المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ظلال آية . . . متجدد


لنا الله
30-04-2008, 09:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

في ظلال آية . . . متجدد


السلام عليكم إخوتي الكرام

هذا أول موضوع لي بين أيديكم


http://www.al-wfa.com/vb/imgcache/1181644336_get-6-2007-nii0wfek.jpg




في ظـلال آية ... لحـظـات إيمانية
في ظـلال آية ... إلتفاتة إلى كتاب الله
في ظـلال آية ... تفكـرفي كلام الله


في ظلال آية ... لتطمئن القلوب الحائرة بذكر الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ... وترسو النفوس الحائرة على شواطيء الإيمان الآمنة.
في ظـلال آية ... جرعة إيمانية يومية (أو شبه يومية) نتناول فيها آية من كتاب الله نتفيأ ظلالها الوارفة ونستنير بهديها المنير ونسير على صراطها القويم ونتفكر في معانيها السامية ومضامينها الإيمانية... نقرأ كلام المفسرين حولها لنفهم مراد الله منها فليس كمثل كلام كلام وليس بعد بيانه بيان.
على بركة الله نبدأ ... والله ولي التوفيق

لنا الله
30-04-2008, 09:09 PM
يقول الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)" الاحزاب


كان هذا هو يوم الأحزاب ، يوم أن تحزبت أمم الكفر من المشركين واليهود والوثنيين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام فتنادوا من كل حدب وصوب ، فاجتمع كفار مكة مع غطفان وبني قريضة وأوباش العرب على حرب المسلمين وجاؤا بجيوشهم الجرارة وبعددهم وعتادهم وكانوا زهاء إثني عشر ألفاً جاؤا ليقضوا على الإسلام ويمحوه من الوجود ، وربما كانوا يخططون لفرض نظامٍ عالمي جديد ! وأحاطوا بالمسلمين إحاطة السوار بالمعصم وضيقوا عليهم الخناق في المدينة ودب الرعب والذعر في الناس وظن كثيرون أن الهلاك واقع لامحالة وأنه لاقبل لأحد من المسلمين بهذه الأعداد ، ولكن المؤمنين كانوا واثقين من نصر الله فكان النصر العظيم من عند الله ، نصر جنده بمعجزة من عنده لم تصمد لها تلك الألوف المؤلفة ولم تستطع الوقوف في وجهها، فولت الأدبار وكان النصر للمؤمنين دون إراقة دماء ولا فقد أرواح ، فقد أرسل الله تعالى ريحا من عنده اقتلعت بيوتهم وكفأت قدورهم وأرسل عليهم الملائكة فزلزلتهم وألقت الرعب في قلوبهم ( ومايعلم جنود ربك إلا هو )
.
سبحان الله ! هكذا نصر الله يأتي في لحظة العسر ولحظة الشدة والضيق وبأهون الأسباب بل بما لايخطر على بال أحد ... ولكن أين الإيمان ؟؟ ياهل ترى هل تستطيع أكبر القوى وأعظم الجيوش والدول بما أوتيت من تكنولوجيا وأسلحة نووية وجرثومية وعابرات للقارات وأقمار تجسس ، هل تستطيع أن تثبت على سبيل المثال أما طوفان يرسله الله عليهم فيغرقهم هم وأسلحتهم ومعداتهم ؟! أو ريحا عاتية ذات أعاصير فتقتلعهم وتهلكهم ؟ أو حشرة صغيرة تفتك بهم فتلقيهم صرعى ؟!! إن الله قوي عزيز لايعجزه شيء في الأرض ولا في السماء .
ثم عد إلى الآيات لترى التصوير القرآني البليغ في وصف حالة الخوف والهلع التي بلغت بالمسلمين في ذلك اليوم العصيب حينما تكالبت قوى الشر وتحالفت على حرب المسلمين وهم قلة لايتجاوز عددهم ثلاثة آلاف مجاهد أمام إثني عشر مقاتل جاؤا من كل حدب وصوب ( وإذ زاغت الأبصار ) أي مالت حيرةً وشخوصاً لشدة الهول والرعب (وبلغت القلوب الحناجر) أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى كادت تخرج من الحناجر ( وتظنون بالله الظنونا) أي وكنتم في تلك الحالة الشديدة تظنون الظنون المختلفة وهي مجرد خواطر وإلا فهم مؤمنون بوعد الله ، ولكن المنافقين كانوا يظنون ظن السوء ويقولون ماوعدنا الله ورسوله إلا غرورا. (هنالك ابتلي المؤمنون) أي امتحنوا واختبروا ليتميز الصادق من المنافق ( وزلزلوا زلزالاً شديدا) أي وحركوا تحريكا شديداً حتى كأن الأرض تتزلزل تحت أقدامهم ، ولكنهم ثبتوا وسلموا أمرهم لله وقدموا أرواحهم فداءً لدين الله ، فلما علم الله صدق إيمانهم نصرهم بنصر من عنده (وماالنصر إلا من عند الله ) .وإن ينصركم الله فلاغالب له.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمن على المسلمين بنصر من عنده وأن يثبت أقدام المجاهدين في سبيله وأن ينصر الفئة القليلة على الطغمة الكافرة وأن يرد كيد الظالمين في نحورهم وأن يجعل الدائرة عليهم وأن يجعل بأسهم بينهم شديد وأن يرينا فيهم عجائب قدرته.

اللهم يامنزل السحاب وياهازم الأحزاب اهزم أحزاب الكفر، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم ، اللهم إنهم لايعجزونك فاهزمهم شر هزيمة ياعزيز ياقوي ، اللهم لاترفع لهم راية واجعلهم لمن خلفهم آية ، اللهم أعلي راية الجهاد وأدحض أهل الزيغ والفساد ، اللهم امنن علينا بنصر تقر له عيوننا وتشف به صدور قوم مؤمنين إنك سميع مجيب وبالإجابة جدير. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وإلى اللقاء في وقفة قادمةباذن الله مع آية اخرى من كتابه العزيز.

لنا الله
01-05-2008, 05:08 PM
يقول الله تعالى : " لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد. لكن الذين أتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله وماعند الله خير للأبرار".


حينما يتسلل الإحباط واليأس إلى نفس المؤمن وهو يرى ماعليه الكفار اليوم من التمكين في الأرض ومايملكونه من القوة والهيمنة ، وعندما يرى جيوشهم وعددهم وعتادهم، ويرى صناعاتهم وتقنيتهم فينتابه شعور بالنقص إزاء ماحققه القوم من رقي وتقدم في عالم الحضارة والمدنية ويصبح متأرجح التفكير في حاضر ماثل للعيان يجسد ضعف أمة الإسلام وهوانها بين الأمم ، تأتي هذه الآية الحكيمة كالبلسم الشافي تعيد إلى نفس المؤمن توازنها وتشعره بالعزة وتضع الأمور في نصابها في بيان حقيقة ومصير أولئك القوم ومآلهم الذين سيصيرون إليه فتتحقق له الطمأنينة ويستشعرعزة الإسلام ونعمة الإيمان التي أمتن الله بها عليه يوم أن جعله مؤمناً بالله موحداً له ومنزهاً له عن الشرك.
إنهم مهما بلغوا من الرقي ومن التطور ومهما ملكوا من الدنيا فإنه ... متاع قليل .. هكذا سماه رب العالمين العليم الخبير .. متاع وقليل أيضا .. نعم إنه متاع إذا ماقورن بنعيم الآخرة الذي سيحرمون منه . هبهم حازوا الدنيا بأكملها جوها وبرها وبحرها وبسطوا نفوذهم على أقطارها وتنعموا بملذاتها وتمتعوا بشهواتها دونما منغصات أو كوارث ، هبهم عمروا فيها مئات السنين ! ثم ماذا بعد ذلك ؟ جهنم وبئس المهاد ! أليس إذن ماكانوا فيه إنما هو مجرد متاع قليل سرعان ماتذهب لذته وتزول شهوته .. لقد خسروا بكفرهم كل شيء ولن يغني عنهم ماهم فيه في الدنيا شيئاً يوم القيامة ، يقول تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم ومالهم من ناصرين) ويقول تعالى ( ولو أن للذين ظلموا مافي الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون).
أفبعد هذا يغبطهم عاقل على ماهم فيه من التنعم ورغد العيش وماهم فيه من القوة والسيطرة والتمكين رغم مايشوب ذلك كله من المنغصات والمكدرات ؟! وهذا ليس من قبيل الدعوة إلى الركون إلى الكسل والدعة والتخاذل عن السعي للكسب ولعمارة الأرض ولكن القصد منه رفع معنويات المؤمن وتبصيره بحقيقة الأمور وأنه أعز وأكرم عند الله وإن ناله شيء من الذل والهوان والضعف في الحياة الدنيا.
إن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة وأن النعيم الحقيقي هو نعيم الجنة والفوز الحقيقي هو الفوز بالجنة والنجاة من النار فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. ثم تُختم الآية الكريمة بما تننشرح له نفوس المؤمنين وتسر أفئدتهم له وتزهدهم بمافي أيدي أعدائهم وتزيدهم شوقاُ إلى ماعند الله والدار الآخرة وتحفزهم على العمل من أجل النعيم الحقيقي في الحياة الحقيقية فيقول تعالى : لكن الذين أتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله وماعند الله خير للأبرار .. رضينا ربنا رضينا ..

اللهم لاعيش إلا عيش الآخرة ولاحياة إلا حياة الآخرة . اللهم إجعلنا من أبناء الآخرة ممن لاخوف عليهم ولاهم يحزنون وارزقنا اللهم من العمل ماتبلغنا به جنتك ومن اليقين ماتهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ماأحييتنا وأجعله الوارث منا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله.

مونية_074
01-05-2008, 06:13 PM
الله أكبر

بارك الله بك على الإفادة و الجهد الطيب

أفادك الرحمن و نفعك بما علمك

لنا الله
01-05-2008, 07:17 PM
الله أكبر


بارك الله بك على الإفادة و الجهد الطيب


أفادك الرحمن و نفعك بما علمك




جزيت خيرا لمرورك أخي الكريم

منيبة الى الله
01-05-2008, 08:33 PM
أهلا بك أخي الفاضل لنا الله في بيتك الثاني مفيد ومستفيد إن شاء الله..
وجزاك الله خيرا على الموضوع القيم.. والذي أتمنى أن تستمرفي طرحه.. لأنه سبق وتم طرح نفس الموضوع من قبل ولاكن للأسف صاحب الموضوع لم يكمله..
في انتظار ما سيجود به قلمك..
دمت في حفظ الرحمان..

أبــو أحمد
01-05-2008, 08:44 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخي الكريم
لنا الله

اهلا وسهلا فيك اخي في ملتقيات الشفاء الاسلامي
وحللت ووطأت سهلا
وحياك الله وبياك وجعل الله الجنة مثوانا ومثواك

موضوع قيم ومفيد
نتمنى منك المواضلة لهذا الموضوع
جعله الله في موازين حسناتكم يوم القيامة
وجزاك الله خير وبارك الله فيك
وفي امان الله

لنا الله
02-05-2008, 05:29 PM
جزاكما الله خيرا لمروركما

الموضوع مستمر بإذن الله تعالى

وبانتظار تشجيعكم له

لنا الله
02-05-2008, 05:31 PM
يقول الله تعالى : " .. إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم وإذا أراد الله بقومٍ سوءً فلا مرد له ومالهم من دونه من والٍ"

إن لله تعالى سنناً لاتتغير وقوانين لاتتبدل : سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً . وهذه سنة وقاعدة اجتماعية سنها الله تعالى ليسير عليها الكون وتنتظم عليها أسس البنيان: إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم : أي أن الله تبارك وتعالى إذا أنعم على قوم بالأمن والعزة والرزق والتمكين في الأرض فإنه سبحانه وتعالى لايزيل نعمه عنهم ولايسلبهم إياها إلا إذا بدلوا أحوالهم وكفروا بأنعم الله ونقضوا عهده وارتكبوا ماحرم عليهم. هذا عهد الله ومن أوفى بعهده من الله ؟ فإذا فعلوا ذلك لم يكن لهم عند الله عهد ولا ميثاق فجرت عليهم سنة الله التي لاتتغير ولاتتبدل فإذا بالأمن يتحول إلى خوف والغنى يتبدل إلى فقر والعزة تؤل إلى ذلةٍ والتمكين إلى هوان.
أحبتي في الله إن المتأمل اليوم في حال أمة الإسلام وماأصابها من الضعف والهوان وماسلط عليها من الذل والصغار على أيدي أعدائها بعد أن كانت بالأمس أمة مهيبة الجناح مصونة الذمار ليرى بعين الحقيقة السبب في ذلك كله رؤيا العين للشمس في رابعة النهار . يرى أمةً أسرفت على نفسها كثيراً وتمادت في طغيانها أمداً بعيداً واغترت بحلم الله وعفوه وحسبت أن ذلك من رضى الله عنها ونسيت أن الله يمهل ولايهمل ، وما الأمة إلا مجموعة أفراد من ضمنهم أنا وأنت .
أحبتي في الله تجولوا في ديار الإسلام (إلا من رحم الله) واخبروني ماذا بقي من المحرمات لم يرتكب وماذا بقي من الفواحش لم يذاع ويعلن ، الربا صروحه في كل مكان قد شيدت وحصنت حرباً على الله ورسوله، والزنا بيوته قد أعلنت وتزينت في كل شارع وناصية، والسفور قد حل محل الستر والخنا قد حل محل الطهر والعفاف. والخمر ( أم الخبائث) صارت لها مصانع ومتاجر. المعروف أصبح منكراً والمنكر غدا معروفاً. أرتفع الغناء (صوت الشيطان) ووضع القرآن (كلام الرحمن). حكمٌ بغير ماأنزل الله وقوانين ماأنزل الله بها من سلطان. وقبل ذلك كله تخلينا عن الجهاد وركنا إلى الدنيا وتبايعنا بالعينة وتتبعنا أذناب البقر ، أفبعد هذا نرجوا نصر الله وعزته وتمكينه ؟ أبعد هذا نتساءل لماذا حل بنا هذا الهوان ؟ أفبعد هذا نستغرب ماأصابنا من الذل على أيدي أعدائنا من شرار الخلق من اليهود والنصارى والهندوس والبوذيين وغيرهم ؟ نعم والله إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم .. إننا لن نخرج مما نحن فيه من الذل والصغار ولن ننال العزة والكرامة إلا إذا عدنا إلى ديننا وتمسكنا بإسلامنا فكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
أحبتي في الله : إن الأمة لن تتغير إلا إذا تغير أفرادها ‘ إلا إذا غيرت أنا وأنت وهو وهي ، إذا غيرنا أسلوب حياتنا بما يوافق شرع الله وقلنا لربنا سمعاً وطاعة واتبعنا هدي نبينا عليه الصلاة والسلام : وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا. عندها نصبح أفراداً وأمة أهلاً لموعود الله بإن يغير الله ذلنا إلى عزة وضعفنا إلى قوة وهواننا إلى تمكين.


نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يردنا جميعاً إلى دينه مرداً حسناً وأن يلهمنا رشدنا ويفقهنا في ديننا ويرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن يمكن لأمة الإسلام ويعيد لها عزتها ومكانتها وأن ينصرها على أعدائها إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله

لنا الله
04-05-2008, 06:49 PM
يقول الله تعالى " وقال الشيطان لماقضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وماكان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلاتلوموني ولوموا أنفسكم، ماأنا بمصرخكم وماأنتم بمصرخي، إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذابٌ أليم".


هذه الآية تسمى خطبة إبليس ذكر الحسن كما في القرطبي: أن إبليس يقف يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعاً. وقيل أنه يخطب خطبته هذه بعدما يسمع أهل النار يلومونه ويقرعونه على أن أغواهم حتى دخلوا النار. فيقول لهم: إن الله وعدكم وعد الحق أي وعدكم وعداً حقاً بإن يثيب المطيع ويعاقب العاصي فوفى لكم وعده، ووعدتكم فأخلفتكم أي وعدتكم ألا بعث ولاثواب ولاعقاب فكذبتكم وأخلفتكم الوعد، وماكان لي عليكم من سلطان أي لم يكن لي قدرة وتسلط عليكم إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي أي بالوسوسة والتزيين فاستجبتم لي باختياركم، فلاتلوموني ولوموا أنفسكم أي لاترجعوا باللوم علي اليوم ولكن لوموا أنفسكم فالذنب ذنبكم ، ماأنا بمصرخكم وماأنتم بمصرخي أي ماأنا بمغيثكم ولاأنتم بمغيثي من عذاب الله، إني كفرت بماأشركتمون من قبل أي كفرت بإشراككم لي مع الله في الطاعة، إن الظالمين لهم عذاب أليم أي أن المشركين لهم عذاب مؤلم. هكذا يكشف إبليس عن عداوته لإبن آدم ويعترف بخذلانه له ليزيده حسرة وندماً.
عبادالله إن ربنا تبارك وتعالى حذرنا من هذا العدو الغرور الخداع وآيات الكتاب المبين مليئة بالآيات التي تحذرنا من الشيطان ومن وسوسته وتزيينه للفواحش والمعاصي ومع ذلك ماأكثر ما يخدعنا وماأكثر ما ننجرف في طريقه هذه جملة من الآيات التي تحذرنا من إبليس يقول الله تعالى :" إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير".... "ولايصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين "...." ولاتتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين" ... "يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا" ... "يابني آدم لايفتتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ..." كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير" ... "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان إلا إن حزب الشيطان هم الخاسرون" .
وغيرها كثير. فهلا اتعظنا عباد الله بواعظ القرآن ونذير الرحمن، إنه كلام علام الغيوب، الله رب العالمين، وليس على كلام الله مزيد بيان.

اللهم إنا نعوذ بك أن نظل أو نُظل أو نزل أو نُزل، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن همزات الشيطان. اللهم اعصمنا من الشيطان ومن وسوسته وهمزه ولمزه.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه


وإلى اللقاء في وقفة أخرى في ظلال آية من كتاب الله

لنا الله
04-05-2008, 06:49 PM
يقول الله تعالى " وقال الشيطان لماقضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وماكان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلاتلوموني ولوموا أنفسكم، ماأنا بمصرخكم وماأنتم بمصرخي، إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذابٌ أليم".


هذه الآية تسمى خطبة إبليس ذكر الحسن كما في القرطبي: أن إبليس يقف يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعاً. وقيل أنه يخطب خطبته هذه بعدما يسمع أهل النار يلومونه ويقرعونه على أن أغواهم حتى دخلوا النار. فيقول لهم: إن الله وعدكم وعد الحق أي وعدكم وعداً حقاً بإن يثيب المطيع ويعاقب العاصي فوفى لكم وعده، ووعدتكم فأخلفتكم أي وعدتكم ألا بعث ولاثواب ولاعقاب فكذبتكم وأخلفتكم الوعد، وماكان لي عليكم من سلطان أي لم يكن لي قدرة وتسلط عليكم إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي أي بالوسوسة والتزيين فاستجبتم لي باختياركم، فلاتلوموني ولوموا أنفسكم أي لاترجعوا باللوم علي اليوم ولكن لوموا أنفسكم فالذنب ذنبكم ، ماأنا بمصرخكم وماأنتم بمصرخي أي ماأنا بمغيثكم ولاأنتم بمغيثي من عذاب الله، إني كفرت بماأشركتمون من قبل أي كفرت بإشراككم لي مع الله في الطاعة، إن الظالمين لهم عذاب أليم أي أن المشركين لهم عذاب مؤلم. هكذا يكشف إبليس عن عداوته لإبن آدم ويعترف بخذلانه له ليزيده حسرة وندماً.
عبادالله إن ربنا تبارك وتعالى حذرنا من هذا العدو الغرور الخداع وآيات الكتاب المبين مليئة بالآيات التي تحذرنا من الشيطان ومن وسوسته وتزيينه للفواحش والمعاصي ومع ذلك ماأكثر ما يخدعنا وماأكثر ما ننجرف في طريقه هذه جملة من الآيات التي تحذرنا من إبليس يقول الله تعالى :" إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير".... "ولايصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين "...." ولاتتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين" ... "يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا" ... "يابني آدم لايفتتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ..." كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير" ... "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان إلا إن حزب الشيطان هم الخاسرون" .
وغيرها كثير. فهلا اتعظنا عباد الله بواعظ القرآن ونذير الرحمن، إنه كلام علام الغيوب، الله رب العالمين، وليس على كلام الله مزيد بيان.
اللهم إنا نعوذ بك أن نظل أو نُظل أو نزل أو نُزل، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن همزات الشيطان. اللهم اعصمنا من الشيطان ومن وسوسته وهمزه ولمزه.


وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه


وإلى اللقاء في وقفة أخرى في ظلال آية من كتاب الله

ساس العز
04-05-2008, 08:01 PM
جزااااااااااااك الله خيرا

لنا الله
04-05-2008, 08:03 PM
وجزاكم بمثله أختي الكريمة

شكرا لمروركم

لنا الله
05-05-2008, 09:24 PM
يقول الله تعالى : " ياأيها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولانساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن ولاتلمزوا أنفسكم ولاتنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون "


سبحان الله العظيم ... الذي يرى حالنا لايكاد يصدق أن هذه آية في قرآننا نزلت علينا نحن المسلمين بكل ماتحمل من تحذير ونهي شديد عن هذه السلوكيات الذميمة ولا يكاد يصدق أننا نتلوها فلانتأملها وتطرق أسماعنا ولكن لانعيها بكل أسف. أقول لايكاد يصدق وهو يرى مانحن فيه من مخالفة صريحة لهذا النهي الإلهي فهاهم المسلمون يسخر بعضهم من بعض وينتقص بعضهم بعضاً ، كل أهل بلد يرون أنهم أفضل من أهل البلاد الأخرى ، وكل أبناء قبيلة يرون أنهم أفضل من بقية القبائل الأخرى. ومن هنا تنشأ السخرية والتعالي والنظرة المتنقصة وكثيرا مانسمع كلمات الهمز واللمز والنكت والتعليقات الجارحة تطلق على قبيلة أوقبائل معينة أوعلى جنسية من الجنسيات ، فجماعة تسخرون من جماعة أخرى ويطلقون عليهم النكات والتعليقات التي يتهمونهم فيها بالغباء ، وآخرون يعتبرون أنفسهم أفضل من أهل البلد الفلاني لأنهم أغنى منهم وأولئك فقراء وأولئك يسخرون من هؤلاء بأنهم بدو جهلة غير متعلمين وآخرون ينتقصون أقواماً بسبب أنهم يرون أنهم أفضل منهم حسباً ونسباً وآخرون يسخرون من أناس بسبب ألوانهم وغيرها من المسببات الواهية التي لاتولد إلا الكره والبغض والحقد والحزازيات التي تزيد الفرقه وتشق الصف وتورث البغضاء بين المسلمين الذين ينبغي أن يكونوا أمة واحدة على قلب رجل واحد يسعى بذمتهم أدناهم.
ونظراً لأن هذا الأمر خطير وأن عاقبتهم سيئة فقد حذرنا ربنا تبارك وتعالى منه ونادانا بنداء الإيمان ياأيها الذين آمنوا : نداء تلطف ورحمة أي يامن اتصفتهم بهذه الصفة العظيمة التي اجتمعتم عليها وانظويت تحت لوائها صفة الإيمان لاالحسب ولاالنسب ولاالمال ولاالجاه ولااللون ولاغيرها لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً أي لايهزأ جماعة بجماعة ، ولايسخر أحد من أحد فقد يكون المسخور منه خيراً عند الله من الساخر ولانساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن وأيضا لايسخر نساءٌ من نساءٍ فعسى أن تكون المحتقرة خيراً عند الله وأفضل من الساخرة ولاتلمزوا أنفسكم ولاتنابزوا بالألقاب أي ولايعب بعضكم بعضا ولايدع بعضكم بعضاً بلقب السوء وإنما قال أنفسكم لأن المسلمين كنفس واحدة بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان أي بئس أن يسمى الإنسان فاسقاً بعد أن صار مؤمناً، قال البيضاوي وفي الآية دليل على أن التنابز فسق وأن الجمع بينه وبين الإيمان مستقبح وفي الحديث : (يامن آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لاتغتابوا المسلمين ولاتتبعوا عوراتهم ‘ فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته ومن يتّبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته) أخرجه الحافظ . وختم الآية بقوله تعالى: ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون أي ومن لم يتب عن اللمز والتنابز فأولئك هم الظالمون حيث أنهم قد ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب بسبب إقحامها في معصية الله وارتكاب ماحرم عليها.


نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحرم أجسادنا وأجسادكم ولحومنا ولحومكم على النار وأن يعف ألسنتنا عن أعراض المسلمين وأن يحفظ ألسنتنا من الغيبة والنميمة ومساوئ الأخلاق وأن يعفو عن خطأنا ونسياننا وأن يلهمنا رشدنا ويغفر ذنوبنا ويستر عيوبنا في الدنيا والآخرة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله.

لنا الله
05-05-2008, 09:25 PM
يقول الله تعالى: " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لايغادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها ووجدوا ماعملوا حاضراً ولايظلم ربك أحداً"



مشهد من أعظم مشاهد الحساب يوم القيامة
اليوم الموعود ، اليوم المنتظر ، اليوم العصيب، اليوم الذي لابد كلنا سنلقاه ، يوم الجزاء والحساب، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يتمنى الإنسان لو لم يكن شيئاً مذكوراً ويوم يقول الكافر ياليتني كنت تراباً. لاإله إلا الله ... كيف سيكون ذلك اليوم؟ وكيف ستكون ساعات الترقب ياترى؟ أحدنا لوكان ينتظر إعلان نتيجة إمتحان أو مسابقة يشعر ساعتها أن قلبه يكاد يخرج من صدره من شدة القلق والخوف ! فكيف بنتيجة يترتب عليها جنة أو نار ! نعيم مقيم أو عذاب سرمدي أجارنا الله وإياكم.. لاإله إلا الله .. اللهم رحماك.. رحماك يارب ...
تخيل نفسك أخي الحبيب أنك الآن تقف ذلك الموقف المهيب وتترقب صحيفة أعمالك والناس من حولك في ذهول وهلع يتلقفون صحفهم ، ففرح سعيد حاملاً صحيفته بيمينه يكاد يطير من شدة الفرح يطوف بين الناس ويصيح بأعلى صوته : هآؤم إقرأوا كتابيه ، إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانيه كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ... يالسعادته.. يالسعادته .. يالسعادته ...فاز ورب الكعبة وسعد سعادة لاشقاء بعدها ... وآخر ممسك صحيفته بشماله وجهه مسود يبكي من حسرة وندامة على سواد صحيفته وحق له والله أن يبكي بدل الدموع دماً .. كيف لا؟ والمصير النار والمستقر سقر .. اللهم أجرنا منها: وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ماحسابيه، ياليتها كانت القاضية، ماأغنى عني ماليه، هلك عني سلطانية. خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ...
أخي الحبيب هل يرضيك ساعتها أنك عصيت الله طرفة عين ؟ وهل يرضيك ساعتها أنك قصرت في فرض من فروض الله ؟ هل يرضيك أنك تكاسلت أو نمت عن صلاة مكتوبة ؟ عصيت وتماديت في المعاصي كثيرا فهل بقى من لذة المعصية شيء ؟ لوعرضت أمامك في تلك اللحظة امرأة جميلة أو صورة فاتنة هل كنت ستنظر إليها ؟ هل يطيب لك ساعتها أن تتلذ بسماع مغن أو مغنية ؟ هل يرضيك ساعتها أنك تكلمت في عرض فلان أو علان ؟ بل هل يرضيك ساعتها أنك اضعت دقيقة من عمرك في غير طاعة الله؟ إذن فاعلم: أن كل صغيرة وكبيرة مسجلة عليك وسوف تحاسب عليها قال تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره .
فأعد العدة ياأخي مادمت في زمن المهلة واعلم أن اليوم عمل ولاحساب وغداَ حساب ولاعمل. ولايغرنك طول الأمل فالموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل ، واعلم يرعاك الله أن لذة المعصية تذهب ولكن أثرها يبقى مكتوباً في صحيفتك . وتعب الطاعة يذهب أيضا وثوابها يبقى.. وسيجزى كلٌ بعمله .. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلايلومن إلا نفسه)


فكن أخي الكريم كيساً فطناً لاتورد نفسك موارد الهلاك واقسرها على الخير قسراً فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحاً وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً.


وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله

منيبة الى الله
07-05-2008, 01:03 PM
جزاك الله خير الجزاء أخي الفاضل لنا الله..
يثبت الموضوع لفترة لأهميته وفائدته..
واصل اعانك الله ووفقك دائما..

لنا الله
07-05-2008, 05:28 PM
وجزاكم أيضا أختي الكريمة
نسأل الله ان ينفعنا بالقرآن الكريم واهله

لنا الله
07-05-2008, 05:30 PM
يقول الله تعالى: " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لايغادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها ووجدوا ماعملوا حاضراً ولايظلم ربك أحداً"



مشهد من أعظم مشاهد الحساب يوم القيامة
اليوم الموعود ، اليوم المنتظر ، اليوم العصيب، اليوم الذي لابد كلنا سنلقاه ، يوم الجزاء والحساب، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يتمنى الإنسان لو لم يكن شيئاً مذكوراً ويوم يقول الكافر ياليتني كنت تراباً. لاإله إلا الله ... كيف سيكون ذلك اليوم؟ وكيف ستكون ساعات الترقب ياترى؟ أحدنا لوكان ينتظر إعلان نتيجة إمتحان أو مسابقة يشعر ساعتها أن قلبه يكاد يخرج من صدره من شدة القلق والخوف ! فكيف بنتيجة يترتب عليها جنة أو نار ! نعيم مقيم أو عذاب سرمدي أجارنا الله وإياكم.. لاإله إلا الله .. اللهم رحماك.. رحماك يارب ...
تخيل نفسك أخي الحبيب أنك الآن تقف ذلك الموقف المهيب وتترقب صحيفة أعمالك والناس من حولك في ذهول وهلع يتلقفون صحفهم ، ففرح سعيد حاملاً صحيفته بيمينه يكاد يطير من شدة الفرح يطوف بين الناس ويصيح بأعلى صوته : هآؤم إقرأوا كتابيه ، إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانيه كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ... يالسعادته.. يالسعادته .. يالسعادته ...فاز ورب الكعبة وسعد سعادة لاشقاء بعدها ... وآخر ممسك صحيفته بشماله وجهه مسود يبكي من حسرة وندامة على سواد صحيفته وحق له والله أن يبكي بدل الدموع دماً .. كيف لا؟ والمصير النار والمستقر سقر .. اللهم أجرنا منها: وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ماحسابيه، ياليتها كانت القاضية، ماأغنى عني ماليه، هلك عني سلطانية. خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ...
أخي الحبيب هل يرضيك ساعتها أنك عصيت الله طرفة عين ؟ وهل يرضيك ساعتها أنك قصرت في فرض من فروض الله ؟ هل يرضيك أنك تكاسلت أو نمت عن صلاة مكتوبة ؟ عصيت وتماديت في المعاصي كثيرا فهل بقى من لذة المعصية شيء ؟ لوعرضت أمامك في تلك اللحظة امرأة جميلة أو صورة فاتنة هل كنت ستنظر إليها ؟ هل يطيب لك ساعتها أن تتلذ بسماع مغن أو مغنية ؟ هل يرضيك ساعتها أنك تكلمت في عرض فلان أو علان ؟ بل هل يرضيك ساعتها أنك اضعت دقيقة من عمرك في غير طاعة الله؟ إذن فاعلم: أن كل صغيرة وكبيرة مسجلة عليك وسوف تحاسب عليها قال تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره .
فأعد العدة ياأخي مادمت في زمن المهلة واعلم أن اليوم عمل ولاحساب وغداَ حساب ولاعمل. ولايغرنك طول الأمل فالموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل ، واعلم يرعاك الله أن لذة المعصية تذهب ولكن أثرها يبقى مكتوباً في صحيفتك . وتعب الطاعة يذهب أيضا وثوابها يبقى.. وسيجزى كلٌ بعمله .. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلايلومن إلا نفسه)


فكن أخي الكريم كيساً فطناً لاتورد نفسك موارد الهلاك واقسرها على الخير قسراً فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحاً وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً.


وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله.

