ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الحج والعمرة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=75)
-   -   حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=211349)

ابوالوليد المسلم 06-09-2019 02:37 AM

حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى
 
حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى
الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح




ووجوب الفدية لحلقه، وبيان قدرها






عن كَعْب بْن عُجْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلًا، فَقَالَ: ((أَيُؤذِيكَ هَوَامُّكَ؟))، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَاحْلِقْ رَأْسَكَ))، قَالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: 196]، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ (وَالْفَرَقُ ثَلاثَةُ آصُعٍ) أَوِ انْسُكْ مَا تَيَسَّرَ))، وفي رواية: ((أَوِ اذْبَحْ شَاة)).



تخريج الحديث:

الحديث أخرجه مسلم، حديث (1201)، وأخرجه البخاري في " كتاب: الحصر" "باب: قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة: 196]"، حديث (1814)، وأخرجه الترمذي في "كتاب: الحج" "باب: ما جاء في المحرم يحلق رأسه في إحرامه ما عليه"، حديث (953)، وأخرجه النسائي في "كتاب: مناسك الحج" "باب: في المحرم يؤذيه القمل في رأسه"، حديث (2851).



شرح ألفاظ الحديث:

((يَتَهَافَتُ قَمْلًا))؛ أي: يتساقط ويتناثر قملًا، والقمل: حشرة معروفة تنتشر في البدن بسبب كثرة الأوساخ غالبًا، وكان القمل يتناثر من رأس كعب رضي الله عنه على وجهه؛ لكثرته، ولا يقتله كعب رضي الله عنه؛ لكونه مُحْرِمًا.



وعند أحمد رحمه الله: "وقع القمل في رأسي ولحيتي حتى حاجبي وشاربي، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليَّ فدعاني، فلما رآني قال: لقد أصابك بلاء ونحن لا نشعُر، ادعُ لي الحجَّام فحلقني، وعند أبي داود: "أصابتني هوامُّ حتى تخوَّفْتُ على بصري - وكان ذلك في الحديبية - كما جاء في رواية البخاري في الصحيحين، قال كعب رضي الله عنه: "وقف عليَّ رسول الله بالحديبية، ورأسي يتهافت قملًا"، [حديث رقم (1815)].



((أَيُؤذِيكَ هَوَامُّكَ)): الهوامُّ: بتشديد الميم، جمع هامة، وهي ما يدبُّ من الأحشاش، يقال لها: هوامُّ الأرض، وصُرِّح بالنوع في حديث الباب، وأنه القمل.



((فَفِيَّ نَزَلَتْ))؛ أي: في شأني نزلت هذه الآية.



((تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ)): الفَرَقَ: بفتح الفاء، وأما الراء ففيها لغتان: الفتح، والإسكان، والفرق جاء تفسيره بثلاث آصع، وهو جمع صاع، يساوي أربعة أمداد - يساوي كيلو وأربعين جرامًا، والصاع كما تقدَّم بيانه في كتاب الطهارة والزكاة، ونصف الصاع مدان ما يعادل كيلو وعشرين جرامًا، وظاهر الحديث الإطلاق سواءً كان برًّا أو تمرًا كما في الرواية الأخرى عند مسلم، أو غيره من أنواع الطعام.



((أَوِ انْسُكْ مَا تَيَسَّرَ)): جاء بيانه في الرواية الأخرى ((أو اذْبَحْ شَاة)).



من فوائد الحديث:

الفائدة الأولى: الحديث دليل على أن المحرم إذا كان به أذى من رأسه؛ كقمل أو نحوه، فإنه يجوز له أن يحلق رأسه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فَاحْلِقْ رَأْسَكَ))، ولا إثم عليه؛ لأنه حلق لعذر؛ ولكن تجب عليه الفدية؛ لما في حديث الباب من دلالة على ذلك: قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: 196]، وما جاء في الحديث مبينًا لما أجمل في الآية؛ حيث خيَّر النبي صلى الله عليه وسلم كعبًا بين: صيام ثلاثة أيام، أو التصدُّق بثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، ويقال في هذه الفدية ما يلي:

أولًا: ظاهر الحديث أن الفدية على التخيير، وهو ظاهر الآية أيضًا، فهو الذي يفيده حرف العطف (أو)، والتخيير بخلاف ما يفعله بعض المفتين - هداهم الله - يلزمون من فعل محظورًا بالدم، وفي هذا تضييق على الناس.



قال ابن عبدالبر رحمه الله: "عامة الآثار عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم، وبالله التوفيق"؛ [انظر: التمهيد (2/ 238)].



ثانيًا: صيام ثلاثة أيام لا يشترط فيها التتابُع لعدم الدلالة عليه، والقاعدة [أن ما أطلقه الشرع لا ننقله إلى التقييد إلا بدليل]، ولا دليل على التقيُّد بالتتابُع.



ثالثًا: التصدُّق بثلاثة أصواع على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من الطعام، ولا نُقيِّده بطعام مخصوص؛ كالتمر، والبر، ونحوهما للقاعدة السابقة أن ما ورد مطلقًا يُعمل به على الإطلاق حتى يأتي دليل على تقيده، ولا دليل ينصُّ على أنه لا بدَّ من طعام معين؛ بل سائر الطعام، ويُقال من باب الفائدة: أن كل المواضع التي ورد فيها إطعام المساكين؛ ككفَّارة اليمين، وكفَّارة من لم يستطِعْ صوم رمضان؛ لكبر أو مرض لا يُرْجى برؤه وغيرها من المواضع، فالإنسان مخيَّر فيها بين طريقتي الإطعام؛ إن شاء أطعمهم طعامًا مطبوخًا، فيغديهم أو يعشيهم، وإن شاء يملكهم غير مطبوخ، إلا في هذا الموضع، وهو فدية الأذى لا بدَّ أن يملكهم؛ لدلالة النص عليه فقد جاء في رواية البخاري: ((أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع)).



