ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   الحدث واخبار المسلمين في العالم (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=17)
-   -   حلقات من كتاب ملة ابراهيم (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=21637)

ابو الزبير المقدسي 16-02-2007 04:23 AM

فصــل
نعم.. إن ملة إبراهيم تكلف الكثير.. ولكن بها يتعلق نصر الله والفوز الكبير.. وبها يتميز الناس إلى فريقين.. فريق إيمان، وفريق كفر وفسوق وعصيان.. وبها يتضح أولياء الرحمن من أولياء الشيطان.. وهكذا كانت دعوة الأنبياء والمرسلين.. لم تكن عندهم هذه الأوضاع المرضية التي نعيشها اليوم من اختلاط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح، ومداهنة ومجالسة أهل اللحى لأهل الفسق والفجور وإكرامهم وتقديرهم وتقديمهم على أهل التقى والصلاح.. رغم إظهار أولئك بغض الدين وعداوته بصور شتى وتربصهم بأهله الدوائر.. بل كانت دعواتهم براءة واضحة من أقوامهم المعرضين عن شرع الله، وعداوة ظاهرة لمعبوداتهم الباطلة، لا التقاء في وسط الطريق ولا مداهنة ولا مجاملة في تبليغ شرع الله...
* واستمع إلى نوح في عمق الزمان، وهو يخاطب قومه وحيداً لا يخشى سلطانهم ولا طغيانهم.. يقول: )يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت، فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم أقضوا إلي ولا تنظرون ([يونس: 71].
وهل يقول مثل ذلك رجل مداهن لقومه... إنه كما يقول سيد قطب رحمه الله: "التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالىء يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، حتى ليُغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه، فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟..." اهـ. كان معه الله، وكفى بالله هادياً ونصيرا... وقد أمر الله تعالى نبيه محمداً e في مطلع هذه الآيات أن يتلو ذلك على قومه، فقال: )واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه... ([يونس: 71].
* وانظر إلى هود e وهو يواجه قومه الذين كانوا أشد الناس قوة وأعتاهم بطشاً، يواجههم وحده.. ولكن بثبات كثبات الجبال أو أشد.. استمع إليه وهو يعلن براءته واضحة جلية من شركياتهم ويسمعهم كلماته الخالدة: )إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون، من دونه، فكيدون جميعاً ثم لا تنظرون ([هود: 55]. يقول لهم ذلك وهو رجل واحد... كيدوني بعددكم وجيشكم وآلهتكم الباطلة.. )إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ([هود: 56].
وإلى الذين يتشدقون بكثير من كلام سيد رحمه الله تعالى، في الوقت الذي يحرصون بل يتسابقون فيه على استجداء الطواغيت المعرضين عن شرع الله من أجل أن يحكموا شرع الله في بعض القضايا، أو كي يمنحوهم إذناً للدعوة إلى الله أو من أجل الحصول على مقاعد في مجالس الشرك والفسوق والعصيان... إلى هؤلاء نسوق كلام سيد حول هذه الآيات.. حيث يقول: "إنها انتفاضة التبرّؤ من القوم وقد كان منهم وكان أخاهم وانتفاضة الخوف من البقاء فيهم وقد اتخذوا غير طريق الله طريقاً.. وانتفاضة المفاصلة بين حزبين لا يلتقيان.. وهو يشهد الله ربه على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم. ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوههم، كي لا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره وخوفه أن يكون منهم!
وإن الإنسان ليدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراة هذه الثقة، فيسفّه عقيدتهم ويقرعهم عليها، ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي، لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريّثون فيفثأ غضبهم. إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وزمان بحاجة إلى أن يقفوا طويلاً أمام هذا (الموقف) الباهر.. رجل واحد، لم يؤمن معه إلا القليل، يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم.. فهم العتاة الجبارون الذين يبطشون بلا رحمة، والذين أبطرتهم النعمة، والذين يقيمون المصانع يرجون من ورائها الامتداد والخلود... إنه الإيمان والثقة والاطمئنان.. الإيمان بالله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى نصره.. )إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم ([هود: 56].. وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهراً.. فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها؟ وهي لا تسلط عليه إن سلطت إلا بإذن ربه؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه؟" أهـ مختصراً من الظلال.
هكذا كانت أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، مع أقوامهم المعاندين.. وهكذا كانت دعوتهم، صراع دائم مع الباطل، ووضوح في الدعوة، وإعلان للعداوة والبراءة.. ولم تعرف دعواتهم المداهنة أو الرضى عن بعض الباطل أو الالتقاء معه في وسط الطريق.
فمعاداة أهل الحق للباطل وأهله ومفارقتهم لهم قضية قديمة جداً افترضها الله منذ أن أهبط آدم e إلى هذه الأرض.. وشاءها الله قدراً وشرعاً ليتميز أولياؤه من أعدائه وحزبه من حربه والخبيث من الطيّب ويتخذ من المؤمنمين شهداء.. فقال جلّ وعلا: )اهبطوا بعضكم لبعض عدو ([الأعراف: 24]، وعلى هذا مضت وسارت قافلة الرسل جميعاً وهذا هو دينهم كما عرفت، قال تعالى: )وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن ([الأنعام: 112]، وقال سبحانه: )وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين ([الفرقان: 31]، فمنهم من قص الله علينا قصصهم مع أعدائهم ومنهم من لم يقصص... ويؤيد هذا أيضاً حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي e قال: "... والأنبياء أولاد علاّت.." والعلة هي الضرة مأخوذة من العلل وهي الشربة الثانية بعد الأولى: وكأن الزوج قد علّ منها بعد ما كان ناهلاً من الأخرى. وأولاد العلات أولاد الضرات من رجل واحد.. يؤيد أن الأنبياء أصل دينهم ودعوتهم وطريقهم واحد وفروعهم مختلفة.
* وهكذا كان خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وهو الذي جاء في وصفه أنه "فرق بين الناس" رواه البخاري، وفي رواية: "فرّق بين الناس". فقد استجاب لأمر الله تعالى باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فما سكت عن الشرك وأهله أو داهنهم أو جاملهم أو غير ذلك.. بل كان في مكة على قلة اتباعه. واستضعافهم يعلن براءته من الكفار ومعبوداتهم الباطلة.. ويسفهها ويقول كما أمره الله تعالى أن يقول متبرءاً من الشرك ومصرحاً بكفر أهله وبراءتهم من دينه وبراءة دينه منهم:
)قل يا أيّها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين ([الكافرون: 1-6]. ويصرح لهم بأنه ثابت على طريقته هذه بريء ممن خالفها وأنه من المؤمنين الذين هم أعداء لهم ولدينهم: )قل يا أيّها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تدعون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ([يونس: 104]. ويقول تعالى مخاطباً له: )وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ( ويقول سبحانه معلماً المؤمنين أن يقولوا: )الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ([الشورى: 51].
جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وغيره أن رسول الله e قال لأحد أصحابه: "إقرأ )قل يا أيّها الكافرون (، ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك". وجاء في "رسالة أسباب نجاة السؤول من السيف المسلول" ما ملخصه: "إن كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) قُيّدت بقيود ثـقال فإمام الحنفاء e لم يكتف بمجرد قولها ولم تتم له المحبة والموالاة وهو إمام المحبين إلا بالمعاداة. كما يخبر تعالى عنه: )أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ([الشعراء: 77]، وهذا هو معنى قول (لا إله إلا الله) كما قال تعالى: )وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ([الزخرف: 28]، فأورثها إمام الحنفاء e لأتباعه يتوارثها الأنبياء بعضهم عن بعض فلما بعث نبينا محمد e أمره الله بقولها كما قالها أبونا إبراهيم فأنزل الله عز وجل بها سورة كاملة هي سورة الكافرون" اهـ. من مجموعة التوحيد.
وقد صدع بها النبي e وأعلنها وما كتمها، وتحمل هو وأصحابه ما نالهم من أذى على ذلك وما داهنهم لأجل ذلك، وحاشاه من أن يداهنهم، وإنما كان يثبت أولئك المؤمنون ويذكرهم بوعد الله تعالى وجنته، وبمواقف أهل الثبات ممن كانوا قبلهم، كقوله: "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" رواه الحاكم وغيره.