لنا الله
07-05-2008, 05:31 PM
يقول الله تعالى : "لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم"


كم قرأنا هذه الآية في كتاب الله وكم سمعناها؟ ولكن هل وعيناها؟ وهل تنبهنا إلى مافيها من تحذير ؟ نعم .. إنه تحذير شديد اللهجة ، مصدره ليس أحد من البشر ولا حتى نبي من الأنبياء بل هو صادر عن رب العالمين تبارك وتعالى ، ومن ماذا يحذرنا ؟ إنه يحذرنا من مخالفة أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فللنظر كيف تعاملنا مع هذا التحذير الإلهي العظيم ! وكيف كان موقفنا منه ؟ هل توقفنا عن مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهل اتبعنا هديه في كل ماجاء به ؟ فوقفنا عند حدود مانهى عنه وامتثلنا بما أمر به ؟ وقبل الجواب على هذا السؤال دعونا نجري مقارنة بسيطة : تسير بسيارتك في الطريق فإذا بلوحة مكتوب عليها تحذير : منعطف خطير ! فهل تستمر أم تهدئ من سرعتك حتى لاتقع في المنحدر ؟ مثال آخر : تجد لوحة مكتوب عليها تحذير : خطر تيار عال ! فهل تقترب منه وتلمسه بيدك ؟! كلا ..
إذن مابالنا أخي في الله نقرأ تحذير علام الغيوب الذي لاتخفى عليه خافية في الأرض ولافي السماء ومع ذلك نصم آذاننا ونغمض عيوننا ونستمر في طريقنا غير آهبين بما حذرنا منه ؟ !! إن هذا لهو الجنون والتهور والسفه ! أما من كان في رأسه ذرة من عقل فإنه بلاشك سيتوقف عند هذا التحذير بدل المرة الواحدة ألفا من المرات.
كم من المخالفات لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم في حياتنا اليوم ؟ .. أخي الكريم اسأل نفسك هذا السؤال وحاسبها قبل أن تحاسب واعلم أن المولى تبارك وتعالى ماكان ليحذر من شئ إلا وفيه خطر علينا في دنيانا وأخرانا .. يقول تعالى:( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم ) أي تنزل بهم محنة عظيمة في الدنيا أو ينالهم عذاب شديد في الآخرة. ولعل هذا المخالف يفتتن عند موته ساعة الإحتضار ساعة التمحيص ساعة أن يتسلط عليه الشيطان فلا يصمد أمام هذه الفتنة فيموت على غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فيختم له بشر فيخسر الخسران المبين ، وقد لايصمد إذا ما أفتتن في قبره وجاءه الملكان يسألانه من ربك ؟ مادينك ؟ ومن نبيك ؟ فينهار أمام هذه الفتنة فلايجيب ... أعاذنا الله وإياكم من فتنة المحيا والممات.
فلابد لكل عقل أن يتفقد نفسه وأن ينظر حوله ويتفحص نهجه وطريقه هل هو موافق لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم أم أنه في وادٍ وهدى خير العباد في وادٍ آخر ؟ الأمر جد خطير والنتيجة لاتظهر إلا في ساعة العسر والشدة فلا يغتر عاقل باستقرار الأمور وهدوء الأحوال فالعبرة بالمآل ومتابعة الصراط المستقيم ، المحجة البيضاء التي أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه تركنا عليها وأنها بيضاء واضحة ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك.
فتش أخي في الله عن أوامر المصطفي صلى الله عليه وسلم في حياتك وانظر كم من المخالفات قد وقعت فيها : انظر في صلاتك ! وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلى ، انظر في هيئتك ، لباسك ؟ كم فيها من المخالفات ماأسفل من الكعبين من الإزار ففي النار . تفكر في بصرك : وانظر ماذا نهيت أن تنظر إليه من الحرام. تفكر في سمعك : وانظر ماذا نهيت أن تستمع إليه من الحرام. تفكر في لسانك: الغيبة النميمة قول الزور، وهكذا سائر أعمالك وتعاملاتك من بيع وشراء وأخذ وعطاء وتعامل مع الأهل والأرحام والجيران والخدم والسائقين وفي كل أحوالك .. تفكر في هذه الأمور وحاسب نفسك في ظل هذه الآية واعمل فيها فكرك فما خلق الله لنا العقول إلا لنتفكر بها ونتهتدي بها إلى الحق والصواب .

نسأل الله السلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار ونسأله أن يجعل أقوالنا وأعمالنا موافقة لهدى المصطفى عليه الصلاة والسلام وأن يجعلنا على هديه سائرين وبسنته متمسكين وعلى أثره مقتفين إنه سميع مجيب .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله

لنا الله
08-05-2008, 07:59 PM
قال الله تعالى : " ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"


هذه وصية الله لنا معشر المؤمنين، وصية من هو أرحم بنا من أمهاتنا، وأحن علينا من أنفسنا : ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله : أي خافوا الله واحذروا عقابه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه . ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ. أي ليوم القيامة، قال بن كثير: انظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة وسمي يوم القيامة غداً لقرب مجيئه ( وماأمر الساعة إلا كلمح البصر) ... واتقوا الله : كررها للتأكيد ولبيان منزلة التقوى التي هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين (ولقد وصينا الذين أتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله).
ولنقف اليوم مع : ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ ، الغد هو المستقبل الذي نخطط من أجله. ونسعى ونجد ونجتهد ونكدح ليل نهار، وحين نسأل لماذا ؟ يكون الجواب : من أجل تأمين المستقبل، ولكن أي مستقبل هذا الذي نخطط؟!! كلنا يعرف الجواب ! ولااعتراض على أن يخطط الإنسان ويسعى من أجل مستقبله في حياتة الدنيا، ولكن أليس مستقبله الحقيقي هو الآخر جدير بالتخطيط والعمل ؟! كم نمضي من أعمارنا من سنوات على مقاعد الدراسة لتحصيل الشهادات من أجل تأمين المستقبل ؟ وكم نمضي في العمل والوظيفة من أجل جمع المال للمستقبل ؟ ومقابل ذلك كم خصصنا من أوقاتنا من أجل تأمين حياة الآخرة التي هي أطول وأبقى؟ وهي الحياة الحقيقية ؟ أما تستحق منا أن نخطط لها وأن نبدأ في التحضير لها من الآن ؟ أما تستحق أن نبذل من أجلها الوقت والجهد والمال ؟ فواعجباً لإبن آدم يخطط للمستقبل الذي قد لايأتي وينسى مستقبله الآتي لامحالة ! تجد من الناس من نذر نفسه للوظيفة مخلصاً في عمله مجتهداً بكل ما أوتي من قوة يسابق الطير في بكورها ولايخرج إلا متأخراً يعمل بلا كلل ولاملل يشار إليه بالبنان في الجد والإجتهاد ويضرب به المثل في الدوام والإنضباط ولكن إذا بحثت عنه في المسجد لم تجده ! وإذا فتشت عنه بين الصائمين لم تعثر له على أثر ! وإن تحسسته في الصدقة وأعمال الخير من كفالة يتيم أو نصرة مجاهد أو رعاية محتاج أو إيواء مسكين أو إطعام جائع أو كسوة عار لم تجد له فيها سهماً ولادرهما ولاديناراً.

نعوذ بالله من الخسران ومن الذل والهوان.

ولنعد إلى الآية الكريمة ونتأمل لفظ ولتنظر : إن النظر يقتضي الفكر والفكر يقتضي التخطيط والتخطيط يقود إلى العمل والمقصود بالعمل هنا العمل من أجل الآخرة والآخرة خير وأبقى كما أخبر ربنا تبارك وتعالى... فياأخي في الله هل امتثلنا لأمر ربنا وهو العالم بما يصلح حالنا ومآلنا ؟ وهل وقفنا مع أنفسنا وقفة تأمل في لحظة محاسبة وتفكرنا في أعمالنا كم منها نعمله من أجل الآخرة ؟ وهل بإمكاننا أن نقدم أكثر وأكثر؟ هل تفكرنا في أعمال الخير ووضعنا لنا برنامجاً بحيث نضرب في كل مجال منها بسهم. كم قدمنا لآخرتنا من قيام الليل ؟ وكم قدمنا من قراءة القرآن - كنز الحسنات - كل حرف منه بحسنة والحسنة بعشر أمثالها ؟ كم قدمنا من الصدقات ؟ كم قدمنا من الصيام ؟ من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا. كم حجينا وكم اعتمرنا ؟ كم ذكرنا الله ؟ كم هللنا وسبحنا الله وحمدناه وكبرناه في اليوم والليلة ؟ وكم وكم من أبواب الخير وأعمال الآخرة التي كلها سهلة وميسورة وفي متناول الفقير قبل الغني والوضيع قبل الوزير ؟ولكن أين المشمرون؟ أين طلاب الآخرة؟
فاليقظة اليقظة ياعبدالله !! لايأتيك الموت وأنت غافل ساهٍ تركض في حياتك الدنيا تجري وراء متاعها الزائل غافلٌ عن الآخرة والآعمال الصالحة .. (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب إرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون.)

اللهم لاتجعل الدنيا أكبر علمنا ولامبلغ علمنا ولاإلى النار مصيرنا، اللهم بصرنا بعيوبنا ونور أبصارنا واصلح أحوالنا واهدنا إلى صراطك المستقيم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وإلى اللقاء في وقفة أخرى مع آية من كتاب إلى الله

لنا الله
09-05-2008, 02:50 PM
قال الله تعالى على لسان لقمان الحكيم : "يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردلٍ فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إنّ الله لطيف خبير".


تشبيه بليغ وصورة بلاغية رائعة في أسلوب بديع يؤدب لقمان الحكيم إبنه مبيناً له سعة علم الله عز وجل وإحاطته بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها دقيقها وجليلها. وأن الله تبارك وتعالى مطلع على دقائق الأمور كلها لاتخفى عليه خافية ولايعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فلو أن حبة خردل متناهية في الصغر وكانت في بطن صخرة صماء أو كانت في أرجاء السموات أو في أطراف الأرض لعلم مكانها وأتى بها سبحانه وتعالى . فلا إله إلا الله أحاط علمه بكل شيء. يرى دبيب النملة السوداء على الصفاة السوداء في الليلة الظلماء ويرى مخ ساقها وجريان الدم في عروقها. يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور فأين يختبيء منه العاصي إذا أراد أن يعصيه ؟ كيف يزني الزاني وهو يعلم أن الله ينظر إليه ومطلع على حركاته وسكناته!؟ لو كان أبوه أو أمه أو أحد من الناس ولو طفل صغير ينظر إليه أكان يجرؤ على مواقعة المعصية أمامهم ؟ لا والله ، فسبحان الله .. أهان الله في نظره حتى أصبح أهون الناظرين إليه ! جاء في الحديث لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن أي أنه لايكون في قلبه شيء من الإيمان في تلك اللحظة وإلا لأستشعر نظر الله إليه وإطلاعه عليه وهو في تلك الحالة .
لقد هانت خشية الله في قلوب كثير من الناس . تجد بعض المدخنين لايدخن في حضرة أبيه أو حضرة مسؤول كبير توقيرا وإحتراما لهم !
ترى من يسمع الأغاني أو يشاهد الأفلام إذا رأى شيخاً أو داعية أقفل الجهاز !
والله تعالى يقول: أتخشون الناس والله أحق أن تخشوه.
ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب.
مايكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولاخمسة إلا هو سادسهم ولاأدنى من ذلك ولاأكثر إلا هو معهم أين ماكانوا ثم ينبئهم بماعملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم.
عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، سواءٌ منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار.
وربك يعلم ماتكن صدورهم ومايعلنون.


فياعبدالله ... اجعل مراقبة الله وخشيته في قلبك في كل حين وتمثل نظره إليك في أي ساعة من ليل أو نهار.

إذا ماخلوت بريبة في ظلمة ...... والنفس داعية إلى االعصيان
فاخش من نظرالإله وقل لها ...... إن الذي خلق الظلام يراني


اللهم أرزقنا خشيتك في السر والعلن وحل بيننا وبين معاصيك ، اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان وقوي إيماننا بمخافتك والحياء منك. اللهم إنا نعوذ بك من قلب لايخشع وعين لاتدمع ولسانٍ لايذكر ونفسٍ لاتشبع. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


وإلى اللقاء في ظلال آية أخرى من كتاب الله

لنا الله
10-05-2008, 07:14 PM
قال الله تعالى: "قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم"



يقول العلماء هذه أرجأ آية في كتاب الله ! كيف لا ؟ وهي قد أشرعت أبواب الأمل في وجوه البائسين وضمنت خط العودة للتائهين. لاإله إلا الله ، ما أرحم الله بعباده وما أحنه عليهم , وما أوسع رحمته، جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم" لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده بخطامها ، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح". وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟) قلنا: لا والله. فقال: ( الله أرحم بعباده من هذه بولدها) متفق عليه.
أيها الأخوة إن ربنا رحيم غفور ودود لايريد أن يعذبنا، خلق من أجلنا الجنة وزينها ووعدنا فيها بحياة طيبة وإقامة دائمة في نعيم وحبور ولكننا نحن الظالمون لأنفسنا نحن المفرطون في جناب الله، الأمر لايحتاج منا سوى إلى توبة صادقة وندم على الذنوب وعودة إلى الله فيبدل الله السيئات إلى حسنات ويعفو عن الخطايا والزلات ولكننا غافلون مسوفون مؤملون، يقول صلى الله عليه وسلم ( الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك ). كل هذه المغريات وكل هذه التسهيلات إلا أننا نسوف ونؤجل ونؤمل في الحياة وكأننا مخلدون وكأن الموت بعيد عنا. التحرر من الذنوب في الدنيا سهل ميسور ولكنه بعد الموت عسير. باستغفار وتوبة إلى الله يغفر الله لك آلاف السيئات ولكن بعد الممات لو أنفقت مافي الأرض جميعا من أجل أن تمحى عنك سيئة لم تمح.
عبدالله ماحجتك إذا جئت يوم القيامة ووزنت أعمالك فرجحت كفة سيئاتك، من يحاججك عنك أمام الله ؟ ماذا سيكون عذرك ؟ كيف يكون ندمك؟ كيف تتصور وقتها أنك فرطت في كل هذه الفرص ورحلت محملا بالذنوب ؟ اسأل نفسك هذا السؤال؟ وتفكر في موقفك يوم الحساب واعلم أنه لايحول بينك وبين الآخرة سوى ان يقال فلان مات. وماأسهل أن يقال، فكم من صحيح خرج من داره في الصباح ولم يعد لها في المساء. وكم من معافى نام على فراشه ولم يصحو من منامه. وكم وكم والقصص والعبر تقرع آذاننا كل يوم فهل من معتبر وهل من متعظ ؟! والله إنه الله لايهلك على الله إلا هالك. ووالله أنه لاحجة لمذنب أمام الله.

فالتوبة التوبة أخي في الله قبل فوات الأوان واليقظة اليقظة من الغفلة ! كن على أهبة الإستعداد للسفر الطويل وأرهف سمعك لسماع نداء الإقلاع لرحلتك التي قد يعلن عنها في أي لحظة. الأمر يسير مادمت في زمن التيسير، ولكنه بعد الموت عسير عسير .
تذكر إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. فلا تظلم نفسك ولاتحرمها من عفو الله.
ونختم بفائدة حول شروط التوبة كما قررها العلماء وهي أربع : أولها أن يقلع عن المعصية والثاني: أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم ألا يعود إليها أبداً والرابع: أن يبرأ من حق صاحبها إن كانت تتعلق بحق آدمي كمال أو عرض ونحوهما.

اللهم إنا نسألك التوبة من كل ذنب والعفو عند الحساب والمغفرة من كل إثم ونسألك الفوز بالجنة والنجاة من النار ياعزيز ياغفار.


وإلى اللقاء بإذن الله مع وقفة قادمة في ظلال آية أخرى من كتاب الله

لنا الله
11-05-2008, 05:37 PM
قال الله تعالى:" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد".


نزلت هذه الآية الكريمة في صهيب الرومي رضي الله عنه، حينما تخلى للمشركين في مكة عن كل مايملك مقابل أن يخلون سبيله ليلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، احتجزوه ومنعوه من الهجرة وقال قائلهم ياصهيب جئتنا صعلوكاً لاتملك شيئاً، وأنت اليوم ذو مال كثير! - يساومونه- فقال لهم رضي الله عنه: أرأيتم إن دللتكم على مالي هل تخلون سبيلي؟ قالوا : نعم . فدلهم على ماله بمكة ثم انطلق مهاجراً في سبيل الله لايلوي على شيء تاركاً كل مايملك خلف ظهره وهاجر إلى الله ورسوله ، فلما وصل المدينة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له عليه الصلاة والسلام مهنئاً له على حسن صنيعه: "ربح البيع أبا يحيى ربح البيع " فلله در صهيب شرى نفسه طلباً لرضوان الله تعالى.
هكذا تكون التضحية وإلا فلا ! هذا صهيب وهذا فعله الذي غدا قرآناً يتلى إلى يوم القيامة فماذا قدمت أنا؟ وماذا قدمت أنت أخي الحبيب طلباً لمرضات الله؟ ماذا قدمنا من أموالنا في سبيل الله ؟ ماذا قدمنا من أوقاتنا في سبيل الله؟ هل تنازلنا عن شيء ولو يسيرمن شهواتنا وملذاتنا من أجل الله؟ بل كم قد تنازلنا عن إيماننا من أجل دنيانا ؟ أنرقع دنيانا بتمزيق ديننا؟! كيف لوخيرنا بين أموالنا وبين ديننا؟ أو بين أهلينا وبين إيماننا؟
اللهم سترك ياستار ، اللهم لاتفضحنا؟ ولا تمتحنا في إيماننا وتولنا برحمتك ياأرحم الراحمين. هذا حالنا أيها الأخوة ونحن نرجو الجنة ونطمع في نعيم الآخرة ونطمح إلى الدرجات العلى والمنازل الرفيعة بجوار الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ولانريد أن نقدم ولو جزءً يسيراً من الثمن.

يقول الله تعالى: الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.

وإلى اللقاء مع وقفة قادمة مع آية أخرى من كتاب الله.

لنا الله
14-05-2008, 05:55 AM
قال الله تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)".

روي أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها سئلت عن أعجب ما رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت ثم قالت: كان كل أمره عجباً، أتاني في ليلتي التي يكون فيها عندي، فاضطجع بجنبي حتى مس جلدي جلده، ثم قال: ياعائشة ألا تأذنين لي أن أتعبد ربي عز وجل؟ فقلت: يارسول الله: والله إني لأحب قربك وأحب هواك- أي أحب ألاّ تفارقني وأحب مايسرك مما تهواه- قالت: فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي ويتهجد فبكى في صلاته حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بلّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الفجر، رآه يبكي فقال يارسول الله: مايبكيك وقد غفر الله لك ماتقدم من ذنبك وماتأخر؟ فقال له: ويحك يابلال، ومايمنعني أن أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة هذه الآيات : (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ....) فقرأها إلى آخر السورة ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها.
هذه الآيات التي أبكت نبينا صلى الله عليه وسلم أيها الأحبة وأقضت مضجعه ولم تجعله يهنأ بالنوم في ليلته تلك فكان يقرأها في صلاته ويبكى قائماً وساجداً وبكى وهو مضطجعاً، نعم إنها لآيات عظيمة تقشعر منها الأبدان وتهتز لها القلوب ، قلوب أولى الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض وليست كل القلوب كذلك ! فهلا تفكرنا في ملكوت الله ؟ وهلا أكثرنا من ذكر الله ؟ واستشعرنا عظمته سبحانه وتعالى ؟ لو فعلنا ذلك لبكينا من خشية الله عند سماع أو قراءة هذه الآيات ولكن لله المشتكى من قسوة في قلوبنا وغفلة في أذهاننا.


اللهم أنر قلوبنا بنور القرآن ، اللهم إنا نسألك قلباً خاشعا ولساناً ذاكرا
وقلباً خاشعاً وعلماً نافعاً وعملاً صالحاً متقبلا .
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.


وإلى اللقاء مع وقفة قادمة مع آية أخرى من كتاب الله.

أثار صفة الله في ا
14-05-2008, 07:31 PM
ما شاء الله اللهم بارك جزاكم الله خيراً موضوع مميز جداً ورائع حقاً حياكم الله

لنا الله
15-05-2008, 07:47 PM
جزاكم الله خيرا أختي الكريمة لردودكم
أسال الله ان ينفعنا وإياكم بالقرآن واهله

لنا الله
15-05-2008, 07:53 PM
يقول الله تعالى : "لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم"


كم قرأنا هذه الآية في كتاب الله وكم سمعناها؟ ولكن هل وعيناها؟ وهل تنبهنا إلى مافيها من تحذير ؟ نعم .. إنه تحذير شديد اللهجة ، مصدره ليس أحد من البشر ولا حتى نبي من الأنبياء بل هو صادر عن رب العالمين تبارك وتعالى ، ومن ماذا يحذرنا ؟ إنه يحذرنا من مخالفة أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فللنظر كيف تعاملنا مع هذا التحذير الإلهي العظيم ! وكيف كان موقفنا منه ؟ هل توقفنا عن مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهل اتبعنا هديه في كل ماجاء به ؟ فوقفنا عند حدود مانهى عنه وامتثلنا بما أمر به ؟ وقبل الجواب على هذا السؤال دعونا نجري مقارنة بسيطة : تسير بسيارتك في الطريق فإذا بلوحة مكتوب عليها تحذير : منعطف خطير ! فهل تستمر أم تهدئ من سرعتك حتى لاتقع في المنحدر ؟ مثال آخر : تجد لوحة مكتوب عليها تحذير : خطر تيار عال ! فهل تقترب منه وتلمسه بيدك ؟! كلا ..
إذن مابالنا أخي في الله نقرأ تحذير علام الغيوب الذي لاتخفى عليه خافية في الأرض ولافي السماء ومع ذلك نصم آذاننا ونغمض عيوننا ونستمر في طريقنا غير آهبين بما حذرنا منه ؟ !! إن هذا لهو الجنون والتهور والسفه ! أما من كان في رأسه ذرة من عقل فإنه بلاشك سيتوقف عند هذا التحذير بدل المرة الواحدة ألفا من المرات.
كم من المخالفات لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم في حياتنا اليوم ؟ .. أخي الكريم اسأل نفسك هذا السؤال وحاسبها قبل أن تحاسب واعلم أن المولى تبارك وتعالى ماكان ليحذر من شئ إلا وفيه خطر علينا في دنيانا وأخرانا .. يقول تعالى:( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم ) أي تنزل بهم محنة عظيمة في الدنيا أو ينالهم عذاب شديد في الآخرة. ولعل هذا المخالف يفتتن عند موته ساعة الإحتضار ساعة التمحيص ساعة أن يتسلط عليه الشيطان فلا يصمد أمام هذه الفتنة فيموت على غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فيختم له بشر فيخسر الخسران المبين ، وقد لايصمد إذا ما أفتتن في قبره وجاءه الملكان يسألانه من ربك ؟ مادينك ؟ ومن نبيك ؟ فينهار أمام هذه الفتنة فلايجيب ... أعاذنا الله وإياكم من فتنة المحيا والممات.
فلابد لكل عقل أن يتفقد نفسه وأن ينظر حوله ويتفحص نهجه وطريقه هل هو موافق لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم أم أنه في وادٍ وهدى خير العباد في وادٍ آخر ؟ الأمر جد خطير والنتيجة لاتظهر إلا في ساعة العسر والشدة فلا يغتر عاقل باستقرار الأمور وهدوء الأحوال فالعبرة بالمآل ومتابعة الصراط المستقيم ، المحجة البيضاء التي أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه تركنا عليها وأنها بيضاء واضحة ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك.
فتش أخي في الله عن أوامر المصطفي صلى الله عليه وسلم في حياتك وانظر كم من المخالفات قد وقعت فيها : انظر في صلاتك ! وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلى ، انظر في هيئتك ، لباسك ؟ كم فيها من المخالفات ماأسفل من الكعبين من الإزار ففي النار . تفكر في بصرك : وانظر ماذا نهيت أن تنظر إليه من الحرام. تفكر في سمعك : وانظر ماذا نهيت أن تستمع إليه من الحرام. تفكر في لسانك: الغيبة النميمة قول الزور، وهكذا سائر أعمالك وتعاملاتك من بيع وشراء وأخذ وعطاء وتعامل مع الأهل والأرحام والجيران والخدم والسائقين وفي كل أحوالك .. تفكر في هذه الأمور وحاسب نفسك في ظل هذه الآية واعمل فيها فكرك فما خلق الله لنا العقول إلا لنتفكر بها ونتهتدي بها إلى الحق والصواب .

نسأل الله السلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار ونسأله أن يجعل أقوالنا وأعمالنا موافقة لهدى المصطفى عليه الصلاة والسلام وأن يجعلنا على هديه سائرين وبسنته متمسكين وعلى أثره مقتفين إنه سميع مجيب .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله

لنا الله
18-05-2008, 01:38 AM
قال الله تعالى : " ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"


هذه وصية الله لنا معشر المؤمنين، وصية من هو أرحم بنا من أمهاتنا، وأحن علينا من أنفسنا : ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله : أي خافوا الله واحذروا عقابه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه . ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ. أي ليوم القيامة، قال بن كثير: انظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة وسمي يوم القيامة غداً لقرب مجيئه ( وماأمر الساعة إلا كلمح البصر) ... واتقوا الله : كررها للتأكيد ولبيان منزلة التقوى التي هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين (ولقد وصينا الذين أتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله).
ولنقف اليوم مع : ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ ، الغد هو المستقبل الذي نخطط من أجله. ونسعى ونجد ونجتهد ونكدح ليل نهار، وحين نسأل لماذا ؟ يكون الجواب : من أجل تأمين المستقبل، ولكن أي مستقبل هذا الذي نخطط؟!! كلنا يعرف الجواب ! ولااعتراض على أن يخطط الإنسان ويسعى من أجل مستقبله في حياتة الدنيا، ولكن أليس مستقبله الحقيقي هو الآخر جدير بالتخطيط والعمل ؟! كم نمضي من أعمارنا من سنوات على مقاعد الدراسة لتحصيل الشهادات من أجل تأمين المستقبل ؟ وكم نمضي في العمل والوظيفة من أجل جمع المال للمستقبل ؟ ومقابل ذلك كم خصصنا من أوقاتنا من أجل تأمين حياة الآخرة التي هي أطول وأبقى؟ وهي الحياة الحقيقية ؟ أما تستحق منا أن نخطط لها وأن نبدأ في التحضير لها من الآن ؟ أما تستحق أن نبذل من أجلها الوقت والجهد والمال ؟ فواعجباً لإبن آدم يخطط للمستقبل الذي قد لايأتي وينسى مستقبله الآتي لامحالة ! تجد من الناس من نذر نفسه للوظيفة مخلصاً في عمله مجتهداً بكل ما أوتي من قوة يسابق الطير في بكورها ولايخرج إلا متأخراً يعمل بلا كلل ولاملل يشار إليه بالبنان في الجد والإجتهاد ويضرب به المثل في الدوام والإنضباط ولكن إذا بحثت عنه في المسجد لم تجده ! وإذا فتشت عنه بين الصائمين لم تعثر له على أثر ! وإن تحسسته في الصدقة وأعمال الخير من كفالة يتيم أو نصرة مجاهد أو رعاية محتاج أو إيواء مسكين أو إطعام جائع أو كسوة عار لم تجد له فيها سهماً ولادرهما ولاديناراً.

نعوذ بالله من الخسران ومن الذل والهوان.

ولنعد إلى الآية الكريمة ونتأمل لفظ ولتنظر : إن النظر يقتضي الفكر والفكر يقتضي التخطيط والتخطيط يقود إلى العمل والمقصود بالعمل هنا العمل من أجل الآخرة والآخرة خير وأبقى كما أخبر ربنا تبارك وتعالى... فياأخي في الله هل امتثلنا لأمر ربنا وهو العالم بما يصلح حالنا ومآلنا ؟ وهل وقفنا مع أنفسنا وقفة تأمل في لحظة محاسبة وتفكرنا في أعمالنا كم منها نعمله من أجل الآخرة ؟ وهل بإمكاننا أن نقدم أكثر وأكثر؟ هل تفكرنا في أعمال الخير ووضعنا لنا برنامجاً بحيث نضرب في كل مجال منها بسهم. كم قدمنا لآخرتنا من قيام الليل ؟ وكم قدمنا من قراءة القرآن - كنز الحسنات - كل حرف منه بحسنة والحسنة بعشر أمثالها ؟ كم قدمنا من الصدقات ؟ كم قدمنا من الصيام ؟ من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا. كم حجينا وكم اعتمرنا ؟ كم ذكرنا الله ؟ كم هللنا وسبحنا الله وحمدناه وكبرناه في اليوم والليلة ؟ وكم وكم من أبواب الخير وأعمال الآخرة التي كلها سهلة وميسورة وفي متناول الفقير قبل الغني والوضيع قبل الوزير ؟ولكن أين المشمرون؟ أين طلاب الآخرة؟
فاليقظة اليقظة ياعبدالله !! لايأتيك الموت وأنت غافل ساهٍ تركض في حياتك الدنيا تجري وراء متاعها الزائل غافلٌ عن الآخرة والآعمال الصالحة .. (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب إرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون.)

اللهم لاتجعل الدنيا أكبر علمنا ولامبلغ علمنا ولاإلى النار مصيرنا، اللهم بصرنا بعيوبنا ونور أبصارنا واصلح أحوالنا واهدنا إلى صراطك المستقيم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وإلى اللقاء في وقفة أخرى مع آية من كتاب إلى الله

لنا الله
18-05-2008, 06:33 PM
قال الله تعالى:" ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً، وسبحوه بكرة وأصيلا "


هذه الآية وغيرها من عشرات الآيات في كتاب الله تحض على الذكر، وفي السنة النبوية عشرات بل مئات الآحاديث في فضل الذكر والحث عليه فماهو السبب ياترى؟ ولماذا أولى الله تعالى ورسوله الذكر كل هذا الإهتمام وهذه العناية ؟ قبل الإجابة على هذا السؤال المهم دعونا نستعرض بعضا من الآيات والآحاديث التي وردت في الذكر. يقول الله تعالى: واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون. ويقول تعالى: ولذكر الله أكبر. ويقول تعالى: واذكر ربك إذا نسيت . ويقول تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب. ويقول تعالى: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم. ويقول تعالى: ياأيها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله. ومن الآحاديث قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم" قالوا : بلى يارسول الله. قال: " ذكر الله عز وجل" رواه أحمد في المسند وقال عليه الصلاة والسلام " ماعمل آدمي عملاً قطُ أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل". رواه أحمد في المسند أيضاً. وفي الترمذي أن رجلاً قال يارسول الله أن شرائع الإسلام قد كثرت عليَ، وأنا قد كبرت، فأخبرني بشيء أتشبث به. قال: لايزال لسانك رطباً بذكر الله تعالى".
هذا غيض من فيض من الآيات والآحاديث في فضل الذكر والحث عليه ولنقرأ الآن ماقاله الإمام ابن القيَم حول موضوع الذكر لنتبين سبب أهميته يقول رحمه الله "" في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى. وقال رجل للحسن البصري رحمه الله : يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي قال أذبه بالذكر. وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة ، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار ، فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عز وجل و " الذكر شفاء القلب ودواؤه ، والغفلة مرضه وشفاؤها ودواؤها في ذكر الله تعالى .
إذن أيها الأخوة سر الإهتمام بالذكر هو لأنه حياة القلوب فيه به تكون حية ومن غيره فهي موات لاخير فيها. والقلب هو أهم مافي الإنسان لأنه محل الإيمان. جاء في الحديث: ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب. فبالذكر يحيا القلب ويصلح ويصبح مهيأ لتلقى أوامر الله واتباع هديه فيكون في ذلك سعادة ابن آدم . والسؤال الآهم : كيف حالنا مع الذكر؟ هل نحن من الذاكرين الله تعالى كثيراً ؟ وينبغى أن نركز على كلمة كثيراً كثيراً. ! هل لنا أوراد في الصباح وفي المساء نداوم عليها كل يوم؟ هل نحفظ شيئاً من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم نرددها في أوقاتها؟ هل لنا حزب يومي من كتاب الله نحرص على تلاوته ولايلهينا عنه شغل أو لهو؟ هل نسبح ونهلل ونكبر ونحمد الله إذا كنا في خلواتنا؟ إذا كانت نعم فالله الحمد والمنة وإن كانت الأخرى فمتى اليقظة من الغفلة ياعبد الله؟إلى متى؟إلى متى؟ أترضى أن تكون كالميت؟ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: مثل الذي يذكر ربه والذي لايذكر ربه مثل الحي والميت-رواه البخاري

اللهم إنا نسألك قلباً خاشعاً ولساناً ذاكرا وعلماً نافعاً وعملاً صالحاً ،اللهم اجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات إنك سميع مجيب الدعوات


وإلى اللقاء مع وقفة أخرى في ظلال آية من كتاب الله

لنا الله
18-05-2008, 06:34 PM
يقول الله تعالى : " وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء (43)." ابراهيم



تهديد ووعيد ولكن ما أعظم مافيها من شفاء لقلوب المظلومين وتسلية لخواطر المكلومين، فكم ترتاح نفس المظلوم ويهدأ خاطره حينما يسمع هذه الآية ويعلم علم اليقين أن حقه لن يضيع وأنه سوف يقتص له ممن ظلمه ولو بعد حين.
وأنه مهما أفلت الظالم من العقوبة في الدنيا فإن جرائمه مسجله عند من لاتخفى عليه خافيه ولايغفل عن شئ . والموعد يوم الجزاء والحساب، يوم العدالة، يوم يؤخذ للمظلوم من الظالم، ويقتص للمقتول من القاتل " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لاظلم اليوم" ولكن الله يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار" أي تبقى أبصارهم مفتوحة مبهوتة، لاتتحرك الأجفان من الفزع والهلع، ولاتطرف العين من هول ماترى، "مهطعين مقنعي رؤوسهم رؤوسهم، لايرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء" أي مسرعين لايلتفتون إلى شئ ممن حولهم، وقد رفعوا رؤوسهم في ذل وخشوع لايطرفون بأعينهم من الخوف والجزع وقلوبهم خاوية خالية من كل خاطر من هول الموقف.
ما أعظم بلاغة القرآن وما أروع تصويره للمواقف حتى كأنك ترى المشهد ماثلاً أمامك.
أخي الحبيب تخيل وأنت تقرأ هذه الآية مصير الطغاة الظلمة ممن انتهكوا أعراض المسلمات وسفكوا دماء الأبرياء وقتلوا الأطفال وشردوا النساء ، وهدموا المساجد والمنازل تذكر من عاثوا بأرض البوسنة والهرسك والشيشان الفساد ومن أذاقوا أخواننا في فلسطين والعراق صنوف العذاب والقهر والظلم ، وتذكر الطغاة الذين يعذبون الدعاة في السجون ويسيمونهم سوء العذاب من أجل أنهم قالوا ربنا الله، تذكر أن الله فوقهم وأنه سوف يقتص منهم وسيرينا فيهم مايثلج صدورنا إن شاء الله ويتحقق لنا موعود ربنا تبارك وتعالى إذ يقول:" فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الآرائك ينظرون ،هل ثوب الكفار ماكانوا يفعلون".


