ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   روضة أطفال الشفاء (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=92)
-   -   قصة النملة وخواطر تربوية للأسرة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=243842)

ابو معاذ المسلم 25-10-2020 06:19 AM

قصة النملة وخواطر تربوية للأسرة
 
قصة النملة وخواطر تربوية للأسرة


محمد شعطيط

ميز الله عز وجل الإنسان عن سائر المخلوقات بما أودع فيه من مؤهلات واستعدادات فطرية، وبما منحه من نعم كثيرة، على رأسها العقل الذي هو مناط التكليف.
وقد دعا اللهُ عز وجل الإنسان إلى إعمال هذه الملكة، وعدم تعطيل هذه النعمة العظيمة، فقال سبحانه: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ}(الحج: 46).
فما أشد ضلال من أفسد مدارك العلم التي جعلها الله عز وجل بابا لمعرفته من عقل وقلب وسمع وبصر.
ويا سعادة من غاص في كلام الله عز وجل، يتدبره ويعتبر به، ليحيا الحياة الطيبة، وينال رضا المولى في الدنيا والآخرة.
ومن مجالات الحكمة التي ينبغي للمرء أن يعتبر بها، كيفية تربية بعض الحيوانات لأبنائها وصغارها، ومختلف الطرق التي تسلكها للتعامل معهم.
ولعل قائلا أن يقول: كيف للإنسان الذي كرمه الله عز وجل، وحمله في البحر والبحر ورزقه من الطيبات أن يتعلم من حيوان أبكم لا يتكلم، وليس له من العقل ما يؤهله لمقام الأستاذية والدلالة والإرشاد؟!
ونسي هذا العبد أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم" جعل الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، ثم إن الله عز وجل لما أراد أن يعلم ابن آدم كيف يدفن أخاه بعث له غرابا ليريه كيف يواري سوءة أخيه.
والمشاهد لتربية الحيوانات لصغارها ليعجب من سلوكها وتصرفاتها، فكأنما تخرجت من كليات التربية، أو شاركت في دورات تكوينية، أو تلقت تعليما من كبار المحاضرين العالميين.. وما علّمها إلا العليم الخبير، وما زرع فيها الرحمة إلا خالقها عز وجل الذي سبقت رحمته غضبه.
ومن القصص الطريفة التي يمكن للمرء أن يستقي منها بعض المواصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المربون، سواء كانوا آباء أو أمهات، أو يعملون في مجال التربية والتكوين، قصة النملة وما ذكر الله عز وجل من مخاطبتها لجماعة جنسها. ويكفي هذه النملة فخرا أن الله ذكرها في القرآن الكريم، وسمى الله عز وجل سورة كاملة باسمها.
إن المرء عندما يذكر عالم الحيوان لا يذكر إلا الوحشية والافتراس وقانون الغاب. والقرآن هنا يسطر عن هذا العالم أعظم حروف وكلمات الرحمة والشفقة والإحسان، التي -للأسف- تنعدم في كثير من بقاع الأرض بين الإنسان وأخيه الإنسان.
وقد اختصر الإمام ابن القيم رحمه الله روعة خطاب النملة وما اشتمل عليه من حكم في كتابه «مفتاح دار السعادة» فقال: «ويكفي من فطنتها -يعني النملة- ما قص الله عز وجل في كتابه من قولها لجماعة النمل، وقد رأت سليمان عليه السلام وجنوده: {يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} فتكلمت بعشرة أنواع من الخطاب في هذه النصيحة: النداء، والتنبيه، والتسمية، والأمر، والنهي، والتحذير، والتخصيص، والتفهيم، والتعميم، والاعتذار.
فاشتملت نصيحتها مع الاختصار على هذه الأنواع العشرة، ولذلك أعجب سليمانَ قولُها وتبسم ضاحكا منه، وسأل الله أن يوزعه شكر نعمته عليه لما سمع كلامها. قال: ولا تستبعد هذه الفطنة من أمة من الأمم تسبح بحمد ربها...
رحم الله علماءنا الأكارم.. لقد استوقف خطاب النملة العالم الرباني ابن القيم -رحمه الله- فاستخرج منه هذه الأنواع العشرة من الخطاب، وكلام الله لا تنقضي عجائبه، فكلما زاد العبد تدبرا في آيات الله ظهرت له ينابيع الحكمة تَفَجَّر من درره.
ومن هذه الحكم والعبر ما انبث في ثنايا خطاب النملة حين رأت موكب النبي الكريم في جيشه المهيب فقالت: {يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}.
أقول: ما انبث فيه من إشارات تربوية للأسر المسلمة، وهي خواطر تحتاج إلى بعض التدبر والتمعن فنبدأ باسم الله ونقول:
أول هذه الإشارات والخواطر:

الرجولة

موقف النملة ينم عن رجولة وشجاعة غير عادية. فمن يرى نبيا كريما وجيشا عرمرما تتملكه الهيبة والخوف، ولا يفكر إلا في نجاة نفسه. لكن النملة وطنت نفسها ووقفت رابطة الجأش لا تزلزلها الجبال.
فما أحوج الأسر المسلمة إلى الرجال.. والرجال قليل.
ومفهوم الرجولة هنا ليس حكرا على الذكور، بل هو يشمل الرجال والنساء. فقد قال تعالى: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ}(الأحزاب: 23) ولفظ المؤمنين يشمل الذكور والإناث. وللرجولة في القرآن مواصفات:
فمنها الصدق، ففي تتمة الآية السابقة: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}.
ومنها: الذكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والخوف من الله عز وجل، ففي الآية من سورة النور: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(النور: 37-38).
وفي السير والتاريخ مواقف لنساء غيرن مجرى التاريخ، وصنعن رجالا وأبطالا.. والمقام لا يتسع لسردها ويكفينا موقف خديجة -رضي الله عنها- حين دخل عليها رسول الله " صلى الله عليه وسلم" يرجف فؤاده فثبتته بتلك الكلمات الخالدة..: «فوالله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»(متفق عليه).
وموقف أم سلمة -رضي الله عنها- يوم صلح الحديبية لما دخل عليها الرسول الكريم " صلى الله عليه وسلم" وأخبرها ما لقي من الناس لما دعاهم أن يحلقوا وينحروا فما قام منهم أحد. قالت رضي الله عنها: «يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمةً حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك. نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا»(رواه البخاري).
فلو أن النساء كمن ذكرنا

لفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب
وما التذكير فخر للهلال

المحاورة

إن المرء ليعجب أن يكون في عالم النمل قول وحوار و«كلام» (قالت نملة) وينعدم هذا في عالم الإنسان..
كثير من الأسر يغلب عليها طابع الجفاء والجمود.. أحاسيس باردة.. وخطاب جاف.. قد سافرت فيها أساليب الحوار الهادئ إلى المحيط الهادئ، والكلمة الهادفة أصبحت مصادفة.. والإصغاء بالاستهزاء..
أسر بلا حوار أعجاز نخل خاوية، عن قريب يتفكك بنيانها.. أشباح أفرادها في البيت ملتئمة.. لكن أرواحهم خارج الأسوار سارحة..
لقد ورد جذر: «ق و ل» ومشتقاته في القرآن الكريم عشرات المرات مما يمكن اعتباره ميزة خاصة في كتاب الله. ويكفينا أن الله حاور الطريد الملعون إبليس.. فلنهتم بأبنائنا.. ولنستمع لهم.. ولنمد جسور الحوار والتواصل معهم.. ويكفي من مقولة: اسكت.. أنت لا تفهم شيئا.. فقد عفا عليها الدهر.. فبالحوار تحل المشاكل.. والحوار هو قمة الرفق.. وما كان في شيء إلا زانه.. فلنزين بيوتنا بهذه الورود الجميلة: الحوار ثم الحوار..
فالمسؤولية عظيمة..
فلنأخذ العبرة من عمل النملة التي صبرت وصابرت وكدت واجتهدت، وعملت ليل نهار وأتقنت، حتى أسست بنيانها بهندسة وتركيب عجيب.. رسالة إلى الأسر المسلمة أن تتكاتف وتتناصر وتتظافر جهودها، من أجل إخراج أمة من الأجيال المؤمنة الطيبة الطاهرة الشاهدة بالقسط. فما النفع إن كان البعض يبني والبعض الآخر يهدم.. من إعلام وشبكة وجرائد ومجلات.. ولله در من قال:

متى يبلغ البنيان يوما تمامه

إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
المناصحة والرحمة

لم تدخل النملة رأسها في التراب وتترك النمل تواجه مصيرها، بل سارعت إلى تقديم النصيحة ودعوة زميلاتها إلى دخول مساكنهن.. فتحمل المسؤولية شيء عجيب.. والأمة المسلمة لم تكن خير أمة أخرجت للناس إلا لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. وقد مر قول ابن القيم -رحمه الله- أن النملة استعملت من بين ما استعملت من أنواع الخطاب: الأمر والنهي.. نعم.. الأمر والنهي في مكانهما.. وبشروطهما.. يفعلان الأفاعيل.. فعلى الأسرة تعلم فقه تغيير المنكر.. والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.. تبشيرا وإنذارا.
{لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ} حرص على المصلحة.. وحب الخير للناس أجمعين.. والصدقة في المقربين أولى.. وألّا يتم تربية الأبناء بطريقة الأمر المباشر.. والوعظ البارد.. بل تستخدم الأسرة أحدث الطرق في الوعظ.. بأحدث الوسائل.. وتتجنب الشدة والصرامة الزائدة.. حتى إن أخا –مخلصا بلاشك- بكثرة ما يعظ إخوته بإقامة الصلاة للنجاة من جهنم، ويكرر ذلك مرارا بشكل رتيب؛ كانوا إذا رأوه مقبلا يقولون: هاهي ذي جهنم قادمة! فقد كان كلامه كله عن جهنم حتى مل إخوته سماع كلامه.. فالحكمة الحكمة.. والرحمة الرحمة.
خاتمة

لقد تعلمنا من هذا المخلوق الصغير الشيء الكثير.. والسر الكبير فيك أيها الإنسان المسلم.
قد رشحوك لأمر لو فطنت له

فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
لقد سخر الله لك كل ما في الكون وأراك آياته في الآفاق وفي الأنفس، لتزداد يقينا إلى يقين.. فعامل أحبابك وأبناءك وأقرباءك بما أمرك الله به من حلم وعلم ورحمة وكرم ووفاء.. والتفت إلى عائلتك وخذ بيدها إلى الجنة بالحكمة والموعظة الحسنة.. واستفد من قصص القرآن.. ومن بيان سيد ولد عدنان.. والموعد إن شاء الله الجنان.. فلا يصرفنك شيء عن مولاك.. فالله الله في الخلق الكريم.. والتربية النبوية الراقية.. تربية نبعها القرآن، وشعارها المزدان: {فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الأعراف: 176).



الساعة الآن : 07:38 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 17.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.01 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.55%)]