ابو الزبير المقدسي 16-02-2007 04:25 AM

وقوله لخباب: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"([1]).
يقول لأصحابه ذلك.. وفي الوقت نفسه يقول لقريش كما أمره الله تعالى: )قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين ([فصلت: 6] والآيات مكية. ويقول: )قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون * إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين * والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ([الأعراف:195- 197] والآيات مكية.
لذلك كله ولأجل أن دعوته كانت كذلك فإن الظالمين ما رضوا عنه يوماً ما، ولا طابت أنفسهم أو قرت أعينهم بدعوته.. بل ثارت ثائرتهم وقامت قيامتهم.. وكم ساوموه.. ولكنه وقف شامخاً ينظر إلى باطلهم وجموعهم التي يكيدونه بها، ويترفع مع حرصه على هدايتهم عن الالتقاء معهم على الباطل في منتصف الطريق أو اتباع قليل من بعض ما يهوونه أو يحبونه من باطلهم.. بل كان يقول لهم بعد ذلك ودائماً كما أمره ربّه أن يقول: )قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ([آل عمران: 12].
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بعدما ذكر بعض مواقف الصدع والثبات لأصحاب النبي e: "فهذه حال أصحاب رسول الله e وما لقوا من المشركين من شدة الأذى، فأين هذا من حال هؤلاء المفتونين الذين سارعوا إلى الباطل وأوضعوا فيه وأقبلوا وأدبروا وتوددوا وداهنوا وركنوا وعظموا ومدحوا؟ فكانوا أشبه بما قال الله تعالى: )ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيراً ([الأحزاب: 14]، نسأل الله تعالى الثبات على الإسلام، ونعوذ به من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن المعلوم أن الذين أسلموا وآمنوا بالنبي e وبما جاء به لولا أنهم تبرؤوا من الشرك وأهله وبادروا المشركين بسبب دينهم وعيب آلهتهم لما تصدوا لهم بأنواع الأذى..." أهـ. من الدرر - جزء الجهاد ص(124).
* يقول الشيخ حمد بن عتيق عند كلامه على سورة (البراءة من الشرك): "فأمر الله رسوله e أن يقول للكفار: دينكم الذي أنتم عليه أنا بريء منه وديني الذي أنا عليه أنتم براء منه، والمراد التصريح لهم بأنهم على الكفر، وإنه بريء منهم ومن دينهم، فعلى من كان متبعاً للنبي e أن يقول ذلك، ولا يكون مظهراً لدينه إلا بذلك، ولهذا لما علم الصحابة بذلك، وآذاهم المشركون، أمرهم "بالهجرة إلى الحبشة ولو وجد لهم رخصة في السكوت عن المشركين لما أمرهم بالهجرة إلى بلد الغربة" اهـ. من سبيل النجاة والفكاك. ص(67).
وهنا شبهة يرددها أكثر ما يرددها من لم يفقه ملة إبراهيم عليه السلام ولم يعرف مضمونها وذلك قول كثير من الجهال إن ملة إبراهيم منسوخة في حقنا، ويستدلون على ذلك بالأصنام التي كانت حول الكعبة والتي لم يكسرها e بزعمهم طوال مكوثه في مكة عهد الاستضعاف.. حتى أنني سمعت أحد هؤلاء وهو من المشايخ المعروفين وقد ملأت كتبه الأسواق، سمعته في محاضرة مسجلة له، يتبجح ويقول ما مجمله: "إن الرسول e أول من أعرض عن ملة إبراهيم هذه التي تريدونها إذ جلس في مكة ثلاث عشرة سنة بين تلك الأصنام لم يحطمها..." فنقول له ولأمثاله: إن الذي صدكم عن فهم ملة إبراهيم ومعرفتها هو انكماش أفهامكم وضيق أفق أذهانكم بحصركم لها في تكسير الأصنام، وظنكم أن ملة إبراهيم التي نقصدها مستوحاة فقط من فعله e حين راغ على أصنام قومه ضرباً باليمين، فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون.. ولما لم يثبت عندكم أن رسول الله e فعل ذلك مع أصنام قومه.. أمست هذه الملة في أنظاركم الضيقة منسوخة في حقنا كلها، ولا تتناولنا في شيء من الأشياء، وبالتالي فلازم قولكم هذا أن كل ما جاء من الآيات المتقدمة الذكر في الحث على اتباع ملة إبراهيم والتحذير من الإعراض عنها وتفصيل دعوة إبراهيم e والذين آمنوا معه، وموقفهم من أقوامهم ومواقف الأنبياء وغيرهم مع أقوامهم.. كل ذلك عبث وزيادة لا طائل تحتها ولا فائدة من ورائها في كتاب الله، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم.. ورحم الله ابن القيم إذ يقول:
من كان هذا القدر مبلغ علمه فليستتر بالصمت والكتمان
وتنزه الله وتعالى عن العبث وعن أن يكون في كتابه جل وعلا ما لا فائدة من ذكره.. ومثل هذه الأغاليط ليست من الشبهات التي تستحق طول الرد والتفصيل وما هي إلا تناقضات في أذهان أصحابها حالت دون فهمهم لهذه الملة العظيمة بتفاصيلها.. خاصة وقد علمت فيما تقدم ملة إبراهيم وفهمت مضمونها وما يراد بها.. فعلمت أنها أصل الإسلام ومعنى لا إله إلا الله وأن فيها ما حوته هذه الكلمة من النفي والإثبات وهما التبرؤ من الشرك وأهله وإظهار العداوة لهم، وإخلاص العبادة لله وحده وموالاة أوليائه، وعلمت أن هذا أصل الدين فهو شرع محكم لو اجتمع على دفعه من بأقطارها من عالم وجاهل لما قدروا على رده بحجة أصلاً، وبيّنا لك أن الله تعالى ذكر لنا حال إبراهيم e ومن معه من المؤمنين مع قومهم، وكيف تبرؤوا منهم وأظهروا لهم العداوة والبغضاء.. وأنه سبحانه قال قبل ذكر موقفهم هذا مباشرة: )قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ([الممتحنة: 4]، وقال سبحانه بعد ذلك أيضاً: )لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ([الممتحنة: 6]، ثم قال سبحانه.. وتنبه لما قال: )ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ([الممتحنة: 6]، وعلمت أيضاً أن هذا هو أصل ملة إبراهيم التي نقصدها وندعو إليها ونرى أكثر أهل الأرض مقصرين فيها.. وعلمت أنها الطريق الذي فيه نصر الله عز وجل وإعزاز دينه وتحطيم الشرك وأهله.. وإذا كان الأمر كذلك.. فالرد على هذه الطريق إذاً يكون بأن يصحح ذلك الشيخ عبارته المذكورة فيقول: "إن النبي e مكث ثلاث عشرة سنة في مكة بين تلك الأصنام لا يتبرأ منها ولا يظهر الكفر بها والعداوة لها" ليقال له بعدها؛ عد نفسك نصرانياً أو يهودياً أو مجوسياً، أو ما شئت، أما ملة الإسلام فقل لها عليك السلام...
ونقول: أما تحطيم الأصنام حقيقة وحسياً كما فعل إبراهيم فقد صح عن النبي e أنه فعل شيئاً منه حينما تمكن من ذلك وقدر عليه في غفلة من كفار قريش، ولا أعني بعد الفتح بل في مكة في عهد الاستضعاف، كما روى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "انطلقت أنا والنبي e حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله e اجلس وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفاً فنزل وجلس لي نبي الله e وقال: اصعد على منكبي. قال فصعدت على منكبيه، قال فنهض بي قال فإنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله e: اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله e نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس" وبوّب له الهيثمي في مجمع الزوائد: (باب تكسيره e الأصنام) وذكر رواية "كان على الكعبة أصنام فذهبت أحمل رسول الله e فلم أستطع فحملني فجعلت أقطعها..." وفي رواية زاد "فلم يوضع عليها بعد، يعني شيئاً من تلك الأصنام" قال: ورجال الجميع ثقات.. وذكره أبو جعفر الطبري في (تهذيب الآثار) وتكلم على بعض الفوائد الفقهية فيه، أنظر ص236 إلى ص243 من مسند علي فيه..
لذلك فنحن لا نتحرج أبداً من القول بأن ذلك مطلوب منا أيضاً حال القدرة عليه في عهد الاستضعاف وغيره.. سواء كان ذلك الصنم تمثالاً أو قبراً أو طاغوتاً أو نظاماً.. أو غيره، حسب تنوع الصور واختلافها في كل زمان ومكان.. وأقصد بذلك الجهاد والقتال وهو أعلى مراتب إظهار العداوة والبغضاء لأعداء الله...
ومع ذلك نقول لو سلمنا جدلاً أنه لم يصح عن النبي e تحطيم الأصنام في مكة زمن الاستضعاف.. فإنه صلوات الله وسلامه عليه كان متبعاً لملة إبراهيم أشد الاتباع آخذاً بها بقوة.. فما داهن الكفار لحظة واحدة وما سكت عن باطلهم أو عن آلهتهم.. بل كان همه وشغله الشاغل في تلك الثلاث عشرة سنة بل وغيرها هو )اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ([النحل: 36].
فلا يعني كونه جلس بينها تلك الثلاث عشرة سنة أنه مدحها أو أثنى عليها أو أقسم على احترامها كما يفعل كثير من الجهال المنتسبين إلى الدعوة مع الياسق العصري في هذا الزمان.. بل كان يعلن براءته من المشركين وأعمالهم، ويبدي كفره بآلهتهم رغم استضعافه واستضعاف أصحابه.. وقد فصّلنا لك هذا فيما مضى ولو تأملت القرآن المكي، لوضح لك مثل ذلك الكثير.. منه على سبيل المثال، قوله تعالى واصفاً حال نبيه e في مكة مع الكفار: )وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا. أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون ([الأنبياء: 36]، قال ابن كثير: "يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم.. إلى غير ذلك".
وإليك أيضاً ما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح في صفته وحاله e في مكة زمن الاستضعاف.. تأمّله وتدبّره وانظر كيف يصف الكفار نبينا e بسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وو.. وانظر إليهم وهو يحيطون به وحيداً فريداً يقررونه بما يقول ويقولون له: "أنت الذي تقول كذا وكذا؟؟" فيرد عليهم دون مداهنة أو مهابة أو خوف أو وجل، بل بكل صلابة وثبات ووضوح: "نعم، أنا الذي أقول ذلك".
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال يعقوب: حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة عن عبد الله ابن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله e، فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله e، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفّه أحلامنا. وشتم آبائنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، قال: فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رسول الله e، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مر بهم، غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فمر بهم الثانية، فغمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: "تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح" فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاه قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشداً، فوالله ما كنت جهولاً، قال: فانصرف رسول الله e، حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه! فبينما هم في ذلك، إذ طلع [عليهم] رسول الله e فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، قال: فيقول رسول الله e: نعم، أنا الذي أقول كذا، قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، دونه يقول وهو يبكي: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟". ثم انصرفوا عنه فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط" اهـ. (7036 من المسند تحقيق أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح) وهو كما قال. وفي رواية أخرى في المسند أيضاً (2/204) أن النبي e كان في المرة الثانية في صلاة عند الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب النبي e ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله e وقال: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم".

([1]) رواه البخاري وغيره، وهكذا كان صلوات الله وسلامه عليه، يثبت أصحابه ويذكرهم دوماً بأخبار أهل الثبات، حتى إذا ما ابتلي أحدهم في الله بلاء شديداً، لا يطيقه، ووقع فيما وقع فيه عمار رضي الله عنه، ذكر له عفو الله عن ذلك وترخيصه فيه... لا كأحوال كثير من دعاة زماننا، يدندنون على أحاديث الرخص والإكراه والضرورات طوال حياتهم، وكل أيامهم في غير مقامها، ويلجون بحجتها في كل باطل، ويكثرون سواد حكومات الكفر والإشراك، دونما إكراه أو اضطرار حقيقين... فمتى يظهرون الدين؟؟