اللهم اغفر ذنوبنا ويسر أمورنا واستر عيوبنا وآمن روعاتنا واغفر زلاتنا ، وانصرنا على أعدائنا، وثبتنا على دينك .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


وإلى اللقاء مع وقفة أخرى في ظلال آية أخرى من كتاب الله.

لنا الله
22-05-2008, 01:12 AM
يقول الله تعالى : " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين "


كلما اقرأ هذه الآية أشعر بالخوف والرهبة من هذا الوعيد الشديد. واسأل نفسي هل حبي لله ورسوله وللجهاد في سبيل الله أكبر من حبي لهؤلاء الذين جاء ذكرهم في الآية : الآباء والأبناء والإخوان والزوجة والعشيرة ؟ أرد وأقول نعم إننى أحب الله ورسوله وأحب الجهاد أكبر ولكن هل هذا هو فعلاً واقع الأمر أم أنه مجرد إدعاء؟
هنا تكمن المشكلة ويكمن الخطر الداهم الذي ربما يكون سبباً في تحقق وعد الله فينا : فتربصوا حتى يأتي الله بأمره !
أيها الأخوة ... كيف نحب الله تعالى ورسوله ؟ يقول العلماء اعرف الله حتى تحبه . فكلما زادت معرفة العبد بربه زاد حبه له. وكلما فكر في نعم الله عليه قوي حبه لربه لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.
وإذا أردنا أن نعرف كيف يأتي حب الله في قلوبنا فلننظر كيف جاء حب الدنيا في قلوبنا. لقد تمكن حب الدنيا من قلوبنا بسبب انشغالنا بذكرها آناء الله وأطراف النهار حتى تعلقت قلوبنا بزخرفها وزينتها ومباهجها فتمكن حبها من قلوبنا.... مجالسنا تدور الأحاديث فيها حول الدنيا وطرق تحصيلها وأنواع متاعها والجديد من أخبارها وفي المقابل لانذكر الله إلا قليلاً ، كم من أوقاتنا أمضيناه مع كتاب الله وتدبر آياته وتدارس تفسيره ؟ وكم من الوقت أمضيناه في استعراض سير الأنبياء والصالحين وحياة الزهاد والعباد من الصحابة والتابعين ؟ وكم من الوقت أمضيناه في التفكر في نعيم الجنة وحياة القبر والآخرة ... قارن هذا بهذا تجد الجواب ساطعاً سطوع الشمس في رابعة النهار.
فهل بعد هذا نلوم أنفسنا لماذا تتعلق بالدنيا وتزهد في الآخرة وتؤثر متاعها الزائل على حب الله ورسوله والدار الآخرة ؟ هل نلوم أنفسنا بعد ذلك لماذا لاتحب قيام الليل ولاتشتاق إلى الجهاد ولاتحب الإنفاق في سبيل الله ولا قراءة القرآن ولاولاولا ...من أعمال الخير.
إنها الدنيا .. لايتمع حبها مع حب الآخرة في قلب واحد لذا حذرنا منها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كثيرا ، من ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلاتنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تتنظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك . رواه البخاري.

نأسى على الدنيا وما من معشر .............. جمعـتهم الدنيـا فلم يتفـرقوا
أين الأكاسـرة الجبابـرة الألى .............. كنزوا الكنوز فما بقين ولابقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشه .............. حتى ثوى فحـواه لحد ضيق
فالموت آت والنفـوس نفـائس ............... والمستغر بما لديه الأحمـق


اللهم اجعلنا من المفلحين الصالحين اللهم نسالك حبك وحب كل عمل يقربنا الى حبك
اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث اصلح شاننا كله ,اللهم اصلح ديننا ودنيانا واخرتنا يارب
الحمد لله ,الحمدلله ,الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


وإلى اللقاء في ظلال آية أخرى من كتاب الله.

لنا الله
22-05-2008, 01:13 AM
قال الله تعالى: " إن الله وملائكته يصلون على النبي ، ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"

روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة. حديث حسن
وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا يارسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال يقول : "إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء" رواه أبوداؤد بإسناد صحيح
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رغم أنف رجلٍ ذكرت عنده فلم يصل عليَ" رواه الترمذي وقال: حدبث حسن
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاتجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" رواه أبوداؤد بإسناد صحيح
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مامن أحدٍ يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام" رواه أبوداؤد
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البخيل من ُذكرت عنده فلم يصل علي" رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح
وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة رضي الله عنه ، فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل ابراهيم، وبارك على محمد و آل محمد كما باركت على ابراهيم وآل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، " رواه مسلم
فالله الله أخي الكريم في هذا الفضل العظيم في هذا الذكر البسيط الذي يوجب قرب المنزلة من النبي الحبيب محمد صلى الله عليه . وسلم في الجنة. والحذر الحذر من البخل الذي يتمثل في عدم الصلاة على الحبيب عند ذكره عليه الصلاة والسلام .

اللهم أكسبنا حبك وحب نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأرزقنا مرافقته في الجنة .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

[B]وإلى اللقاء في وقفة أخرى مع آية أخرى من كتاب الله

لنا الله
24-05-2008, 12:50 AM
يقول الله تعالى : " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36)" سورة الأحزاب


هذه الآية من آيات البلاء والإمتحان والتمحيص ، تضع المؤمن على المحك الحقيقي لإيمانه ليتميز الصادق من الدعي ، والكيّس من العاجز... يالها من آية عظيمة تكشف حقيقة الإيمان عندما يصطدم أمرالشرع مع هوى النفس وعندما يكون أمر الله ورسوله في كفة وحظوظ النفس وشهواتها في كفة.
كلنا نحب الإسلام ... وكلنا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وكلنا نطمع في رضوان الله وجنته... وكلنا يتمنى أن يكون مؤمناً صادق الإيمان. ولكن هل المسألة بالتمنى والإدعاء أم بالعمل والإخلاص ، هل نريد الإيمان بلاعمل ونرجوه بلاثمن؟! ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله هي الجنة.
احبتي في الله: إنها أية تستحق منا التوقف عندها وتأمل كلماتها واستيعاب مدلولاتها ثم مقارنتها بالواقع الذي نحياه والنهج الذي نعيشه. إن هذه الآية تحمل معنى الإسلام ألا وهو الإستسلام لله والإنقياد له والخضوع له بالطاعة . فهو استسلام وانقياد وخضوع ولامجال فيه للإختيار بين قبول ورفض ولا بين أخذ ورد. إذا جاء أمر الله ورسوله في مسألة من المسائل فليس غير السمع والطاعة. لااعتبار وقتها لهوى النفس ولالعادات المجتمع ولا لأي اعتبار آخر ، هذا هو معنى الإستسلام لله والإنقياد له أما إذا تخيرنا من شرع الله مايوافق أهواءنا ورغباتنا وعاداتنا وجئنا به على أنه دين خالص لله وفي نفس الوقت تركنا مايخالف أهواءنا وعاداتنا وتقاليدنا بحجج واهية وأعذار ملفقة فذلك هي الخيرة التي لم يرتضيها لنا ربنا سبحانه وتعالى بنص الآية الكريمة.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن ربه تبارك وتعالى كما أمرنا بالصلاة والصيام والزكاة أمرنا بغض البصر وحفظ الفرج وصلاة الجماعة وطاعة الوالدين وصلة الأرحام وإرخاء اللحى وحجاب النساء ونهانا عن الغيبة والنميمة وأكل الربا والإسبال وأذى الجار وسماع الغناء وغيرها من الأوامر والنواهي مما لايخفى على مسلم ولامسلمة.
أحبتي في الله فليقف كل منا مع نفسة وقفة محاسبة في ساعة صدق مع النفس وليسأل نفسه : هل أنا ممن يأخذ من دين الله مايوافق هواه ويترك ماعدا ذلك ؟ فمن وجد خيراً فليحمد الله وليسأله الثبات ومن وجد غير ذلك فليثب إلى رشده وليقصر نفسه على الحق قسراً. فالأمر جد لاهزل فيه وحق لامراء فيه. والموعد: يوم لاينفع مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم، والموعود: جنة نعيم أو عذاب مقيم.

اللهم إنا نسألك عملاً صالحاً ونية صادقة وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً وعلماً نافعاً ، اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل وحسن القصد والتوكل وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله

لنا الله
25-05-2008, 12:18 AM
يقول الله تعالى : " الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايُفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"


نعم أننا نحسب أننا لانفتن ! إن لم يكن هذا بلسان المقال فلسان الحال يقول ذلك ، والدليل على ذلك أن أعمالنا ( إلا من رحم الله ) لاتدل على أننا نخشى أن نفتن في ديننا ولم يظهر علينا أننا قد أعددنا العدة لذلك ، لذا فإن هذه الآية تقشعر لها جلود الذين يخشون ربهم ، كيف لا ؟ فمن منا يأمن أن لايخذله إيمانه ساعة أن يفتن فيزل ويخسر دينه وآخرته ويكون والعياذ بالله من الخاسرين وذلك هو الخسران المبين . أخي الكريم أنه لامنجي من الفتنة إلا الإيمان بالله والصدق في التوجه والقصد والإخلاص لله تعالى والإستعداد لتحمل المشاق في سبيل ذلك والتضحية بالغالي والنفيس من أجل هذه العقيدة التي تحملها بين جنبيك ولو كان الثمن روحك التي هي أغلى لديك من كل شيء.
ولأن الجائزة هي الجنة ، والجنة غالية فلا بد أن يكون الثمن غالٍ ولايمكن أن ينالها إلا من يستحقها وقد قضى الله سبحانه تعالى على عباده أن يمتحنهم فيكافيء صادقي الإيمان بالجنة ويبعد أصحاب الهوى والشهوة وعباد الدنيا عنها وهذا الإبتلاء والتمحيص والإختبار هو المدار الذي تدور عليه الحياة قال تعالى : تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا . والشاهد قوله : ليبلوكم أي ليمتحنكم وليمحصكم . قد يكون هذا الإبتلاء في الحياة الدنيا بالفتن : فتنة المال أو فتنة النساء أو فتنة الأبناء أو فتنة المنصب أو الجاه وقد يكون الإبتلاء بالتباس الحق بالباطل فلا يستطيع ضعيف الإيمان أن يفرق بينهما فيقع في الباطل ويزل أو قد يكون الإفتتان ساعة الإحتضار حينما يتهيأ الشيطان للإنسان على هيئة أمه أو أبيه -كما ورد في الحديث - ويحاول أن يصرفه عن دينه يقول له أنا أبوك مت على النصرانية أو اليهودية فهي الدين الحق ولايزال به حتى يصرفه عن الدين الحق فإن كان صعيف الأيمان فقد يموت على غير دين الإسلام والعياذ بالله.
ونعود الآن إلى تفسير الآيات : ألم : وتقرأ : ألف لآم ميم : والحروف المتقطعة في أوائل السور تأتي للتنبه على إعجاز القرآن. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون : إستفهام إنكاري أي أظن الناس أن يتركوا من غير افتتنان لمجرد قولهم باللسان آمنا ؟ كلا لابد من الإيتلاء والتمحيص. وفي بيان هذا الأمر تطمين للمؤمنين كي يوطنوا أنفسهم على الصبر على البلاء والأذى وأن يثبتوا على الإيمان. ولقد فتنا الذين من قبلهم : أي ولقد اختبرنا وامتحنا من سبقهم بأنواع التكاليف والمصائب والمحن ، قال البيضاوي : والمعنى أن ذلك سنة قديمة ، جارية في الأمم كلها ، فلاينبغى أن يتوقع خلافه . فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين : أي فليميزن الله بين الصادقين في دعوى الإيمان وبين الكاذبين .
فماذا أعددت ياعبدالله لهذا الإمتحان الذي هو آتٍ لامحالة ؟ هل أعددت له إيماناً راسخاً كرسوخ الجبال ؟ أم اعددت له يقيناً صادقاً صلباً كالحديد لايلين ؟ أم هل أعددت لذلك الإمتحان قلباً عامراً بذكر الله مشرقاً بنور القرآن ولساناً تالياً لآيات الله آناء الليل وأطراف النهار؟ أم قد استعديت له بصيام الهواجر وقيام الليل ؟ أم بالصدقة والسعي على الفقراء والأرامل والأيتام والمحتاجين ؟ إذا كان هذا شأنك فهنيئاً لك بالنجاح والفوز بالجنة إن شاء الله ، وإن لم يكن عندك شيء من ذلك فتدارك نفسك فإنك على خطر عظيم.

اسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمن علينا بعمل صالح يرضيه عنا ويكتب لنا به النجاة من عذابه والفوز بجناته وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وأن يرينا الحق حقاً ويزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن لايجعله ملتبساً علينا فنضل إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله.

لنا الله
26-05-2008, 08:57 PM
يقول الله تعالى : " ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم . يوم ترونها تذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت وتضع كل ذات حملٍ حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد "


أخي الكريم عد معي بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، إلى تلك الأحداث والمشاهد التي لاشك أنها لم تبرح مخيلتك بعد ، وكيف كان شعورك وأنت تنظر إلى تلك المناظر وكيف كان الرعب والخوف يتملك قلبك وأنت على بعد آلاف الأميال منها، وهكذا كان حال معظم من شاهدها من جميع أقطار المعمورة ، وكيف كان حال القريبين من موقع الحدث ورأيت بعينيك ماصاحب تلك الأحداث من مشاهد الخوف والفزع والهلع الذي أصابهم وقد تملكهم الخوف وانطلقوا في كل حدب وصوب لايلوون على شيء في منظر مرعب مخيف ، سحب الدخان الداكن الكثيف تنتشر بسرعة وألسنة للهب مثل الجبال والناس يتساقطون من أعالي المباني والهدم والدمار والصراخ والعويل.
أخي الكريم : هل ذكرك ذلك المشهد بمشهد يوم القيامة الذي جاء وصفه في كتاب الله وفي أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وبالتحديد هل وقفت مرة عند هذه الآية وتأملتها وتخيلت المشاهد التي جاءت فيها ؟ إن ماشاهدناه من صور مرعبة وأحداث مهولة لاتعدل معشار أهوال يوم القيامة وأحداثها. كيف لا ؟ هذا دمار محدود ويوم القيامة سوف يكون الدمار في كل أرجاء الكون ، الأرض سوف تتزلزل من تحت الأقدام، المباني الشاهقة سوف تسقط وتتهدم ، والمصانع القائمة سوف تشتعل فيها النيران، والبحار وماأدراك مالبحار سوف تتحول إلى نيران مشتعلة ، والجبال الراسية سوف تكون كالعهن المنفوش وهو القطن المتطاير في الهواء. يالها من مشاهد تتقطع القلوب من ذكرها فمابالك بمشاهدتها ومعايشتها ؟ اللهم رحماك رحماك يارب .. ويكفي وصف الله تبارك وتعالى لتلك الزلزلة بأنها شيء عظيم : إن زلزلة الساعة شيء عظيم ، يحذرنا سبحانه وتعالى وهو العالم بأحوالنا الرحيم بنا يحذرنا من شر ذلك اليوم ويوجه الخطاب إلى الناس وليس للمؤمنين فحسب بل لكل البشر : ياأيها الناس اتقوا ربكم أي خافوا عذاب الله وأطيعوه بإمتثال أوامره واجتناب نواهيه إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم : تعليل للأمر بالتقوى أي أن الزلزال الذي يكون بين يدي الساعة أمر عظيم وخطب جسيم يوم ترونها : أي في ذلك اليوم العصيب الذي تشاهدون فيه تلك الزلزلة وترون هول مطلعها تذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت : أي تغفل وتذهل مع الدهشة وشدة الفزع كل أنثى مرضعة عن رضيعها ‘ فإذا رأت ذلك المنظر نزعت ثديها من فم طفلها وفرت عن أحب الناس إليها وهو طفلها الرضيع !! وتضع كل ذات حملٍ حملها : وتسقط الحامل مافي بطنها من هول الفاجعة وشدة الواقعة ، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى: أي تراهم يترنحون ترنح السكران من هول مايدركهم من الخوف والفزع وماهم على الحقيقة بسكارى من الخمر ولكن عذاب الله شديد : أي أن أهوال الساعة وشدائدها أطارت عقولهم وسلبت أفكارهم.
أخي الكريم : دعنا نتساءل (أنا وأنت ) ماذا أعددنا لأهوال يوم القيامة ؟ أم أن عندنا شك في هذا الكلام ؟ كلا ، إنه كلام ربنا الحق الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه ووالله أن ماذكره لنا في كتابه وماصوره لنا من تصوير ووصفه لنا من وصف سوف يقع بتفاصيله وصوره لامحالة ، فالله الله في العمل والإستعداد لتلك الأهوال ، فلا منجي والله إلا الله ولا ينفع الإنسان إلا ماقدم ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. الأيام تمضي والساعات تمر والعمر يتقدم والساعة تقترب وعلاماتها الصغرى قد اكتملت والكبرى بوادرها على الأبواب وإذا جاءت أولاها تلتها أخواتها كما تنخرط حبات المسبحة إذا ماانفرط عقدها، فماذا أعددنا لها ؟ كم هو موجع هذا السؤال ولكنه مفيد مادمنا في ساعة الفسحة وزمن المهلة ! نعم ماذا أعددنا لها من أعمال صالحة ؟ جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال يارسول الله متى الساعة ؟ قال: ماذا أعددت لها ؟... نعم إي والله ماذا أعددنا لها ؟! أعمارنا محسوبة وأيامنا معدودة وكل ساعة محاسبون عليها فماذا أعددنا ؟ هل ننتظر حتى يداهمنا الموت (وماأقرب الموت) حتى نبدأ العمل ؟ إذن اسمع قول الحق تبارك وتعالى : حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب إرجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون.


اللهم إنا نسألك توبة قبل الموت وراحة عند الموت ونسألك
الفوز بالجنة والنجاة من النار ،
اللهم آمن روعاتنا واغفر زلاتنا وتجاوز عن سيئاتنا وتب علينا واجعلنا اللهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله.

لنا الله
29-05-2008, 01:47 AM
يقول الله تعالى : " ..ولايزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لايخلف الميعاد"


صدق الله العظيم : مافرطنا في الكتاب من شيء .. سبحان الله كأن هذه الآية ما أنزلت إلا في القوم ومايعيشونه من أحداث في هذه الساعات!. ولاغرو فكتاب الله صالح لكل زمان ومكان. هاهي النكبات والرزايا تتوالى عليهم ، تنال مصالحهم في الخارج وتقع قريبا من ديارهم هنا وهناك وأخيرا هاهي تقع في عقر دارهم قارعة داهية منذرة فهل يستيقظون وهل يتنبهون إلى عاقبة ظلمهم وعدوانهم ومساندتهم للظالم المعتدي على المظلوم البريء ؟ أم يستمرون في غيهم وجبروتهم وطغيانهم حتى يأتي وعد الله ؟ إن الله لايخلف الميعاد.
لا إله إلا الله من يصدق ماجرى ؟ ومن كان يتوقع أن يقع ماوقع ؟ ولكن لعلها دعوة مظلوم من أرض الإسراء والمعراج ، من يدري ؟ لعلها دعوة حرى صدرت من قلب أب مكلوم على فقد فلذة كبده، جفاه الكرى وأقض مضجعه الفراق، فقام في آخر الليل يصلي ويدعو ، أو لعلها زفرة أم ثكلى بفقد وليدها، تفطر فؤادها من البكاء وسالت دموعها كالأنهار فلم تجد لها ناصراً إلا الله ولم تكن لها حيلة إلا الدعاء فانطلقت منها في جنح الظلام دعوة من القلب ممزوجة بالدموع والآهات فصادفت ساعة استجابة فكان ماكان .. ألم يخبر الصادق المصدوق الذي لاينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام : أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. من يدري ربما يكون هذا هو السبب في ماجرى؟!
ولكن هل يعي القوم هناك أن هذا بسبب ماجنته أيديهم وأقترفته أسلحتهم التي يمدون بهذا الباغي المعتدي ليقتل الأبرياء ؟
هل يتعظون بعد أن ذاقوا ألم الظلم ساعة من نهار ؟ - لاشك أن ماوقع لأولئك القوم الذين ذهبت أرواحهم إنما هو من الظلم .. لأنهم أبرياء لاذنب لهم - ولكن ماأكثر المظلومين في العالم وماأكثر الظالمين وأعوانهم !
هل يتعظون بعد أن تجرعوا هذا الدرس القاسي وشربوا من نفس الكأس وعانوا من ألم المأساة ؟ فيكفوا عن نصرة الظلمة من أبناء القردة والخنازير ؟
نعم إنه درسٍ قاسٍ ولكن من الآن فصاعداً سوف يكون من السهل على كل أم فقدت وحيدها في هذه المأساة أن تتذكر أم محمد الدرة وأن تتخيل كيف نامت تلك الليلة، ليلة فراق فلذة كبدها ..وأن تحس بمعاناة أم الطفلة إيمان البريئة التي لم تتجاوز شهورها الستة وأن تعرف كيف كانت تصارع الأحزان .. آه ماأصعب الظلم!
ومن الآن لن يكون من الصعب على اولئك الذين ناموا في العراء أن يحسوا بمأساة المشردين في أنحاء العالم .. وغيرها من المآسي التي كانت بلادهم ضليعةً فيها ..إن تهديم المنازل .. والبكاء .. والفراق .. والترمل .. واليتم ..والجنائز ..والدماء .. والموت .. والعزاء .. كلها من مفردات الظلم والقهر .. مرت بالقوم ليلة وذاقوا مرارتها .. فهل يتذكرون أنها أصبحت جزءً من حياة أقوام هنا وهناك تنام حيث ينامون وتقيل حيث يقيلون .. يتسلى العالم بمشاهدة أخبارهم على القنوات كما يتسلى برؤية الأفلام دون أن يحرك ساكنا أو ينطق بكلمة حق على أقل تقدير . فهل يتحرك الآن بعد أن عايش المشهد على وجه الحقيقة؟!
ألا لعنة الله على اليهود ماأكثر ماعاثوا في الأرض الفساد .. إنهم أسباب المآسي في العالم .. أججوا العنف وأذكوا روح العداء بين الشعوب وأحلوا الدمار مكان البناء واشاعوا الخوف بدل الأمن .. وصدق الله القائل : لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم بماعصوا وكانوا يعتدون.


اللهم إنا نسألك العفو العافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره وأجعل تدبيره في تدميره ، اللهم عليك بالظالمين فإنهم لايعجزونك اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر وأجعل بأسهم بينهم شديد وأرنا فيهم عجائب قدرتك ياقوي ياعزيز.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله

ام عمر الصوفي
31-05-2008, 07:01 PM
تفسير آية : " ولا تلبسوا الحق بالباطل "

http://www.almeske.net/vb/mwaextraedit2/frames/tr2.gifhttp://www.almeske.net/vb/mwaextraedit2/frames/tl2.gifقال تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } (البقرة: 42)

الآية وردت في سياق خطاب بني إسرائيل، وهي عطف على قوله تعالى: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } (البقرة:40) وجاءت الآية انتقالاً من غرض التحذير من الضلال، في قوله تعالى:{ ولا تكونوا أول كافر به } (البقرة: 41) إلى غرض التحذير من الإضلال، في قوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق ) .

واللَّبس في اللغة، بفتح اللام: الخلط؛ وهو من الفعل ( لَبَسَ ) بفتح الباء؛ يقال: لَبَست عليه الأمر ألبسه: إذا خلطت حقه بباطله، وواضحه بمشكله، ومنه قوله تعالى: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } (الأنعام: 9) ويقال: في الأمر لُبسة، بضم اللام، أي: اشتباه .

واللِّبس، بكسر اللام، من الفعل ( لَبِسَ ) بكسر الباء: هو لبس الثوب ونحوه .

والحق: الأمر الثابت؛ من حَقَّ، إذا ثبت ووجب، وهو ما تعترف به سائر النفوس، بقطع النظر عن شهواتها .

والباطل: ضد الحق، وهو الأمر الزائل الضائع؛ يقال: بطل بُطلا وبطلانًا، إذا ذهب ضياعًا وخسرًا، وذهب ماله بُطلاً، أي: هدرًا .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: { ولا تلبسوا الحق بالباطل } أي: لا تخلطوا الصدق بالكذب؛ وعن أبي العالية قال: { ولا تلبسوا الحق بالباطل } لا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله في أمر محمد صلى الله عليه وسلم .

فتأويل الآية إذًا: ولا تخلطوا على الناس - أيها الأحبار من أهل الكتاب - في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند ربه، وتزعموا أنه مبعوث إلى بعض أجناس الأمم دون بعض، أو تنافقوا في أمره، وقد علمتم أنه مبعوث إلى الناس كافة، بما فيهم أنتم، فتخلطوا بذلك الصدق بالكذب، والحق بالباطل، وتكتموا ما تجدونه في كتابكم من نعته وصفته، وتعرفون أن من عهدي الذي أخذت عليكم في كتابكم الإيمان به وبما جاء به والتصديق به؛ فالمراد إذًا: النهي عن كتم حجج الله، التي أوجب عليهم تبليغها، وأَخَذَ عليهم بيانها .

وعلى هذا، فلَبْسُ الحق بالباطل ترويج الباطل وإظهاره في صورة الحق، وهذا اللَّبْس هو المبتدأ في التضليل، وإليه الانتهاء في الإضلال؛ فإن أكثر أنواع الضلال الذي أدخل في الإسلام هو من قبيل لبس الحق بالباطل، وفي بعض تاريخ الإسلام خير شاهد على ذلك .

وقوله تعالى: { وتكتموا الحق } عطف على قوله سبحانه: { ولا تلبسوا } والمعنى: النهي عن الخلط بين الحق والباطل مقرونًا بكتمان الحق؛ ولك أيضًا أن تجعله منصوبًا بأن المضمرة بعد الواو، والتقدير ( وأن تكتموا الحق ) والمعنى عليه: لا تخلطوا الحق بالباطل، حال كونكم كاتمين للحق؛ وعلى كلا التوجيهين فالمقصود من الخطاب القرآني النهي عن الخلط بين الحق والباطل، إذ لكل واحد منهما مجاله ووجهته، فلا مجال للقصد إليهما، ولا مجال للخلط بينهما، ولم يبق إلا الفصام بينهما؛ والنهي أيضًا عن كتمان الحق، لما فيه من التضليل والتحريف وطمس الحقيقة التي جاء الإسلام بها للناس كافة .

وتفاديًا لما وقع فيه اليهود من الخلط والكتمان، قال أهل العلم: إن التأويل - الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره - لآيات القرآن الكريم لا يصح إلا إذا دلَّ عليه دليل قوي، أما إذا وقع التأويل لما يُظن أو يُتوهم أنه دليل فهو تأويل باطل، لا يُعرَّج إليه، ولا يصح التعويل عليه؛ إذ هو في حقيقته نوع من التحريف والتضليل، ناهيك عما إذا وقع التأويل من غير دليل أصلاً، فهو آكد في الحرمة، وأوجب للمنع، إذ هو من باب اللعب والهزء بآيات القرآن، ولا يخفى ما فيه .

فمن أمثلة التأويل بدليل - وهو التأويل المشروع - قوله تعالى: { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } (النحل: 1) ففسر العلماء الفعل ( أتى ) وهو فعل ماض، يدل على وقوع الأمر وحدوثه، فسروه بـ ( سيأتي ) واستدلوا لذلك بما جاء في سياق الآية نفسها، وهو قوله سبحانه بعدُ: { فلا تستعجلوه } فالنهي عن طلب استعجال الأمر بعدُ، دليل على عدم وقوع ما أُخبر عنه قبلُ .

ومن أمثلة التأويل بغير دليل - وهو التأويل المذموم - ما ادعاه بعضهم، من جواز نكاح الرجل تسع نسوة، مستدلاً على ذلك، بقوله تعالى: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } وهذا لا دليل عليه من نص أو وضع لكلام العرب، بل هو أمر ساقط، لا تقوم له قائمة تدل عليه.

وقوله تعالى: { وأنتم تعلمون } جملة حالية، فيه دليل على أن كفرهم كان كفر عناد لا كفر جهل، وذلك أغلظ للذنب وأوجب للعقوبة؛ ثم إن التقييد بالعلم في الآية، لا يفيد جواز اللَّبْس والكتمان مع الجهل؛ لأن الجاهل مطالب بالتعلم، ومنهي عن البقاء على جهله، إذ الواجب على الإنسان أن لا يُقْدِم على شيء حتى يعلم بحكمه، خاصة إذا كان ذاك الشيء من أمور الدين، فإن التكلم فيها والتصدي لها إنما أذن الله به لمن كان أهلاً ومؤهلاً لذلك، أما الجاهل فليس له من الأمر شيء، وليس له من سبيل إلى ذلك .

والأمر المهم الذي ينبغي التنبيه عليه في ختام الحديث عن هذه الآية، أن الخطاب القرآني وإن كان متوجهًا في لفظه ونصه إلى بني إسرائيل، بيد أنه في فحواه ومقصده خطاب عام يشمل الناس كافة، والمؤمنين منهم على وجه أخص، فهم أولى بالنهي عن خلط الحق بالباطل، وهم أجدر بإظهار الحق، وعدم كتمانه، والله أعلم .

ام عمر الصوفي
31-05-2008, 07:04 PM
صور من الإعجاز العلمي
http://zqrt.com/up/sing/namlah-factspic7.jpg

http://zqrt.com/up/sing/namlah-factspic1.jpg

http://zqrt.com/up/sing/namlah-factspic5.jpg

http://zqrt.com/up/sing/namlah-factspic2.jpg

http://zqrt.com/up/sing/namlah-factspic3.jpg

http://zqrt.com/up/sing/namlah-factspic4.jpg

http://zqrt.com/up/sing/namlah-factspic6.jpg

http://zqrt.com/up/sing/namlah-factspic8.jpg
http://www.ojqji.net/upload_center/2008/9/ac3764c17e.gif

لنا الله
31-05-2008, 11:07 PM
قال تعالى ِ: ( ألذي خلقَ الموتَ والحياة َ ليَبلوَكـُمْ أيُّكـُمْ أحسنُ عَمَلا ًوهو العَزيزُ الغفور{2}) الملك .



