ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الحج والعمرة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=75)
-   -   باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=211462)

ابو معاذ المسلم 07-09-2019 07:52 PM

باب ما يفعل بالمحرم إذا مات
 
باب ما يفعل بالمحرم إذا مات


الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح




عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَةَ؛ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، فَذُكِرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».

وفي رواية لمسلم: «وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ».
وفي رواية له: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا».


تخريج الحديث:
الحديث أخرجه مسلم، حديث (1206)، وأخرجه البخاري في "كتاب الجنائز"، "باب كيف يكفن المحرم"، حديث (1265)، وأخرجه أبو داود في "كتاب الحج"، "باب ما جاء في المحرم يموت في إحرامه"، حديث (951)، وأخرجه النسائي في "كتاب الجنائز"، "باب كيف يكفن المحرم إذا مات"، حديث (1903)، وأخرجه ابن ماجه في "كتاب المناسك"، "باب المحرم يموت"، حديث ( 3084).

جاء في رواية مسلم زيادة الوجه ولفظة: ((وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ))، وهذه الزيادة ضعفها الإمام البخاري وقال: "والصحيح ((وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ))"، وضعَّفها البيهقي وضعَّفها الحاكم؛ [ انظر: (غرائب شعبة) من مجموع "أحاديث الشيوخ الكبار" ص (192)، وانظر السنن الكبرى للبيهقي (3 /393)، وانظر علوم الحديث ص (148)]، وصحَّح الزيادة الحافظ ابن حجر والألباني؛ [انظر الفتح "كتاب جزاء الصيد"، "باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة"، حديث (1838)، وانظر الإرواء (4 /197)].

شرح ألفاظ الحديث:
((فَوَقَصَتْهُ)): أي أوقعته وكسرت عنقَه.

((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)): السدر: هو شجر النبق، ويستخدمون أوراقه للتنظيف، فهي تقوم مقام الصابون، والمراد هنا يُدق ورق السدر، ويخلط بالماء، ثم يغسل به بدن الميت.

((وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ)): جاءت الرواية الأخرى عند مسلم مبينة المقصود بالثوبين ولفظها: ((وكفنوه في ثوبيه؛ أي: إزاره وردائه)).

((وَلاَ تُحَنِّطُوهُ)): الحناط: بكسر الحاء والحنوط بفتحها كل ما يخلط من طيب لأكفان الموتى وأجسامهم، تسمى حنوطًا، فليس الحنوط طيبًا محددًا، بل كل ما يخلط لأكفانهم وأجسادهم من الطيب فهو حنوط.

((وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ )): أي لا تغطوا رأسه بخمار.

((فَإِن اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا)): أي على الحال التي مات عليها، فهو مات وهو يلبي، وفي الرواية الأخرى: ((فإنه يبعث يوم القيامة ملبدًا)): والتلبيد تقدم معناه، وهو جمع الشعر بصمغ أو غيره؛ ليخف شعثه، وتقدم أن هذا كان من عادتهم يفعلوه في الإحرام؛ لأنه سيطول حالهم على ذلك، وأنكر القاضي عياض رحمه الله لفظة (ملبدًا) بالدال بدل الياء، وقال: ليس للتلبيد معنى، وردَّ ذلك ابن حجر.

من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: الحديث دليل على أن المحرم إذا مات، فإنه يغسل كما يُغسل سائر الأموات إلا أن له خصِّيصتين تكرمة له يتميز بهما عن بقية الأموات:
أولاهما: أنه لا يُمسَّ بطيب أو يغطى رأسه، وذلك تكرمة لحاله، فهو لا زال محرمًا وإن مات، فإحرامه لم يبطل بالموت، وسيبعثه الله يوم القيامة ملبيًا.

وثانيهما: أنه يكفن في ثوبين لا ثلاثة أثواب كسائر الأموات، وهذان الثوبان هما إزاره ورداؤه، وكل ذلك تكرمة له.

الفائدة الثانية: الحديث دليل على أن من أحرم بحج أو عمرة، ثم مات قبل إتمام نسكه، أنه لا يكتمل النسك عنه، ولو كان فرضًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدًا يتم النسك عن ذلك الرجل؛ لأنه لو أتم أحدًا عنه النسك، ذهب عنه وصف الإحرام، فلا يبعث يوم القيامة ملبيًا.

واختلف أهل العلم في هذه الفضيلة على قولين:
القول الأول: أن كل من مات محرمًا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا؛ أي: إن الفضل عام لكل من مات محرمًا، وهو قول الجمهور؛ قال به من الصحابة عثمان بن عفان، وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، وهو مذهب أحمد والشافعي وإسحاق رحمهم الله.

والقول الثاني: أن هذه الفضيلة خاصة بذلك الرجل، وهو قول أبي حنيفة ومالك والأوزاعي رحمهم الله تعالى.

واستدلوا: بحديث الباب، وذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فَإِن اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا))؛ مما يدل على أن الحادثة خاصة بذلك الرجل، وأما غيره من المحرمين لو ماتوا، فإنه ينقطع إحرامهم، ويصنع بهم من التغسيل والتكفين كما يصنع بالحلال لانقطاع الإحرام بالموت.