رابعًا: ذبح شاة ورد عامًّا غير مقيَّد بالحرم، فيدفعها لمستحقِّيها في مكان فعل المحظور، وله أن يجعلها في الحرم؛ لكن لا يلزمه بالحرم؛ لعدم الدلالة على التقييد، وللقاعدة السابقة بأن ما لم يكن مقيدًا فلا نقيده إلا بدليل، وإلا فهو مطلق، والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الباب لم يأمر كعب بن عجرة رضي الله عنه أن ينسك الشاة، ويُوزِّعها في الحرم مع حاجته لهذا البيان، والقاعدة [أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة]، فلمَّا لم يبيِّن له دلَّ على عدم وجوبه في الحرم، وكذلك إطعام المساكين الستة لا يلزم أنه يكون بالحرم؛ لعدم الدليل على التقييد، فيخرجه في مكان فعل المحظور أو في الحرم؛ وبهذا قال مالك وأحمد رحمهما الله؛ [انظر: مختصر خليل، ص (12)، والمغني (5/450)].



والقول الثاني: أنه لا بدَّ أن تكون لمساكين الحرم، وبه قال الشافعي، وراوية عند أحمد رحمهما الله؛ [انظر: مغني المحتاج (1/ 530)، والمغني (5/ 450)، والإنصاف (3/ 532)].



والقول الأول هو الأظهر، فيجوز فعلها في مكان المحظور؛ قال ابن حجر رحمه الله: "وبه قال أكثر التابعين"؛ [انظر: الفتح "كتاب المحصر" "باب: النسك شاة"، حديث (1817)].



ولو أخرجها في الحرم جاز ذلك؛ لأن القاعدة في هذا [أن ما جاز في الحل، جاز في الحرم، ولا عكس في ذلك]، ففدية الأذى كما في حديث الباب جائز إخراجها في مكان فعل المحظور، وهو الحل فيجوز إخراجه في الحرم أيضًا، ولا عكس في ذلك؛ كفدية الصيد حتى لو كان قتل الصيد في الحل لا بد من إخراج الفدية في الحرم؛ لقوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾ [المائدة: 95]، فلا يجوز إخراجه في الحل بأي حال.



الفائدة الثانية: حلق الرأس هو المحظور الوحيد الذي دلَّ عليه النص في وجوب الفدية التي في حديث الباب، وألحق العلماء بحلق الرأس لبس المخيط، وتغطية الرأس، وتقليم الأظفار، والطيب؛ فأوجبوا فيها الفدية؛ كحلق الرأس على التخيير قياسًا على حلق الرأس؛ لأن العلة واحدة؛ وهي الترفه، وبهذا قال جمهور العلماء رحمهم الله، والأظهر - والله علم - أن العلة ليست ظاهرةً بالترفه؛ لأن المحرم ليس ممنوعًا من الترفه، فله أن يترفه بما شاء من المأكولات والمشروبات، ويغير إحرامه، وله أن يغتسل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة – وسيأتي بإذن الله – ولا دليل من كتاب ولا سنة بأن العلة هي الترفُّه فإيجاب الفدية على من قلَّم أظافره، أو لبس مخيطًا، أو تطيَّب، أو غطى رأسه، يحتاج إلى دليل ولا شكَّ، أن فاعلها من غير عذر، ارتكب محظورًا يأثم عليه؛ [انظر: الممتع؛ لشيخنا ابن عثيمين (7/ 186)].



الفائدة الثالثة: حديث الباب دلَّ على أن من احتاج إلى حلق رأسه جاز له حلقه، ولا يأثم بذلك، وهكذا يقال فيمن احتاج إلى فعل أي محظور، وبناءً عليه نقول: إن فاعل المحظور لا يخلو من ثلاث حالات:

الحال الأولى: أن يفعل المحظور بلا عذر شرعي ولا حاجة، فهذا يأثم، وعليه فدية المحظور إن كان له فدية.



الحال الثانية: أن يفعل المحظور لحاجة متعمدًا، فهذا لا يأثم، وعليه فدية المحظور إن كان له فدية؛ لحديث الباب.



الحال الثالثة: أن يفعل المحظور جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا، فهذا لا إثم عليه ولا فدية على القول الصحيح، ويدل على ذلك حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه الذي تقدَّم في قصة الرجل الذي لبس جبة وعليها أثر الخلوق وهو محرم.




الفائدة الثالثة: الحديث شاهد على بيان السنة لمجمل القرآن؛ قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة: 196]، وجاءت السنة - كما في حديث الباب - لتُبيِّن مقدار الصيام والصَّدَقة والنسك.



الفائدة الرابعة: الحديث فيه بيان لطف النبي صلى الله عليه وسلم، وتفقُّده لأصحابه حيث وقف على كعب بن عجرة رضي الله عنه وتفقده بقوله: ((أَيُؤذِيكَ هَوَامُّكَ))، وأرشده إلى ما فيه رفق به، وهكذا ينبغي للقدوة والمربي والأخ مع إخوانه يتفقدهم ويرفق بهم.



مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الحج)






الساعة الآن : 09:35 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 14.31 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 14.21 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.66%)]