فهنيئاً لِمَنْ لاقى اللهَ وقد صلـُحَ عَملـُهُ , وتعِسَ مَنْ ساءَ عَملـُهُ حتى جاءَهُ أجلـُه ُ.
ثمَّ الحمدُ للهِ الذي جعلَ الموتَ راحة ًللأتقياء, وموعداً في حقـِّهم للقاء, وجعلَ القبرَ سجناً للأشقياء, وحبسَاً ضيقاً عليهم إلى يوم ِ الفصل ِ والقضاء .
أمَّا بعدُ أيُّها المؤمنون : فجديرٌ بمن الموتُ مصرَعُهُ , والترابُ مضجعُهُ , والدودُ أنيسُهُ, ومُنكرٌ ونكيرٌ جليسُهُ, والقبرُمقرهُ , وبطنُ الأرض ِمُستقرهُ , والقيامة ُموعدُهُ , والجنة ُ أو النارُ موردُهُ . أن لا يكونَ لهُ فكرٌ إلاَّ في الموت, ولا ذكرَ إلاَّ لهُ, ولا استعدادَ إلاَّ لآجلهِ , ولا تدبير إلاَّ فيهِ, ولا تطلعَ إلاَّ إليهِ , ولا تعريجَ إلاَّ عليهِ , ولا اهتمامَ إلاَّ بهِ , ولا حولَ إلاَّ حولـَهُ , ولا انتظارَ ولا تربصَ إلاَّ لهُ , وحقيق ٌبأن يُعدَّ نفسَهُ من الموتى ويراها في أصحابِ القبور, وإلاَّ كان من الهلكى وقد غرتهُ الغـَرُور .
إخوتي في اللهِ وأحبتي : لقد خاطبَ ربُّ البشرِ، سائرَ البشرِ, بما خاطبَ بهِ سيدَ البشر صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فقالَ عزَّمِنْ قائل : ( إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَيِّتون{30} ) الزمر . فاللهُ تباركَ وتعالى كتبَ على خلقِهِ الفناءَ, ولنفسِهِ البقاءَ فقالَ: ( كلُّ مَنْ عليهَا فان{26} ويبقى وجهُ ربِّكَ ذوالجلال ِوالإكرَام{27}) الرحمن . وقال: ( كلُّ شيءٍ هالكٌ إلاَّ وَجهَهُ {88}) القصص .
فالموتُ هوَ الوقتُ المعلومُ , والأجلُ المحدودُ , فإذا جاءَ أجلُ الإنسان ِفقد دنتْ ساعَتهُ , وحانتْ مَنيَّـتـُهُ، وصدقَ الله ُ( ولِكـُلِّ أمَّةٍ أجلٌ فإذا جاءَ أجلهُمْ لا يستأخِرونَ ساعة ًولا يستقدِمُون{34} ) الاعراف . والساعة ُهنا أقلُّ الوقت .
وفي الحديثِ الشريفِ عن رسول ِاللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أنـَّهُ قال : ( إذا حَضَرَتِ ابنَ آدمَ الوفاة ُجاءَهُ المَلكُ المُوَكـَّلُ في طعامِهِ فيقولُ لهُ : يا ابنَ آدمَ لقد طفتُ لكَ مشارقَ الأرض ِومغارِبَهَا,علِّي أجدُ لكَ لقمَة ًتقتاتُ بها فلم أجد,ثم يأتيهِ المَلكُ المُوَكـَّلُ في شرابهِ فيقولُ لهُ: يا ابنَ آدمَ لقد طفتُ لكَ مشارقَ الأرض ِومغارِبَهَا،علِّي أجدُ لكَ شَـربَة َمـَاءٍ تشرَبُهـَا فلم أجد , ثـمَّ يأتيهِ مـَلكُ الموت ِفيـقولُ لهُ: يا ابنَ آدمَ لقد طفتُ لكَ مشارقَ الأرض ِومغارِبَهَا علِّي أجدُ لكَ نفساً تتنفـَّسْهُ فلم أجد, فإنْ كانَ في شهيقِهِ لمْ يَزفرْ, أو كانَ في زفيرِهِ لمْ يَشهَق)
إخوتي وأحبـَّتي : مِمَّا سَبَقَ ذِكرُهُ يَتبينُ أنَّ انتهاءَ الأجل ِهوَ السببُ الوحيدُ للموتِ , ولا شئَ سواهُ مهما قيلَ أواعتقِدَ, فإذا حانَ الأجلُ فلن يستطيعَ أهلُ الأرض ِولا ملائكة ُالسماءِ أن يُغيروا من مقاديرِ اللهِ شيئاً، وصدقَ الله ُ ولنْ يُؤَخِّـرَ اللهُ نفساً إذا جاءَ أجَلهَا {11}) المنافقون .
وفي شِعرنا العربيِّ كذلكَ ما نستأنِسُ بهِ ونستبينـُهُ في توضيح ِهذا المفهوم ِ وترسيخِهِ إذ يقولُ شاعرُنا
إنَّ الطبيبَ لهُ في الطبِّ معرفـة ٌ ما دامَ في أجل ِالإنسان ِتأخيرُ
حــتى إذا انقضــتْ أيامُ مُـــدتِهِ حارَ الطـبيبُ وخانتـهُ العقاقـيرُ
وقد أوردَ الإمامُ الغزاليُّ في كتابهِ( إحياءُ علوم ِالدين ِ) عن ِالأعمش ِعن خيثمَة َ قالَ : دَخلَ ملكُ الموتِ على سليمانَ بن ِداوودَ عليهما السلام ،
فجعلَ ينظرُ إلى رجل ٍمن جُلسائِهِ يُديمُ النـَّظرَ إليهِ, فلمَّا خرجَ , قالَ الرجلُ لسليمانَ عليه السلام مَنْ هذا ؟ قال : هذا ملكُ الموتِ , قال لقد رأيتـُهُ ينظرُ إليَّ كأنـَّهُ يُريدُني ! قال : فماذا تريد ؟ قالَ : أريدُ أن تخلِّصَني منه, فتأمُرَالريحَ حتى تحمِلـَنِي إلى أقصى الهندِ ، وكانَ سليمانُ ببيتِ المقدِس ِففعَلتِ الريحُ ذلكَ , ثمَّ قالَ سليمانُ لملِكِ الموتِ بعدما أتاهُ ثانياً, رأيتكَ تديمُ النـَّظرَ إلى واحدٍ من جلسائي؟ قال : نعم , كنتُ أتعجَّبُ منهُ ! لأنـِّي كنتُ قدْ أمرتُ أن أقبـِضَهُ بأقصى الهندِ في ساعةٍ قريبه, وكانَ عندَكَ فعَجبتُ من ذلكَ , فلمَّا ذهبتُ إلى الهندِ وجدتُ الرَّجلَ هناكَ ينتظرُ أجَلـَهُ . وصدق َالله : ( أينما تكونوا يُدرِكـُّكمُ الموتُ ولو كـُنتم في بُروج ٍ مُشيـَّدَةٍ {78}) النساء .
أيُّها الإخوة الأحِبَّه : لقد حَكى القرآنُ فيما حكاهُ من قصَص ِالأنبياءِ , أنَّ نبيَّ اللهِ نوحاً عليهِ السلام قدْ لبثَ في قومِهِ ألفَ سنةٍ إلاَّ خمسينَ عاماً, فلمَّا جاءَهُ مَلكُ الموتِ قالَ لهُ : يا نوحُ كيفَ رأيتَ الدنيا ؟ فقالَ عليه ِالسلام : كبَيتٍ لهُ بابان ِ, دخلتُ من أحَدِهِمَا وخرجتُ منَ الآخر .
أيُّها العُقلاءُ الأكارمُ : إنًّ العُمُرَ قصيرٌ، وإن طالَ التـَّمَتـُّعُ بهِ, وإنَّ القبرَ يَضِيْقُ إلاَّ لِمَنْ أعدَّ لهُ, وإنَّ الحسابَ قريبْ , فمَنْ يُعِدُّ لهُ ؟ فاليومَ عملٌ ولا حِسابْ, وغداً حِسابٌ ولا عَمل, فلا بدَّ واللهِ منَ التفكـُّرِ والتدبُّرِ, إذا علِمنا أنَّا ما خـُلقنا إلاَّ لِنعبُدَ اللهَ عزَّ وجلَّ كما أرادَ لنا أن نعبُدَهُ . وكتابُ اللهِ يَحُثـُّنا على إخلاص ِالعمل ِوحسن ِصِحَّـتِهِ ( قلْ إنِّي أمرتُ أنْ أعبُدَ الله َ مُخلِصاًً لهُ الدين {11}) ألزمر .
ويَطلبُ مِنـَّا البقاءَ على ذلكَ حتى نلقاهُ ( واعبُدْ رَبَّـكَ حتى يَأتيَكَ اليقين{99}) الحِجر .أيْ : ألموت .
وإنَّا لنرى أحكامَ اللهِ وقدْ عُطِّـلتْ , وشَريعَتـُهُ وقدْ غُـيِّبَتْ , وأنَّا واقِفونَ ببابهِ , ليسْألَنَا عمَّا قدَّمنا لِدينِنا وأنفسِنا وأمَّـتِنا (وقِفـُوهُمْ إنـَّهُمْ مَسئولون{24}) الصافات .
فلا تـُنحُّوا أنفـُسَكمْ وتـُبَرِّؤوها بحُجَّةِ ماذا عَملَ العامِلونَ ؟ بلْ سَلوا أنفـُسَكم ؟ ماذا قدَّمتم لِلعامِلينَ لِدينِكـُم فاَنَّـكـُمْ مُّلاقوه , فإنْْ كانَ خيراً فخيرٌ قدَّمتمُوه (كلُّ نفس ٍبما كسَبتْ رهينه {38}) المدثر . وإن كانَ شراً فلا يَلومَنَّ إلاَّ نفسَهُ (بل ِالإنسانُ على نفسِهِ بصيرة ٌ{14} ولو ألقى معاذيرَهُ{15}) ألقيامه .
وهذا أبوالدرداءِ رضيَ الله ُتعالى عنهُ لمَّا حضَرتهُ الوفاة ُبكى , فقيلَ لهُ : يا أبا الدرداءِ أجَزَعَاً منَ الموتِ تبكي؟ فقالَ : لا واللهِ ما جَزَعاً منَ الموتِ أبكي , ولكنِّي تيقنتُ أنِّي مُقبلٌ على رَبِّي وأنـَّه سائِلي, أعلِمتَ يا أبَا الدرداءِ ؟ فأقولُ إيْ وَرَبِّيْ قد علِمت , فيقولُ :قدْ علِمتَ فماذا عََمِلتَ بمَا علِمْت؟
وها أنتم أيُّها الإخوة ُالأماجدُ : وقدِ استنهَضَكـُمُ العامِلونَ لِدينِكـُمْ , فانفـُضوا عنْ أنفسِكـُم حُبَّ القعودِ والتكاسُل ِ, وهوانَ التقاعس ِ والتواكل, وعاهِدوا أنفـُسَكـُم على نصرَتِهمْ حتى يمكـِّنَ الله ُ دينهُ ويعجلَ نصرهُ فتفـوزوا، حتى يُعَجِّـلَ اللهُ نصرَهُ فكلٌّ مِنـَّا على ثغرَةٍ من ثغرِ الإسلام ِفلا يُأتيَنَّ الإسلامُ من قِبَلِه,
وما النـَّصرُ إلاَّ صبرُ ساعة , فعَجِّـلوا وسارِعوا إلى مَغفِرَةٍ من ربِّـكـُم و رِضوان .
ليكونَ لكـُمْ شرَفُ السَّبْق ِفي إعزازِ هذا الدِّين ِوتمكينِهِ وحَملِهِ , لتكونوا شُهداءَ على النـَّاس ِويكونَ الرَسولُ عليكـُم شهيداً .وقدْ بَيَّنَ نبيُّـنا صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فقالَ لِعبدِ اللهِ بن ِعُمَرَرضيَ الله ُتعالى عنهما (إذا أصبَحتَ فلا تحَدِّثْ نفسَكَ بالمَسَاء, وإذا أمسَيتَ فلا تحَدِّثْ نفسَكَ بالصباح وخُذ منْ حَياتِكَ لِمَوتِك, ومن صِحَّـتِكَ لِسَقمِكَ, فإنَّـكَ يا عَبدَ اللهِ لا تدري ما اسمُكَ غدا )

اللهم إنا نسألك توبة قبل الموت وراحة عند الموت ونسألك
الفوز بالجنة والنجاة من النار ،
اللهم آمن روعاتنا واغفر زلاتنا وتجاوز عن سيئاتنا وتب علينا واجعلنا اللهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله

لنا الله
02-06-2008, 02:09 AM
يقول الله تعالى : "يومئذ تحدث أخبارها "



يخبر تبارك وتعالى أنه في ذلك اليوم العصيب -يوم القيامة- تتحدث الأرض وتخبر بما عُمل عليها من خير أو شر ، وتشهد على كل إنسان بما صنع على ظهرها، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم :"يومئذ تحدث أخبارها" فقال : أتدرون ماأخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال: أخبارها أن تشهد على كل عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا ، كذا وكذا ، فهذه أخبارها . أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح. وفي الحديث الآخر : تحفظوا من الأرض فإنها أمكم ، وأنه ليس من أحدٍ عاملٍ عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة به. أخرجه الطبراني في معجمه
.
ياله من موقف عظيم ولحظات عصيبة في ذلك اليوم الفضيع الذي تتقطع من شدة أهواله القلوب الأبصار شاخصة والقلوب وجلة والأجساد عارية والشمس دانية من الرؤوس _ تقول عائشة رضي الله عنها يارسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : ياعائشة الأمر أفضع من أن ينظر بعضهم إلى بعض .
لا إله إلا الله والله أكبر تخيل ذلك المشهد يوم تتحدث فيه الأرض وكيف سيكون المشهد ؟ لاشك أنه مشهد مخيف .. سبحان الله .. يوم تأتي ساحات الجهاد تشهد للمجاهدين بذل أرواحهم في سبيل الله ويوم تأتي المساجد تشهد لروادها من المؤمنين ركوعهم وسجودهم ويوم تأتي منى وعرفات تشهد للحجاج وقوفهم على عرصاتها ودعاءهم وبكاءهم وتضرعهم .... ولا إله إلا الله .. يوم تأتي المراقص ونوادي الليل تشهد على روادها ماصنعوا على ظهرها من خنا وفجور وسكر وعربدة ويوم تأتي الشواطيء تشهد بماجرى على ظهرها من عري وسفور وزنا وخمور.
يومها ينكشف الستار وتزول الحجب يوم الفضائح ... يومها كيف يكون حال ذلك المسكين الذي كان يجوب الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ، يرتكب في كل بقعة معصية ويقارف في كل زاوية فاحشة وكأن الله هناك غير مطلع عليه وأن الأرض هناك ليست أرض الله ؟
عبدالله يامن فرطت في صلاة الجماعة وتكاسلت عن الذهاب إلى بيوت الله تذكر ذلك اليوم .. تذكر : يوم تحدث أخبارها ماذا ستخبر عنك؟ ماذا ستشهد به لك أو عليك؟
ماذا تتمنى وقتها أخي الكريم حينما ترى المساجد تشهد لأصحابها وتشفع لهم أمام رب العالمين يارب شفعني فيه لقد كان قلبه معلق بي، لقد كان من روادي ليل نهار ، يارب طالما سجد فيّ وركع وقام وقعد وقرأ القرآن ، ماتزال تحاج عنه حتى تشفع فيه ويدخل الجنة . هل تتمنى وقتها أنك كنت من روادها في حياتك الدنيا؟ إذن اغتنم مابقي من عمرك من أيام وقدم لآخرتك مايسرك ويبيض وجهك يوم تبيض وجوه وتسود وجوه قبل أن تندم وتدرك كم كنت مفرطاً، وتتمنى لو تعود إلى الحياة الدنيا من جديد ولكن هيهات هيهات ، يومئذ لايفيد الندم ولاينفع الإنسان إلا ماقدم. فالبدار البدار مادمت في زمن المهلة قبل أن تصبح مرتهن بعملك تحت أطباق الثرى تنتظر الساعة والساعة أدهى وأمر .. أخيًه .. أن الأمر جد لاهزل فيه، وصدق لامراء فيه، فقم مقام الجد ودع عنك الأماني الخادعة وبادر بالأعمال الصالحة واحذر من التسويف فإن سوف من جند إبليس.

اسأل الله لي ولك ولكل المسلمين حسن الختام وطيب المقام وصحبة الأخيار من الأنبياء والأبرار والصالحين الأطهار واسأله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يفقهنا في ديننا ويرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله.

لنا الله
02-06-2008, 09:34 PM
قال تعالى
"ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم"




يالها من آية عظيمه وياله من نداء تهتز له القلوب وتقشعر منه الأبدان.
يوم ينادى عليك أيها الإنسان الفقير الضعيف ماغرك بربك الكريم ؟
ماالذي خدعك حتى عصيت الواحد القهار ؟
ماالذي خدعك فاقترفت الآثام بالليل والنهار؟
ماالذي خدعك ففرطت في حدود الله ؟
ماالذي خدعك فتهاونت في الصلاة ؟
ماالذي خدعك فأطلقت بصرك في الحرام ؟
ماالذي خدعك فلم تخش الله كما كنت تخشى الأنام ؟
أهي الدنيا؟ أما كنت تعلم أنها دار فناء؟ وقد فنيت!
أهي الشهوات؟ أما تعلم أنها إلى زوال؟ وقد زالت!
أم هو الشيطان ؟ أما علمت أنه لك عدو مبين ؟
إذن ماالذي خدعك ؟ أجب ...أجب ... لاعذر اليوم.
لا إله إلا الله ...

أخي الكريم .. أرأيت ؟ إنها لآية عظيمة وتذكرة مبينة لمن وعاها... كررها بينك وبين نفسك .. قم بها في جوف الليل إذا هجع الأنام وغارت النجوم كررها في ركعتين تلذذ فيهما بمناجاة ربك وكرر ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكلام وتمثل نفسك ماذا تجيب ، تذكر ذنوبك وابك على تفريطك
.
أخي الكريم ... تخيل معي هذا المنظر كأنك تراه واعلم أنه واقع لامحالة وتخيل هذا المشهد المهيب:
إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت، علمت نفس ماقدمت وأخرت، ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ماشاء ركبك.



وإلى اللقاء مع وقفة أخرى في ظلال آية.

لنا الله
04-06-2008, 11:08 PM
قال الله تعالى على لسان لقمان الحكيم : "يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردلٍ فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إنّ الله لطيف خبير".



تشبيه بليغ وصورة بلاغية رائعة في أسلوب بديع يؤدب لقمان الحكيم إبنه مبيناً له سعة علم الله عز وجل وإحاطته بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها دقيقها وجليلها. وأن الله تبارك وتعالى مطلع على دقائق الأمور كلها لاتخفى عليه خافية ولايعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فلو أن حبة خردل متناهية في الصغر وكانت في بطن صخرة صماء أو كانت في أرجاء السموات أو في أطراف الأرض لعلم مكانها وأتى بها سبحانه وتعالى .
فلا إله إلا الله أحاط علمه بكل شيء. يرى دبيب النملة السوداء على الصفاة السوداء في الليلة الظلماء ويرى مخ ساقها وجريان الدم في عروقها.
يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور فأين يختبيء منه العاصي إذا أراد أن يعصيه ؟ كيف يزني الزاني وهو يعلم أن الله ينظر إليه ومطلع على حركاته وسكناته!؟ لو كان أبوه أو أمه أو أحد من الناس ولو طفل صغير ينظر إليه أكان يجرؤ على مواقعة المعصية أمامهم ؟ لا والله ، فسبحان الله ..
أهان الله في نظره حتى أصبح أهون الناظرين إليه ! جاء في الحديث لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن أي أنه لايكون في قلبه شيء من الإيمان في تلك اللحظة وإلا لأستشعر نظر الله إليه وإطلاعه عليه وهو في تلك الحالة
.
لقد هانت خشية الله في قلوب كثير من الناس . تجد بعض المدخنين لايدخن في حضرة أبيه أو حضرة مسؤول كبير توقيرا وإحتراما لهم !
ترى من يسمع الأغاني أو يشاهد الأفلام إذا رأى شيخاً أو داعية أقفل الجهاز !
والله تعالى يقول:(( أتخشون الناس والله أحق أن تخشوه. ))
((ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب. ))
((مايكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولاخمسة إلا هو سادسهم ولاأدنى من ذلك ولاأكثر إلا هو معهم أين ماكانوا ثم ينبئهم بماعملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم. ))
((عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، سواءٌ منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار)).
((وربك يعلم ماتكن صدورهم ومايعلنون)).
فياعبدالله ... اجعل مراقبة الله وخشيته في قلبك في كل حين وتمثل نظره إليك في أي ساعة من ليل أو نهار.


إذا ماخلوت بريبة في ظلمة ...... والنفس داعية إلى االعصيان
فاخش من نظرالإله وقل لها ...... إن الذي خلق الظلام يراني
اللهم أرزقنا خشيتك في السر والعلن وحل بيننا وبين معاصيك ، اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان وقوي إيماننا بمخافتك والحياء منك. اللهم إنا نعوذ بك من قلب لايخشع وعين لاتدمع ولسانٍ لايذكر ونفسٍ لاتشبع. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


وإلى اللقاء في ظلال آية أخرى من كتاب الله.

لنا الله
06-06-2008, 07:55 PM
يقول الله تعالى : " لاخـير في كثيرٍ من نجواهم إلا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين الناس ، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً "


ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا : بلى ، قال : إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لاأقول تحلق لشعر ولكن تحلق الدين).


فالله أكبر ما أعظم أجر وثواب الإصلاح بين عباد الله المتخاصمين الذين نزق الشيطان بينهم فأوغر صدروهم وأحل العداوة محل الأخوة والقطيعة مكان الوصل.

إخوتي : إن هذا العمل العظيم قد جهل فضله كثير من المسلمين اليوم، فنجد الخصومات تستمر بالشهور بل السنين العديدة بين الأهل والأخوان والجيران ولاتجد من يسعى للصلح بينهم، كلٌ مكتفٍ بشأنه وكلٌ مشغول بنفسه. فيتركون المتخاصمين للشيطان يوقد نار الفتنة بينهما ويزيدها إشتعالاً حتى يستفحل الأمر وتقع الطامة ، بينما الصالحون غافلون عن هذا السبيل ، هذا العمل الجليل الذي زكاه الله من فوق سبع سماوات وامتدحه من بين سائر الأعمال ، والذي هو أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وهي من أفضل الأعمال وأجلها بلاشك ولكن الصلح خير وأعظم

.
وكم من صائم قائم مصل ولكنه لايسعى للإصلاح بين المتخاصمين من أهله وجيرانه وماعلم أن ذلك أفضل من عبادته لإن عبادته خيرها مقتصر على نفسه أما إصلاحه بين الناس فخيره عام ومتعد إلى غيره
.
وقد ذم الله تعالى الخصومة والقطيعة بين المسلمين لأنها تتنافى مع مبدأ الأخوة الإسلامية : إنما المؤمنون أخوة. وتوعد المتقاطعين بأن لايغفر لهم ولايقبل منهم عملاً حتى يصطلحا ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تُعرض الأعمال في كل أثنين وخميس فيغفر الله لكل أمريء لايشرك بالله شيئاً، إلا إمرءاً بينه وبين أخيه شحناء فيقول : اتركوا هذين حتى يصطلحا) رواه مسلم . وأمرنا معشر المؤمنين بالسعي في الأصلاح: فأصلحوا بين أخويكم.


فهلا نظرنا أخوتي فيمن حولنا من زملائنا أو أخواننا أو جيراننا ممن نزق الشيطان بينهم وأوقع بينهم القطيعة والبغضاء فسعينا بينهم بالصلح ؟ فإن تم الصلح على يدينا فلله الحمد والمنة على توفيقه وهنيئاً لنا بموعود الله ورسوله وإن لم يكتب لنا التوفيق في مهمتنا فقد أدينا ماعلينا وسلمنا من الإثم. ولله در القائل


:إن المكـارم كلها لو حصلت ...... رجـعت جمـلتها إلى شـيئين
تعظيم أمر الله جـل جـلاله ...... والسعي في إصلاح ذات البين


اللهم ارزقنا علماً نافعاً وعملاً متقبلاً ورزقاً واسعاً وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً وإيماناً خالصاً وهب لنا إنابة المخلصين وخشوع المخبتين وأعمال الصالحين وأصلح ذات بيننا وإجمع قلوبنا على الخير ياأفضل من رجي وقصد وأكرم من سئل، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك ياأرحم الراحمين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
.


وإلى اللقاء في ظلال آية أخرى من كتاب الله

لنا الله
08-06-2008, 12:11 AM
يقول الله تعالى: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ )



تهديد ووعيد للغافلين عن الله ، اللاهثين خلف أهوائهم وشهواتهم ، الذين آثروا الحياة الدنيا وباعوا آخرتهم الباقية بدنيا فانية الذين جعلوا الآخرة خلف ظهورهم والدنيا نصب أعينهم ، هي قبلتهم وغاية آمانيهم، يوالون ويعادون من أجلها ، حبها تمكن من قلوبهم وذكرها يجري على ألسنتهم آناء الليل وأطراف النهار ولايذكرون الله إلا قليلاَ.


تطرب أسماعهم لسماع أخبارها وإذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم، جند بالنهار ركبان بالليل ولكن ليس في سبيل الله ، همم عالية وطموحات دونها الثريا ولكن ليس في ذات الله. وإذا أتت وقت الطاعة وساعة العبادة رأيتهم أكسل الخلق . أولئك هم حطب جهنم .. نعوذ بالله من الغفلة

فياعبد الله يا من تنام عن الصلوات المكتوبات يامن تؤخر الظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء والفجر إلى مابعد طلوع الشمس إلى متى الغفلة؟ إلى متى الغفلة؟ أما قرع قلبك وعيد الله : ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون؟



وياعبد الله يا من تظلم الخلق وتأكل حقوق الناس بالباطل إلى متى الغفلة؟

يا من تأكل الربا وتستحل الحرام إلى متى الغفلة؟

ويا من تطلق بصرك في الحرام وتقلب نظرك في وجوه الحسان إلى متى الغفلة؟

يا من أرخيت سمعك للمعازف وتعلق قلبك بالطرب وسماع الغناء إلى متى الغفلة؟

ويا من خلا قلبه من ذكر الله وسماع كلام الله إلى متى الغفلة؟ يامن هجرت كتاب الله متى تعود إليه؟

ويا من تقرأ هذا الكلام وتعترف كما أعترف أنا بالتقصير دعني اسأل نفسي واسألك إلى متى الغفلة؟


اللهم إنا نسألك التوبة والعودة إليك ، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً . اللهم أيقظ قلوبنا من غفلتها، اللهم لاتجعل الدنيا أكبر همنا ولامبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا. اللهم حرم جلودنا وأجسادنا على النار
وإلى اللقاء مع وقفة أخرى مع آية من كتاب إلى كتاب الله

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

rocketcompu
08-06-2008, 08:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

في ظلال آية . . . متجدد


السلام عليكم إخوتي الكرام

هذا أول موضوع لي بين أيديكم


http://www.al-wfa.com/vb/imgcache/1181644336_get-6-2007-nii0wfek.jpg




في ظـلال آية ... لحـظـات إيمانية
في ظـلال آية ... إلتفاتة إلى كتاب الله
في ظـلال آية ... تفكـرفي كلام الله


في ظلال آية ... لتطمئن القلوب الحائرة بذكر الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ... وترسو النفوس الحائرة على شواطيء الإيمان الآمنة.
في ظـلال آية ... جرعة إيمانية يومية (أو شبه يومية) نتناول فيها آية من كتاب الله نتفيأ ظلالها الوارفة ونستنير بهديها المنير ونسير على صراطها القويم ونتفكر في معانيها السامية ومضامينها الإيمانية... نقرأ كلام المفسرين حولها لنفهم مراد الله منها فليس كمثل كلام كلام وليس بعد بيانه بيان.
على بركة الله نبدأ ... والله ولي التوفيق
ان هذا المنتدي اجمل واروع منتدي رايته

سيد عبدالعال
09-06-2008, 05:39 AM
الاخوات المحترمات
الاخوه الاكارم
السلام عليكم ورحمته وبركاته
اننى من قسم الصدفيه ولقد طلبت المراقبه العامه ملاك النور منا المشاركه فى باقى المنتديات وقررت ان اتجول في المنتديات وما شاء الله لاقوه الا بالله كثيره وقيمه وهذا القسم على وجه الخصوص فاليوم احييكم وقريبا أأتيكم بمشاركات وتواجد مفيد
بارك الله فيكم جميعا
مهندس مدنى/ سيد عبدالعال
قسم الصدفيه
9/6/2008

لنا الله
09-06-2008, 11:58 PM
جزاكما الله خيرا أخوتي لمروركم
ونفعنا الله وإياكم بالقرآن الكريم وأهله

لنا الله
09-06-2008, 11:59 PM
قال الله تعالى: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لايحتسب)


هذا كلام الله تعالى الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وليس قول أحد من البشر، وهو سبحانه وتعالى إذا قال فإن قوله الحق. هذه الآية العظيمة جاءت على سياق شرطي فعل شرط وجواب شرط: من يتق الله يكون جزاؤه أن يجعل الله له مخرجاً وأيضاً يرزقه من حيث لايعلم ولايحتسب. فمتى ماتحقق فعل الشرط وهو التقوى تحقق جوابه وجزاؤه. وياله من جزاء عظيم ومكسب كبير ولكن كيف الطريق إلى التقوى أيها الأخوة؟ بل ماهي التقوى أولاً؟ إنها بعبارة مختصرة :

كلمة جامعة لكل خير، هي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه والوقوف عند حدوده.


لذا كانت التقوى هي وصية الله للأولين والآخرين ووصية كل رسول لقومه إن اتقوا الله لأن فيها السعادة في الدنيا والآخرة وفيها النجاة والمخرج من الشدائد والأزمات.

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بها الصحابي الجليل أبا ذر رضي الله عنه فقال له:" اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". والتقوى لاتتقيد بمكان ولازمان ولكن المحك الحقيقي لها في الخلوات فالتقي هو من يصرف بصره عن الحرام ولو لم يره أحد والتقي من يتعفف عن أكل الحرام ولو لم يطلع عليه أحد لأنه يعلم علم اليقين أن الله يراه ولأن مراقبة الله وتقوى الله حاضرة في ذهنه في كل حين .

والتقوى موضعها القلب يقول صلى الله عليه وسلم: التقوى هاهنا ويشير إلى صدره" وتظهر آثارها على الجوارح بعمل الطاعات وإجتناب المحرمات.
فليفتش كل منا عن تقواه وليزن نفسه بميزان التقوى فعلى قدر تقواه وخوفه من الله وخشيته له يكون إيمانه.


اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم أت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


وإلى اللقاء مع وقفة قادمة مع آية أخرى من كتاب الله

لنا الله
10-06-2008, 04:07 PM
قال الله تعالى " زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)". آل عمران



في هذه الآية العظيمة مقارنة لطيفة بين متاع زائل وبين نعيم دائم ، بين دنيا فانية وأخرى باقية، إنه امتحان ولكنه مكشوف الأوراق ومحدد النتائج ، أمامك اختياران الأول: متاع الحياة الدنيا والثاني: التقوى (للذين اتقوا). والأمر لايحتاج إلى كثير تفكير فأي عاقل لابد أن يختار الخيار الثاني لأن النتيجة هي: جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها، وأزواج مطهرة، ورضوان من الله .

أفهذا خير أم متاع زائل وشهوة عابرة ونشوة زائلة؟! ولكن بما أن المسألة بهذا الوضوح فلماذا يفشل كثير من الناس في هذا الإمتحان؟ لابد أن في الأمر سر. والسر هو في أول كلمة في الآية : زين . فمن المزين ولماذا هذا التزين؟


يرى بعض المفسرين أن المزين هو الشيطان وذلك بوسوسته للإنسان وتحسنه الميل لهذه الشهوات، قالوا ويؤيد ذلك قوله تعالى: "وزين لهم الشيطان أعمالهم.." ويرى البعض أن المزين هو الله تعالى وذلك للإمتحان والإبتلاء، ليظهرعبد الشهوة والهوى من عبد الله ويؤيد ذلك قوله تعالى: "إنا جعلنا ماعلى الأرض زينة لهم لنبلوهم أيهم أحسن عملاً" وكلا القولين له وجه.