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن العلة التي ذكرت في الحديث هي الإحرام، وشعارها التلبية التي يشترك فيها كل محرم.

الثاني: أن ما ثبت لشخص في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ثابت لغيره، فنجري الفضل على الأصل؛ [انظر: المفهم "كتاب الحج"، "باب المحرم يموت ما يفعل به"، حديث (1076)، وانظر: زاد المعاد لابن القيم (2/ 245)].

الفائدة الثالثة: رواية مسلم رحمه الله: ((وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ))، استدل بها من يقول أن تغطية المحرم وجهه محظور من محظورات الإحرام، واختلف أهل العلم في تغطية المحرم وجهه على قولين:
القول الأول: أن تغطية الوجه من محظورات الإحرام، وهو قول أبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد، واختاره محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ ابن باز، رحم الله علماء المسلمين؛ [انظر المبسوط (4/ 7)، والكافي لابن عبدالبر، والمغني (5 / 358)، وفتاوى ابن باز (17 / 117)].

واستدلوا برواية مسلم التي تقدَّم ذكرُها.

والقول الثاني: أن تغطية الوجه ليس من محظورات الإحرام، وهو مذهب الحنابلة وقول الشافعي، ونسبه ابن حجر للجمهور واختاره ابن حزم وابن القيم رحمهم الله جميعًا؛ [انظر المغني (5/ 153)، والمجموع (7 /268)، والفتح المرجع السابق، والمحلى لابن حزم، وإعلام الموقعين (1/ 223)، وزاد المعاد (2/ 244)].

واستدلوا بعدم الدليل على أن تغطية الوجه للمحرم من المحظورات، وأما الزيادة التي عند مسلم، فلا تصح، فهي زيادة غير محفوظة، وقال بعضهم: لو فرضنا أنها صحيحة، فلا تدل أيضًا؛ لأنه إنما نهى عن تغطية وجه المحرم صيانةً لتغطية رأسه؛ لأنه لو غطى وجهه، غطى رأسه، فنهى عن ذلك من أجل البعد عن تغطية الرأس، لا لأن تغطية الوجه محظور؛ [انظر قول النووي في شرحه لمسلم حديث (1206)، وانظر الفتح المرجع السابق].

وسبب الخلاف في المسألة هو خلافهم في ثبوت زيادة مسلم.

والقول بأنه ليس محظورًا من محظورات الإحرام قول قوي، إلا أن الأفضل ألا يفعل الإنسان ذلك إلا عند الحاجة، ومما يقوِّي هذا القول ورودُ تغطية الوجه حال الإحرام عن جمع من الصحابة، فعن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم رضي الله عنهم، كانوا يخمرون وجوههم وهم محرمون))؛ رواه البيهقي والدارقطني.

وعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله رضي الله عنهما يقول: "يغتسل المحرم، ويغسل ثيابه، ويغطي أنفه من الغبار، ويغطي وجهه وهو نائم"؛ رواه ابن أبي شيبة والبيهقي.

وأيضًا ورد عن مالك في موطئه والبيهقي أن عثمان رضي الله عنهما غطَّى وجهه وهو محرم، وقال النووي: "إسناده صحيح"؛ [انظر المجموع (8/ 268)].

فالأظهر والله أعلم أن تغطية الوجه للمحرم عند الحاجة لا بأس بها؛ كأن يحتاج للبس الكمامة التي تغطي الفم والأنف، أو يحتاج أن يغطي وجهه عن الضوء أو الذباب، ونحو ذلك إذا أراد أن ينام؛ قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله: "أما الرجل فسبق أن القول الراجح جواز تغطية وجهه؛ لأن لفظة ((ولا وجهه)) في قصة الذي مات مختلف في صحتها، وفيها نوع اضطراب، ولذلك أعرض الفقهاء عنها، وقالوا: إن تغطية المحرم وجهه لا بأس به، ويحتاجه المحرم كثيرًا، فقد ينام مثلًا ويضع على وجهه منديلًا أو نحوه عن الذباب أو عن العرق، أو ما أشبه ذلك؛ [انظر الممتع (1/ 165)، وانظر فتاوى شيخنا وجواز لبس الكمام للمحرم للحاجة (22 / 130)].

الفائدة الرابعة: الحديث دليل على وجوب تغسيل الميت وتكفينه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ)).


الفائدة الخامسة: الحديث دليل على أنه يشرع تطييب الميِّت، ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الباب نهى عن تحنيط الميت المحرم، وهذا يدل على أن تحنيط غير المحرم من الأموات أمرٌ مشروع.

الفائدة السادسة: الحديث دليلٌ على أن المراد بالوقوف في عرفة هو التعبُّد لله تعالى هناك لا ذات القيام، فالرجل الذي في حديث الباب كان راكبًا على راحلته، ومع ذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى: (بينما رجل واقف مع رسول الله بعرفة).


مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الحج)







الساعة الآن : 05:48 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 14.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 14.54 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.64%)]