ابو الزبير المقدسي 16-02-2007 04:27 AM

فتأمّل حال النبي e الذي وصفته الملائكة كما في صحيح البخاري: "أنه e فرّق بين الناس" تأمل حاله هذه مع كفار زمانه وكيف أنها عداوة ظاهرة لكل من عادى الدين، وافتراق طريق، وبراءة واضحة.. وليس كأوضاع أهل زماننا الشاذة من ركون أهل الدين لأهل الباطل.. داهنوهم وجاملوهم بل وآزروهم وناصروهم ولم تعد القضية قضية عداوة ولا براءة، بل تعاون وتكاتف لصالح الوطن والمجتمع وجلسوا في أحضانهم ورضعوا من ألبانهم.. فالله المستعان.
* يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن وهو يتكلم عن أمثال هؤلاء: "خاضوا في غمرات الافتتان واطمأنت قلوبهم إلى أهل الظلم والعدوان، وأكثروا التردد عليهم والمسير إليهم طوعاً واختياراً وتعرضوا لما في أيديهم من حطام الدنيا سراً وجهاراً، فأين القلب المطمئن بالإيمان إذا كان مدعيه يجري مع الهوى في كل ميدان، فما أشبه حال هذا وأمثاله بالضرب الذين ذكرهم العلامة ابن القيم رحمه الله وهم الذين لهم أوفر نصيب من قوله تعالى: )ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ([آل عمران: 188]، يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة، ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص، وهذا يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والعبادة عن الصراط المستقيم" اهـ الدرر - جزء الجهاد ص127.
* وها هنا مسألة قد يرد فيها إشكال على البعض، وهي كيفية الجمع بين عيبه e آلهتهم ودينهم كما في هذا الحديث وغيره، وبين قوله تعالى: )ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ([الأنعام: 108]، فنقول وبالله التوفيق: أن كل ما ذكرناه مما تقدم في تفصيل ملة إبراهيم من عيب الآلهة الباطلة وتسفيهها والحطّ من قدرها وإن سمّاه البعض سباً.. فإنه ليس سباً مجرداً وإنما أصل المقصود به بيان التوحيد للناس وذلك..
* بإبطال ألوهية هذه الأرباب المتفرقة المزعومة والكفر بها وبيان زيفها للخلق: كقوله تعالى: )إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون * إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين * والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ([الأعراف: 194-197]، وقول إبراهيم عليه السلام: )يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ([مريم: 42]، وقوله تعالى في سورة النجم: )أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس وقد جاءكم من ربكم الهدى ([النجم: 19-22]. وكذا كل ما جاء في وصف هذه الآلهة كبيان أنها لا تستحق العبادة أو تسميتها بالطاغوت أو جعل عبادتها طاعة للشيطان وإنها وإياهم حصب جهنم.. وغير ذلك.
* وكذلك القيام بهذا التوحيد عملياً بإظهار عداوتها وبغضها والبراءة منها والكفر بها، كقوله تعالى عن إبراهيم: )قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ([الشعراء: 75-77]. وقوله: )قال يا قوم إني بريء مما تعبدون.. ([الأنعام: 78]، وما تضمنته سورة البراءة من الشرك من معانٍ وغير ذلك مما قدمناه.. فذلك كله لا يدخل في السب المجرد الذي نهت عنه الآية المذكورة، والذي من طبيعته أن يستثير الخصم ويهينه ويعيره فقط دون فائدة أو بيان، فيسب الله عز وجل عدواً وجهلاً وربما دون قصد، خاصة فيمن يعتقد بالربوبية ككفار قريش، وكذلك الحال بالنسبة لعبيد الياسق.. فإن ملة إبراهيم تقتضي أن يحذر من ياسقهم ويعادى ويبغض ويُدعى الناس إلى الكفر به والبراءة منه ومن أوليائه وعبيده المصرّين على تحكيمه، بذكر فضائحه وكشف زيوفه وبطلان أحكامه ومصادمتها الصريحة لدين الله بإباحتها للردة والربا وتسهيلها للفاحشة والفجور وتعطيلها لحدود الله كحد الزنا والقذف والسرقة وشرب الخمر واستبدال القوانين الفاجرة الكافرة بهذه الحدود العظيمة.. وما إلى ذلك وهو كثير جداً.. فهذا كله لا يدخل فيما نهت عنه الآية وإن سماه عبيد الياسق وسدنتهم سبا.. أو إطالة لسان بل الواجب كما عرفت مما تقدم أن يظهره الدعاة ويصدعوا به.. أما سبهم وسب حكوماتهم وحكامهم ودساتيرهم سباً مجرداً هكذا للإستثارة المجردة.. فهو المنهي عنه لما يترتب عليه من سب أولئك الجهال للساب ولدينه وطريقته وإن كانوا ينتسبون إلى الإسلام زوراً وبهتاناً.. ويشهدون بربوبية الله وربما يوحدونه ببعض أنواع ألوهيته دون الحكم والتشريع.. كما ذكر المفسرون: )فيسبوا الله ( أي فيسبوا آمركم بسبّها فيعود ذلك على الله جهلاً وعدواً بغير علم، كما قد يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، وربما كانا أخوين لأب واحد، فالغيظ والغضب والاستثارة المجرّدة تعمي الخصم عن التفكير والتدبر وتستسبه؛ أي تحمله على السب.. قال محمد رشيد رضا في تفسيره: "الباعث على العمل هنا هو إرادة السب التي يُقصد بها إهانة المسبوب، فإن هذا الساب لا يتوجه قصده إلا إلى إهانة مخاطبه الذي سبه"اهـ. بخلاف تدخيل العقل، والدعوة إلى إعماله ومخاطبته ولفت انتباهه إلى زيف هذه الآلهة وكونها لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ولا تقرب ولا تشفع ولا تغني عن أنفسها وأتباعها شيئاً.. وتأمل قصة إبراهيم مع قومه وكيف يلفت فيها انتباههم إلى زيف تلك الآلهة المزعومة، ويستشيرهم لا لمجرد الاستثارة أو الإهانة بل ليفكروا ويتصادموا مع عقولهم في ذلك.. وتأمل كيف يفتضح أمرهم بذلك وينتكسوا ويتناقضوا ويتخبطوا.. فيقول لهم عند ذلك معنّفاً: )أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ([الأنبياء: 67].
ولو تأملت قول عبد الله بن عمرو راوي الحديث السابق حين ذكر قول قريش للنبي e "أنت الذي تقول كذا كذا" قال مفسراً لذلك: "لما بلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم". والعيب عند العرب سب أو كالسب وقد عده ابن تيمية رحمه الله تعالى كذلك في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول في (بيان أقسام السب) ص528 وغيرها.. ولكنه في هذا الموضع ليس سباً مجرداً كما عرفت.. فالنبي e كان قائماً بدعوة التوحيد التي أرسله الله بها وبملة إبراهيم التي أمره سبحانه باتباعها. وهذا كله سب عند أولئك المشركين، لأنّه إبطال لدينهم وتنقص لآلهتهم المزعومة بتجريدها من صفات الألوهية التي ينعتونها بها.. وهذا هو عيب آلهتهم الذي ذكروه.. وكذلك وصف آبائهم بالضلال ليس استثارة مجردة لذاتها، بل لزجرهم عن تقليدهم ونهيهم عن متابعتهم على ضلالهم.. نقل القاسمي في تفسيره عن الرازي قوله: "وفي الآية تأديب لمن يدعو إلى الدين، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تضر ولا تنفع، يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها" اهـ... ولكن ذلك أيضاً لا يرضي الكفار ولا يعجبهم وإن لم يكن سباً مجرداً، فهو نسف لآلهتهم وكفر بها.. لذا سموه سباً، كما سمّوا وصف آبائهم بالضلال، شتما حيث قالوا: "سفَّه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا...".
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الموضع الثاني من المواضع الستة التي ذكرها في السيرة عن النبي e أنه لما صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة وقالوا: سفه أحلامنا وعاب ديننا وشتم آلهتنا، ومعلوم أنه e لم يشتم عيسى وأمه ولا الملائكة ولا الصالحين ولكن لما ذكر انهم لا يدعون ولا ينفعون ولا يضرون جعلوا ذلك شتماً" أهـ.
والخلاصة أن ذلك كله لا يدخل في السب المجرد الذي نهى الله عنه في الآية، ولا هو مقصود بها، حتى ولو ترتب على مثله أن يسب الكافر الله أو الدين عدوا، فليس للمسلم أن يترك لأجله ما أوجب الله عليه من الصدع بالتوحيد وإظهار الدين فالسب هنا لا يكون إلا عدواً بعلم، لورود الحجة والبيان، وإلا لو حسبنا حساباً لمثل ذلك، لتركنا ديننا كله وتنازلنا عنه لسواد عيون الكفار.. لأنه كله قائم على أصل الإيمان بالله والكفر بكل طاغوت... فتنبّه.. وقس على ذلك ما يقال في هذه الطواغيت العصرية.. من دساتير ومناهج وقوانين وحكام وغيرهم.. ولا تقصر المعنى على الأصنام الحجرية، فتُحجّر واسعاً..
* فهذه القاعدة إذاً إنما تكون صواباً في المباحات والمستحبات لا في الواجبات فلا يُترك واجب من واجبات الدين كبيان التوحيد وإبطال دين المشركين سداً لهذه الذريعة. كما قد يفهم البعض.. ولو توسعنا في ذلك لأضعنا جُلّ ديننا.. لذا قال أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن، ص 473: (المسألة الثانية): "هذا يدل على أن للمحق أن يكف عن حق يكون له إذا أدى ذلك إلى ضرر يكون في الدين، وهذا فيه نظر طويل، اختصاره أن الحق إن كان واجباً فيؤخذ بكل حال، وإن كان جائزاً ففيه يكون هذا القول والله أعلم" اهـ. ويقول محمد رشيد رضا: "(ومنها) ما نُقل عن أبي منصور قال: كيف نهانا الله تعالى عن سب من يستحق السب لئلا يسب من لا يستحقه، وقد أمرنا بقتالهم وإذا قاتلناهم قاتلونا، وقتل المؤمن بغير حق منكر؟ وكذا أمر النبي e بالتبليغ والتلاوة عليهم وإن كانوا يكذبونه... وأجاب عنه: بأن سب الآلهة مباح غير مفروض، وقتالهم فرض وكذا التبليغ، وما كان مباحاً ينهى عما يتولد منه ويحدث، وما كان فرضاً لا ينهى عما يتولد عنه.." أهـ. وبمثل ذلك يُردّ على من احتج لإبطال ما ذكرناه من وجوب إظهار الدين، بما رواه البخاري في صحيحه، أن قوله تعالى: )ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ([الإسراء: 110]. أنزلت ورسول الله e متوار بمكة. فكان إذا رفع صوته سمع المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، وقال الله تعالى: )ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ([الإسراء: 110]، لا تجهر بصلاتك حتى يسمع المشركون. ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تُسمعهم، وابتغ بين ذلك سبيلاً.
فالدعوة إلى الله قائمة ودين المسلمين ظاهر ودعوتهم لنبذ الأوثان معلومة لكل أحد في مكة وبراءتهم منها بيّنة بادية، وإذا كان الأمر كذلك فترك الجهر بقراءة القرآن عند تلاوته، لدفع هذه المفسدة لا يطفىء نور الدعوة ولا يؤثر فيها تأثيراً سلبياً أبداً.. فالقرآن ينتشر في كل مكان رغم أنوف المشركين.. وملة إبراهيم معلنة لدرجة أن كل من يعلن إسلامه يسمى بالصابىء، أي الكافر بدينهم وبأوثانهم، والأمر في غاية الوضوح لا لبس فيه ولا إشكال.. أضف إلى ذلك أن رفع الصوت بالقراءة في الصلاة ليسمعه غير المصلين ليس واجباً من واجبات الصلاة، فجاز تركه سداً لهذه الذريعة، طبقاً لقاعدتها المذكورة الخاصة بترك المباحات والمستحبات دون الواجبات، فليس هذا تركاً لواجب بل يكفي في ذلك أن يسمع الإمام من يصلي خلفه وهو ما أمر الله تعالى به رسوله في قوله: )ولا تخافت بها ( أي عن أصحابك.
* وهناك شبهة أخرى قد يحتج بها البعض.. وهي إيواء أبي طالب للنبي e الذي امتن الله عز وجل به عليه فقال: )ألم يجدك يتيماً فآوى ([الضحى: 6]، وكذا قصة جوار وأمان الكافر للمسلم وأمثلته كثيرة، من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن جوار ابن الدغنة لأبي بكر في مكة.. وكذا النجاشي وإيوائه للمسلمين وهو على نصرانيته قبل إسلامه... وما شابهه... وخلاصة هذه الشبهة: " كيف يرضى المسلم في مثل هذه الأحوال بإيواء وحماية وجوار الكافر المخالف له في عقيدته ومنهجه؟؟ أفلا يتنافى هذا مع ملة إبراهيم في البراءة من المشركين...؟".
فنقول وبالله التوفيق: أن لا تعارض في هذه الأمثلة المذكورة مع ملة إبراهيم، ودعوة الأنبياء والمرسلين وذلك لأن الأمر كما قدمنا لك من قبل قسمان:
الأول: البراءة من آلهتهم الباطلة والكفر بطواغيتهم التي تعبد من دون الله عز وجل.