ومن رحمة الله بنا أنه لم ينهنا عن التمتع بتلك الشهوات بالكلية ولكنه نهانا عن أن نتعلق بها فتشغلنا عن العمل للآخرة ونهانا عن أن نؤثر حبها على حب الله والدار الآخرة فتعمي أبصارنا وتطغينا فنتجاوز حدود الله ونرتكب الآثام من أجلها ونبيع ديننا لتحصيلها.قال تعالى : " فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى".

ولفتة أخيرة وهي أن في تعداد هذه الشهوات دون غيرها وبالترتيب الوارد في الآية الكريمة لفت نظر لنا وتأكيد على خطر هذه الشهوات المعددة في الآية لنتنبه لها ونحذر منها أشد من غيرها وهي : النساء، والأبناء، والذهب، والفضة، والخيل الأصيلة، والإبل، والبقر، والغنم، والحرث، والزرع.



فاللهم لاتجعل الدنيا أكبر همنا ولامبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا واجعل الجنة هي دارنا ومآلنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


وإلى اللقاء في ظلال آية أخرى

لنا الله
11-06-2008, 01:53 PM
قال الله عز وجل "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" ـ البقرة:186



يسألك العباد عن رب العباد فلا تجبهم بوصف ذات أو تعداد صفات، إنه ربهم يرد عليهم بنفسه يأتيهم الجواب ممن سألوا عنه (فإني قريب) يختار هذه الصفة دون غيرها ليهدهد العقول الحائرة ، ويُطمئِن القلوب الخائفة ، ويستدعي النفوس الشاردة
هو منهم قريب يجدونه في أي وقت احتاجوا إليه، فليخلصوا قصدهم ويتجهوا لخالقهم أنى كانوا، يدعونه ويرجونه، يناجونه بأعذب الألفاظ الصادقة، يسكبون عبراتهم في رحابه، ويصبون آلامهم معها ناثرين بين يديه وحده شكواهم

(فإني قريب) الموضع الوحيد الذي جاء فيه الرد على السؤال بلا واسطة، ففي غيرها من الآيات يكون الجواب: قل كذا. أما هنا فرب العباد يجيب بنفسه، ونرى الفاء الرابطة تصل الجواب بالسؤال، والتعبير (إني قريب) جاء بالجملة الاسمية الدالة على الثبات فهذا حاله دوما (القرب منا) فليكن حالنا دوما (القرب منه ودعاؤه والاستجابة له والإيمان به.


لقد وصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم باب القرب من الله تبارك وتعالى فجعل مفتاحه فعل الفرائض وجعل اتساعه بالإكثار من النوافل وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة ( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب علي بالنوافل حتى أحبه) فهذا أوسع أبواب القرب من الله رب العالمين وباب آخر يجعل العبد قريباً من ربه تبارك وتعالى هو باب الإحسان

.
واعلم كذلك أخي عبد الله أن من أوسع أبواب القرب من الله اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا بحب الله تبارك وتعالى لنكون قريبين من الرضوان ولنتعرض لنفحات الرحمن ((إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)) والحب والخوف من الله تبارك وتعالى بابان من أبواب القرب ، فقد قال الله تعالى ((ولمن خاف مقام ربه جنتان)).


فاجمع أخي الكريم بين الحرص على الطاعات والإكثار من النوافل وارق إلى مقام الإحسان وابذل من قلبك لربك عز وجل خوفاً ورجاء وذق حلاوة القرب من رب العالمين أذاقني الله وإياك هذا المقام بمنه وفضله وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها اللهم آمين


أسأل الله تبارك وتعالى أن يقربنا من رحابه وأن يرزقنا من جناته وأن يجعلنا من الذين يمتعهم بالنظر إلى وجهه الكريم اللهم آمين يا رب العالمين.

وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبة أجمعين

لنا الله
12-06-2008, 11:26 PM
احبتي في الله ... هنا سنعرض مقتطفات مأخوذة من القرآن الكريم سنقوم بتوضيحها وشرحها قدر الامكان ... كي تكون لنا نوراً يضىء طريقنا .... وتنور بصيرتنا وعقولنا ... علنا نفوز برضا الله جل وعلا والجنة ... والله الموفق



ما دلالة ربط القمح بالانفاق في الآية 261 من سورة البقرة (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)) وما وجه الشبه بينهما؟


1. الأرض تعطي أكثر مما تأخذ وتعطي أضعاف ما تعطيها فتزرع حبة وتعطيك الأرض سنابل عديدة ومئات الحبات. ولو تعاملت مع الله تعالى ستأخذ أكثر مما تُعطي.
2. التزم الصبر فلو أعطيت الفقراء اصبر على العطاء كما يصبر الفلاح على البذرة حتى تُعطي.
3. لو خزّنت قمحاً وأخذت منه مقدار كيل وبذرته في الأرض يكون الأمر بظاهره نقص في كمية القمح المخزون لكن لو نظرت إلى النتيجة ستجد أن القمع الذي بذرته أنتج لك الكثير وكذلك الصدقات وإن كان في ظاهرها قد تدل على نقص في أصل المال إلا أن المضاعفة عند الله تعالى هي أكبر بكثير مما أُخذ ولهذا علينا أن ننتبه إلى أن الأمور لا تؤخذ بظواهرها وإنما ببواطنها.
4. إذا كانت الأرض التي هي من مخلوقات الله تعالى أعطت الكثير لمن بذر فيها القليل فكيف بخالق الأرض رب العالمين وكيف بكَرَمه سبحانه وتعالى فإذا كان المخلوق كريماً فما بالنا بخالق الخلق كيف يكون كرمه سبحانه وتعالى؟
5. الله تعالى يعطينا مثلاً في الخير والنماء فالأرض تعطي من لا تعرفه بمجرد أن يبذر فيها الحب وهذه دعوة للناس باستمرار الخير وإعطاء الأقارب والجيران حتى يستمر التواصل والعطاء والخير بين البشر كما هو بين الأرض والبشر وهذا يكون بالانفاق والصدقات بين البشر .

لنا الله
14-06-2008, 09:12 PM
الفرق بين (حقاً على المحسنين) و(حقاً على المتقين)


الفرق بين قوله تعالى (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)) وقوله تعالى (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)) في سورة البقرة



الآية الأولى هي في حالة المرأة المعقود عليها وطُلّقت قبل أن يتم الدخول بها لأو لم تُفرض لهم فريضة أي لم يحدد مهرها أما الآية الثانية فهي في حالة المرأة التي عُقد عليه ثم طُلّقت وقد تم الدخول بها.
ففي الحالة الأولى الرجل طلّق المرأة لكنه لم يدخل بها ولم يستفد منها أو يتمتّع بها ولم يحصل بينهما مسيس فلمّا يدفع النفقة يكون هذا من باب الإحسان والقرآن الكريم لم يحدد القدر بل تركه مفتوحاً كلُ حسب سعته لذا خُتمت الآية بقوله تعالى (حقاً على المحسنين) بينما لو دخل عليها واختلى بها وحدث المسيس وخدمته وأسعدته ثم طلّقها فيدفع لها ولو لم يدفع لها سيدخل النار لذا ختمت الآية بـ (حقاً على المتقين) الذين يتّقون العذاب يوم القيامة.
وهذا يدل على ان البناء القرآني متماسك في اللفظ.
كلمة حقاّ تعني حق حققه القرآن للمرأة وليس لأحد أن يتجاوزه ولا تقول المرأة لا أريده إنما تأخذه وتتصدق به إن شاءت.

لنا الله
15-06-2008, 06:01 PM
ما الفرق بين الضرر والأذى؟


قال تعالى في سورة آل عمران (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111))


والكلام في الآية موجه للمؤمنين عن الفاسقين الذين كفروا برسول الله مع علمهم بصدقه وصدق رسالته ونبوته . الأذى هو نوع من أنواع الضرر والضرر نوعان ضرر قاصر وضرر متعدّي فلو شرب أحدهم خمراً يكون قد أضر نفسه فهذا ضرر قاصر اقتصر على الشخص نفسه أما أن يدخّن الانسان بين الناس فهذا ضرر متعدي للغير وهو ضِرار كما جاء في الحديث الشريف "لا ضرر ولا ضِرار"

ينقسم الضرر من حيث التأثير إلى قسمين ضرر قاصر وضرر متعدي ومن حيث مفعوله ينقسم إلى قسمين أيضاً ضرر مؤقت وضرر بائن والضرر المؤقت هو الذي يستمر لفترة زمنية بسيطة أما الضرر البائن فهو الذي يستمر مفعوله لوقت طويل. والضرر المؤقت هو ما يسمى إيذاء أو أذى أما الضرر البائن فهو الضرر الحقيقي المقصود في اللغة. فلو كان الإيلام مؤقتاً يسمى إيذاء وإن كان دائماً يسمى ضرراً لأنه يدوم وقتاً أطول.

وقد استعمل القرآن الكريم كلمة أذى استعمالاً دقيقاً فقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) الاحزاب) النظرة تؤذي لأنها مؤقتة غير دائمة.
، وقال تعالى في سورة الأحزاب أيضاً (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)) فمجرد أذى الرسول يستوجب لعنة الله تعالى في الدنيا والآخرة ولهم عذاب مهين جزاء إيذائهم للرسول .

وقال تعالى في سورة البقرة (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)) (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262))

وفي سورة النساء (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)) وفي آية سورة آل عمران (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111))

فالآية تدل على أن ما يسمعه المؤمنون من الفاسقين هو ليس إلا أذى كلامياً فقط وليس ضرراً لأنهم مؤمنون متمسكون بإيمانهم والخطاب في الآية هو للمؤمنين أما غير المؤمنين فلن يكون ضرر الفاسقين أذى بالنسبة لهم.

لنا الله
18-06-2008, 10:36 PM
لماذا عبّر تعالى بكلمة الفاسقين بدل الكافرين


في قوله تعالى (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) آل عمران)؟
قال تعالى في سورة آل عمران (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110))



نعلم أن المؤمنين يقابلهم الكافرون ولكن الله تعالى استخدم لفظ (الفاسقين) في مقابل المؤمنين في الآية . المؤمن عكسها كافر وطائع عكسها فاسق. وكما أن الإيمان مراحل اسلام، إيمان، تقوى، إحسان، اطمئنان كذلك الكفر مراحل. وكلمة كافر تُطلق على واحد من ثلاثة أنواع:
ملحد وهو الذي لا يؤمن بوجود إله
مشرك وهو الذي يؤمن بوجود الله ولكنه يُشرك معه إلهاً آخر
وكافر وهو الذي يؤمن بوجود إله واحد لكنه يرفض عبادته وتصديق ما بعثه إلى رسله.
ابليس عليه لعنة الله تعالى كان يعترف بوجود الله الواحد لكنه رفض أوامر الله تعالى وعصاه (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) البقرة).
والكفر إما أن يكون عن جهالة ويقال لصاحبه كافر أصلي وإما أن يكون عن علم كأن يكون مؤمناً ثم يكفر مثل ابليس ويقال لصاحبه فاسق (فسق اشتقت من فسقت النواة من التمرة إذا خرجت منها بمعنى كانت فيها ثم خرجت منها) فالخارج من منهج الله تعالى يسمى فاسق (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) الكهف) فالفاسق هو أسوأ أنواع الكفار.
إذن من حيث العقيدة هناك كافر ومشرك وملحد ومن حيث الأصل هناك كافر أصلي وكافر فاسق ومن حيث إعلان الكفر هناك كافر صريح ومنافق.
وقوله تعالى (منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقين) الآية تتحدث عن الذين كانوا يعرفون علامات الرسول من كتبهم ويعرفون صفاته في التوراة والانجيل ثم حرّفوها وكتموا عليها فأولئك كفروا وهم يعلمون أن الرسول حق من قبل أن يُبعث وكفروا به بعد البعثة فكان من الأنسب استخدام لفظ الفاسقين بدل الكافرين فسبحان الله تعالى ما أعظم هذا القرآن وما أعظم هذه اللغة التي بهاا نزل

لنا الله
19-06-2008, 07:36 PM
لماذا وردت آية الحفاظ على الصلاة بين آيات الطلاق؟


قال تعالى في سورة البقرة (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238))


العلماء وقفوا متعجبين لماذا ذكرت الصلاة والحفاظ عليها بين آيات الأحوال الشخصية والأقوال اختلفت بين:
أن الذي لا يحافظ على صلاته لن يحفظ زوجته وهذه اشارة لكل أبٍ يتقدم لابنته خاطب أن يتحرى أنه لا يضيع الصلاة أو رب العالمين من قلبه لأنه بهذا يكمئن أن هذا الرجل لن يضيّع ابنته. قال عمر بن الخطاب: إذا كان المرء للصلاة مضيّعاً فلغيرها أضيع. فمن ليس فيه خير لربّه فكيف يكون فيه خير لغيره؟
وبعض العلماء يقولون إنها جملة اعتراضية.


ولقد وردت آية الحثّ على الصلاة في سورة البقرة ثلاث مرات:
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)) بين آيات خطاب بني اسرائيل.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153))
(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)) بين آيات الأحوال الشخصية



فلماذا يصرّ القرآن على وضع الصلاة بين هذه الآيات؟ هذا له معنى واحد وهو أنه لن تقوم للإنسان علاقة بالله تعالى إلا عن طريق الصلاة لأن الصلاة:
الصلاة تعلّم الانسان على الانضباط واللع تعالى يريد أن يتعلم الناس الانضباط في حياتهم الزوجية قلا قيام لهذا الانضباط إلا بالانضباط في الصلاة.

أُمِر الانسان بالمحافظة عليها فالذي يحافظ عليها سيحافظ على زوجته.
الصلاة بركة تملأ المكان والعقل والجسد والله تعالى يريد للجسدين المتقاربين أي الزوج والزوجة أن تعمّهما بركة الصلاة.
الصلاة صِلة بين العبد وربّه وعقدة الزواج علاقة بين ثلاثة أطراف : الله تعالى والزوج والزوجة.
الصلاة فيها خشوع والله تعالى يريد أن لا يتجبّر الزوج على زوجته.
الصلاة فيها خضوع والله تعالى يريد من الزوجة أن تخضع لزوجها.
الصلاة فيها استغفار والله تعالى يريد لكل من الزوجين أن يغفر للآخر.

فالصلاة إذن فيها كل شيء وحياة زوجية بلا صلاة لا خير فيها ويجب أن تكون العلاقة بين الزوجين مبنية على الدين والصلاة هي أساس الدين وعلاقة بدون صلاة يعني علاقة بدون طهارة وعلاقة فيها بُعد عن الله تعالى. وفي الحديث الشريف: " رحِم الله امرأة قامت إلى زوجها فأيقظته فتأبّى عليها فنضحت وجهه بالماء فباتا الليلة وقد غفر الله لهما".

فيجب العودة إلى الله تعالى حتى تعود البركة على حياة الناس. والله تعالى في آية المحافظة على الصلاة يلفت نظرنا ويرشد الأُسر إلى أنه من أراد أن يبارك الله تعالى في حياته فعليه بالمحافظة على الصلاة وهل الذي يمشي مكبّاً على وجهه أهدى أم الذي يمشي سوياً على صراط مستقيم؟ (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) الملك)

ولقد شُبّهت الصلاة بعمود الخيمة " الصلاة عماد الدين" وفي رواية أخرى " الصلاة عمود الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين" "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" والعلماء انقسموا في حُكم تارك الصلاة فمنهم من قال من تركها متعمّداً منكراً لها فقد كفر أما من تركها متكاسلاً فهو فاسق وسواء كان فاسقاً أو كافراً فكلاهما في خطر. وعلى الانسان أن لا يسوّف ويبادر إلى الصلاة لأننا بغيرها نكون بلا قيمة فهي التي تحفظنا.

جمع الصلوات (حافظوا على الصلوات) وإفرادها (والصلاة الوسطى)

الصلاة أهم ركن ولها ثلاثة أحوال وعلى هذه الأحوال يترتب العقاب:

شخص غير معترف بالصلاة حُكمه كافر خارج عن المِلّة عقابه جهنم (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) النبأ)

شخص معترف بالصلاة لكنه متكاسل عنها حُكمه فاسق أو عاصي وعقابه في الآخرة سقر وهو واد في جهنم (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) المدثر)

شخص يصلي ويسهى ويصلي فرضاً ويترك آخر أو يجمع كل الصلوات في وقت واحد أو يؤديها متقطعة عقابه في الآخرة ويل وهو واد في جهنم (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الماعون).

فترك الصلاة عاقبته وخيمة وأمره خطير جداً والرسول لن يشفع يوم القيامة لتارك الصلاة وإنما سيشفع لمن استحق الشفاعة ولن تنفع تارك الصلاة شفاعة الشهداء والصديقين والصالحين (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)) فعلى كل تارك للصلاة أن يبادر ويسارع بالتوبة ويبتعد عن التسويف لأن الأمر في منتهى الخطورة "اغتنموا خمساً قبل خمس: صحتك قبل مرضك، حياتك قبل موتك، فلاغك قبل شغلك، شبابك قبل هرمك، دنياك قبل آخرتك"

والناس يوم القيامة ستندم على ساعة مرت عليهم لم يذكروا الله تعالى أو يقوموا بعبادة لله أو يتنافسوا في طاعة الله وفي الحديث عن رسول الله " ما من أحد مات إلا ندم قالوا وما ندامته يا رسول الله؟ قال يندم المسيء على إساءته ويندم المحسن على أنه لم يستزد من إحسانه".

ويقول تعالى في الحديث القدسي : " يا ابن آدم خلقتك بيدي وربّيتك بنعمتي وأنت تهجرني وتعصيني فإن هجرتني وعصيتني حلمت عليك حتى تتوب لإن تبت إلي قبلتك فإن قبلتك غفرت لك فإن غفرت لك أدخلتك الجنة وأنجيتك من النار فمن أين تجد لك رباً مثلي وأنا الغفور الرحيم".
الذي لا يصلي لا يؤتمن على زوجته وعائلته وأولاده.




اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني
اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك

لنا الله
21-06-2008, 08:05 PM
ما الفرق بين الكتاب والحُكم والنبوة؟


قال تعالى في سورة آل عمران (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79))


يؤتيه تدل على أن الإيتاء هو المنحة التي تُؤتى للمؤتى إليه من المؤتي والذي يسري على آدم يسري على سائر الأنبياء والقرآن الكريم أوضح أن النبي لا بد أن يكون بشراً لأن هذا أمر ضروري لأنه لو لم يكن بشراً لبطُلت القدوة (ما كان لبشر) ولا بد أيضاً من أن يكون من نفس جنس البشر (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ)
فالفارق ليس في بشريته وإنما بالوحي إليه والمِنح والعطايا هي من الله تعالى يؤتيها من يشاء من خلقه والاعجازات النبوية لا تخضع للمقياس البشري.
الكتاب: الله تعالى قد يُرسل كتاباً من عنده على أحد الأنبياء وهو الوحي مطلقاً سواء كان مكتوباً أو غير مكتوب ويُطلق على الأجل (كتاباً مؤجلاً) ويُطلق على القانون الثابت (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا) ويُطلق على الوحي (الكتاب والحُكم) بدأ بالكتاب تعبيراً عن الوحي ويطلق على القرآن (ذلك الكتاب ريب فيه) فالكتاب يقصد منه الوحي بشكل عام
وقيل كتاب أحد الأنبياء كما ذهب بعض المفسرين أنه الانجيل كتاب الله تعالى لعيسى وقيل أن الكتاب في الآية المقصود به القرآن لأن بعض الصحابة أرادوا أن يعظّموا الرسول ويسجدوا له وأرادوا المبالغة فقال "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله" فنزلت الآية. وسواء كان المعنى المقصود من الكتاب الانجيل فالآية ترد على النصارى الذين الّهوا المسيح عيسى ابن مريم وإن كان يعني الوحي فالآية تبين القانون الذي أوضحه الله تعالى فيه.
الحُكم: تشمل الحكمة لأن الحُكم هو أن ينزل الأمر في منزلته الصحيحة ومنها إحكام اقفال القارورة وإحكام الغطاء والمُحكم هو الذي لا يسمح بأي تسرّب أي الحكمة ومنه الحُكم. والحكمة وضع الأمر من نصابه الصحيح (ويعلمه الكتاب والحكمة) أي السُنّة الصحيحة.
النبوة: نبي أي نُبئ والنبأ العظيم هو الخبر إذا نزل على واحد من خلق الله تعالى. عندما يوحي تعالى على بشر نُبئ يتحول الى نبي فإذا كُلِّف بالتبليغ للناس أصبح رسولاً. . ولهذا كل رسول نبي وليس كل نبي رسول وعدد الأنبياء المرسلين 25 نبي رسول أما عدد الأنبياء غير المرسلين فغير محدود. من ضمن مهام الأنبياء نصرة الرسل وتأكيد نبوتهم والتطبيق العملي لما يُكلّف به الرسل.

لنا الله
23-06-2008, 09:57 PM
ما الحكمة من ترتيب أفراد الأسرة في سورة عبس وفي سورة المعارج ؟


قال تعالى : ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) سورة عبس
وقال تعالى : ( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ) سورة المعارج



ما الحكمة من ترتيب أعضاء الأسرة ؟ مثلا في الآية الأولى قدّم الصاحبة على البنيين ، وفي الثانية قدم البنين على الصاحبة .

في آية المعارج ( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ )
قال ابن جرير رحمه الله في آية المعارج : بدأ جلّ ثناؤه بِذِكر البنين ، ثم الصاحبة ، ثم الأخ ، إعلاما منه عباده أن الكافر من عظيم ما ينزل به يومئذ من البلاء يفتدي نفسه لو وَجَد إلى ذلك سبيلاً بأحبّ الناس إليه كان في الدنيا ، وأقربهم إليه نسبا .


وفي آية عبس ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ )
قال ابن جرير أيضا : ويعني بقوله : ( يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ) يفرّ عن أخيه وأمه وأبيه ، ( وَصَاحِبَتِهِ ) يعني زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ، ( وَبَنِيهِ ) حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التبعات والمظالم . وقال بعضهم : معنى قوله ( يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ) يفرّ عن أخيه لئلا يراه وما ينـزل به .


سبب هذا الترتيب في آية المعارج قدّم ذِكر البنين ، مع أنه موضع مُفاداة ؛ لأن الإنسان في الدنيا مُستعدّ لبذل الغالي والنفيس بل والتضحية بنفسه دون أبنائه ، ومع ذلك فإنه يوم القيامة يودّ ويتمنّى لو افتدى نفسه بهم عكس ما كان في الدنيا .

وفي آية عبس قَـدّم الأخ في موضع الفرار منه لأن الإنسان في الدنيا إذا نزل به ما يكره أو نـزلت به ضائقة وما أشبهها فزع إلى أخيه أو إلى إخوانه ، ومع ذلك في ذلك اليوم العصيب يفرّ المرء من أخيه لا إليه .
والله تعالى أعلى وأعلم

أبلة ناديا
23-06-2008, 11:40 PM
السلام عليكم ورحمة الله
مشكور عن المجهود الجبار الذي تقوم به
نفعك الله به

http://www.majdah.com/vb/uploaded2/32578_1156964871.gif

لنا الله
24-06-2008, 07:12 PM
جزاكم الله خيرا أختي الكريمة لمروركم

ونفعنا الله وإياكم بالقرآن وأهله

لنا الله
24-06-2008, 07:13 PM
دلالة كلمة قيام في قوله تعالى (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)


قنت في اللغة تعني خشع (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) آل عمران) ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) النحل))

أما قنط فهي تعني يئس (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر)



وقد عبّر تعالى عن الصلاة يالقيام لأنها بداية الصلاة وفيها تكبيرة الاحرام وابتداء الصلاة إنما يعبّر عن إدراك الركعة بالركوع وعبّر عن الخشوع والدعاء والاقتراب بالسجود لأن أقرب الحالات في الصلاة السجود (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)

في سورة آل عمران قال تعالى في زكريا (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) وقال (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)) والرسول يقول "صلّ قائماً فإن لم تقدر فقاعداً فإن لم تقدر فمضطجعاً".

قوموا: جاءت وراء الصلاة ولم يختر سبحانه الركوع أو السجود لأن كلمة قيام تتناسب مع قيام الرجل على بيته وأهله (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)(النساء) قوامون أي قائمين بالحفاظ على شؤونهم وخدمة أمورهم والصلاة تحتاج إلى رعاية ومتابعة فكما أمرنا الله تعالى بالحفاظ على نسائنا أمرنا بالحفاظ على الصلاة وهذا من تناسق القرآن الكريم.


فعندما ترى زوجاً قانتاً خاشعاً لا يمكن أن يكون جباراً على زوجته وإن لم يكن وهذه منتشرة بيننا يكون هذا الخاشع القانت لم يستوفي صلاته (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)) فلو صلّى حقيقة ما تجاسر على زوجته أو تكبّر وتجبّر.

قال تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) البقرة)
يفترض القرآن كل الحالات: رجالاً أي يمشون على أرجلهم وركباناً أي على الدواب. والله تعالى فرض صلاة الخوف ولا يهم استقبال القبلة فيها أو الركوع أو السجود لأنها حالة خوف ولو حصل الأمن يصلوا كما فرض عليهم في حالة الأمن.


والقرآن يذكر حالة صلاة الخوف (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) النساء)

ولا يوجد تناقض بين الآيتين لأن آية سورة البقرة نزلت في أول الأمر ففرض الله تعالى صلاة الخوف انفرادياً وبعد ذلك أوجب الجماعة حتى في حالة المعركة كما في آية سورة النساء. والصلاة عموماً وفي الأصل جماعية بدليل قول (إهدنا الصراط المستقيم) بصيغة الجمع.


وصلاة الجماعة هي غير صلاة الفرد والعلماء يقولون أن صلاة الفرد هي مخالفة للشريعة ويأثم الذي يصلي منفرداً في بيته بدون عذر من مطر أو مرض. ففي آية سورة النساء شرع الله تعالى الصلاة على دفعات دفعة تصلي وأخرى تحمي وتحرس ثم يتبادلون. وبعض المفسرين قالوا هناك حالتين حالة يتعذر فيها الجماعة وهي عند الاشتباك فيصلوا (رجالاً أو ركباناً) منفردين فإذا أمنتم يعود لحالة الجمع, وبعض العلماء يقول أنه من صلّى صلاة الخوف عليه أن يعيدها لأنه فقد من مقومات الصلاة وهي هيئة الصلاة.

لنا الله
26-06-2008, 11:04 PM
من سيبكي عليك اذا وافتك المنية؟؟


يقول الله سبحانه وتعالى حين أهلك قوم فرعون:
(فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ)


روى ابن جرير في تفسيره عن بن عباس رضي الله عنه في هذه الآية:
أن رجلاً قال له: يا أبا العباس رأيت قول الله تعالى :
"فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين "
فهل تبكي السماء والأرض على أحد ؟

فقال رضي الله عنه : نعم إنه ليس أحدٌ من الخلائق إلا وله باب

في السماء منه ينزل رزقه ومنه يصعد عمله

فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد به عمله

وينزل منه رزقه فقد بكى عليه..

وإذا فقده مصلاه في الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله عز وجل فيها بكت عليه.

قال ابن عباس : أن الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً .
فقلت له: أتبكي الأرض ؟
قال: أتعجب؟!!!

وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود...
وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها كدوي النحل...
وحين تعمر مكانك وغرفتك بصلاة وذكر وتلاوة كتاب الله عز وجل

فهي ستبكي عليك يوم تفارقها قريباً أوبعيدا...
فسيفقدك بيتك وغرفتك التي كنت تأوي إليها سنين عدداً ستفقدك عاجلاً أو آجلاً..

فهل يا تــــــــرى ستبكـــــي عليييييك ؟؟

لنا الله
27-06-2008, 08:43 PM
http://al-sharg.com/vb/uploaded/10505_1153837419.jpg



بسم الله الرحمن الرحيم

من روائع سورة الكهف

بقلم عبد الدائم الكحيل


على يقين بأن معجزات القرآن لا تنفصل عن بعضها. فالإعجاز العددي تابع للإعجاز البياني، وكلاهما يقوم على الحروف والكلمات. وقد تقودنا معاني الآيات إلى اكتشاف معجزة عددية! وهذا ما نجده في قصة أصحاب الكهف، فجميعنا يعلم بأن أصحاب الكهف قد لبثوا في كهفهم 309 سنوات. وهذا بنص القرآن الكريم, يقول تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) (الكهف: 25).



فالقصة تبدأ بقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً......) (الكهف: 9-13).

وتنتهي عند قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً* قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) (الكهف:25-26).

والسؤال: هل هنالك علاقة بين عدد السنوات التي لبثها أصحاب الكهف، وبين عدد كلمات النص القرآني؟ وبما أننا نستدلّ على الزمن بالكلمة فلا بد أن نبدأ وننتهي بكلمة تدل على زمن. وبما أننا نريد أن نعرف مدة ما (لبثوا) إذن فالسرّ يكمن في هذه الكلمة.
فلو تأملنا النص القرآني الكريم منذ بداية القصة وحتى نهايتها، فإننا نجد أن الإشارة القرآنية الزمنية تبدأ بكلمة (لبثوا) وتنتهي بالكلمة ذاتها، أي كلمة(لبثوا).
والعجيب جداً أننا إذا قمنا بعدّ الكلمات مع عد واو العطف كلمة مستقلة، من كلمة (لبثوا) الأولى وحتى كلمة (لبثوا) الأخيرة، فسوف نجد بالتمام والكمال 309 كلمات بعدد السنوات التي لبثها أصحاب الكهف!!!

