من السياسة بقوله: "نحن لا نشتغل في السياسة لكن ليس لأن الاشتغال في السياسة ليس من الإسلام لا، السياسة من الإسلام ... فنحن لا ننكر وجوب الاشتغال بالسياسة لكننا رأينا في هذا الزمان أن من السياسة ترك السياسة. والغرض الآن نوافق على عدم الاشتغال وقتياً وإلا فكيف يمكن إقامة الدولة المسلمة إلا بمثل هذه السياسة لكن الذين ينبغي أن يشتغلوا بالسياسة ينبغي أن يكونوا علماء أن يكونوا فقهاء أن يكونوا علماء بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح".

وفي الحقيقة أن هذا موقف سياسي من الشيخ فقد علّله بالسياسة وليس بالدين، وثانيا نحن اليوم نجد عددا من الحركات الإسلامية السياسسة تتخذ قرار المقاطعة والمشاركة في اللعبة السياسية لعدم الجدوى منها، وهذا هو لب موقف الشيخ من المشاركة السلفية السياسية: مطلوبة حين تكون مجدية سواء من صلاحية البيئة السياسية للمشاركة السلفية – كما حدث في مصر- ومن ناحية وجود قوة مؤثرة للسلفيين عند مشاركتهم.

3- دعوتنا ثقّف ثم كتّل: عايش الشيخ عددا من التكتلات الإسلامية في عصره (جماعة الإخوان، حزب التحرير، الجماعة الإسلامية الهندية، جماعة الدعوة والتبليغ ...) وأدرك خطورة سياسة التجميع دون تربية وتوعية، ولذلك كان يلخص الفرْق بين الدعوة السلفية وغيرها من الجماعات الإسلامية بقوله: "دعوتنا ثقّف ثم كتّل، وغيرنا كتل ثم ثقف ثم لا شيء".



الدور الإصلاحي الذي حققه الألباني:

يمكن أن نجمل دور الألباني في محورين هما: إنتاجه العلمي في المقالات والكتب والمحاضرات، وترسيخه لمنهج تحقيق السنة والفقه المقارن في العالم الإسلامي.

1- إنتاجه العلمي:

تميز إنتاج الألباني العلمي بكونه ينتظم ضمن مشروعه الكبير "تقريب السنة بين يدي الأمة"، وتميز بسهولة العبارة ووضوحها بخلاف الشائع في زمنه كأثر من آثار التخلف والجمود والتعصب الفقهي، وتميز بتلبية حاجات المجتمع الآنية وترسيخ منهج الدعوة للكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، وتميز أيضاً بالاختصار واليسر كما في كتابه "صحيح الجامع الصغير".

ومن يتأمل إنتاج الشيخ والذي بلغ 230 منتجا بين تأليف وتخريج وتعليق وفتوى بخلاف الأشرطة يجد أن الشيخ شارك في كافة المجالات تقريباً، وهذا التفصيل:

* فهو كتب وخرّج وحقّق في ما يخص تصحيح عقائد الناس مثل: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، التوسل أحكامه وأنواعه، الاحتجاج بالقدر لابن تيمية، أصول السنة واعتقاد الدين للحميدي (خ)، شرح العقيدة الطحاوية، العقيدة الطحاوية شرح وتعليق، وغيرها.

* كتب في علوم القرآن: معالم التنزيل للبغوي(خ)، بين يدي التلاوة(خ)، كيف يجب أن نفسر القرآن.

* وكتب في العبادات والمعاملات مثل: صفة الصلاة وله فيها ثلاثة كتب كبير وصغير ومختصر، وحجة النبي صلى الله عليه وسلم، أحكام الجنائز، أحكام الركاز (خ) حجاب المرأة المسلمة، حقيقة الصيام، آداب الزفاف، المسح على الجوربين، وإصلاح المساجد لجمال الدين القاسمي.

* كتب في السيرة : فقه السيرة للغزالي، دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على جهالات الدكتور البوطي في فقه السيرة.

* كتب في تخريج أحاديث الفقه الحنبلي: ويعد كتابه (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل) أول كتاب حديثي يختص بالمذهب الحنبلي، ويلحق بهذا كتابه (الذب الأحمد عن مسند الإمام أحمد).