ابو الزبير المقدسي 16-02-2007 04:29 AM

الثاني: عداوة المشركين المعاندين المصرّين على باطلهم.. وقدمنا أيضاً أن الأول مطلوب من المسلم منذ أول خطوة في الطريق دون توان أو تأخير، بل يجب أن يعلن ويظهر ويبدى من قبل طائفة من المسلمين كي يعرف الناس به أصل الدعوة، ويشتهر حتى يصبح بدهية يوصف بها كل من يدخل في هذا الدين..
أما الثاني، فلا يبدى أو يعلن، إلا بعد الإصرار على الباطل وعداوة الحق وأهله. فأبو طالب مثلاً.. على الرغم من بقائه على الكفر لم يكن مظهراً العداوة والبغضاء للحق وأهله، بل على العكس من ذلك فقد كان ردءاً مدافعاً عن صاحب الحق ورسوله e كما وصفه العباس رضي الله عنه في حديث البخاري حيث قال للنبي e: "ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك وينصرك ويغضب لك... الحديث" وإن كان ذلك في عصبية ولروابط نسبية وراجع في ذلك ما ذكره العلامة الشنقيطي في أضواء البيان المجلد الثالث (ص41، 43، 406، 407) في تأييد الدين بالرجل الفاجر وبالروابط العصبية والأواصر النسبية مع بطلان هذه الروابط وبطلان الود على أساسها وحدها... والشاهد من ذلك أن مثل هذا النصير أو المجير.. يبقى الأمل وارداً في هدايته واتباعه للحق إلى آخر لحظة ما دام لا يقف مع الصف المعادي المحارب له بل يقف مدافعاً عن بعض أتباعه... فكيف إذا أضيف إلى ذلك كونه من خاصة الداعية وقرابته الذين يتعلقون به... ولذلك فإن النبي e لم ييأس من دعوة عمه الذي كان يقول:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليـــك أبشـر بذاك وقر منه عيونا
وقبل ذلك كله، هناك أمر آخر... وهي النقطة الأولى والمهمة في الموضوع.. أن النبي e مع موقف عمه المدافع هذا، لم يكن ليداهنه على حساب دعوته ودينه، بل كان عمه يعرف بدعوته e ويسمع بعداوته وبعيبه لآلهتهم الباطلة، وقد حاولت قريش معه للضغط على النبي e ليكفّ عن دعوته وعن عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، وعندما حاول أبو طالب السعي لمثل ذلك، ما داهنه صلوات الله وسلامه عليه ولا تنازل عن شيء من أمر دينه تطييباً لخاطر عمّه الذي كان يحميه وينصره ويؤويه، بل قال قولته المعروفة: "والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بُعثت به، من أن يشعل أحد من هذه الشمس شعلة من نار" كما في الطبراني وغيره. وهو e كذلك أولاً وآخراً لم يكن ليربطه بعمه الكافر ود ولا حب كيف وهو e قدوتنا ومثلنا الأعلى في قوله تعالى: )لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم... (الآية، مع حرصه على هدايته... فذلك شيء والحب والود شيء آخر... وما كان النبي e رغم إيواء عمه وحمايته له ودفاعه عنه ليصلي عليه يوم أن مات... بل نهاه الله عز وجل عن مجرد الاستغفار له يوم أنزل عليه: )ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.. ([التوبة: 113] الآية، وما كان منه صلوات الله وسلامه عليه عندما جاءه علي رضي الله عنه فقال له: "إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه؟..." غير أن يقول له: "اذهب فواره" رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما.
ومثل ذلك أيضاً يُقال في رهط شعيب الذين كانوا مانعاً دونه والكفار، قال تعالى مخبراً عن أعداء نبيه: )ولولا رهطك لرجمناك ([هود: 91]. وقد كانوا كفاراً... وكذا نبي الله صالح عليه السلام ووليه الذي كان الكفار يحاذرونه )قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليّه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ([النمل: 49].
* أضف إلى ذلك أن هناك فرقاً واضحاً يجب أن يُلاحظ ويعتبر بين أن يُعين الكافر مسلماً أو يجيره وينصره ويحميه ويأويه بنفسه دون أن يلجأ المسلم إليه أو يذل نفسه له أو يتودّد، وإنما يفعل الكافر ذلك من تلقاء نفسه بدافع القبلية أو العصبية أو القرابة وغيرها... وبين أن يطلب المسلم ذلك منه ويكون في طلبه نوع ذل ومهانة ومداهنة أو إقرار وسكوت عن باطله أو رضىً بشركه.. لا شك أن الفرق بين الحالتين واضح بين لا يخفى على البصير، ولو تأملت هذه الأمثلة لرأيتها من الجنس الأول.. ولأبي جعفر الطحاوي كلاماً لطيفاً يشبه هذا في مشكل الآثار (239/3) فرّق فيه بين الاستعانة بالمشركين في القتال وكون ذلك مما نهى الله تعالى عنه في قوله: )يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا.. ([آل عمران: 118] الآية، وبين قتالهم بأنفسهم ضد أعداء المسلمين دون طلب واستعانة من المسلمين أنفسهم، فراجعه فإنه مفيد في هذا الباب.. وكذا جوار ابن الدغنة لأبي بكر... فكله من هذا القبيل..
ومن ذلك أيضاً صلة الوالدين المشركين ومصاحبتهما بالمعروف وتألّف قلبيهما، لأن أمل التأثر بابنهما واتباع الحق الذي يدعو إليه وارد باقٍ ما داما متعلقين بالولد.. حتى وإن جاهداه على أن يشرك بالله... ما لم يقفا في الصف المحارب المعادي الصاد عن سبيل الله... فإن فعلا ذلك تبرأ منهما علانية كما فعل إبراهيم مع أبيه لما تبين له أنه عدو لله.. بل ويعاديهما ويقاتلهما كما فعل أبو عبيدة وغيره من الصحابة في بدر.. فإبراهيم عليه السلام كما قدمنا كان يتألف قلب أبيه ويدعوه بالحسنى واللين ويظهر حرصه على هدايته وخوفه عليه من عذاب الله لأولياء الشيطان.. ولكنه تبرأ منه واعتزله عندما تبين له عداوته الصريحة لله... واستثنى سبحانه مما دعانا للتأسي فيه بإبراهيم والذين معه في سورة الممتحنة؛ استغفاره لأبيه، ونهى المؤمنين في سورة التوبة عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى ثم قال عن إبراهيم: ) فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. إن إبراهيم لأواه حليم (.
ومنه قوله تعالى: )ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ( ثم استثنى سبحانه: )إلا الذين ظلموا منهم.... ([العنكبوت: 64].
وكذا أمان النجاشي للمهاجرين.. وارجع إلى قصة جعفر وموقفه رضي الله عنه في الصدع بدينه ومعتقده في عيسى عليه السلام الذي يخالف فيه دين من هو بين ظهرانيهم، رغم استضعافه ومن معه، ورغم دخولهم في أمانهم.. بل إن النجاشي بكى لما سمع كلام الله يُتلى، وأظهر التأييد والقبول وأعطاهم الأمان فأظهروا دينهم ومعتقدهم لكل أحد، فكان إسلام النجاشي ومن أسلم من أهل الحبشة بتوفيق الله تعالى ثم بسبب إظهارهم لدينهم رضي الله تعالى عنهم.. وراجع في رد هذه الشبهة وإبطالها رسالة (المورد العذب الزلال) للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله أجمعين في الدرر السنية جزء مختصرات الردود ص124 وكذا ص197 من الجزء نفسه فإنه مهم في رد هذه الشبهة وشبهة أخرى وهي احتجاجهم (بمؤمن آل فرعون) وكذا ص212.
* وخلاصة القول في ذلك كله... أن معاداة أهل الباطل وإظهار البراءة منهم ومن آلهتهم الزائفة وأديانهم الباطلة وقوانينهم العفنة.. أصل عظيم، وركن وثيق في دعوة الأنبياء والمرسلين.. وهو كما عرفت شرع محكم يرتكز على أصل دين الإسلام وقاعدته.. فلو اجتمع أهل الأرض جميعاً لأجل رده وإبطاله لما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.. والمخالفون فيه لا يستدلون كما رأيت إلا بأمثال هذه القضايا العينية الخاصة التي لا عموم لها عند جماهير الأصوليين والنظار، بل هي نفسها مطروحة على التقييد والتخصيص.. وإذا تقرر أن هذه الطريق أصل عظيم محكم... فقد أمست هذه الأدلة الجزئية وغيرها مما يتوهمه المخالفون معارضاً... متشابهاً يجب رده إلى المحكم، لا أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض ولا سنة المصطفى كذلك.. فتنبّه ولا تغتر بشبه الملبسين..
"وهكذا فلا بد أن يقف أصحاب الدعوة من قومهم موقف المفاصلة الكاملة.. ويوم تتم هذه المفاصلة يتحقق وعد الله بالنصر لأوليائه والتدمير على أعدائه.. ففي تاريخ الدعوة إلى الله على مدار التاريخ، لم يفصل الله بين أوليائه وأعدائه إلا بعد أن فاصل أولياؤه أعداءه على أساس العقيدة، فاختاروا الله وحده.. وأصحاب الدعوة إلى الله لهم أسوة حسنة في رسل الله... وإنه لينبغي لهم أن تمتلىء قلوبهم بالثقة حتى تفيض.. وإن لهم أن يتوكلوا على الله وحده في وجه الطاغوت أياً كان.. ولن يضرهم الطاغوت إلا أذى.. ابتلاء من الله لا عجزاً منه سبحانه عن نصرة أوليائه، ولا تركاً لهم ليسلمهم إلى أعدائه، ولكنه الابتلاء الذي يمحص القلوب والصفوف.. ثم تعود الكرّة للمؤمنين.. ويحق وعد الله لهم بالنصر والتمكين..." اهـ. من الظلال بتصرف.