وهذا هو النص القرآني لمن أحب التأكد من صدق هذه الحقيقة:


إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً{10} فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً{11} ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا
لَبِثُوا*أَمَداً*نَحْنُ*نَقُصُّ*عَلَيْكَ*نَبَأَهُم *بِالْحَ قِّ*إِنَّهُمْ*فِتْيَةٌ*آمَنُوا*10
بِرَبِّهِمْ*وَ*زِدْنَاهُمْ*هُدًى*و*رَبَطْنَا*عَلَى *قُلُوبِهِمْ*إِذْ*قَامُوا*20
فَقَالُوا*رَبُّنَا*رَبُّ*السَّمَاوَاتِ*وَ*الْأَرْض ِ*لَن*نَّدْعُوَ*مِن*دُونِهِ*30
إِلَهاً*لَقَدْ*قُلْنَا*إِذاً*شَطَطاً*هَؤُلَاء*قَوْ مُنَا*اتَّخَذُوا*مِن*دُونِهِ*40
آلِهَةً*لَّوْلَا*يَأْتُونَ*عَلَيْهِم*بِسُلْطَانٍ*ب َيِّنٍ*فَمَنْ*أَظْلَمُ*مِمَّنِ*افْتَرَى*50
عَلَى*اللَّهِ*كَذِباً*وَ*إِذِ*اعْتَزَلْتُمُوهُمْ*و َ*مَا*يَعْبُدُونَ*إِلَّا*60
اللَّهَ*فَأْوُوا*إِلَى*الْكَهْفِ*يَنشُرْ*لَكُمْ*رَ بُّكُم*مِّن*رَّحمته*و*70
يُهَيِّئْ*لَكُم*مِّنْ*أَمْرِكُم*مِّرْفَقاً*وَ*تَرَ ى*الشَّمْسَ*إِذَا*طَلَعَت*80
تَّزَاوَرُ*عَن*كَهْفِهِمْ*ذَاتَ*الْيَمِينِ*وَ*إِذَ ا*غَرَبَت*تَّقْرِضُهُمْ*ذَاتَ*90
الشِّمَالِ*وَ*هُمْ*فِي*فَجْوَةٍ*مِّنْهُ*ذَلِكَ*مِن ْ*آيَاتِ*اللَّهِ*100
مَن*يَهْدِ*اللَّهُ*فَهُوَ*الْمُهْتَدِ*وَ*مَن*يُضْل ِلْ*فَلَن*تَجِدَ*110
لَهُ*وَلِيّاً*مُّرْشِداً*وَ*تَحْسَبُهُمْ*أَيْقَاظا ً*وَ*هُمْ*رُقُودٌ*وَ*120
نُقَلِّبُهُمْ*ذَاتَ*الْيَمِينِ*وَ*ذَاتَ*الشِّمَالِ *وَ*كَلْبُهُم*بَاسِطٌ*ذِرَاعَيْهِ*130
بِالْوَصِيدِ*لَوِ*اطَّلَعْتَ*عَلَيْهِمْ*لَوَلَّيْت َ*مِنْهُمْ*فِرَاراً*وَ*لَمُلِئْتَ*مِنْهُمْ*140
رُعْباً*وَ*كَذَلِكَ*بَعَثْنَاهُمْ*لِيَتَسَاءلُوا*ب َيْنَهُمْ*قَالَ*قَائِلٌ*مِّنْهُمْ*كَمْ*150
لَبِثْتُمْ*قَالُوا*لَبِثْنَا*يَوْماً*أَوْ*بَعْضَ*ي َوْمٍ*قَالُوا*رَبُّكُمْ*أَعْلَمُ*160
بِمَا*لَبِثْتُمْ*فَابْعَثُوا*أَحَدَكُم*بِوَرِقِكُم ْ*هَذِهِ*إِلَى*الْمَدِينَةِ*فَلْيَنظُرْ*أَيُّهَا*1 70
أَزْكَى*طَعَاماً*فَلْيَأْتِكُم*بِرِزْقٍ*مِّنْهُ*وَ *لْيَتَلَطَّفْ*وَ*لا*يُشْعِرَنَّ*180
بِكُمْ*أَحَداً*إِنَّهُمْ*إِن*يَظْهَرُوا*عَلَيْكُمْ *يَرْجُمُوكُمْ*أَوْ*يُعِيدُوكُمْ*فِي*190
مِلَّتِهِمْ*وَ*لَن*تُفْلِحُوا*إِذاً*أَبَداً*وَ*كَذ َلِكَ*أَعْثَرْنَا*عَلَيْهِمْ*200
لِيَعْلَمُوا*أَنَّ*وَعْدَ*اللَّهِ*حَقٌّ*وَ*أَنَّ*ا لسَّاعَةَ*لَا*رَيْبَ*210
فِيهَا*إِذْ*يَتَنَازَعُونَ*بَيْنَهُمْ*أَمْرَهُمْ*ف َقَالُوا*ابْنُوا*عَلَيْهِم*بُنْيَاناً*رَّبُّهُمْ*2 20
أَعْلَمُ*بِهِمْ*قَالَ*الَّذِينَ*غَلَبُوا*عَلَى*أَم ْرِهِمْ*لَنَتَّخِذَنَّ*عَلَيْهِم*مَّسْجِداً*230
سَيَقُولُونَ*ثَلاثَةٌ*رَّابِعُهُمْ*كَلْبُهُمْ*وَ*ي َقُولُونَ*خَمْسَةٌ*سَادِسُهُمْ*كَلْبُهُمْ*رَجْماً* 240
بِالْغَيْبِ*وَ*يَقُولُونَ*سَبْعَةٌ*وَ*ثَامِنُهُمْ* كَلْبُهُمْ*قُل*رَّبِّي*أَعْلَمُ*250
بِعِدَّتِهِم*مَّا*يَعْلَمُهُمْ*إِلَّا*قَلِيلٌ*فَلَ ا*تُمَارِ*فِيهِمْ*إِلَّا*مِرَاء*260
ظَاهِراً*وَ*لَا*تَسْتَفْتِ*فِيهِم*مِّنْهُمْ*أَحَدا ً*وَ*لَا*تَقُولَنَّ*270
لِشَيْءٍ*إِنِّي*فَاعِلٌ*ذَلِكَ*غَداً*إِلَّا*أَن*يَ شَاءَ*اللَّهُ*وَ*280
اذْكُر*رَّبَّكَ*إِذَا*نَسِيتَ*وَ*قُلْ*عَسَى*أَن*يَ هْدِيَنِ*رَبِّي*290
لِأَقْرَبَ*مِنْ*هَذَا*رَشَداً*وَ*لَبِثُوا*فِي*كَهْ فِهِمْ*ثَلاثَ*مِئَةٍ*300
سِنِينَ*وَ*ازْدَادُوا*تِسْعاً*قُلِ*اللَّهُ*أَعْلَم ُ*بِمَا*لَبِثُوا*309


إذن البعد الزمني للكلمات القرآنية بدأ بكلمة (لبثوا) وانتهى بكلمة (لبثوا)، وجاء عدد الكلمات من الكلمة الأولى وحتى الأخيرة مساوياً للزمن الذي لبثه أصحاب الكهف.
والعجيب أيضاً أن عبارة (ثلاث مئة) في هذه القصة جاء رقمها 300 ، وهذا يدلّ على التوافق والتطابق بين المعنى اللغوي والبياني للكلمة وبين الأرقام التي تعبر عن هذه الكلمة.
سبحان الله العظيم
لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
اترككم في حفظ الرحمن ورعايته

لنا الله
29-06-2008, 12:45 AM
سورة الزلزلة


اذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)


أخبرنا أبو منصور البغدادي ومحمد بن إبراهيم المزكي قال: أخبرنا أبو عمرو بن مطر أخبرنا إبراهيم
بن علي الذهلي أخبرنا يحيى بن يحيى أخبرنا عبد الله بن وهب عن حسين بن عبد الله عن أبي عبد
الرحمن الجيلي عن عبد الله بن عمر قال:
نزلت (إِذا زُلزِلَتِ الأَرضُ زِلزالَها) وأبو بكر الصديق
رضي الله عنه قاعد فبكى أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا أبا بكر قال:
أبكاني هذه السورة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أنكم لا
تخطئون ولا تذنبون لخلق الله أمة من بعدكم يخطئون قوله تعالى
فَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ وَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ
قال مقاتل: نزلت في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن
يعطيه التمرة والكسرة والجوزة ويقول: ما هذا شيء وإنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه وكان الآخر
يتهاون بالذنب اليسير الكذبة والغيبة والنظرة ويقول: ليس علي من هذا شيء إنما أوعد الله بالنار
على الكبائر
فأنزل الله عز وجل يرغبهم في القليل من الخير فإنه يوشك أن يكثر ويحذرهم اليسير من الذنب فإنه
يوشك أن يكثر
(فَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ) إلى آخرها.
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا اَبُو عَامِرٍ، - يَعْنِي الْخَزَّازَ - عَنْ اَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ اَبِي ذَرٍّ، قَالَ قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ اَنْ تَلْقَى اَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ‏"‏ (صحيح مسلم

خديجة
29-06-2008, 01:45 PM
جزاك الله خيرا على الموضوع والتفسير الراقي مشكورة

لنا الله
29-06-2008, 08:09 PM
جزاكم الله خيرا أختي الكريمة لمروركم
نفعنا الله وإياكم بالقرآن وأهله

لنا الله
29-06-2008, 08:12 PM
سر تقديم وتأخير (يؤمنون بالله) في آيات سورة آل عمران:


تعالى في سورة آل عمران (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114))


وقال تعالى في آية أخرى في نفس السورة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110))


إذا لاحظنا ترتيب المواصفات في الآيتين لوجدنا أن آية 114 في سورة آل عمران جاء فيها (يؤمنون بالله) في البداية ثم تلاها يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أما في الآية 110 فجاءت في آخر الترتيب وذلك لأن الخطاب في هذه الآية هو
للمسلمين ونحن آخر الأمم من حيث الترتيب الزمني فجاء الإيمان بالله آخراً لأن هناك من سبقونا بالايمان من أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

أما في الآية 114 فالخطاب لأهل الكتاب الذين أسلموا قبل بعثة الرسول وفي زمن أنبيائهم موسى وعيسى عليهما السلام لذا جاء قوله تعالى يؤمنون بالله أولاً في الترتيب ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لنا الله
30-06-2008, 08:59 PM
دعوة إلى الاعتبار بدراسة التاريخ والآثار


قال الله تعالى: {قد خَلَت من قبلكُم سُنَنٌ فَسِيروا في الأرضِ فانظُروا كيف كان عاقبةُ المُكَذِّبينَ(137) هذا بَيانٌ للنَّاسِ وهُدىً وموعظةٌ للمُتَّقينَ(138) ولا تَهِنُوا ولا تحزنـوا وأنتُمُ الأعلَـوْنَ إن كنتم مؤمنينَ(139) إن يَمسَـسـكُم قَـرحٌ فقد مَسَّ القومَ قَرحٌ مِثلُهُ وتلكَ الأيَّامُ نُداولُها بين النَّاس وليعلمَ الله الَّذين آمنوا ويتَّخذَ منكم شهداءَ والله لا يُحبُّ الظَّالمينَ(140)}سورة آل عمران


ومضات:


ـ إنها دعوة وبيان للنَّاس جميعاً، لسبر أغوار التاريخ، والاستفادة من تجارب من سبق من الأمم والحضارات بدراستها وفهمها، وتحذيرٌ لهم من الاكتفاء بالتاريخ، كسجلٍّ للقصص والروايات، لتحصيل التسلية والمتعة فقط، فما كان التاريخ لدى العقلاء الحكماء مجرد قصص تروى ولا حكايات تحكى، إنما هو مورد ثَرٌّ للعلم والمعرفة والاعتبار.

ـ لقد حدَّد الله تعالى لجميع الأمم طريقاً تسلكه لتصل إلى النجاح والفلاح، وأوَّل خطوات هذا الطريق هو الصبر على المشقَّة، الَّتي يكابدها المؤمن، في سبيل تطبيق قوانين الله تعالى على الأرض، وتحمُّل ما يلاقيه في سبيل ذلك من إيذاء النَّاس، وهذا الطريق واحد لا يتبدَّل بتبدُّل الأزمان والأجيال.

ـ لابُدَّ للنَّاس من مواجهة الاختبار الإلهي على اختلاف أصنافهم وألوانهم، وعلى المستوى الفردي والجماعي، حتَّى يميز الخبيث من الطيِّب وتظهر فضائل الأخيار، فيتحدَّد وجود فئة مختارة من الَّذين بذلوا المال، واسترخصوا كلَّ شيء حتَّى أرواحهم في سبيل الله، فكان منهم الشهداء الأبرار في ساحات القتال، وكان منهم الشهود على رقي أممهم وعلوِّ منازلها بتطبيق تعاليم الله بالشكل الأمثل.

في رحاب الآيات:


إن مشيئة الله في خلقه تسير وفق سنن رشيدة حكيمة، وكلُّ من سار عليها ظفر، ومن حاد عنها خاب وخسر، وفي هذه الآية الكريمة مراجعة تاريخية، ووقفات دراسة وتأمُّل لحضارات انهارت، وأمم اندثرت، وشعوب تفرَّقت وتمزَّقت بعدما أخذ بها الغرور كلَّ مأخذ، فخرجت عن الطريق السَّوي، لذلك جاء في الآية الكريمة تحذير وإنذار بسوء العاقبة، لكلِّ من ينحرف عن سنَّة الله تعالى، ويتجاوز حدود إنسانيته وعقلانيته.

وتلفت الآية نظرنا إلى من سبقنا من الأمم، لأخذ العبرة والموعظة ممَّا حلَّ بهم بسبب إعراضهم عمَّا جاءهم من الحقِّ، وقياس ما لدينا على ما كان لدى غيرنا. فالقرآن الكريم يربط ماضي البشرية بحاضرها، ليلفت أنظارها إلى مستقبلها، وهو يدعو النَّاس عامَّة إلى السير في الأرض، لأن الأرض مسرح الحياة البشرية، والحياة فيها كتاب مفتوح تُكْتَبُ فيه الأحداث، وتتأمَّله الأبصار، وتجول فيه الأفكار، فترى فيه من الآثار والحضارات القديمة، ما نقف أمامه بإجلال وإكبار، مأخوذين بروعة الفنِّ وبراعة الصنعة، على ما نحن عليه من التقدُّم العلمي والتقني.


والقصد من النظر ليس الإعجاب بتلك الآثار، وإنَّما التفكر بقوَّة الباني وجبروته، وكيف كان مصيره ومصير حضارته، لقد طواه الزمن وتجاوزته الأيام وكأنَّه لم يكن، فلم ينفعه من ذلك شيء، وأصبح عبرة لمن أراد أن يعتبر.

وقد أورد القرآن الكريم كثيراً من هذه السير والآثار في مواضع متفرِّقة منه، حدَّد مكان بعضها وزمانه وأشخاصه، واكتفى بالإشارة إلى بعضها الآخر دون تحديد أو تفصيل. وفي هذه الآيات يشير هذه الإشارة المجملة ليصل منها إلى نتيجة عامَّة، وهي أن ما جرى للمكذِّبين بالأمس يمكن أن يجري مثله للمكذِّبين اليوم وغداً.


والقرآن الكريم فيه بيان شافٍ للناس، وهداية لطريق الرشاد، وما كان النَّاس ليهتدوا لولا هذا البيان الهادي، ولكنَّ طائفة معيَّنة هي الَّتي تجد فيه الهدى والموعظة وتنتفع به، وهي طائفة المتَّقين الَّذين انشرح صدرهم للإيمان، وترجموا الإيمان إلى عمل. والمؤمن التَّقي حقَّ التَّقوى هو في المقام الأعلى دائماً، فإن حدث ما يخالف ذلك فعليه أن يراجع صحَّة إيمانه، ولكي يتبوَّأ تلك المكانة العالية، عليه ألا يتهاون بالعمل الجادِّ الدؤوب، وألا يحزن على ما أصابه لئلا يصيبه الوهن والحزن.

وقد قضى قانون الله أن يجعل العاقبة للمتَّقين الَّذين لا يحيدون عن شريعته وتعاليمه، وإنما نهى عن الحزن على ما فات، لأنه يُفقد الإنسان شيئاً من عزيمته. والأجدر أن يعالج المرء مشاكله وآلامه بالعمل، مع العزيمة الصادقة والحزم والتوكُّل على الله، حتَّى يظفر بما يطلب، ويستعيض عمَّا قد يخسر.


ومن الثابت أن تقلُّب النَّاس بين الرَّخاء والشِّدَّة يكشف عن معادن نفوسهم، وطبائع قلوبهم، ودرجة صفائهم، ومدى صبرهم، ومستوى ثقتهم بالله واستسلامهم لقدرته. فالله تعالى يعلم ما تنطوي عليه الصدور، ولكنَّ الأحداث وتداول الأيام تكشف المخبوء في نفوس النَّاس، وتجعله واقعاً ملموساً في حياتهم، وتحوِّل الإيمان إلى عمل ظاهر، فهي محَكٌّ لا يخطئ، وميزان لا يظلم، والنفس المؤمنة هي الَّتي تصبر على السرَّاء والضرَّاء، وتتَّجه إلى الله في الحالتين، وتوقن أن ما أصابها من الخير والشرِّ هو تقديرٌ من الله تعالى.


وكما أن الفرد مُبتلى، فكذلك هي الأمم، فكلُّ ولادة تسبقها آلام المخاض، ولا يمكن لأمَّة أن تُبنى دون تجارب مريرة، تجعل منها أمَّة قويَّة متماسكة، وبمقدار تماسكها تواصل مسيرتها بالشكل السليم، وإلا فلا يستبعد أن يُسحب المجد منها ويُعطى لغيرها، وهذا قانون الله في كلِّ متهاون مستهتر، قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزَّبورِ من بعدِ الذِّكرِ أنَّ الأرضَ يَرثها عباديَ الصَّالحون} (21 الأنبياء آية 105).


والمؤمن مطالب أثناء مسيرته بالجهاد، وهو بذل الجهد للتحصيل والبناء العلمي والحضاري، ومجاهدة أهواء النفس، والتضحية وربما الاستشهاد في سبيل ا لله وقد ميَّز الله الشهداء واصطفاهم وكرَّمهم وخصَّهم بقربه ورحمته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن في الجنَّة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (رواه البخاري)، وهذه المرتبة لمن يجاهد بكلِّ ما يملك ليرسي قوانين الله، كما بلَّغها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليكون المنهج الإلهي هو المنهج السائد، وهو الَّذي يحكم سلوك النَّاس جميعاً، فإذا اقتضى الأمر أن يموت في سبيله فهو شهيد.
والشهيد هو المشهود له بالجنَّة، والشهداء عامَّة، هم من أخلصوا في إيمانهم وأعمالهم، ولم يظلموا أنفسهم بمخالفة أوامر الله ونواهيه.

وهم الَّذين يشهدون بصحَّة الدِّين قلباً وقالباً، قولاً ومنهجاً، ظاهراً وباطناً، وكما أن الله تعالى اصطفاهم، فقد أبعد من كنفه الظالمين، الَّذين تعدَّوا قوانينه أو حوَّلوها لمنافعهم الشخصية.

ولا يخفى أن الآيات جاءت بمناسبة خسارة المسلمين إحدى المعارك الحربية، ضد المشركين وهي غزوة أُحد، حيث أنزلها الله تعالى تعزية للمسلمين، وتطييباً لخاطرهم من جهة، كما جاءت من جهة أخرى درساً وعظة؛ بأن قانون الله ثابت في أن من خالف أمره أذاقه وبال مخالفته.
وبعد حصول الهدف من هذا الدرس القاسي، يعدهم بالنصر والتأييد إن هم أصلحوا الفساد، واستقاموا على جادَّة الحقِّ الَّذي ارتضاه لهم. وتتابع الآيات في المواساة وتطييب الخاطر، حيث تذكِّرهم بأنهم إن مسَّهم ضُرٌّ من هذه الموقعة، فقد مسَّ أعداءهم ضرٌّ مثله، والله تعالى يقدِّر مثل هذه الأقدار، ليظهر فضل المؤمنين الصادقين ويتَّخذ منهم شهداء مكرَّمين

لنا الله
02-07-2008, 02:58 PM
درب الهداية


قال الله تعالى: {وهذا صراطُ ربِّكَ مُستقيماً قد فصَّلنا الآيات لِقومٍ يَذَّكرون(126) لهم دارُ السَّلامِ عند ربِّهم وهو وليُّهُم بما كانوا يعملون(127)}سورة الأنعام


ومضات:

ـ الرحمات الإلهية الَّتي تحفُّ بالمخلوقات كثيرة وجليلة، ومن عظيم رحمة الله بخلقه أنه ارتضى لهم منهجاً واضحاً، وصراطاً مستقيماً يكفل سعادتهم في الدَّارين، قال تعالى: {..إِنَ ربِّي على صراطٍ مُستقيم} (11 هود أية 56).
ـ سرُّ سعادة المؤمنين وكنز نعيمهم مخبوء في ولاية الله لهم في الدنيا والآخرة، وتلك الولاية رعاية من الله بموجب إيمانهم، وجزاءٌ منه على جليل أعمالهم


في رحاب الآيات:


القاعدة الهندسيَّة تقول: (الخط المستقيم هو أقصر بُعدٍ يصل بين نقطتين) والآية تبيِّن أن صراط ربِّ العالمين مستقيم، وبهذا يكون أقصر طريق يوصل الإنسان إلى معرفة خالقه! وقد وضَّح النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بمثال حسِّي ملموس، فقد روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: «كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فخطَّ خطَّاً هكذا أمامه (يعني في الرمل) فقال: هذا سبيل الله، وخطَّين عن يمينه، وخطَّين عن شماله (مائلين)، وقال: هذه سبيل الشيطان. ثمَّ وضع يده في الخط الأوسط ثمَّ تلا هذه الآية: {وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبِعُوه ولا تتَّبعوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيله ذلكم وصَّاكم به لَعلَّكم تتَّقُون} (6 الأنعام آية 153) ».
فإذا التزم الإنسان بهذه الطريق كانت مسيرته مستقيمة سليمة، لا عوجَ فيها ولا خللاً، ولا اعتداء على حقٍّ، ولا انغماساً في حرام، من مأكل أو مشرب أو ملبس. إنها مسيرة إيمانيَّة يدفعها الحبُّ لله، ويوجِّهها الخوف منه، ويتوِّجها الفوز برضاه. ولا تنحصر ثمار الاستقامة على الصراط والمنهج الربَّاني بصاحبها فحسب، بل تتعدَّاه إلى غيره؛ لأن الإنسان فرد في مجتمع، ولَبِنَةٌ في بناء الصَّرح الإنساني الكبير، فإذا صَلُحَتْ أجزاء البناء صلح البناء كلُّه، وتأسَّس المجتمع الإيماني على قواعد أخلاقيَّة فاضلة مبنيَّة على العقل والعلم، وكلُّ ذلك من خلال تنشئة الفرد على الإيمان بالله، وحبِّ الخير، والتفاني في طاعة الله وخدمة عباده.
وفي قوله تعالى: {إنَّ الَّذين قالوا رَبُّنا الله ثمَّ استقاموا تتنزَّلُ عليهمُ الملائِكَةُ ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنَّةِ الَّتي كنتم تُوعَدون * نحن أوليَاؤكُم في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسُكُم ولكم فيها ما تدَّعون} (41 فصلت آية 30ـ31) تتجلَّى ثمرة الاستقامة على صراط الله وهدْيه، بأروع صورة وأكمل وجه؛ فحين يتواضع الإنسان لخالقه ويَسلُكُ نفسه في عِداد خَدَمهِ، ويوقِّع عقد الالتزام بذلك، تُفتح عليه بركات من السماء والأرض، فيتكفَّل الله بقضاء مصالحه الدنيويَّة بما فيها الحفظ والحراسة، والمعونة والنُّصرة، وإيصال الخيرات ودفع البليَّات، أمَّا في الآخرة فيبشِّره بالجنَّة دار السلام، الَّتي يأمن مَنْ دخلها من العذاب، وهكذا يكون الله وليَّه في الدنيا والآخرة.
ولفظ (الولي) يوحي بالقرب والرابطة الوثيقة بين الله عزَّ وجل ـ الوكيل ـ وبين مَن تولاه مِن خلقه وتوكَّل عليه. وهذا القرب لا يكون بالمكان والجهة، ولكن بالشَّرَف والعلوِّ والرتبة، ولسنا نرى درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة، ولا تشريفاً أعظم من هذا التشريف! فإذا واظب الإنسان على أعمال البرِّ والطاعة، ظهرت آثارها في جوهر النفس، لذلك كان لابُدَّ للمؤمن من القيام بالعمل المثمر البنَّاء، لأنه لا أجر ولا ثواب مع التواكل والكسل.
كما أنه لابُدَّ من الحذر إلى جانب العمل، من كلِّ عقبة تعترض طريق المؤمن، في الوصول إلى مرضاة الله، ولاسيَّما الحذر من أشدِّ أعداء المؤمن خصومة، وهو الشيطان، الَّذي يقف على جانبي طريق الهداية، مترصِّداً بكلِّ سالكيه، لمحاولة الإيقاع بهم وصرفهم عن الطريق بعد سلوكه. ولهذا ستكون لنا وقفة مع هذا العدو المبين في الفصل التالي، لندرك مدى عداوته لنا، ونتعرَّف الطرق الَّتي ننتصر بها عليه، فلا يكون له سلطان علينا بإذن الله

لنا الله
04-07-2008, 06:44 PM
قال الله سبحانه في سورة الانعام(29) (( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ))


قال مالك بن دينار : دخلت على جارٍ لي وهو في الغمرات يعاني عظيمَ السَّكَراتِ ، يُغمى عليه مرَّةً ويفيقُ أخرى ، وفي قلبه لهيبُ الزَّفرات ، وكان منهمكاً في دنياه ، متخلِّفاً عن طاعة مولاه ، فقلت له : يا أخي تُبْ إلى الله وارجع عن غِيِّكَ ، عسى المولى أن يشفِيكَ مِنْ ألَمِكَ ويعافيك مِنْ مرضِك وسقمِك ويتجاوز بكرمه عن ذنبك .


فقال : هيهات هيهات ! قد دنا ما هُو آت ، وأنا ميتٌ لا محالةَ ، فيا أسفي على عمرٍ أفنيته في البطالة . أردتُ أن أتوبَ ممَّا جنيتُ .

فسمعت هاتفاً يهتف من زاوية البيت : عاهدناك مِراراً ، فوجدناك غدَّاراً..
نعوذ بالله من سوء الخاتمة ، ونستغفره مِنَ الذُّنوب المتقادمة .

يا أخي :


أقِبلْ على قِبْلَةِ التوجُّه إلى مولاك وأعرِض عَنْ مواصلة غِيِّك وهواك ، وواصل بقيَّة العمر بوظائف الطَّاعات ، واصبِر على ترك عاجلِ الشَّهوات ، فالفرارَ أيها المكلَّفُ كلَّ الفرارِ من مواصلة الجرائم والأوزارِ ، فالصَّبرُ على الطَّاعة في الدنيا أيسرُ مِنَ الصَّبرِ على النَّار .


قال الفضيل بن عياض لرجل : كم أتت عليك ؟ قال ستون سنة ، قال : فأنت منذ ستين سنة تسيرُ إلى ربك يُوشِكُ أن تَبلُغَ ، فقال الرجل : إنا لله وإنَّا إليه راجعون ، فقال الفضيل : هل تعرف تفسير ما تقول : قال : لا ، قال : أنت لله عبد وإليه راجع ، فمن علم أنه لله عبد ، وأنه إليه راجع ، فليعلم أنه موقوفٌ ، ومن علم أنه موقوف ، فليعلم أنه مسؤول ، ومن علم أنه مسؤولٌ ، فليُعِدَّ للسؤال جواباً ، فقال الرجل : فما الحيلةُ ؟ قال يسيرة ، قال ما هي ؟ قال : تُحسِنُ فيما بقي يُغفرُ لك ما مضى ، فإنك إن أسأتَ فيما بقي ، أُخذتَ بما مضى وبما بقي 0


قال بعض الحكماء : من كانت الليالي والأيام مطاياه ، سارت به وإن لم يسر .

وما هذه الأيامُ إلاَّ مراحِلُ *** يحثُّ بها داعٍ إلى الموتِ قاصدُ
وأعجَبُ شيءٍ لو تأمَّلت أنَّها *** مَنازِلُ تُطوى والمُسافِرُ قَاعِدُ


يا من كلما طال عمره زاد ذنبه ، يا من كلما ابيض شعره بمرور الأيام اسود بالآثام قلبه ، يا من تمر عليه سنة بعد سنة وهو مستثقل في نوم الغفلة والسنة ، يا من يأتي عليه عام بعد عام وقد غرق في بحر الخطايا فعام ، يا من يشهد الآيات والعبر كلما توالت عليه الأعوام

والشهور ، ويسمع الآيات والسور ولا ينتفع بما يسمع ولا بما يرى من عظائم الأمور ، ما الحيلة فيمن سبق عليه الشقاء في الكتاب المسطور : (( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )) ، (( ومن لم يجعل الله له نور فما له من نور ))


اسأل الله لي ولكم العفو والعافية
اللهم لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا
اللهم اجعل الحياة زيادةلنا من كل خير واجعل الموت راحة
لنا من كل شر
وصل اللهم على محمد وعلى اله واصحابه الاخيار وسلم تسليما كثيرا

خديجة
04-07-2008, 08:45 PM
جزاك الله عنا خير الجزاء وشكرا على الافادة

لنا الله
05-07-2008, 08:57 PM
وجزاكم بالمثل أختي الكريمة
ونفعنا الله وإياكم بالقرآن وأهله

لنا الله
05-07-2008, 09:07 PM
التَّسبيح


سورة الإسراء(17)
قال الله تعالى: {تُسبِّحُ له السَّمواتُ السَّبعُ والأرضُ وَمَن فيهنَّ وإنْ من شيءٍ إلاَّ يُسبِّحُ بحمدهِ ولكن لا تفقهونَ تَسبيحَهُم إنَّه كان حليماً غَفوراً(44)}
سورة النور(24)
وقال أيضاً: {ألم تَرَ أنَّ الله يُسَبِّحُ له منْ في السَّمواتِ والأرضِ والطَّيرُ صافَّاتٍ كلٌّ قد عَلِمَ صلاتَهُ وتسبيحَهُ والله عليمٌ بما يفعلون(41)}
سورة الروم(30)
وقال أيضاً: {فسبحانَ الله حينَ تُمسونَ وحينَ تُصبحونَ(17) وله الحمدُ في السَّمواتِ والأرضِ وَعَشِيّاً وحينَ تُظْهِرُون(18)}


ومضات:

ـ إن التَّسبيح والتَّحميد لله هما لغةُ العاشقين لله، وترجمان قلوبهم الَّتي تشهد جماله في إبداع خلقه وجميل صنعته؛ فتلهج بالثناء عليه حمداً وشكراً، وعرفاناً وتنزيهاً له سبحانه عمَّا لا يليق بكماله.


ـ لا تقتصر عبادة التَّسبيح على الإنسان؛ بل إن جميع الموجودات والعوالم، تتقرَّب إلى الله بهذه الصلة الروحية، وتستديم عليها، وتجد فيها حياتها واستمراريَّتها.


ـ إن في تســبيح العوالم لله، وقيام جميـع الكائنـات به ـ ما عقل منهـا وما لا يعقل ـ تعليماً وإرشـاداً للإنسان بأن يعترف بفضل الله عليه؛ فيشكر نعماءه ويسبِّح بحمده، لئلا تكون تلك المخلوقات الَّتي فضَّله الله عليها أكثر ذكراً لله، وأفضل منه شكراً وعرفاناً بعظيم فضله عليها.


ـ ينبغي على المؤمن أن يُكْثِرَ من التَّسبيح مع بداية كلِّ نهار، وعند إقبال كلِّ ليلة من ليالي عمره؛ وذلك لما في هذين الوقتين المتعاقبين من شهودٍ حسيٍّ لآثار القدرة الإلهية من جهة، وليبقى المؤمن دائم الصلة بربِّه من جهة أخرى.


في رحاب الآيات:


التَّسبيح تنزيهٌ لله تعالى عن كلِّ نقصٍ لا يليق بكمال ذاته وصفاته، ومعنىً من معاني تمجيد عظمته وقدسيته، وصورة من صور إفراده بالعبوديَّة والطاعة والمحبَّة.

وهذه الآيات الكريمة تصوِّر لنا مشهداً فريداً للكون تحت عرش الله، يتوجَّه بالتَّسبيح إليه (عزَّ وجل) منزِّهاً إيَّاه، ومقدِّساً لعظمته عن كلِّ ما لا يليق بذاته العليَّة. فما من ذرَّة فيه ولا حصاة ولا حبَّة إلا وتنبض بالحمد والتَّسبيح، وما من حجر أو شجر أو ورقة أو زهرة، أو نبتة أو ثمرة إلا وتلهج بذكره والثناء عليه.

فالكون الكبير الواسع المدى كلُّه حركة وحياة، وكلُّ دابَّة فيه، وكلُّ سابحة في الماء أو طائرة في الهواء، وكلُّ ساكن ومتحرِّك في الأرض والسماء يسبِّحون الله ويتوجَّهون إليه، ويشهدون بوحدانيَّة ربوبيَّته وألوهيَّته، وكلٌّ يضرعُ بطريقته ولغته البعيدة عن الفهم البشري.


فالله جلَّ وعلا أثبت أن لكلِّ ذرَّة لساناً ناطقاً بالتَّسبيح والتَّحميد والتَّنزيه لصانعه وبارئه، وحامداً له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان تنطق الأرض يوم القيامة، كما قال تعالى: {يومئذ تُحدِّثُ أخبارها} (99 الزلزلة آية 4) وبهذا اللسان تشهد أجزاء الإنسان يوم القيامة: {يومَ تَشْهدُ عَليِهِمْ ألسِنَتُهُمْ وأَيديهِمْ وَأَرجُلُهُمْ بمَا كَانُوا يَعْمَلْونْ} (24 النور آية 24).


وقد أثبتت الأبحاث العلميَّة وجود الحياة في كلِّ ذرَّات الوجود، وأن هذه الذرَّات مؤلَّفة من شوارد تعمل مع بعضها بعضاً، حسب الوظائف المنوطة بها، وكلُّها تعمل بأمر الله تعالى، حسب ما صمَّمه لها، من أجل استمرار الحياة في هذا الكون، وطالما أن فيها حياةً فمن البديهي أن تسبِّح الله تعالى الواحد القهَّار؛ يؤكد ذلك قوله تعالى: {ألم تَرَ أنَّ الله يُسَبِّحُ له منْ في السَّمواتِ والأرضِ والطَّيرُ صافَّاتٍ كلٌّ قد عَلِمَ صلاتَهُ وتسبيحَهُ والله عليمٌ بما يفعلون}.


ومن الملاحظ أن هذه الآية جاءت لتقرِّر حقيقة تسبيح الموجودات لله سبحانه، ولكنها قد سُبقت بصيغة استفهام تقريري تَكرَّر ورودها كثيراً في القرآن الكريم وهي {ألم تر} والحقيقة أن هذه الرؤية الَّتي يريد الله لعباده أن يشهدوا بها ما ذُكر بعدها؛ لا يقصد بها الرؤية الَّتي تُشاهد بعين البصر، ولكنَّها الَّتي تُدرك بعين البصيرة.