* كتب في فقه الدليل والفقه المقارن: التعليقات الرضية على الروضة الندية، تمام المنة، الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب.

* كتب في السنة النبوية تخريجاً وتحقيقاً وتأصيلاً مثل: مختصر البخاري ومسلم، وتخريج وتحقيق كتب السنن الأربعة، والسلسلة الصحيحة والضعيفة، العودة للسنة(خ)، الحديث حجة بنفسه، وغيرها.

* كتب في علم الحديث: الإكمال في أسماء الرجال للتبريزي، الباعث الحثيث، تاريخ دمشق.

* كتب في تصحيح المفاهيم: إرشاد النقاد في تيسير الاجتهاد للصنعاني(خ)، حقوق النساء لرشيد رضا، الدعوة السلفية أهدافها وموقفها من المخالفين(خ)، فقه الواقع، المصطلحات الأربعة للمودودي.

* كتب في تزكية النفوس: صحيح الكلم الطيب، رياض الصالحين، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، كلمة الإخلاص لابن رجب، لفتة الكبد في تربية الولد لابن الجوزي، مساوئ الأخلاق للخرائطي.

* فهارس علمية للكتب والمكتبات: أسماء الكتب المنسوخة من المكتبة الظاهرية(خ)، بغية الحازم في فهارس مستدرك الحاكم(خ)، فهرس كتاب الكواكب الدراري لابن عروة الحنبلي، فهرس المخطوطات الحديثية في مكتبة الأوقاف الحلبية، منتخبات من فهرس المكتبة البريطانية(خ).

* كتب في الرد على المنحرفين: الرد على التعقيب الحثيث للحبشي، التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، الرد على أرشد السلفي، الرد على كتاب المراجعات لعبد الحسين شرف الدين الرافضي(خ).

تكامل الشيخ مع الجهود الإصلاحية الأخرى:

آمن الشيخ الألباني بتكامل الجهود في العمل الدعوي، وخاصة في مجال التثقيف والتأليف، وكان يرى أن من تطبيقات مبدأ "التصفية" الذي يؤمن به: المساهمة في تصفية بعض الكتابات العصرية المهمة لرموز الدعوة الإسلامية من الأحاديث الضعيفة، لما لها من دور مهم في "تربية" الصحوة الإسلامية ومن ذلك :

- تعقيبه على كتاب "الحجاب" وتخريج أحاديث كتاب "المصطلحات الأربعة في القرآن" لأبي الأعلى المودودي.

- كتاب "المرأة المسلمة" لحسن البنا، قام الألباني بمراجعته والتعليق عليه وتخريج أحاديثه.

- ألف الشيخ كتابا مستقلا هو "غاية المرام في تخريج أحاديث كتاب الحلال والحرام" للشيخ يوسف القرضاوي، وخرج أحاديث كتابه "علاج مشكلة الفقر".

- تخريج أحاديث كتاب "فقه السيرة" للشيخ محمد الغزالي.

- تخريجه لأحاديث كتاب "فقه السنة" للشيخ سيد سابق، وسماه "تمام المنة".

والمتأمل في هذه الكتب التي اعتنى الشيخ الألباني بها يجد بكل وضوح أنها كتب تخدم أهداف الشيخ في تربية المسلمين على الأحكام الشرعية الصحيحة، مما يحقق وجود المجتمع المسلم، الذي يعد بداية "السعي نحو استئناف حياة إسلامية وإنشاء مجتمع إسلامي وتطبيق حكم الله في الأرض" .

وعناية الشيخ بهذه الكتب التي ألفها قادة بارزون في جماعات غير سلفية ، تثبت جدية موقف الشيخ في التعاون بين الجماعات على ضوء الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة.