ابو الزبير المقدسي 16-02-2007 04:32 AM

* ولتعلم أخيراً أن الناس مع هذا الحق أقسام:
* رجل ثابت صادع بملة إبراهيم وبدين جميع المرسلين على النحو الذي تقدم لا يخاف في الله لومة لائم، فهذا من الطائفة الظاهرة المنصورة وهو الداعي إلى الحق الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، وهو الذي يفوز بكرامة الدارين، والذي يقول تعالى فيه: )ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ([فصّلت: 33]، وهو المعنيّ بحديث: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير..."؟
* أو رجل أقل منزلة من الأول لا يقدر على هذه الطريق المحفوفة بالمكاره، ويخاف على دينه ولا يطيق الصدع بذلك.. فهو يعتزل بغنيمات له يتبع بهن مواقع القطر وشعب الجبال يعبد الله ويفر بدينه من الفتن..
وإنما حصل له الأذى لأنه جاء بمثل ما جاء به المرسلون.. لا يداهن أهل الباطل ولا يركن إليهم أو يرضى بباطلهم بل يتبرأ منهم ويظهر العداوة لهم ويهجر كل ما يعينهم على باطلهم من منصب ووظيفة أو عمل أو طريق، ومن كانت هذه حاله لا يأثم بإقامته في مجتمعاتهم وديارهم ولا تجب عليه الهجرة من أي بلد كان. يقول الشيخ حمد بن عتيق في الدرر السنية عند كلامه على قوله تعالى: )قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه... ([الممتحنة: 4] الآية، ومعنى قوله: )بدا ( أي ظهر وبان والمراد التصريح باستمرار العداوة والبغضاء لمن يوحد ربّه، فمن حقق ذلك علماً وعملاً وصرح به حتى يعلمه منه أهل بلده لم تجب عليه الهجرة من أي بلد كان، وأما من لم يكن كذلك بل ظن أنه إذا تُرك يصلي ويصوم ويحج سقطت عنه الهجرة، فهذا من الجهل بالدين وغفول عن زبدة رسالة المرسلين..." اهـ. ص199 من جزء الجهاد وهذا القسم من الناس إذا صدع بالحق وهُدّد بالقتل والتعذيب وليس ثَمّ بلد يهاجر إليها فله أسوة حسنة في أهل الكهف الذين شحّوا بدينهم وفرّوا به إلى الجبال.. وأسوة أخرى بأصحاب الأخدود الذين حرقوا في سبيل عقيدتهم وتوحيدهم وما وهنوا وما استكانوا.. وأسوة بأصحاب النبي الذين هاجروا وجاهدوا وقاتلوا وقتلوا وكفى بربك هادياً ونصيراً.
* أو رجل مستضعف مغلق عليه بيته مقبل على خاصة أمره يسعى في نجاتهم ووقايتهم من الشرك وأهله ومن نار وقودها الناس والحجارة.. يتجنب الكفار ويعرض عنهم، ولا يظهر الرضى عن باطلهم ولا يؤيده بأي صورة من الصور.. ولا بد لهذا من أجل سلامة توحيده. أن يبقى قلبه مطمئناً بالعداوة والبغضاء للشرك والمشركين ينتظر زوال المانع.. ويتحين الفرص للفرار بدينه والهجرة إلى بلد أهون شراً.. يظهر بها دينه، كهجرة المهاجرين إلى الحبشة.
ولولاهم كادت تميد بأهلهـا ولكن رواسيها وأوتادها هم
ولولاهم كانت ظلاماً بأهلها ولكن هم فيها بدورٌ وأنجم
* أو آخر مظهر للرضى عن أهل الباطل مداهن لإفكهم وضلالهم فهذا له ثلاث حالات ذكرها الشيخ ابن عتيق في سبيل النجاة والفكاك ص62 فقال:
"الحالة الأولى: أن يوافقهم في الظاهر والباطن فهذا كافر خارج من الإسلام. سواء أكان مكرهاً أم غير مكره، فهو ممن قال الله فيه: )ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ([النحل: 106].
الحالة الثانية: أن يوافقهم ويميل إليهم في الباطن، مع مخالفتهم في الظاهر، فهذا ً كافر أيضاً، وهم المنافقون.
الحالة الثالثة أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو على وجهين: أحدهما: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم له وتهديده بالقتل، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان كما جرى لعمّار قال تعالى: )إلا من أُكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان ([النحل: 106]".
قلت: وينبغي لمثل هذا كما قدمنا أن يسعى دوماً مثل المستضعفين من أصحاب النبي e للفرار بدينه ويدعو دوماً: )ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً ([النساء: 75].
ثم قال: "الوجه الثاني: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحة بوطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال فإنه في هذه الحالة يكون مرتداً ولا ينفعه كراهته لهم في الباطن وهو ممن قال الله فيهم: )ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وإن الله لا يهدي القوم الكافرين ([النحل: 107]، فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل أو بغضه، ولا محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظاً من حظوظ الدنيا آثروه على الدين.. قال: وهذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى".
* قلت: معنى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أشار إليه ابن عتيق موجود في مواضع كثيرة من كتبه ورسائله، من ذلك على سبيل المثال قوله ص42 في مجموعة الرسائل النجدية: "اعلم أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله أو صار مع المشركين على الموحدين ولم يشرك، أكثر من أن تحصى من كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء. وأنا أذكر لك آية من كلام الله أجمع أهل العلم على تفسيرها وأنها في المسلمين وأن الرجل إذا قال ذلك فهو كافر في أي زمان كان، قال الله تعالى: )من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ([النحل: 106] الآية، وفيها ذكر أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة لما فتنهم أهل مكة وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفاً منهم فهو كافر بعد إيمانه".
وهو مطابق لكلام الشيخ ابن عتيق السابق وكلام الشيخ سليمان الآتي بعده.. وهو كلام خطير، أعلم علم اليقين بأنه لو كان من كلامنا وليس من كلام هؤلاء الأئمة الأعلام لقيل: خوارج وتكفير.. مع أن الآية نص واضح عليه.. وهذه القضية تختلف عن قضية الإكراه على كلمة الكفر التي يُعذر صاحبها، فنحن هاهنا مع أناس لم يُكرهوا ولم يُضربوا ولم يُعذبوا وإنما حملهم على إظهار الموافقة والولاء للمشركين، حب الدنيا والخوف عليها والطمع بالمال والمشحة بالمسكن (والأرض والقرض كما يقولون) فهو استحباب للحياة الدنيا على الآخرة واشتراء لمتاعها الزائل ببذل الدين والتوحيد والعقيدة.. ربما تستروا مع ذلك بالإكراه وادعوا الضرورات وليسوا في الحقيقة من أهلها، لذا قال تعالى في سورة آل عمران بعدما نهى عن موالاة أعدائه وأباح التقية للمكره الحقيقي، قال محذّراً: )ويُحذّركم الله نفسه وإلى الله المصير * قل إن تخفوا ما صدوركم أو تبدوه يعلمه الله...( [آل عمران: 28-29]، وقال في الآية التي تلتها مباشرة: )يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويُحذركم الله نفسه.. ([آل عمران: 30]، وهذا من أعظم الوعيد والتهديد لمن تدبّر كتاب الله وعقله.. ولكن من يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً.. ذلك أن كثيراً ممن لاخلاق لهم يتعذّرون بالإكراه وليسوا من أهله.. وقد ذكر العلماء شروطاً لصحة الإكراه منها:
- أن يكون المكره (بكسر الراء) قادراً على إيقاع ما يُهدد به، والمأمور المكرهَ عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار..
- أن يغلب على ظنّه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.
- أن يكون ما هُدّد به فورياً، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غداً، لا يعد مكرهاً.
- أن لا يظهر من المأمور ما يدل على تماديه بأن يعمل زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء.
* كما فرّقوا فيما يُهدّد به المكره ويُخوّف بين الإكراه على المعاصي، وبين الإكراه على قول كلمة الكفر أو موالاة الكفار وأمثاله، فلم يُجوّزوا الثاني إلا لمن عُذّب عذاباً لا طاقة له به، وذكروا القتل والتحريق بالنار وقطع الأعضاء والتخليد في السجن وأمثال ذلك، وعمار رضي الله عنه هو الذي نزلت بسببه آيات التقية، ومعروف أنه لم يقل ما قال إلا بعدما رأى مقتل أمه وأبيه، وبعدما ذاق من العذاب ألواناً، فكسرت ضلوعه وأوذي في الله أذىً شديداً.. وأكثر هؤلاء المتعذّرين بالتقية ممن أوضعوا في الفتنة وغرقوا في الباطل والشرك لم ينلهم عشر معشار ما ناله.. ولكن كما قلنا سابقاً؛ من يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً..
أضف إلى هذا أن أهل العلم يذكرون مع ذلك في أبواب الإكراه على كلمة الكفر؛ أن الأخذ بالعزيمة والصبر على الأذى واحتساب الأجر عند الله تعالى أعظم وأفضل، وهذه مواقف الصحابة وتابعيهم والأئمة شاهدة بذلك فبأمثال هذه المواقف يكون إظهار الدين وإعزازه، وانظر صحيح البخاري باب (من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر) والشواهد في ذلك كثيرة وكذا مواقف الأئمة أكثر من أن تحصى كموقف الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن وغيرها كثير...
ويذكرون قوله تعالى: )ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ([العنكبوت: 10].
كما يذكرون أن التخيير ينافي الإكراه وذلك كحال شعيب عليه السلام مع قومه إذ خيّروه بين العودة إلى الكفر أو الخروج من قريتهم، ولم يجوّزوا لذلك الاستجابة وإظهار الكفر في هذه الحالة. وإنما سردنا هذا كله ليعلم من وهبه الله نعمة العقل والتوحيد غربة هذا الدين في زماننا وغربة دعاته وأهله الذين يعرفونه حق المعرفة... وأن أكثر الناس اليوم قد دخلوا في دين الحكومات ودين الطواغيت مختارين بلا إكراه حقيقي، وإنما استحباباً للحياة الدنيا ومساكنها وأموالها ومتاعها ومناصبها على دين الله، وبذلوه وباعوه بأبخس الأثمان، فإياك أن تكون منهم فتصبح من النادمين..
* وبهذا وأمثاله يزول ما قد يستغربه ويستهجنه كثير من الناس من قول الشيخ ابن عتيق هذا فيمن وافق المشركين في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو ليس في سلطانهم وإنما حمله على ذلك ما ذكر من الدنيا وليس الإكراه.. وقوله: "مع مخالفته لهم في الباطن" يقصد به والله أعلم: (بحسب زعمه) وإلا فكيف نعلم ونطلع على حقيقة باطنه في حاله تلك، إلا عن طريق الوحي كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة.. والله عز وجل لم يكلفنا بالبواطن بل نحكم بالظاهر.. فكما أننا نكف سيوفنا عمّن أبطن النفاق وأبدى موالاة الإسلام وأظهر شعائره، فكذلك نُعملها في هامِ من أظهر موالاة الكفار وشايعهم وانحاز لهم، وإن زعم أنه يبطن الإسلام.. فالله عز وجل تعبّدنا في أحكام الدنيا بالظواهر وهو وحده سبحانه الذي يتولى السرائر ويعلم الصادق من الكاذب، فيحاسب الناس على أعمالهم ويبعثهم على نياتهم كما في حديث أم المؤمنين المتفق عليه في الجيش الذي يُخسف به وفيه المستبصر والمجبور، فيهلكهم الله جميعاً في الدنيا ويبعثهم على نياتهم يوم القيامة... وهذا معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صحيح البخاري: "إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله e فمن أظهر لنا خيراً أمّنّاه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته. ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنْه ولم نُصدّقه وإن قال إن سريرته حسنة".
وهكذا كان أمر النبي e في تعاملاته مع الناس في الحروب وغيرها، فها هو العباس بن عبد المطلب وقد كان يدّعي الإسلام وينتسب إليه، انظر على سبيل المثال (88 و89 و91/6) من مجمع الزوائد، و(ص242-246/4) من مشكل الآثار وغيره.. ولكنه بقي في مكة وهي دار كفر آنذاك ولم يهاجر إلى دار الإسلام وخرج مع المشركين يوم بدر، فأسره المسلمون وعاملوه على ظاهره لا بما زعمه وادعاه من إبطان الإسلام، لأنه خرج في صفوف المشركين يكثر سوادهم، وروي أنه زعم أنه كان مكرهاً في الخروج معهم كما في بعض الآثار المشار إليها آنفاً، وفي بعضها أن النبي e قال له عندما رآه يتعذّر بالإكراه ويدعي الإسلام: "الله أعلم بشأنك إن يك ما تدعي حقاً فالله يجزيك بذلك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك.." رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات، إلا أن فيه راوٍ لم يُسم، وعلى كل حال يكفينا في هذا ما هو ثابت في صحيح البخاري وغيره، من أن النبي e عامله بظاهر أمره ولم يطلقه إلا بعدما فدى نفسه كبقية الأسرى المشركين.. ولعل من هذا الباب أيضاً ما جاء في صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة الرجل من بني عقيل الذي كان من حلفاء ثقيف أسر ولم يطلقه النبي e رغم ادعائه الإسلام، انظره في مختصر المنذري تحت رقم (1008)..