وهي رؤيةٌ لا تتحقَّق إلا لمن طهُرت قلوبهم من نجاسات الغفلة وملوِّثات المعاصي، وغدت كالمرآة صفاءً ونقاءً، فانعكس عليها قبس من نور الله، فأبصر أهلها الحقائق، وسمعوا ما لا يسمعه غيرهم. وأمثال هؤلاء يتمكَّنون من إدراك حقيقة تسبيح الكائنات لله تعالى، بل إنهم ما إن يسبِّحون الله ويذكرونه حتَّى يُسبِّح ما في الكون بتسبيحهم، ويذكر بذكرهم، كما قال تعالى في شأن نبيِّه داود عليه السَّلام: {إنَّا سخَّرنا الجِبَال معه يُسبِّحنَ بالعَشيِّ والإشراق} (38 ص آية 18). وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنَّا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل).


فكلُّ مخلوق في السموات أو في الأرض قد علم صلاته وتسبيحه، وأرشده الله إلى طريقة معيَّنة، ومسلك خاص في عبادته. أخرج أحمد وابن مردويه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن نوحاً لما حضرته الوفاة قال لابْنَيْهِ: آمركما بسبحان الله وبحمده، فإنهما صلاة كلِّ شيء وبهما يرزق كلُّ شيء». وجاء في فضل التَّسبيح أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه : «ألا أخبرك بأحبِّ الكلام إلى الله؟ قلت: أخبرني يارسول الله، قال: إن أحبَّ الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده» (رواه مسلم والترمذي).

ومعنى قولنا (سبحان الله): أي براءةً وتنزيهاً لله من كلِّ نقص. ومعنى قولنا (وبحمده): فهو شكر لله على نعمه واعتراف بها.

والمراد من قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون} الأمر بالتَّسبيح والتَّنزيه والحمد والصَّلاة له في جميع أوقات الليل والنهار. وقد أُمر المؤمن بالتَّسبيح في هذين الوقتين المتعاقبين، لأنهما آيتان حسِّيتان من آيات قدرة الله، وبإمكان المؤمن أن يشهدهما كلَّ يوم، فيستقبل نهاره بتنزيه الله عن جميع صفات النقص، ويصفه بجميع صفات الكمال، ويقرن تسبيحه هذا بالحمد والشكر على نعمائه سبحانه وتعالى، وكذلك يكون حاله عند إدبار النهار وإقبال الليل.

وما الصلوات الخمس الَّتي يؤدِّيها المسلم في أوقات متعاقبة إلا بعض مظاهر التَّسبيح العملي لاشتمالها عليه وعلى الحمد أيضاً.

ولعل السبب في تخصيص الطير بالتَّسبيح، في الآية الكريمة، مع أنها تدخل في عموم المخلوقات الَّتي تسبِّح لله في السموات والأرض؛ هو لفت الأنظار إلى كمال القدرة الإلهية في صنعها، ولأن وقوف الأشياء الثقيلة في الجو أثناء الطيران حجَّة واضحة على عظيم قدرة الخالق المبدع.


فسبحان الله وبحمده؛ هو المُنزَّه والمحمود من جميع أهل السموات والأرض، وفي كلِّ الأحوال والأماكن والأزمان، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، سبحانه وتعالى عمَّا يصفون.

لنا الله
07-07-2008, 10:18 PM
قال الله تعالى: {وياقوم استغفِروا ربَّكُمْ ثمَّ تُوبُوا إليه يُرْسِلِ السَّماءَ عليْكُم مِدْراراً ويَزِدْكُمْ قوَّةً إلى قوَّتِكُمْ ولا تَتَولَّوا مُجرمين(52)}


ومضات:

ـ كلَّما كان الاستغفار جادّاً والتَّوبة حقيقية، كلَّما انهمرت بركات السماء على الإنسان بأنواع وفيرة وأشكال مختلفة.
ـ الصلة بالله تعالى تولِّد قوى روحيَّة وجسديَّة تعين المرء على أداء دوره بنجاح على مسرح الحياة.
ـ إن انقطاع صلة الإنسان بخالقه يبقيه في محيط الجهل والانحطاط.


في رحاب الآيات:

هناك علاقة غير منظورة بين عمل الإنسان ورحمة السماء؛ وعمل المؤمن لا يقتصر على العبادة وأداء المناسك، بل يتَّسع ليشمل كل عمل مفيد يؤدِّيه لمجتمعه، ومهما بلغت حسناته واتَّسعت، فإن رحمة الله أوسع وأجلُّ وأعظم وهو محتاج إليها، والحسُّ الروحي الإيماني هو الأساس المعوَّل عليه للشعور بهذه الحاجة. وإن ممَّا لاشكَّ فيه أن القلوب الطاهرة الزكيَّة المزكَّاة، المستغفرة المنيبة، تشدُّ إليها العطاء

الإلهي والخير والبركة من السماء، وهذا ما يزيد الإنسان قوَّة وينزله مكانة عالية، لاسيَّما إذا سخَّر هذا العطاء لمصلحة الكلِّ دون أنانية أو مطامع شخصية. وبذلك تتجلَّى لنا الأواصر المتينة بين القيم الإيمانيَّة والقيم الواقعيَّة في حياة البشر، واللُحمة بين طبيعة الكون ونواميسه الكليَّة والحقِّ الَّذي جاء به هذا الدِّين، وهذا ما يحتاج إلى جلاء وتوضيح، خاصَّة في نفوس الَّذين لم تصقل أرواحهم وتشِف، حتَّى ترى هذه العلاقة أو تستشعرها.


والآية الكريمة الَّتي نحن بصددها ترسي أسس الحياة السليمة على الأرض، فإذا أراد الإنسان أن يستزيد من الخير والنجاح والفلاح، في دنياه وآخرته، فعليه بالاستغفار المقرون بالتَّوبة النصوح، والندم على ما اقترف، ممَّا يؤهِّله لمحو خطاياه، ويقرِّبه من مولاه، ويفتح عليه أبواب خيرات الأرض والسماء.


روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتَّى رجع، فقيل له: ما رأيناك استقيت؟ قال: لقد طلبت المطر بمخاديج السماء الَّتي يُستنزل بها المطر، ثمَّ قرأ: {وياقومِ استغفروا ربَّكُمْ..}.

وهناك علاقة وثيقة بين الاستغفار والقوَّة، إذ أن القلب النظيف والعمل الصالح يزيدان المؤمن قوَّة وصحَّة في الجسم بالاعتدال والاقتصار على الطيبات من الرزق، ويمنحانه راحة الضمير، وهدوء النفس، والاطمئنان إلى عدل الله، والثقة برحمته، ويزيدانه قوَّة ليعمل وينتج ويؤدِّي تكاليف الخلافة في الأرض، كما أن القلوب المستغفرة تتَّحد مع بعضها بعضاً في حبٍّ إيماني وصفاء ربَّاني يزيل الضغائن، وينمِّي أواصر التعاون والتباذل، ليصبح المجتمع قويّاً متماسكاً تجاه الشرِّ وأعوانه.

وقد تتوافر القوَّة لمن لا يحكِّمون شريعة الله، ولكنها قوَّة آنيَّة سرعان ما تتحطَّم وتعود عليهم بالوبال والخسران، لأنها لا تستند إلى أساس متين من الإيمان والخير.

لنا الله
09-07-2008, 09:31 PM
قال الله تعالى: {ويَدْعُ الإنسانُ بالشَّرِّ دُعاءَهُ بالخيرِ وكان الإنسانُ عَجُولاً(11)}سورة الإسراء(17)


ومضات:

ـ الإنسان الحكيم لا يطلب من الله تعالى لنفسه أو لغيره إلا الخير، ولا يستسلم لثورات الغضب أو نوبات اليأس، فيتمنى الهلاك والسوء لنفسه أو لعياله، بل يتحلَّى بالصبر والجَلد، ولا يتخلَّى عن ثقته بالله تعالى الَّذي بيده الخير كله.
ـ قد يطلب الإنسان من الله عزَّ وجل أمراً يعتقد فيه خيره فلا يستجاب له، فإن صبر ورضي فسرعان ما يتبيَّن له خطؤُه، وأن الخير يكمن فيما اختاره الله تعالى له، لذلك قال صلى الله عليه وسلم : «لو اطَّلعتم على ما في الغيب لرضيتم بالواقع» (متفق عليه).

في رحاب الآيات:
قال الله تعالى: {خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلٍ..} (21 الأنبياء آية 37) فالعجلة في طبع الإنسان وتكوينه، فهو يمدُّ بصره إلى ما وراء اللحظة الحاضرة، يريد أن يتحقَّق له كلُّ ما يخطر بباله، وكلُّ ما تصبو إليه نفسه، وقد يكون في ذلك ضرره، أو حتَّى هلاكه. إلا أن من امتلأ قلبه بحبِّ الله فإنه يثبت عند الشدائد، ويصبر، وَيَكِل الأمر لله فلا يتعجَّل قضاءه.

ذلك أنَّ الإيمان ثقة وصبر واطمئنان، فالمؤمن يتعاطى الأسباب بالشكل الصحيح المدروس، ويخطِّط لكلِّ عمل يقوم به، ويعطي كلَّ مرحلة من مراحل التنفيذ حقَّها من الجهد والعمل والتطبيق؛ فيعمل بوعي وهدوء وإتقان، وبإمكانات عقلية متفتِّحة، وبذلك تصبح إمكانية الوقوع في الخطأ أقل، وهذا من شأنه أن ينظِّم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد.

فالمجتمع المبني على النظام يَحدُّ من تجاوز بعض أفراده لرقاب بعض، واتِّخاذهم مطيَّة للوصول إلى أهدافهم، فالتأنِّي والهدوء يجعلان العقل هو القائد وهو الرائد، والعجلة تجعل الهوى والشهوة هما المسيطران وهما الدافعان، ومتى كان الهوى يقود إلى الصواب؟ ومتى كانت الشهوة تنظر بعين الحق؟.
وقد نهى الله جلَّ وعلا الإنسان عن العجلة الَّتي جُبِلَ عليها تكوينه، لأن له من الإرادة وحريَّة الاختيار، ما يجعله قادراً على امتلاك جماح نفسه، والنأي بها عن طريق الخطر.

وهذا ليس من قبيل تكليفه بما لا يُطاق، بل إنه امتحان واختبار لإرادته، ولتمييز من امتثل أوامر ربِّه ممَّن ضرب بها عرض الحائط فخسر وندم، لذلك قيل: [إياكم والعجلة فإن العرب تكنِّيها أمَّ الندامات]، وقال آدم عليه السَّلام لأولاده: (كُلُّ عملٍ تريدون أن تعملوه فقفوا له ساعة، فإني لو وقفتُ ساعة لم يكن أصابني ما أصابني).


ومن أنواع العجلة أن يبالغ الإنسان في الدعاء طلباً لشيء يعتقد أنَّ فيه خيره، مع أن ذلك قد يكون سبب بلائه وإيذائه، وإنما يُقْدِم على ذلك العمل لكونه عجولاً مغترّاً بظواهر الأمور، غير متفحِّص لحقائقها وأسرارها. وقد يدعو على نفسه أو ولده عند الضجر أو اليأس بما يتمنَّى بعد خمود ثورة غضبه ألا يكون

قد استجيب له، فالعاقل مَنْ يتحرَّى الهدوء وضبط الأعصاب ما أمكن، لأن في ذلك نجاحه واستقرار المجتمع الَّذي ينتمي إليه؛ وأن يسلِّم قيادته لله تعالى ويوكل أمره إليه، موقناً بأنَّه تعالى أدرى بمصلحته، وبما فيه خيره في دينه ودنياه ومعاشه وعاقبة أمره

لنا الله
14-07-2008, 12:37 AM
الكلمة الطيِّبة


قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كيف ضَرَبَ الله مثلاً كلمةً طيِّبةً كشجرةٍ طيِّبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السَّماء(24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها ويَضْرِبُ الله الأَمْثال للنَّاس لعلَّهُم يتذكَّرون(25) ومَثَلُ كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خَبيثةٍ اجْتُثَّتْ من فوق الأرضِ ما لها من قرارٍ(26) يُثَبِّتُ الله الَّذين آمنوا بالقولِ الثَّابتِ في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ ويُضِلُّ الله الظَّالمينَ ويفعلُ الله ما يشاء(27)}سورة إبراهيم


ومضات:

ـ الكلمة الطيِّبة نفحة روحانية تصل ما بين القلوب وتربطها برباط المحبَّة والودِّ والتآلف. أمَّا الكلمة الخبيثة فهي معول للهدم والتمزيق والتفريق، يعمل تخريباً في أوصال المجتمع فيهدُّ كيانه.
ـ الكلمة الطيِّبة تُزهر في النفس لتتفتَّح بأجمل أزهار الخير والحبِّ الَّتي يعبق شذاها فوَّاحاً في كلِّ زمان ومكان. والكلمة الخبيثة نتنة الرائحة، تصدر عن بؤر نفسية عفنة.

ـ إن لشجرة الإيمان جذوراً ضاربة في أرض الهدى ومحبَّة الله، من تمسَّك بها فقد استمسك بالعروة الوثقى، واكتسب ثباتاً وتصميماً لا زيغ فيه ولا ضلال.


في رحاب الآيات:

الكلام فنٌّ وأدب وذوق، ومن لا يتقن هذا الفن يضيِّع الكثير من الفوائد والمغانم، فكم من كلمة خبيثة لا يأبه العبد بها، تودي به إلى الذُّل والتهلكة، وكم من كلمة طيِّبة قرَّبت بين المتباعدين، وأصلحت ما بين المتخاصمين، وجمعت شمل المتدابرين، فأورثت صاحبها عزَّاً وحمداً بين الناس لا يُمحى على مرِّ الأيام؛ لذلك أمر الله عباده بأن يجمِّلوا ألسنتهم بالكلام الحسن، وضرب لهم مثلاً حيَّاً يصوِّر فيه قداسة الكلمة الطيِّبة.


إن تصوير المعاني في القرآن معجزة من معجزاته الكثيرة، فهو بأسلوبه المتميِّز يبعث الحياة في الجماد، ويحوِّل المعنى المجرد إلى أمر شبه محسوس، والخبر الغيبـي إلى أمر مُتَخَيَّلٍ شبه ملموس، ليقرِّبه من الأذهان، ويجلِّيه للأبصار، وينفي عنه الغموض، فتكون الصورة أوضح والدلالة أبلغ والحكمة أنفع!!.


وهذه إحدى صور القرآن الكريم ينقلها من العالم المجرَّد إلى عالم الحسِّ والإدراك، إنها الكلمة الطـيِّبة وهي أشبه ما تكون بفاكهة لذيذة المذاق، كثيرة الفائدة، إنها تُسعد قائلها وسامعها؛ فهي تخرج من القلب المزكَّى ويطلقها اللسان المنقَّى لتستقر في القلب، وتُسعد الناس بما تخلقه من جوٍّ يفيض بالأُلفة والمودَّة، وتُنْعِشُهم بأريجها الفوَّاح.

إن الكلمة الطيِّبة ترجمة صادقة للشعور الطـيِّب والإحساس النبيل، تحمل بين حروفها دفء الحبِّ ولذَّة العطاء، وسعادة التواصل الرفيع بين إنسان وإنسان؛ فهي رَوْح ورَيحان، كمثل شجرة مباركة جذورها ضاربة في عُمق الأرض، تمتصُّ منها غذاءها وأملاحها وتحوِّلها إلى نُسغ يصعد إلى ساقها فأغصانها فأوراقها، فترتعش فيها دفقة الحياة، وإذا بها تتطاول صاعدة في السماء، ثمَّ تزهر وتثمر في موعدها المحدَّد بإذن خالقها، فتتجمَّع حولها القلوب المتلهِّفة، والنفوس المتعطِّشة لجني ثمرها، والتنعُّم بخيرها المتجدِّد كلَّ عام.

ولئن كانت جذور الشجرة الطيِّبة تتفرَّع في جوف الأرض، فإن الكلمة الطيِّبة تتفرَّع في شغاف القلب، وتلامس سويداءه لتخلِّف مكانها أمناً وسلاماً، بينما تصعد فروعها إلى سماء النفس فتجلوها، وإلى مرآة الوجدان فتصقلها، وتنشر على من حولها ظلال الإيمان الندية، فهي لبنة أساسية في صرح السعادة الإنسانية.

إن الكلام الطيِّب رحيق الأنبياء ولغة المؤمنين الصادقين، والمؤمن الحقُّ هو من تخلَّق بخلق القرآن، فسما تفكيره، وتهذَّبت مشاعره، فانعكس هذا كلُّه على كلامه وتصرفاته، فهو هادئ، رزين، وقور، لا يلفظ إلا كلاماً موزوناً طاهراً نقيّاً، فهو إمَّا أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، وإمَّا أن يصلح بين الناس، أو يعين على عمل نافع.

وقد وجَّه القرآن إلى ما ينبغي أن تكون عليه مجالس المؤمنين بقوله تعالى: {لا خيرَ في كثير من نَجْوَاهُمْ إلاَّ مـن أَمَـرَ بصدقـةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاس..} (4 النساء آية 114). كما وجَّه القرآن إلى وجوب أن يكون كلامنا صادقا موزونا يراد به الوصول إلى الحقِّ، وإلى إقامة المجتمع الصالح السليم البنية، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا اتَّقوا الله وقولوا قولاً سَديداً * يُصْلِحْ لَكُم أَعمالَكُم ويَغْفرْ لَكُم ذُنوبَكم ومَنْ يُطِعِ الله ورسولَهُ فقد فازَ فوزاً عَظيماً} (33 الأحزاب آية 70 ـ 71).

هذا فيما بين الإنسان وبين إخوانه في الإنسانية، أمَّا فيما بينه وبين ربِّه، فلسانه دائم التسبيح والتحميد والتمجيد والدعاء، ولا يدور إلا بكلمات الذِّكر والشكر لله، فالمؤمن قرآن متحرِّك، سلوكه سلوك الأتقياء، وأقواله أقوال الأنبياء، لا غضب، ولا فُحش، ولا إسفاف ولا مبالغة، ولا لغو، وإذا غضب فإنه يملك نفسه ويصونها عن الانزلاق في مهاوي السفاهة والابتذال، قدوته في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الَّذي ملك قلوب الناس بكلامه الطيِّب، وقوله الليِّن.
أمَّا منهله الَّذي يستلهم منه كنوز الكلِم ولآلئه، فهو القرآن الكريم الَّذي سبى القلوب ببيانه الأخَّاذ، وكلامه العذب السلسبيل.

هذا غيض من فيض الحديث عن الكلمة الطيِّبة وأثرها، ولما كانت الأشياء تتميَّز بأضدادها ذكر الله لنا الكلمة الخبيثة بمقابل الكلمة الطيِّبة، فلولا الظلمة لما عُرف فضل النور، ولولا القُبح لما ظهرت روعة الجمال، لأنَّ تعوُّد الإنسان على رؤية الجمال وحده، يجعله باهتاً في نظره، ويفقده قيمته مهما كان جليلاً، فإذا ما صدمت عيني الإنسان دمامةُ القُبح أدرك روعة الجمال، وإذا ما أَدْمَتْهُ يد الشرِّ أحسَّ بحنوِّ اليد الرحيمة، حين تمتدُّ إليه لتمسح جراحه.

وإذا كانت الكلمة الطيِّبة كشجرة طيِّبة، فإن الكلمة الخبيثة كشجرة مرٌّ ثمرها، خبيث ريحها، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، جذورها متآكلة نَخِرَة، لفظتها الأرض وطرحتها فإذا بها تهوي جثَّة هامدة، وحطباً يابساً يُحرق أو ينبذ بعيداً.

والكلمة الخبيثة ألغام متفجِّرة في طريق المجتمع المتكاتف، تُفتِّت وحدته، وتقتلع جذور الأخوَّة الَّتي تثبِّت المحبَّة بين أبنائه، وتنشر مكانها بذور البغضاء والأحقاد، فيعمُّ فيه الفساد، وتنهار أواصره، وتتداعى مقوِّماته ليصبح هباء منثوراً تذروه الرياح.
وهكذا فإن من طهـرت ألسنتهم فلم تنطق إلا بكلمة الإيمان والتوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يثبِّتهم الله تعالى ويؤيِّدهم في الدنيا، فلا تزعزعهم رياح الشرِّ، ولا تقضي عليهم المصائب، ويؤيِّدهم ويثبِّتهم في الآخرة؛ منذ وصولهم إلى أوَّل منزل من منازلها وهو القبر، وإلى أن يجتازوا

الصراط إلى قصورهم في الجنَّة، فلا يحزنون حين يحزن الناس، ولا ينالهم فزع حين يفزعون، بل يُلَقَّون الأمن والأمان، والطمأنينة والتحيَّة والسَّلام، وعن البرَّاء رضي الله عنه عن النبي r أنه قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّداً رسول الله فذلك قوله: يثبِّت الله الَّذين آمنوا بالقول الثَّابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة».

وأمَّا الَّذين تعوَّدوا الفُحش في القول والسوء في العمل، فإنهم يضلُّون في الدنيا والآخرة، لأنهم اختاروا لأنفسهم طريق الفجور، والله يجزي كلَّ فريق بما يستحقُّ، بعد أن اختار هذا الفريق طريقه ونهايته بإرادته دون إجبار ولا إكراه.

لنا الله
14-07-2008, 04:09 PM
عدوُّ الهداية (الشيطان الرَّجيم)



قال الله تعالى: {ياأيُّها النَّاسُ كُلوا مِمَّا في الأَرضِ حَلالاً طيِّباً ولا تتَّبعوا خُطواتِ الشَّيطانِ إنَّه لكم عَدوٌ مبين(168) إنَّمَا يَأمُرُكُم بالسُّوءِ والفَحشَاءِ وأن تَقُولُوا على الله ما لاتعلمون(169)}


ومضات:

ـ الشيطان عدوُّ الإنسان، دأبَ على أن يوسوس له، بما يفسد عليه دينه ودنياه، من المعاصي والمنكرات.
ـ لا يفتأ الشيطان يغوي الإنسان، ويشجِّعه على افتراء الكذب على الله، ليُحرِّم ما أحلَّه له، ويحلِّل ما حرَّمه عليه؛ وذلك لتقويض النظام الَّذي وضعه الله تعالى من أجل إعمار الأرض، والإخلال بالغاية الَّتي خُلق الإنسان من أجلها.


في رحاب الآيات:

الشيطان عدوٌّ للإنسان منذ نشأته الأولى، وقد آلى على نفسه أن يُضلَّ بني آدم ويصرفهم عن الحقِّ، ويوردهم موارد التَّهلُكة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. لذلك فهو دائم السَّعْي ليثنيهم عن كلِّ ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وللشيطان مسالكه ومساربه، وله مداخله ومخارجه، ليتغلغل في نفس
الإنسان وينفث سمومه فيها؛ فإذا ما وقع في شراكه أحد من الناس، شرع بخطَّةٍ ماكرةٍ لإضلاله، فيجمِّلُ له القبيح، ويزيِّن الرَّذيلة في عينيه فيُلْبسها رداء الفضيلة؛ فينطلي مَكره هذا على ضعاف العقول، الَّذين عطَّلوا ملكة التفكير الَّتي زوَّدهم الله تعالى بها، وأهملوا تنميتها والاستفادة من طاقاتها الهائلة، فسُرعان ما يقعون تحت تأثيره، وينقادون لأوامره، دون أن يدركوا فداحة خطئهم.
ولذلك فإن الله جلَّ وعلا ـ عطفاً على أمثال هؤلاء ورحمة بهم ـ حذَّر جميع عباده، مراراً وتكراراً، من خداع هذا العدوِّ الماكر؛ ليكونوا بمنأى عن شروره وآثامه، والوقوع في شَرَكِهِ وإضلاله. والناس إزاء هذا التحذير على صنفين:
صنف تثمر النصيحة فيه، وتؤتي أُكُلها فيتَّعظ، ويحتاط من شرِّ الشيطان ووساوسه، وصنف يُصِمُّ أذنيه ويغلق عقله، فتراه سادراً في غيِّه يأمره الشيطان فيأتمر، وينهاه فينتهي، ولو أوقعه ذلك في الهلاك.. وقد تصل الجرأة به حدّاً يُحِلُّ فيه ما حرَّمه الله، ويحرِّم ما أحلَّه له من خيرات الأرض وأرزاقها، وفي هذا تضييع للثَّروة الطبيعيَّة وهدر للنعم الإلهية، وتعطيل وتجميد لها، ممَّا يعود على المجتمع بأسوأ النتائج الاقتصادية والاجتماعية...
ولا تنحصر الإساءة بالمجتمع وحده، بل تتعدَّاه إلى الاعتداء على شريعة الله وتحريف رسالته الحنيفة وإفسادها؛ لأن هؤلاء ينسبون إلى الله ما لم يشرِّعه لهم، ويتقوَّلون عليه ما لم يتنزَّل من لَدُنْه في شأن التحليل والتحريم، ممَّا يوقع بعض الناس في أباطيل هذه الشرائع، المشوَّهة المفتراة، والَّتي يظنُّون أنها من عند الله، إلا أن علاَّم الغيوب سبحانه عرَّفنا غواية الشيطان من خلال الحديث القدسي: «إنِّي خلقت عبادي حُنَفَاءَ فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم (صرفتهم) عن دينهم وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم» (رواه مسلم).
فشرُّ عدوٍّ للإنسان هو الشيطان، فمتى استرسل مع هذا العدوِّ، أنكر نِعَم الله وبدَّدها، أو وضعها في غير مواضعها. فإن لم يرجع إلى الله ويَزِنِ الأمور بميزان الشرع والعقل والحكمة، تتحوَّل النعمة إلى نقمة، والمنحة إلى محنة، والنعيم إلى جحيم دائم في الدنيا والآخرة.

لنا الله
16-07-2008, 12:35 PM
الصَّبـر


سورة البقرة(2)

قال الله تعالى: {ولَنَبلُوَنَّكُم بِشَيءٍ منَ الخَوفِ والجُوعِ ونَقْصٍ منَ الأموالِ والأنفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155) الَّذين إذا أصابَتهُم مصِيبَةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّا إلَيهِ راجِعُونَ(156) أُولَئِكَ عليهِم صَلَواتٌ من ربِّهِم ورحمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ(157)}


سورة آل عمران(3)

وقال أيضاً: {ياأيُها الَّذين آمَنُوا اصبِرُوا وصابِروا ورابِطُوا واتَّقُوا الله لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ(200)}
سورة الطور(52)

وقال أيضاً: {واصبرْ لحكم ربِّك فإنَّك بأعيُننا وسبِّحْ بحمد ربِّكَ حين تقُومُ(48) ومن اللَّيلِ فسبِّحْهُ وإِدْبارَ النُّجوم(49)}


ومضات:


ـ الحياة سلسلة من التجارب والشدائد يخوضها الإنسان، والهدف منها اجتيازه للامتحان الإلهي الَّذي تتحدَّد فيه نتيجته، بمقدار صبره وتجلُّده، وحسن تسليمه لله، وعمله على طاعته وإرضائه.

ـ الصَّبر هو الثمن الَّذي يدفعه المؤمن لينال به البشرى من الله تعالى بالرضا والثواب. ومن تخلَّق بالصَّبر وحسن التسليم لله مؤمناً بأن الأقدار كلَّها بيد الله، وإليه ترجع الأمور كلُّها، فهو ممَّن مَنَّ الله تعالى عليهم وجعلهم من القوم المهتدين؛ الَّذين يملكون مفاتيح الخير للناس جميعاً، والَّذين يبنون ويعمِّرون، ويتحوَّلون إلى مشاعل من العلم والحكمة تضيء الطريق أمام البشرية جمعاء، فهؤلاء لهم من ربِّهم الجنَّة نِعْم الثواب وحسنت مرتفقاً.

ـ إن التزام أحكام الشريعة وتبليغها للناس يحتاج إلى الكثير من الصَّبر والأناة والحلم.

ـ إن أحكام الله عزَّ وجل وتعاليمه ترمي إلى إسعاد الجنس البشري، وقد يصعب على بعض الناس إدراك مقاصدها على الفور، ومن ثمَّ تبنِّيها واتِّباعها، لذا يطلب الله تعالى من النبي الكريم أن يصبر على تبليغ الدعوة، وعلى ما يلاقيه من صدٍّ وعَنَتٍ في سبيل إيصال مفهوم الشريعة إلى الناس، ويُبشِّره بأنه في حفظ الله ورعايته. وهذه العناية الربَّانية تشمل كلَّ الدعاة المخلصين، العاملين بجدٍّ وثبات في مواجهة ما يلاقونه من صعوبات وعقبات، فجميعهم برعاية الله مكلؤون، وبأنظاره تعالى محفوفون.


في رحاب الآيات:


ليس الإنسان بمأمن من البلاء والآلام والمصائب الَّتي قد تواجهه في رحلة الحياة، ولابدَّ له أن يعاني منها وأن يصبر على أذاها، فالصَّبر هو صمَّام الأمان لأنه يعني قوَّة الإرادة، وسعة الصدر والقدرة على التحمُّل، ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أعظم عطاء حيث قال: «ما أُعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصَّبر» (رواه الخمسة عن أبي سعيد الخدري t ).

وهو يساعد على ضبط كوابح النفس والأخذ بزمامها؛ فالمؤمن الصابر إذا حلَّ به حزن أو أَلَمَّت به نازلة، أحال نكبته إلى قوَّة، وجعل منها درساً ليفهم حقائق كانت خافية عليه، أو معاني غفل عن إدراكها، أو إرشادات قصَّر في اتباعها؛ لهذا تراه دائماً رابط الجأش، راسخ القدم مطمئناً، حَسنَ الظن بربِّه، وهو موقن في قرارة نفسه أنَّ أيَّ تخاذل يقع فيه، سيكون ضرره أشدَّ وأوقعَ من ضرر البلاء نفسه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ عِظَمَ الجزاء مع عِظَمِ البلاء وإن الله تعالى إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط» (رواه الترمذي).

فالابتلاء تجربة تربوية من شأنها أن تبني شخصية المؤمن بناءً قوياً، وتُعِدَّه إعداداً راقياً، وكلَّما كان عسيراً وشاقّاً كلَّما تطلَّب مزيداً من الصَّبر والثبات والتحمُّل، ليتمكَّن المؤمن المبتلى من جني ثمرته الغالية، فعن أبي هريرةt أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله حتَّى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة» (رواه الترمذي) فمن ثبت وتمسَّك بأهداب الصَّبر فأجره على الله.

والمؤمن ينظر إلى المصائب على أنها امتحانات إلهية فتشرق نفسه حيالها، ويتعامل معها على أنها فرص لرفع الدرجات وحطِّ الخطايا، فلا يبتئس أو يتخاذل بل يمضي قُدُماً لينجح في الامتحان، وتأتيه البشارة من الله بأن له الرحمات والنعيم.

روي عن عمر بن الخطاب t أنه قال: (ما أصابتني مصيبة إلا وجدت فيها ثلاث نِعَم: الأولى أنها لم تكن في ديني، والثانية: أنها لم تكن أعظم ممَّا كانت، والثالثة: أن الله يجازي عليها الجزاء الكبير) ثمَّ تلا قوله تعالى: {..وبَشِّرِ الصَّابرين * الَّذين إذا أصابتهُم مصيبةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون * أولئك عليهِمْ صلواتٌ من ربِّهِمْ ورحمةٌ وأولئك همُ المهتدون}.

فهذه الآية الكريمة تحدِّد ملامح هؤلاء الصابرين، الصَّبر الجميل، المُرْجِعِين أمورهم إلى الله تعالى، فهم مطمئنون، قلوبهم متصلة بخالقها لا تتبرَّم ولا تتذمَّر، وألسنتهم مطهَّرة لاتنطق إلا بالتسليم لله والرضا بقضائه، وتردِّد: {إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون}.

أي كلُّنا لله، جوارحنا متجهة إليه، وأمورنا راجعة إليه، وله نسلِّم التسليم المطلق. عن أمِّ سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنالله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها» (رواه مسلم).

وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون حَمِدك واسترجع (أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون)، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنَّة وسمُّوه بيت الحمد» (أخرجه أحمد والترمذي) وبما أن الجزاء يكون على قدر الجهد، فالله تعالى يثيب المؤمنين الصابرين ثواباً عظيماً.

فالصَّبر هو شطر الإيمان وزاد الطريق، ولهذا حثَّ الله تعالى عليه لما له من أثر كبير في مسيرة الإنسان. والمجالات الَّتي تظهر فيها أهمِّية الصَّبر كثيرة ومتفرعة، ولعلَّ أهمَّها الصَّبر على الطاعات، والصَّبر عن الشهوات ولذَّاتها، لأنه جهاد دائم، بخلاف المصيبة الَّتي تكون بمثابة عارض لا يلبث أن يزول، كفقدان الأهل والأحِبَّة وحلول الأوجاع والأمراض.