2- المحور الثاني للدور الإصلاحي للألباني: ترسيخ منهج تحقيق السنة والفقه المقارن في العالم الإسلامي

لقد وفق الله عز وجل الألبانى لترسيخ منهج تحقيق السنة حتى أصبح منهجاً راسخاً أكاديمياً وشعبياً فلا يقبل حديثا دون تحقيق وبيان صحته، ولا يقتصر هذا على السلفيين بل أصبح لكثير من خصومهم عناية بتخريج الأحاديث وتحقيقها، بعد أن كان هذا نسياً منسياً حتى عند علماء السعودية، يقول العلامة ابن عثيمين عن دور الشيخ في هذا الباب: "إن كثيرا من المشايخ قبل دعوة الشيخ ما كانوا يفرقون بين الحديث الصحيح والضعيف والموضوع، ومن المشايخ من كان يفتي ويبني فتواه على أحاديث ضعيفة بل بعضها موضوع، فبدأ الشيخ ينشر هذا العلم الشريف حتى تبصر الناس وعرفوا الصحيح من الضعيف، فجزاه الله خير الجزاء".

كما أن أبحاث الشيخ ومناقشاته للمسائل الفقهية على منهج اتباع الدليل ترسخ حتى أصبح هو المنهج المتبع في الجامعات باسم "الفقه المقارن"، وقد كان للشيخ دور بارز في ترسيخ هذا النهج من خلال تمييز صحة الأحاديث ونشر السنن العملية المجهولة لكثير من الفقهاء حتى أصبح الاعتماد على الآثار ركن أساسي في الأبحاث المعاصرة، ويندر أن تجد بحثا فقهيا لا يعتمد على تخريجات الألباني كأساس أو مساندة.

وهذا المنهج المقارن المعتمد على الدليل هو الذي فتح باب الاجتهاد المعاصر وقضى على الجمود والانغلاق وتخلص المسلمون من كثير من الفتاوى المتعنتة دون حق، مثل فتوى عدم طهارة الجنب الذي يضع حشوة في أسنانه، والتي تنازع فيها الألباني مع والده فيها، ومن ثم تراجع والده لرأيه.



وفاته رحمه الله تعالى:

كانت وفاته رحمه الله عصر يوم السبت 22 جمادى الآخرة 1420ه الموافق 2/11/1999م، في مدينة عمان بالأردن، وقد بلغ 85 عاماً، وصلى عليه وشيعه آلاف من محبيه وتلاميذه في نفس الليلة بحسب وصيته.

ولعل من الكلمات المختصرة التي وصفت الشيخ الألباني بعمق ما قاله الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق دفاعاً عن الشيخ ضد هجوم مجلة المجتمع الكويتية على الألباني:

"لم ينضم ناصر الدين طيلة حياته إلى جماعة معينة من جماعات الدعوة، ولم يعادِ أي مجموعة منها ونصح لها جميعاً، ولم يدخر وسعاً في تربية شباب أي مجموعة منها، وقام بنشر العلم الشرعي بكل طاقته في كل اتجاه، وتلامذة الشيخ من جميع الجماعات والتنظيمات الإسلامية فله تلاميذ وأحباب من جماعة الإخوان المسلمين ومن جماعة حزب التحرير ومن جماعة عباد الرحمن ومن السلفيين، ولم ينشء الشيخ تنظيماً خاصاً ولا أقام جماعة خاصة بنظام خاص، لا لعجزه عن ذلك ولا لأنه يرى أن هذا حرام وإثم، ولكن لأنه يرى أن الأولى به أن ينشر علمه للناس جميعاً وللجماعات كافة وذلك أنه يرى أن المنهج السلفي لفهم الدين هو المنهج الكفيل بعودة المسلمين إلى الدين الحق عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقاً".


مراجع للتوسع:

· حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه، محمد إبراهيم الشيباني.

· علماء الشام في القرن العشرين، محمد حامد الناصر.

· محدث العصر الإمام محمد ناصر الدين الألباني كما عرفته، عصام موسى هادي.

· الألباني بقلمه، عصام هادي.

· الإمام الألباني دروس ومواقف وعبر، عبدالعزيز السدحان.

· محمد ناصر الدين الألباني محدث العصر وناصر السنة، إبراهيم العلي.


· مقالات الألباني، نور الدين طالب.

· علماء ومفكرون عرفتهم، محمد المجذوب.



[1] وفي آخر حياة والده لان الأب لدعوة الابن وأصبح يعترف له بصواب بعض ما يدعو إليه، وكانت علاقته به طيبة.


الساعة الآن : 01:15 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 159.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 159.16 كيلو بايت... تم توفير 0.35 كيلو بايت...بمعدل (0.22%)]