ابو الزبير المقدسي 16-02-2007 04:37 AM

فعلم من هذا كله أننا مكلفون في معاملاتنا وأحكامنا في الدنيا بالظاهر دون الباطن، وهذا من فضل الله عز وجل علينا وإلا لأمسى الإسلام وأهله ألعوبة وأضحوكة لكل جاسوس وخبيث وزنديق. ومن هذا الباب قصة حاطب وما كان من صنيعه عام الفتح.. فالأصل أن يُحكم على ظاهر من عمل مثل عمله بالكفر وأن يجري المسلمون عليه ما يستوجب ظاهره من الأحكام في الدنيا كالقتل والأسر، ومن طالع حال المرتدين وأقسامهم وبعض حججهم وتأويلاتهم، وحجج من خُدع منهم بشهود الرجال على نبوة مسيلمة وقصة ثمامة واليشكري وما إلى ذلك.. وكيف أن الصديق عاملهم جميعاً بالظاهر. فأعمل فيهم القتل والأسر.. وأن هذا كان من أعظم فضائله ومناقبه وحسناته؛ عرف صحة ما نقصده ونرمي إليه، ويراجع في ذلك كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فهو كثير في هذا الباب.. انظر على سبيل المثال المواضيع الستة التي ذكرها في مقدمة السيرة وغيرها كثير.. وهذا هو تماماً ما فهمه عمر رضي الله عنه في قصة حاطب وصرّح به في حضرة النبي e، ومعلوم أن النبي e لم ينكر على عمر هذا الفهم، ولا قال له e في ذلك المقام: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما"، بل أقر حكمه ولم ينكره فيمن ليس له مانع كمانع حاطب، وزكى لنا باطن حاطب بقوله: "وما يدريك لعل الله قد اطّلع على أهل بدر.." إلخ، وقد قال حاطب رضي الله عنه كما جاء في البخاري وغيره: "ما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً ولا رضى بالكفر بعد الإسلام" فقال e مزكياً له: "قد صدقكم".. والمبادرة إلى هذا القول منه رضي الله عنه من أظهر الأدلة على أن الصحابة قد كان مستقراً في نفوسهم أن الأصل في ظاهر هذا العمل أن يكون ردّة وكفراً.. وفي رواية أبي يعلى وأحمد قال: "أما إني لم أفعله غشاً لرسول الله e ولا نفاقاً، قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له نوره" وفي رواية أخرى لهما أيضاً: "أما والله يا رسول الله ما تغيّر الإيمان من قلبي.." انظر مجمع الزوائد (306/9) وتأمل قول النبي e في رواية البخاري: "قد صدقكم" فهذا الصحابي البدري قد استثناه النبي e وزكّاه وشهد بصدق سريرته وباطنه وأنه لم يفعل ذلك ردة وكفراً بل كانت منه كبيرة من كبائر الذنوب اغتفرت في مقابل كونه بدرياً.. فهل في المهوّنين من شأن موالاة الكفار المتنطعين بقصة حاطب هل فيهم اليوم على وجه الأرض بدرياً اطلع الله على قلبه، ليجعلوا هذا الفعل كبيرة على الإطلاق ويتهاونوا فيه ويتساقطوا تساقطاً..؟؟
ولا نسأل هذا السؤال إلا بعد أن نعلم صدق سرائرهم وأنهم ما فعلوه ردةً ولا كفراً.. ودون ذلك خرط القتاد.. فمن أين لنا أن نعلم بعد انقطاع الوحي صدق سرائرهم وبواطنهم ومن يزكيهم ويشهد لنا بعد رسول الله e بذلك. فهذا مانع من موانع الكفر الباطنة غير الظاهرة، ولا نكلف به بعد انقطاع الوحي، لأجل ذلك كان الأصل فيمن أظهر الركون إلى الكفار وموافقتهم وموالاتهم أن نحكم عليه بظاهره كما تقدم والله يتولى السرائر إن كان على غير ذلك، ويُبعث على نيته إن قتله المسلمون في صفوف الكفار، وإن أسر تجري عليه أحكام الكفار كما تقدم، والمسلمون معذورون في قتل من أظهر مثل هذا وإن ادعى وزعم أنه يبطن الإسلام وموالاة أهله، وانظر في هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حول الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف به، وقصة أسر العباس يوم بدر وادعائه الإسلام.. في مجموع الفتاوى (537/28) وكذا كلام تلميذه العلامة ابن القيم في الزاد (422/3) وغيرهما من العلماء المحققين.. وتأمل كذلك سبب نزول قوله تعالى: )إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ([النساء: 97] ارجع إليه في صحيح البخاري وغيره فإنه مفيد في هذا الباب أيضاً.. انشط وتأمل ذلك كله وانفض غبار النوم عن عينيك ولا تكن مع الكسالى المقلدين..
* وأخيراً فقد ذكر الحافظ في الفتح (521/7) عن بعض أهل المغازي قال وهو في (تفسير يحيى بن سلام) أن لفظ كتاب حاطب كان: "أما بعد يا معشر قريش، فإن رسول الله e قد جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم والسلام" وكذا حكاه السهيلي.
قلت: فلو تأمل العاقل كتاب حاطب هذا وما فيه من ثقته بنصر الله لنبيه e وتعظيمه من شأنه، ومع ذلك فقد أنزل الله تعالى بسبب فعلته هذه آيات عظيمات تقشعر منها جلود الذين آمنوا فقال: )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضلّ سواء السبيل ([الممتحنة: 1]، فلو تأملت هذا هداك الله، وكيف شدّد الله تعالى فيه وجعله من موالاة ومودة أعدائه.. ثم نظرت في أحوال كثير من المنتسبين للدعوة والإسلام في هذا الزمان، وما يقع منهم من مباركة ومداهنة بل ومناصرة ومؤازرة عبيد القانون وأذناب الفرنجة وأعداء الشريعة والتوحيد، وما يظهروه من موالاة دساتيرهم وحكوماتهم والقسم على احترام قوانينهم؛ لعرفت غربة الدين الحقيقة، وغربة أهله العارفين له حق المعرفة وندرتهم فإياك والتفريط بالدين، إياك.. إياك.
قال الشيخ حمد بن عتيق: "وأمّا ما يعتقده كثير من الناس عذراً، فإنه من تزيين الشيطان وتسويله وذلك أن بعضهم إذا خوّفه أولياء الشيطان خوفاً لا حقيقة له ظنّ أنه يجوز له إظهار الموافقة للمشركين والانقياد لهم.. إلخ". ثم ذكر كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية في صفة الإكراه على كلمة الكفر وأنه لا يكون إلا بالضرب والتعذيب والقتل لا بمجرد الكلام ولا بالتخويف بالحيلولة دونه ودون زوجته أو ماله أو أهله... ثم قال رحمه الله تعالى: "فإذا علمت ذلك وعرفت ما وقع من كثير من الناس تبين لك قول النبي e: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ " وقد عاد غريباً، وأغرب عنه من يعرفه على الحقيقة، وبالله التوفيق" اهـ من "سبيل النجاة" الموضع نفسه.
* ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد) في مقدمة رسالة (حكم موالاة أهل الإشراك): "اعلم رحمك الله أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفاً منهم، ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب الإسلام والمسلمين...".
ثم ذكر ما هو أشد من ذلك من مناصرة المشركين بالمال وموالاتهم وقطع موالاة المسلمين.. إلى أن قال: "ولا يُستثنى من ذلك إلا المكره وهو الذي يستولي عليه المشركون، فيقولون له: اكفر، أو افعل كذا، وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان. وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلاً، أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفاً وطمعاً في الدنيا؟!" اهـ. ثم أخذ بسرد أكثر من عشرين دليلاً على ذلك.. ولذلك اشتهر كتابه باسم (الدلائل)... فليتأمل ذلك كله المنتسبون إلى الدعوة ممن يظهرون موالاة عبيد الياسق وموافقتهم وينافحون عنهم وعن قوانينهم وحكوماتهم وجيوشهم.. وليتدبروه.. فإنه يهمهم جداً، خصوصاً، إذا علموا أنه كله مُنصبٌ على عساكر الدولة المصرية حينما دخلوا نجداً في عهد الشيخ حمد بن عتيق والشيخ سليمان رحمهما الله، حيث صنفا كتاب (سبيل النجاة والفكاك) وكتاب (الدلائل) في ذلك الوقت لتحذير الناس من موالاة أولئك العساكر الذين كانوا يتشبثون بكثير من البدع والخرافات وشركيات القبور، انظر ص309 وغيرها من جزء الجهاد من كتاب الدرر السنية.. ومن المعلوم عن علماء نجد المشاهير من أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في ذلك الزمان أنهم كانوا يكفرون الدولة المصرية وعساكرها التابعين للدولة التركية كما هو مشهور في كثير من رسائلهم، بل يكفرون كل من والاهم أو دخل في طاعتهم ورضي عنهم واتخذهم وليجة من دون المؤمنين.. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح الآن: إذا كان هذا حكم أولئك الأئمة الأعلام في عساكر التي يتباكى عليها وعلى أيامها أكثر مسلمي هذا الزمان.. وإذا كانت هذه مصنفاتهم فيمن والاها وأحبها أو أحب ظهورها.. فماذا تراه يكون قولهم في عبيد الياسق العصري؟؟
وبماذا كانوا سيحكمون على من أظهر الولاء لهم ولجيوشهم وشرطتهم خوفاً من الحرمان من المساكن والقسائم أو الوظائف أو غير ذلك من قشور الدنيا ومتاعها؟؟ وبماذا كانوا سيحكمون على من أقسم على الإخلاص لهم أو على احترام قوانينهم.. لو أنهم أدركوا هذا الزمان؟؟؟

ابو الزبير المقدسي 16-02-2007 04:42 AM

"فالحذر الحذر أيها العاقلون والتوبة التوبة أيها الغافلون فإن الفتنة حصلت في أصل الدين لا في فروعه، ولا في الدنيا، فيجب أن تكون العشيرة والأزواج والأموال والتجارة والمساكن وقاية للدين وفداءً عنه، ولا يُجعل الدين فداءً عنها ووقاية لها قال تعالى: )قل إن كان آباؤكُم وأبناؤُكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ([التوبة: 24]، فتفطن لها وتأملها فإن الله أوجب أن يكون الله ورسوله والجهاد أحب من تلك الثمانية كلها، فضلاً عن واحدة منها أو أكثر، أو شيء دونها مما هو أحقر، فليكن الدين عندك أغلى الأشياء وأعلاها..." اهـ. من الدرر ص127 جزء الجهاد.


فصـل
من أساليب الطغاة لتمييع ملة إبراهيم وقتلها في نفوس الدعاة
وبعد.. فإذا كنت قد فهمت ملة إبراهيم فهماً جيداً.. وعلمت أنها منهج الرسل وأتباعهم.. وأنها طريق النصر والفوز والسعادة في الدارين.. فلتعلم بعد ذلك علم اليقين أن الطغاة في كل زمان لا يرضون عنها، بل يخافون هذه الملّة العظيمة ويخشونها.. ويحرصون كل الحرص على قتلها ونزعها من نفوس الدّعاة بشتى الحيل والأساليب..
كما أخبر تعالى بذلك عنهم منذ القديم فقال في سورة القلم وهي مكية: )ودّوا لو تدهن فيدهنون ([القلم: 9]. فهم يتمنّون أن يسلك الدّعاة غيره من السبل المعوجّة وينحرفوا عن دعوة الأنبياء الصلبة المستقيمة.. ولا يزالون يخطّطون لأجل حرف الدعاة عن هذا الصراط المستقيم.. إلى سبل فيها سكوت عن كثير من باطلهم، تُرضي خواطرهم.. أو تلتقي معهم في بعض أمورهم.. هكذا.. حتى تموت الدعوة وتتميع قضيتها وينحرف دعاتها عن خطها الواضح البيّن المستقيم فالطّغاة يعلمون أن أول التقهقر خطوة إلى الوراء.. ثم تعقب هذه الخطوة، خطوات وخطوات.. ينسى معها الدعاة منهج الدعوة الأصيل.. ويحصل يقيناً من هذا الانحراف.. التقاء مع أهل الباطل في كثير من باطلهم أو بعضه.. وذلك غاية ما يتمنونه ابتداء.. لذلك فإنهم إن يروا من هؤلاء الدعاة تنازلاً أو تقهقراً.. أظهروا لهم الرضى عنهم وعن دعواتهم، وقربوهم وأثنوا على جهودهم وأظهروا لهم الود والحب.. قال تعالى: )وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلا ([الإسراء: 73].
يقول سيد قطب رحمه الله تعالى عند هذه الآية بعد أن ذكر محاولات المشركين لمساومة الرسول e على كثير من أمور دينه ودعوته ومن ذلك: ترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم إلى غير ذلك.. يقول: "هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، وهي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً، محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلاً عن استقامة الدعوة وصلابتها. ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثير. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً. فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو بضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة.. لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء! وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان لكسب أصحاب السلطان إلى صفها، هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصر الدعوة. والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم.. ومتى دبّت الهزيمة في أعماق السريرة، فلن تنقلب الهزيمة نصراً!" اهـ.
نعم.. وإننا لنرى كثيراً من دعاة اليوم قد اتخذهم الطغاة أخلاّء، فهم لا يضرونهم أو يعادونهم.. لأن أولئك الدعاة قد أظهروا الرضى عن كثير من باطلهم فالتقوا معهم في منتصف الطريق.. وجالسوهم في الندوات والحفلات والهلكات.
ومن أمثلة هذه الأساليب في واقعنا المعاصر..:
* ما أشرنا إليه مما يؤسسه كثير من الطواغيت من برلمانات ومجالس أمة وأشباهها.. ليجمعوا فيها خصومهم من الدعاة وغيرهم فيجالسونهم فيها ويقاعدونهم ويختلطون بهم حتى يميعوا القضية بينهم، فلا تعود المسألة مسألة براءة منهم أو كفر بقوانينهم ودساتيرهم أو انخلاع من باطلهم كله.. بل تعاون وتآزر ومناصحة وجلوس على طاولة الحوار لأجل صالح البلاد واقتصادها وأمنها و... و... و... لأجل الوطن الذي يتحكم به الطاغوت ويحكمه بأهوائه وكفرياته..، ورأينا أكثرهم ممن ينتسبون إلى منهج السلف أو يتمسحون بكلام سيد قطب وأمثاله.. ومع ذلك أمسوا بعد سقوطهم في هذه المزلة يصفقون للطواغيت ويقومون لهم إجلالاً واحتراماً ويخاطبونهم بألقابهم بل وينادون بالولاء لحكوماتهم وجيوشهم وأمنهم.. ويقسمون على احترام دساتيرهم وقوانينهم.. وغير ذلك.. فماذا أبقوا لدعواتهم؟ نعوذ بالله من الضلال..
* ومن ذلك أيضاً ما يلجأ إليه كثير من هؤلاء الطواغيت من تجنيد العلماء وشغل أوقاتهم لصالحهم في محاربة خصومهم ومن يخافونهم على أنظمتهم وحكوماتهم كالشيوعيين مثلاً أو الشيعة أو غيرهم ممن يهددونهم ويهددون حكمهم.. فيلجأ الطاغوت إلى بعض هؤلاء العلماء المتحمسين المبغضين لتلك الاتجاهات الضالة.. فيعينهم على أولئك الأعداء المشتركين ويخادع هؤلاء العلماء بإظهار حرصه على الدين وعلى أهله وتخوفه من أولئك على حرمات المسلمين، ويمدهم بالعون والدعم المادي والمعنون لمحاربة أولئك.. فيسقط هؤلاء المساكين بحبائله ويضيعون أعمارهم وأوقاتهم ودعواتهم في نصرة عدو على عدو.. بل يصل الحال بكثير منهم بأن يلغوا عداوتهم للطاغوت القريب ويصادقونه بل ربما أصبحوا في يوم من الأيام جنداً وأعواناً مخلصين له ولحكومته.. يكرسون حياتهم في خدمته وتثبيت عرشه وحكمه ودولته.. شعروا أو من حيث لا يشعرون.. وليتهم عقلوا قولة العبد الصالح: )رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ([القصص: 17]، فقد نقل القرطبي في هذه الآية عن بعض الروايات "أن الإسرائيلي الذي استنصر موسى كان كافراً وإنما قيل له من شيعته لأنه كان إسرائيلياً ولم يُرد الموافقة في الدين.. فعلى هذا ندم لأنه أعان كافراً على كافر، فقال: "لا أكون بعدها ظهيراً للكافرين" وظهيراً: أي معيناً. وليتهم عقلوا قوله تعالى: )يا أيّها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة.. ([التوبة: 123]. إذاً لما وقعوا فيما وقعوا فيه.. فإن أولئك الشيوعيين أو غيرهم وإن كانوا أعداء للإسلام وأهله.. وعداوتهم والبراءة منهم والكفر بباطلهم مطلوبة أيضاً.. إلا أن البدء بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب أمر مقرر ومعروف في سيرة نبينا محمد e، بل وتأبى العقول السليمة خلافه، ذلك لأن خطر الأقرب المباشر وتأثيره وفساده وفتنته أعظم وأشد من البعيد، أو القريب غير المباشر، ولذا كانت مجاهدة النفس والشيطان قبل مجاهدة الأعداء عموماً.. وما كان رسول الله e ليبدأ أول ما بدأ بفارس والروم أو باليهود، ويتغافل عمن هو بين ظهرانيهم.
* بل ربما استغل كثير من الطواغيت هذا المزلق الخطير.. وسخروا كثيراً من هؤلاء العلماء الجهلاء.. في الصد عن كثير من الدعاة والتنفير من جماعاتهم الإسلامية ممن هم خصوم لأولئك العلماء في الدعوة إلى الله أو في المذهب أو المنهج.. أو غير ذلك... بل ربما استخلصوا منهم الفتاوى لقمعهم والقضاء عليهم وعلى دعواتهم بحجة أنهم من الخوارج أو البغاة المارقين المفسدين في الأرض.. )ألا إنهم هم المفسدون ( وهم يعلمون ويشعرون.. ولقد شاهدنا هذه المزلة كثيراً في أهل زماننا وإلى الله المشتكى.. وما درى أولئك العلماء المساكين أو إخوانهم الدعاة مهما بلغوا من الانحراف.. فإنه انحراف عن جهل أو تأويل.. بل حتى لو كان عن علم وإصرار، فلن يبلغ مبلغ انحراف الطواغيت ومحادتهم لله ولدينه

ابو الزبير المقدسي 16-02-2007 04:43 AM

* ومن ذلك أيضاً إغراء المؤمنين والدعاة بالمناصب والمراكز والوظائف والألقاب.. ومنحهم الامتيازات والأموال والمساكن، والإغداق عليهم بالخيرات وغير ذلك. حتى يقيدوهم ويثقـلوهم ويقفلوا أفواههم بها.. ويحققوا معهم قول قائلهم: (الثدي الذي يرضعك لا تعضه) وهكذا إلى أن يفتتن بهم هؤلاء الدعاة أو أولئك العلماء ويفتنون بحكوماتهم، حتى يصل بهم الحال إلى أن يرقعوا باطل أولئك الطغاة بفتاويهم المختلفة.. وبترديدهم لأفضالهم وتسبيحهم بحمدهم ليل نهار...
يقول ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص121: "ومن تلبيس إبليس على الفقهاء، مخالطتهم الأمراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك". وقال ص122: "وفي الجملة، فالدخول على السلاطين خطر عظيم لأن النية قد تحسن في أول الدخول ثم تتغير بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم، ولا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم، وقد كان سفيان الثوري رضي الله عنه يقول: "ما أخاف من إهانتهم لي، إنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم" اهـ.
ولو تفكر العاقل في أولئك الذين كان يخاف سفيان أن يميل قلبه إليهم.. لوجد البون بينهم وبين طغاة زماننا واسعاً شاسعاً.. فالله المستعان.. ورحم الله من قال:
لا شيء أخسر صفقة من عالم لعبت به الدنيا مع الجهال
فغدا يفرق دينـه أيد ســبا ويزيله حرصاً لجمع المال
من لا يراقــب ربه ويخاـه تبـت يــداه وماله والِ
* ومنه أيضاً إظهار بعض هؤلاء الطواغيت حرصهم على جوانب وفروع من الدين والدعوة إليها ليستقطبوا بذلك كثيراً من الدعاة والعلماء الذين يخافون من إخلاصهم، وحب الناس لهم، فيؤسسون لهم معاهد ودوراً وإذاعات ويشغلونهم بوزارات الأوقاف ومشاريعها وموسوعاتها وغير ذلك مما لا يمس طغيان هؤلاء الطواغيت وفسادهم..
ومن قبيل ذلك أيضاً روابط ومؤسسات الضرار التي يؤسسها هؤلاء الطواغيت.. كرابطة العالم الإسلامي التي انخدع بها كثير من علمائنا المساكين رغم خطها المكشوف الأسود المداهن لكثير من الحكومات الفاسدة عموماً، وللحكومة السعودية وطواغيتها خصوصاً.. حتى لقلما تخلو نشرة أو كتاب من مطبوعاتهم إلا ويطفح بالتملق والنفاق لتلك الدولة.. ناهيك عن علاقاتها وعلاقات مسؤوليها المشبوهة مع طواغيت الدول المختلفة الأخرى... وخلافها وانتقادها لبعض تلك الدول إنما يكون تبعاً لأهواء دولتها الأم.. فإذا كانت الأمور بين الطواغيت على ما يرام فهي كذلك عندها.. وإذا هاجم طاغوت كالقذافي مثلاً دولتها أو طواغيتها وسياستهم فإن الفتاوى والاستنكارات تتابع وتنهال.. ثم إذا رجعت الأمور إلى حالها الأول بين الطواغيت، هدأت وخرست تلك الفتاوى وما عدنا نسمع لها حساً.. مع أن الطاغوت هو هو.. ما تغير وما تبدل بل ربما أصبحت حاله أشد وأنكى مما مضى... ولو رأوه بأعينهم يطوف بالبيت بنجسه وطغيانه.. لما حركوا ساكناً.. فإلى الله المشتكى.. وعلى كل حال فهذه المؤسسة وأمثالها لن تعدو كونها مؤسسة حكومية ولقد اعتدنا ألا نثق بما يأتي من الحكومات.. ونعمت العادة.
* ومنه أيضاً ما يمنحونه لكثير من الدعاة من أذون وتراخيص للدعوة والخطابة وما ينشئونه من (هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) التي تعمل على استيعاب واحتواء الدعاة المتحمسين وصدهم عن منكرات الحكومة وسياساتها وباطلها وفساد طواغيتها الكبير.. بشغلهم ببعض منكرات العامة.. خلاصة تلك المنكرات التي قد تهدد أمن الدولة واستقرار حكم الطواغيت.. ولن يتعدوها إلى مستويات أعلى وأعظم ما داموا قد ربطوا أنفسهم بتلك الهيئات أو ذلك الإذن الذي يتحكم فيهم وفي دعواتهم.. ويشدهم شداً..
* ومن ذلك أيضاً تدميرهم وتحطيمهم وقتلهم لهذه الملة في نفوس النشىء من ذراري المؤمنين.. عن طريق مدارسهم ومعاهدهم وأجهزة إعلامهم ومؤسساتهم الطاغوتية المختلفة.. فحيث أن هؤلاء الطواغيت أشد خبثاً وأعظم مكراً من فرعون.. فهم لا يلجأوون إلى أسلوبه في تقتيل الأبناء، إلا في آخر الأمر حين تعجز أساليبهم الخبيثة الأخرى، فيحاولون جاهدين قبل ذلك أن يقتلوا هذه الملة في نفوسهم، فبدلاً من أن يهلكوا الأجيال حسياً كما فعل فرعون، يقتلون فيهم هذه الملة فيهلكونهم أيّما إهلاك، وذلك بتربيتهم على حبهم والولاء لهم ولقوانينهم وحكوماتهم عبر مدارسهم الفاسدة هذه، ووسائل إعلامهم الأخرى التي يدخلها وينقلها كثير من جهال المسلمين إلى بيوتهم.. فبدلاً من أن يثير هؤلاء الطواغيت الناس باستعجال القتل الحقيقي... يتبعون هذه السياسة الخبيثة ليسبح الناس بحمدهم وبأفضالهم على أنهم ماسحوا الأمية وناشروا العلم والحضارة.. وفوق ذلك كله وتحت هذا الغطاء يربون من ذراري المسلمين أتباعاً أوفياء وخدماً مخلصين لحكوماتهم ولقوانينهم وأسرهم الحاكمة.. أو على أقل الأحوال يربون جيلاً مائعاً جاهلاً منحرفاً، راغباً عن هذه الدعوة الصلبة والملة القويمة.. مداهناً لأهل الباطل.. لا يقوى بل ولا يصلح لمواجهتهم أو يفكر فيها.. وقد فصّلنا هذا الأمر وكشفنا أسلوبهم الخبيث هذا في رسالتنا المسماة: (إعداد القادة الفوارس بهجر فساد المدارس).
وكم يسقط ويهبط الداعية إذا زلّ بشيء من هذه المزلات، فما هذه الحال التي نعايشها اليوم من انعدام ثقة الناس بالقيادات الإسلامية وبالعلماء إلا واحدة من ثمرات هذه المزلة.. وكم يصغر في أعين الطغاة أنفسهم وتنتزع هيبته من قلوبهم، فلا يخافونه ولا يخشون دعوته.. ولا يحسبون له عند ذلك أي حساب.. أما إذا رأوا منه صلابة وثباتاً كثبات الجبال، وبراءة وإباء وترفعاً عن الالتقاء بهم في أي نقطة من نقاط طرائقهم المخالفة لمنهج الدعوة القويم فعند ذلك يحسبون له ألف حساب ويلقي الله الرعب المهابة في قلوب الطغاة.. كما كانت هيبة النبي e في نفوس الكفار.. وكما كان يُنصر بالرعب من مسيرة شهر.. فالحذر من هذه المنزلقات.. والحذر من السقوط في ألاعيب الطغاة..
أخيراً.. فقد بيّن الله عز وجل لنا هذه المخطّطات، وكشف لنا تلك الألاعيب، وحذّرنا منها.. وأعطانا الحل والعلاج.. وأرشدنا إلى الطريق الصحيح، فقال مباشرة قبل قوله: )ودوا لو تدهن فيدهنون ([القلم: 9]، قال: )فلا تطعْ المكذّبين ([القلم: 8].
لا تطعهم.. ولا تركن إليهم، ولا تقبل أنصاف حلولهم.. فإن ربك قد أعطاك الدين الحق، ودلّك على الصراط المستقيم، وهداك إلى ملة إبراهيم..
* ومثل ذلك تماماً، قوله تعالى في سورة الإنسان وهي مكية أيضاً: )إنا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلاً فاصبر لحكم ربّك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ([الإنسان: 24]، وفي ذكر القرآن وامتنان الله عز وجل على نبيه بتنزيله عليه، قبل النهي عن طاعة الكفار الآثمين، بيان لطريق الدعوة الصحيح.. فإن هذه الطريق لا يختارها الدعاة من عند أنفسهم، وليس لهم أن يرسموها أو يحددوا معالمها كما يهوون أو يتخيرون.. وإنما هي ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين المذكورة المفصلة في هذا القرآن.

ابو الزبير المقدسي 16-02-2007 04:45 AM

* ومثل ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة الفرقان وهي مكية أيضاً: )فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً ([الفرقان: 52]، )وجاهدهم به ( أي بالقرآن الكريم.. فلا تعدل لمنهج وأسلوب وطريق للدعوة سوى الطريق التي أمرت بها في القرآن.. وأنذرهم بهذا القرآن ولا تتبع غيره من الطرائق المعوجة الملتوية التي فيها طاعة للكفار، أو سكوت عن بعض باطلهم..
* ومثله أيضاً قوله لنبيه e بعد أمره بتلاوة كتابه([1]) بقليل: )ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا * وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. ([الكهف: 28-29] والآيات مكية.
* ومثله قوله تعالى في سورة الشورى وهي أيضاً مكية، بعدما ذكر ما شرعه لنا وللنبيين من قبل، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى..: )فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم.. ([الشورى: 15]، وأمره سبحانه لنبيه بعد ذلك بقليل أن يقول للكافرين: )لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ([الشورى: 15].. براءة واضحة منهم ومن أهوائهم ومناهجهم وطرائقهم المنحرفة..
ومثله أيضاً قوله تعالى لنبيه e في سورة الجاثية وهي مكية أيضاً: )ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ([الجاثية: 18-19].
وهكذا فلو تتبعنا آيات القرآن، لوجدنا عشرات بل مئات الآيات الدالة على هذه المعاني المهمة.. فالله عز وجل لم يخلق عباده عبثاً.. ولم يتركهم هملاً.. أفلا يكفي الدعاة وضوح هذا المنهج واستقامته..؟؟ أوَ لا يسعهم ما وسع رسول الله e والنبيين من قبله..؟؟ أما آن لهم أن يستيقظوا من الغفلات؟؟ ويقوّموا الإنحرافات.. أوَما كفاهم سقوطاً في ألاعيب الطغاة.. وكتماناً للحق.. وتلبيساً على الناس.. ومضْيعة للجهود والأعمار..؟؟ فإنه والله اختيار واحد..
"إما شريعة الله، وإما أهواء الذين لا يعلمون...
وليس هناك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة، والأهواء المتقلبة..
وإن هذه الآيات لتعيّن سبيل صاحب الدعوة وتحدده، وتغني في هذا عن كل قول وعن كل تعليق أو تفصيل.. إنها شريعة واحدة هي التي تستحق هذا الوصف، وما عداها أهواء منبعها الجهل.. وعلى صاحب الدعوة أن يتّبع الشريعة وحدها، ويدع الأهواء كلها.. وعليه ألا ينحرف عن شيء من الشريعة إلى شيء من الأهواء.. فأصحاب هذه الأهواء يتساندون فيما بينهم ضد صاحب الشريعة.. فلا يجوز أن يأمل في بعضهم نصرة له.. فهم إلب عليه، بعضهم ولي لبعض.. ولكنهم مع ذلك أضعف من أن يضروه.. ولن يضروه إلا أذى، فالله وليه وناصره، وأين ولاية من ولاية؟ وأين ضعاف جهال مهازيل يتولى بعضهم بعضاً من صاحب شريعة يتولاه الله..." ([2])،)والله ولي المتقين (.
هذا هو الطريق.. فهل من رجال؟؟
أبو محمد
سنة خمس وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى

([1]) ومن معاني التلاوة: الاتباع، من تلا الشيء، أي تبعه..
ولا شك أن تلاوة كتاب الله عز وجل، بقراءته وتعلمه والتمسك به واتباع أوامره من أعظم أسباب الثبات على هذه الطريق كما تقدم، ويلتحق بذلك دوام ذكر الله عز وجل ومراقبته وقيام الليل.. كما قال تعالى بعد الآية المتقدمة من سورة الإنسان مباشرة: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً} [الإنسان: 25].

([2]) من الظلال بتصرف.

ابو الزبير المقدسي 16-02-2007 04:47 AM

ولله الحمد والمنة لقد تم كتاب ملة ابراهيم للشيخ ابو محمد المقدسي
وانتظرني في السلسلة الجديدة للشيخ ابو مصعب الرزقاوي تقبله الله مع الشهداء وهي بعنوان هل اتاك حديث الرافضة


الساعة الآن : 09:36 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 113.60 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 113.15 كيلو بايت... تم توفير 0.45 كيلو بايت...بمعدل (0.39%)]