وهناك صبر على التعامل مع الناس وفي ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المسلم إذا كان مخالطاً الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الَّذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (رواه الترمذي).
وأعظم الصَّبر صبر الأنبياء على الإيذاء والإعراض والصدود الَّذي يلقونه من أقوامهم، وقد سُمِّي أربعة منهم بأولي العزم لعظيم ابتلائهم وجميل صبرهم، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السَّلام، وجاء الأمر لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم من الله تعالى أن يقتدي بهم ليكون له في صبرهم أسوة حسنة في هذا الشأن، فقال له: {فاصبرْ كما صبرَ أُولُوا العَزْمِ منَ الرُّسُلِ..} (46 الأحقاف آية 35). وليس المقصود بالصَّبر الاستسلام للأمراض أو الآلام، بل هو الجَلَد والتحمُّل وحسن التعايش مع الصعوبات، وكيفية مقاومتها والالتفاف حولها دون الإذعان لها. ولابدَّ في هذه المواقف من استمداد العون من الله تعالى، لأن الإيمان أقوى من جميع المواقف والعواطف والمشاعر النفسية، لأنه نور الله تعالى وإكسير الحياة للقلوب ومطهِّرها من الآثام.

خديجة
16-07-2008, 02:06 PM
جزاك الله خيرا على ماتقدمه لنا بدوام وجعلك من اهل الجنان وشكرا جزيلا

لنا الله
17-07-2008, 02:48 PM
جزاكم الله خيرا أختي الكريمة
أظن أنك الوحيدة المتابعه هنا

لنا الله
17-07-2008, 02:49 PM
((((((((مقومات النصر)))))))


سورة محمَّد(47)
قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا إن تنصُروا الله ينصُرْكم ويُثبِّت أقدامكم(7) والَّذين كفروا فتَعْساً لهم وأضلَّ أعمالَهُم(8) ذلك بأنَّهم كَرِهوا ما أنزلَ الله فأحبَطَ أعمالَهُم(9)}

ومضات:

ـ نصرة المؤمنين لله تعالى تعبير، رمزي مجازي، يُعبِّر عن مدى التزامهم العملي بتطبيق شريعته، بحماس وقوَّة إرادة، مع التحلِّي بالأخلاق الفاضلة، والاستزادة من الحكمة والعلوم بأنواعها.

ـ نصرة الله تعالى للمؤمنين تعني إمدادهم بالعطاء الروحي والنور الإلهي، وتيسير سُبُل العطاء المادِّي ممَّا يحقِّق لهم السعادة والسكينة والاستقرار، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، ويجعل لهم من عُسرهم يُسراً، ومن ضيقهم مخرجاً وفرجاً، مما يثبِّت لهم مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية، ليشكِّلوا قاعدة يقوم عليها السَّلام والرخاء.

ـ الَّذين يرفضون الإيمان بالله، وينأون بجانبهم عن محبَّة الله وعبادته، هم غارقون في متاهات الفراغ والملل، ويسلكون سبل الضياع، تتقاذفهم أمواج الخوف والقلق. ذلك أنهم أقاموا آمالهم على قواعد ركيكة من الوهم والخيال، كارهين الحقَّ وأهله لعدم تجانسه مع نفوسهم المريضة، فانهارت آمالهم، وحبطت أعمالهم وصارت هشيماً تذروه الرياح.


في رحاب الآيات:

قد يُفهَم من ظاهر الآية أن الله سبحانه وتعالى بحاجة إلى دعم مادِّي، أو قوَّة عسكرية تدافع عنه وتحميه! والحقيقة أنه تعالى هو الغني عنَّا، ونحن الفقراء إليه، ونحن المحتاجون إلى دعمه ومدده ونصرته. والأمر المنوط بنا أن نقدِّم أنفسنا وأموالنا في سبيل نصرة دين الله، ورفع راية العمل لتحقيق تعاليمه المفيدة في سائر نواحي الحياة.


وفي سبيل تحقيق ذلك، علينا أن نجرِّد نفوسنا لله، وألا نشرك به شيئاً، لا شِرْكاً ظاهراً ولا خفياً، وأن يكون الله أَحَبَّ إلينا من ذواتنا ومن كلِّ ما نحبُّ ونهوى، وأن نراقبه في رَغَبِنا ورَهَبِنا وحركاتنا وسكناتنا، وسرِّنا وعلانيتنا، ونشاطنا كلِّه وخلجات أفئدتنا عامَّة، وهذا نصر الله في ذات نفوسنا.


إن لله شريعة واضحة ومنهاجاً محدَّداً للحياة، يقومان على قواعد وموازين وقيم وتصور خاص للحياة وللوجود كلِّه، وإن نصر الله يتحقَّق بنصرة منهاجه وشريعته، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلِّها دون استثناء، وهذا نصر الله في واقع الحياة، بشرط أن يكون الهدف هو أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تهيمن شريعته ومنهاجه على ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم، وعلى أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم.


هذا شرط الله على الَّذين آمنوا، أمَّا وعده لهم في مقابل ذلك فهو النصر وتثبيت الأقدام، وقوَّة الإيمان ليتَقوَّوا بها على أنفسهم وأهوائهم، وعلى كلِّ من يحاول تخريب هذه المسيرة الطاهرة المباركة. والنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان، وبين الهداية والضلال، فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة، وذلك في عدم الزهُوِّ به، وعدم التراخي بعده والبعد عن التهاون في المحافظة عليه.


هذا هو الوجه الحسن الَّذي يصوِّر المؤمنين مع الله، ولو أننا نظرنا إلى الوجه الآخر لرأينا النقيض، إننا نرى التعاسة والخيبة والخذلان تلقي بظلالها على من كفر بالله وآياته، ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله من قرآن وشريعة ومنهج واتجاه، وهي حالة كثير من النفوس الفاسدة الَّتي تكره بطبعها ذاك النهج السليم القويم، وتتصادم معه من داخلها، بحكم مغايرة باطلها لحقيقته، وغاياتها لغاياته.


إن أصحاب هذه النفوس موجودون في كلِّ زمان وفي كلِّ مكان، يحملون في قلوبهم الحقد والكراهية للدِّين ولكلِّ ما يتَّصل به، لأنهم يَرَوْنَ فيه حدّاً من سيطرتهم، وكفّاً لتجاوزاتهم وطغيانهم؛ ولقد كان جزاء الله لهم أن أحبط أعمالهم، فانتهوا إلى الهلاك والضياع.


وصفوة القول: نحن بحاجة إلى الله حين ننصره لأن في ذلك نصراً لنا بوصفنا من أتباع دينه وأنصاره، ونحن بحاجة إلى الله حين ينصرنا لأن في ذلك تزكية لنفوسنا وأرواحنا، وبالتالي سُمُوّاً وعُلُوّاً لنا؛ ونحن الرابحون في كلتا الحالتين. ].

لنا الله
18-07-2008, 05:45 PM
التحيَّة


سورة النساء (4)

قال الله تعالى: {وإذا حُيِّيتُم بتحيَّةٍ فَحيُّوا بأحسنَ منها أو ردُّوها إنَّ الله كان على كلِّ شَيْءٍ حسيباً(86)}


ومضات:


ـ إن الإسلام يُدْخل الاطمئنان والسرور إلى أعماق النفس البشرية بأيسر الوسائل وأقلِّ التكاليف، منطلقاً من الحثِّ على التبسُّم في وجوه الآخرين وتحيَّتهم بملء الودِّ والمحبَّة.

ـ إن المبادرة الطـيِّبة من الناس يجب أن تلقى قبولاً حسناً، وأن يُكافَأَ البادئ بخير على مبادرته، فإن لم نستطع ذلك كان لزاماً علينا أن نردَّ على الإحسان بمثله.

ـ لقد رتَّب الله تعالى أمور الناس بما يكفل لهم السعادة والوحدة، وأعطى لكلِّ شيء حقَّه لتتوازن الحياة وفق أدقِّ المعايير، فلا يكون هناك أي خلل يؤدِّي إلى الانقسام أو التفسخ.


في رحاب الآيات:


في هذه الآية الكريمة لمسات ودِّية جديرة بالوقوف أمامها، فهي تحدِّد السمة الَّتي يحرص المنهج الإسلامي على طبع المجتمع المسلم بها، ألا وهي الترغيب بكلِّ وسيلة من شأنها أن توثِّق عُرى الأخُوَّة وتعزِّز علاقات الموَّدة بين أفراد المجتمع؛ وإن إفشاء السَّلام والتحيَّة في مقدِّمة تلك الوسائل الَّتي تتجلى ثمراتها في تصفية القلوب، وتوسيع دائرة التعارف بين الناس، وتوثيق الصلة بين عباد الله، وهي ظاهرة يدركها كلُّ من يمارسها على صعيد المجتمع ويتدبَّر نتائجها الإنسانية العجيبة.


وقد اختار الله للمؤمنين أجمل معاني التحيَّة ليتبادلوها فيما بينهم؛ وجعلها كلمة السَّلام، فمن أسمائه الحسنى السَّلام، وقد سمَّى الجنَّة دار السَّلام، وتحية المؤمنين والملائكة فيها السَّلام، قال تعالى: {دعوَاهُم فيها سبحانَكَ اللَّهمَّ وتحيَّتُهُم فيها سلام..} (10يونس آية10) والعالَمُ اليوم بأجمعه يسعى جاهداً لنشر السَّلام، فما أجملها من تحيَّة كريمة أهداها دين الإسلام للبشرية.


وللتحيَّة مرتبتان: أدناهما ردُّها بمثلها، وأعلاهما الردُّ بأحسن منها، والمجيب مُخَيَّر بينهما، ومن السُنَّة أن يسلِّم الراكب على الماشي، والقائم على القاعد، والفرد على الجماعة. ويسلِّم الرجل على أهل بيته حين يدخله، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يابُنَيَّ إذا دخلت على أهلك فسلِّم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك» (رواه الترمذي) وقال قتادة: (إذا دخلت بيتك فسلِّم على أهلك، فهم أحقُّ من سلَّمت عليهم). فمن دخل بيتاً ليس فيه أحد فليقل: السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة تردُّ عليه السَّلام.


والسَّلام سنَّةٌ عند الدخول على قوم ما، قال تعالى:{ياأيُّها الَّذين آمنوا لا تدخلوا بُيوتاً غيرَ بُيوتِكُم حتَّى تستأنِسوا وتُسلِّموا على أهلها..} (24 النور آية 27)، وكذلك يُسنُّ عند المغادرة والرحيل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلِّم فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم فليست الأولى بأحقَّ من الآخرة فمن فعل ذلك شاركهم في كلِّ خير فعلوه بعده» (رواه أبو داود والترمذي).


ومن أدب السَّلام الجهر به لأنه أدعى لإدخال السرور في القلب، ويجوز أن يكون السَّلام على النساء الأجنبيات بالإشارة، قالت أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: «مرَّ علينا النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد يوماً، وعصبة من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم» (رواه الترمذي وأبو داود) فالحديث يشير إلى جواز التسليم بالإشارة على النساء الأجنبيات، وجواز تسليمهن على الرجال، إذا أُمِنَت الفتنة.


والسُّنة في السَّلام بين الرجال المصافحة لما لها من فضلٍ عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يتفرَّقا» (رواه أبو داود والترمذي).


والسَّلام أمانة يجب تأديتها لأصحابها فمن قال لآخر: أَقْرِئ فلاناً عني السَّلام، وجب عليه أن يفعل. ويجب ردُّ السَّلام على الغائب، وأن يُشرك المُبلِّغ كقوله: (عليك وعليه السَّلام) فقد جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له: «إن أبي يقرئك السَّلام فقال: عليك وعلى أبيك السَّلام» (رواه أبو داود).


والأكمل أن نبدأ نحن بالتحيَّة لمن نعرف ولمن لا نعرف، وهذا إفشاءٌ للسَّلام ونشرٌ لأسباب المحبَّة على مستوى الأفراد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : «لا تدخلوا الجنَّة حتَّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا، أَوَلا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم» (رواه مسلم).

أمَّا على مستوى الدول والشعوب فالأجدر بها أن يكون بينها تحيَّة وتعاون مثمر بنَّاء، لما فيه من تحقيق لمصلحة الإنسانية في الإعمار والازدهار، وخيرُ شعوب الأرض هو السبَّاق إلى إنشاء جسور السَّلام والتفاهم، ونشر المودَّة والمحبَّة والإخاء، والله تعالى رقيب شهيد.

خديجة
18-07-2008, 09:01 PM
جزاك الله خيرا على ماتقدمه لنا من تاويل وتوضيح وشكرا لك وجزاك الله الجنة

دموع مشتعلة
18-07-2008, 10:40 PM
جزاكـ الله كل خير

ونفع الله في طرحكـ

اخوي فعلا لنا الله

لنا الله
19-07-2008, 11:41 PM
جزاكما الله خيرا لمروركما ونفع الله بكما

لنا الله
19-07-2008, 11:42 PM
قدسيَّة البيت الحرام


سورة البقرة(2)

قال الله تعالى: {وإذ جَعَلنا البَيتَ مَثَابَةً للنَّاسِ وأَمْناً واتَّخِذوا من مقَامِ إبراهِيمَ مُصَلّىً وعَهِدنَا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن طَهِّرا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكِفينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ(125) وإذ قال إبراهيمُ رَبِّ اجعَل هذا بَلَداً آمِناً وارزُق أهلَهُ من الثَّمَراتِ من آمَنَ منهُم بِالله واليَومِ الآخِر قال ومن كَفَرَ فأُمَتِّعُهُ قَليلاً ثمَّ أضطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وبِئسَ المَصِيرُ(126)}

سورة إبراهيم(14)

وقال أيضاً: {رَبَّنا إنِّي أسكنْتُ من ذُرِّيَّتي بِوَادٍ غيرِ ذي زرْعٍ عند بيتكَ المُحَرَّمِ ربَّنا لِيُقيموا الصَّلاةَ فاجعلْ أفئدةً من النَّاس تهوي إليهم وارزُقْهُم من الثَّمرات لعلَّهُم يشكرون(37)}



ومضات:

ـ شرَّف الله تعالى الكعبة العظيمة بأن جعلها مهوى لأفئدة المؤمنين، يُقْبِلون إليها من كلِّ جانب، وجعل إقامتهم حولها أَمْناً وسلاماً.

ـ كرَّم الله تعالى سيدنا إبراهيم، بأن جعل مقامه مصلّىً للناس.


ـ أمر الله تعالى نبيَّه إبراهيم وابنه إسماعيل، أن يطهِّرا البيت الحرام من الأرجاس، ليكون محراباً لعبادة الله وحده.

ـ عندما طلب إبراهيم عليه السَّلام من حضرة الله أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى مكَّة، كان المكان قفراً خالياً من أيِّ بشر سوى إسماعيل ووالدته، واليوم يأوي إلى ذلك المكان ملايين الناس في كلِّ عام حُجَّاجاً ومعتمرين، استجابة من الله تعالى لدعاء الخليل عليه السَّلام.



ـ إن هذه الصورة من الإجابة الإلهيَّة، تُشَجِّعُنا على المواظبة على الدعاء الحارِّ، ولو كنَّا في ظروف صعبة جداً، لا نرى فيها أيَّ أمل بتحقيق مرادنا، ذلك لأن عطاء الله غير محدود، وبغير حساب، ولا تحدُّه قوانين البشر وفهمهم الظاهري للأمور.



ـ الخلق كلُّهم عيال الله، والرزق رحمة منه تصيب البَرَّ والفاجر على السواء، من آمن ومن كفر، ولكنَّها تكون خاصَّة بالمؤمنين في الآخرة، وتبقى جهنَّم مثوى للكافرين



في رحاب الآيات:

الكعبة المشرَّفة هي أوَّل بيت أمر الله تعالى بإقامته على الأرض من أجل عبادته، وعهد إلى نبيِّه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السَّلام إقامة بنائه وتجديد ركائزه وتطهيره، وأمرهما أن يحمياه من كلِّ ما يمنع تحقيق هذه الغاية، لتكون الكعبة بذلك ملتقى للمؤمنين، يُقبلون عليها من كلِّ جانب، ويحظون بالأمن في رحابها، فهي أكبر محطَّة للتجمُّع الإيماني في الأرض كافَّة.


وفضلاً عن ذلك، فقد اختصَّ الله تعالى هذه البقعة المقدَّسة، بخصائص انفردت بها دون غيرها، ففيها الصفا والمروة، وزمزم، والحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السَّلام. وهي أيضا مراكز للإشراق الروحي، ومكان اجتماع المسلمين في الحجِّ، إذ يأتون إليها من أصقاع الأرض ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله تعـالى في أيَّامٍ معـلومات، وهذا دليلٌ كافٍ على شـرف هذا البيت، وأحقِّـيَّته في أن يكون قبلة للمسلمين.

وقد أوصى الله المؤمنين أن يتَّخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى، يتوجَّهون فيه إلى الله تعالى لما له من حرمة وقداسة وطهارة، وتذكيراً لهم بانتسابهم إلى شجرة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السَّلام؛ الَّذي استجاب لأمر ربِّه، فأخذ زوجته وولده إسماعيل الَّذي وهبه الله إيَّاه بعد أن بلغ من الكبر عتيّاً، وبعد أن اشتعل منه الرأس شيباً، هذه الثمرة الَّتي جاءت بعد انتظار مديد وقلق طويل، يحملها الأب ليتركها في قلب الصحراء امتثالاً لوحي الله.


وبعد أن يفرغ من مهمَّته، ويترك زوجته وولده غريبين في أرض قفراء موحشة لا أثر فيها لحياة، يرفع بصره نحو السماء، وقلبه مفعم بالتسليم لأمر الله، وينعقد الدعاء على لسانه آياتٍ محكماتٍ تُعلِّم المؤمن كيف يكون أدبه مع الخالق، وكيف يكون الدعاء. لقد دعا إبراهيم ربَّه أن يجعل هذا البيت المتواضع، المشيَّد في صحراء مقفرة، مهوى للأفئدة، تحنُّ إليه القلوب حُبّاً وشوقاً، وتُهْرَع إليه من أصقاع الأرض الدانية والقاصية، لتجد فيه ملاذاً لروحها القلقة، وطمأنينة وسكينة في كنف الله ورعايته.



وقد تمَّ اختيار المكان الَّذي ينبغي لإسماعيل وأمِّه أن يسكنا فيه، بوحي من الله جلَّ وعلا، حيث يحفُّه الأمن والسَّلام، وتقام فيه الصَّلاة على أصولها، وتكون بمثابة الخلوة مع الله لتربية النفس وعقد الصلة بينها وبينه، وتفريغ القلب من الأغيار، وقطع جميع علائق الدنيا.

وهذه الخلوة لابدَّ منها لكلِّ مؤمن حتَّى يؤهَّل لاستقبال العطاء الإلهي والقيام بالتكاليف؛ إنها تَهْيِئَةٌ لشحن القلب بنور الله بعد تفريغه وتنظيفه من الأغيار ليكون أهلاً لحمل الأمانة. وعلى الرُّغم من أن إبراهيم عليه السَّلام قد خصَّ المؤمنين بدعائه، فإن الله بفضله وإحسانه جعل رزق الدنيا شاملاً للناس أجمعين؛ من كان مؤمناً ومن كان كافراً، لكنَّه اختصَّ المؤمنين بنعيم الآخرة دون سواهم، والله كريم حكيم.

وقد استجاب الله تعالى لإبراهيم دعاءه، فجعل البيت الحرام أماناً وأمناً، وسلاماً وسلماً، وجعل القلوب تهوي إليه، والرحال تُشدُّ إلى أرضه، والأفئدة تتعانق في رحابه. فليس من مسلم إلا وقلبه معلَّق بالكعبة، وترى المسلمين يتوجَّهون إليها من الآفاق في أيَّام الحجِّ، مدفوعين بقوَّة لا يستطيعون مقاومتها، فهي أشبه ما تكون بالغريزة أو الإلهام، وقد أراد الله تعالى لهذا التجمُّع البشري الهائل أن يُثمر عملاً جماعياً يعود بالخير والنتائج الإيجابيَّة على المؤمنين في أصقاع الأرض، وفي جميع دروب الحياة، وأن يكون وسيلة تحلُّ مشاكلهم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة.

فهو مؤتمر سنوي يجتمع فيه القاصي والداني، والأبيض والأسود تحت مظلَّة الإيمان، حيث يتداولون أمورهم، ويستشعرون الوحدة والقوَّة بتجمُّعهم وإخائهم، فيشكرون الله تعالى ويحمدونه، على عظيم فضله وإحسانه، بأن هداهم إلى هذا النور وهذا الإخاء، الَّذي ما كانوا ليهتدوا إليه لولا أن هداهم الله.

وقد نسب الله ـ تعالى ـ البيت إلى ذاته العليَّة فقال: {بيتي} تعظيماً له وتكريماً؛ لذلك نرى أن النفس المؤمنة تتوق إليه وترتاح لرؤيته، ولقد جاشت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى عند رؤية الكعبة وقال: «ياعمر! هنا تُسْكَب العبرات» (أخرجه ابن ماجه والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما).

ثم أشارت الآية إلى صنوف العابدين في البيت الحرام وهم: الطائفون حول البيت، والمعتكفون عنده للعبادة، والمصلُّون الَّذين يحفُّهم تعالى برحمته وفضله، وفي ذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : «يُنزِّل الله كلَّ يوم على حجَّاج بيته الحرام عشرين ومائة رحمة ستين للطائفين وأربعين للمصلِّين وعشرين للناظرين» (رواه البيهقي بإسناد حسن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

لنا الله
21-07-2008, 05:24 PM
سورة الحُجُرات(49)
قال الله تعالى: {قالتِ الأعرابُ آمنَّا قُلْ لم تُؤمِنوا ولكنْ قولوا أسلَمنا ولمَّا يَدخُلِ الإيمانُ في قلوبِكُم وإن تُطيعوا الله ورسولَهُ لا يَلِتْكُم من أعمالِكُم شيئاً إنَّ الله غفورٌ رحيم(14) إنَّما المؤمنونَ الَّذين آمنوا بالله ورسولِهِ ثمَّ لم يرْتابوا وجاهدوا بأموالِهِم وأنفسِهِم في سبيلِ الله أولئك هم الصَّادقون(15)}


ومضات:


ـ كلُّ من ابتعد عن روح الإيمان غدا كأعرابي جاهل، وتبقى روحه عارية عن كسوة الإيمان، الَّذي هو يقين يستقرُّ في القلب، ويقتلع منه كلَّ جذور الشكِّ والريبة بالرسالة والرسول، ولا يكفي المرء أن ينسب نفسه للإسلام ليكون مؤمناً حقيقياً، بل إنَّ عليه أن يجسِّد اعتناقه للإسلام عملاً وواقعاً بطاعة الله ورسوله.


في رحاب الآيات:


ادَّعى سكان البادية زمن الرسول ا لكريم بأنهم آمنوا، وردَّ الله تعالى عليهم وعلى من كان على شاكلتهم في كلِّ زمان ومكان بأنهم لم يؤمنوا بعد، ولكنَّهم مازالوا معتقدين فقط بالإسلام، وبصحَّة نبوَّة الرسول الكريم. فالإيمان الحقيقي: إضافة إلى ما تقدَّم هو التطبيق العملي لتعاليم الإسلام قلباً وقالباً، روحاً وجسداً، ولا يمكننا الوصول إليه، ونحن بمنأى عن الصلة المادِّية والروحية بالنبي محمَّد عليه السلام، لأن في القرب منها علماً وتعلُّماً وأخلاقاً وتزكيةً، وكلَّما اقتربنا منه صلى الله عليه وسلم حباً وصدقاً وإخلاصاً، كلَّما ارتشفت قلوبنا من أنوار الهداية، وتغذَّت عقولنا بثمار العلم، واشتدَّت هممنا في العمل المجدي البنَّاء.

وليس المقصود في هذه الآية التفرقة بين أهل المدن وأهل البادية، بل القصد هو إثبات قرب أهل المدينة منه r وابتعاد أهل البادية عنه، ذلك القرب الَّذي كان يهيِّئ لصحابته المحيطين به إمكانية التأسِّي به صلى الله عليه وسلم ، والالتزام بمدرسة التعليم والهداية قولاً وعملاً؛ أما الأعراب فهم في باديتهم مشغولون.
وبهذا المعنى يبقى الناس وعلى مرِّ العصور أعراباً ولو سكنوا المدن والقصور، ما لم يلتزموا برياض العلم والعلماء، وما لم توصلهم محبَّتهم لرسول الله إلى طاعة أوامر الله تعالى، والالتزام بسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ممَّا يؤهِّلهم لأن يتقبَّل الله تعالى أعمالهم كاملة غير منقوصة.

أخـرج ابن ماجه وابن مردويه والبيهقي في شـعب الإيمان عن الإمام علي بن أبي طالب ـ كرَّم الله وجهـه ـ قال: قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : «الإيمان معرفـة بالقـلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان» وهذا لا يحصل إلا بعد الدخول في مدرسة العمل، لأن الإيمان تصديق قلبي واطمئنان نفسي وسلوك عملي في طريق التربية وتهذيب النفس. ومع هذا فإنَّ كَرَمَ الله اقتضى أن يجزي الطائعين على كلِّ عمل صالح يصدر عنهم، فلا ينقص من أجرهم شيئاً ما استقاموا على الطاعة والتسليم. وهو تعالى ستَّار للهفوات، غفَّار لزلاَّت من تاب وأناب، وأخلص له، رحيم به فلا يعذِّبه بعد التوبة.


أما من أقرَّ بالإسلام واكتفى من تعاليمه بالأماني، وأصرَّ على أعرابيَّته، فلم يكلِّف نفسه مشقَّة الالتزام بأحكام الإسلام وتكاليفه فله تهديد الله تعالى بقوله: {الأعرابُ أشدُّ كُفراً ونِفاقاً وأجْدَرُ ألاَّ يعلموا حُدودَ ما أنزلَ الله على رسولهِ والله عليمٌ حكيم} (9 التوبة آية 97).
ثم يُبيِّن الله تعالى صفة المؤمنين الصادقين الَّذين صدقوا الله ورسوله، ثمَّ لم يتشكَّكوا، ولم يتزعزعوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وبذلوا مُهَجهم، ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، وتسلَّحوا بسلاح الصَّبر في مقاومة التجارب القاسية، والابتلاءات الشديدة.

والتعبير على هذا النحو ينبِّه القلوب المؤمنة إلى مزالق الطريق، وأخطار الرحلة لتحزم أمرها، وتحتسب معاناتها، وتستقيم، ولا ترتاب عندما يَدلَهمُّ الأمر، ويظلم الأفق، فالله تعالى وصف المؤمنين الصادقين بثلاثة أوصاف:
الأوَّل: التصديق الجازم بالله ورسوله.
والثاني: عدم الشكِّ والارتياب، بل اليقين المبني على العلم والحكمة وتزكية النفس.
والثالث: الجهاد بالمال والنفس، وهذا يتطلَّب الجُهد الحثيث للحصول على المال الحلال، وتكريسه في سبيل الله، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المؤمن الصَّادق.
وبهذا ندرك أنه لكي ينتقل الإنسان من أعرابيَّته إلى حضريَّته فعليه أن يؤمن إيماناً راسخاً عميقاً وكاملاً بالله ورسوله، إيماناً لاشكَّ بعده ولا زيغ، إيماناً يدفعه لأن يكون على استعداد لتقديم كلِّ ما يملك في سبيل الله، بكلِّ صدقٍ ومحبَّةٍ وتفانٍ، إيماناً لا يدع مجالاً لحبٍّ يغلب على حبِّ الله تعالى ورسوله وتكاليف الإسلام، قال الله تعالى: {قُل إن كان آباؤكُم وأبناؤكُم وإخوانُكُم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفْتُموها وتجارةٌ تخشَونَ كسادَها ومساكنُ ترْضَونَها أحبَّ إليكم من الله ورسولهِ وجهادٍ في سبيله فتربَّصوا حتَّى يأتيَ الله بأمرهِ والله لا يهدي القومَ الفاسِقين} (9 التوبة آية 24).


ـ المؤمن الحقيقي يسير في طريق الدعوة وهو كامل الثقة بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، ينفق ماله ويبذل روحه في سبيل إشادة بناء الإيمان والسَّلام والإخاء العالمي، فيستحقُّ بذلك لقب المجاهد الصَّادق.

لنا الله
22-07-2008, 05:17 PM
تزكية النفس


قال الله تعالى: {ونَفْسٍ وما سوَّاها(7) فألهَمَهَا فُجورَهَا وتقواها(8) قدْ أفلحَ من زكَّاها(9) وقد خابَ من دسَّاها(10)}سورة الشمس(91


ومضات:


ـ تقوم التربية الأخلاقية في الإسلام على تزكية النفس، الَّتي تعني التخلِّي عن الأخلاق الذميمة والعادات السيئة، والتحلِّي بكلِّ خُلُق فاضل لتصبح النفس طاهرة نقية، ويكون صلاحها في الفرد عنوان صلاح المجتمع.


ـ تعكس هذه الآيات الكريمة حقيقة الوجود النفسي في الإنسان، فهو مخلوق ذو استعدادات متوازية لاستقبال المؤثِّرات الخيِّرة والشرِّيرة على السواء.

ـ قد فاز من أعمل أجهزة التقاط المؤثِّرات الخيِّرة لديه فرجح خيره على شرِّه، وانعكس تزكية وتطهيراً بمحبَّة الله وذكره، وقد خاب من عطَّلها وجعل مؤثِّرات الشرِّ تغلبه، فلوَّث نفسه بالمعاصي ودنَّسها بالآثام.


في رحاب الآيات:

من خلال هذه الآيات الكريمة تبرز لنا نظرة الإسلام إلى الإنسان بأوضح معالمها، فالكائن البشري بنظر الإسلام مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعدادات، مزدوج الاتجاهات، ونعني بكلمة مزدوج على وجه التحديد أنه بطبيعة تكوينه من طين الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه، مزوَّد باستعدادات متساوية للخير والشرِّ، والهدى والضلال، وهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شرٌّ، كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشرِّ،



وهذه القدرة كامنة فيه يعبِّر عنها القرآن الكريم بالإلهام تارة في قوله تعالى: {ونَفْسٍ وما سوَّاها فألْهَمَها فُجورَها وتقواها}، وبالهداية تارة أخرى في قوله تعالى: {وهديناهُ النَّجدين} (90 البلد آية 10)، فهي كامنة في صميمه في صورة استعداد، والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية، إنَّما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجِّهها هنا أو هناك، ولكنَّها لا تخلقها خلقاً لأنها مخلوقة بالفطرة، وكائنة بالطبع، وكامنة بالإلهام.


فالنفس البشرية تُخْلَق على الفطرة، وكأنَّها أرض خصبة صالحة لإنبات أيِّ بذور تُزرع فيها، وهنا يكمن دور الوالدين والعائلة والمجتمع في التأثير على شخصية الإنسان واستعداده. وحين يصبح في سنِّ البلوغ يمسك قراره بيده، فله عقله وتفكيره، وله حرِّيته ملء إرادته في زرع أرض نفسه بما شاء وكيفما شاء. فإن انتقى بذور الخير والإيمان ومحبَّة الله تعالى والخلائق، فقد نجح وأفلح في مهمَّته الَّتي خُلق من أجلها، لأنه بذلك يكون قد ربَّى نفسه ونمَّاها، حتَّى بلغت غاية ما هي مستعدَّة له من الكمال العقلي والعملي، وأثمرت بذلك الثمر الطـيِّب لها ولمن حولها.


وإن هو أهمل هذا الاختيار وترك لنفسه العنان، وسار بها على درب الفساد والإفساد فقد خاب مسعاه، وفشل في مهمَّته، وخسر نفسه وأوقعها في التَّهلُكة بفعل المعاصي ومجانبة الطاعات، وبذلك يكون قد هوَّن من شأن القوَّة العاقلة الَّتي اختُصَّ بها بوصفه إنساناً، واندرج في عداد الخاطئين المسيئين لاستعمال قوانين الله.


هناك إذن تبعة مرتَّبة على منح الإنسان هذه القوَّة الواعية القادرة على الاختيار والتوجيه؛ توجيه الاستعدادات الفطرية القابلة للنمو في حقل الخير وفي حقل الشرِّ على السواء.


ومن رحمة الله بالإنسان أنه لم يدعه لاستعداد فطرته الإلهامي، ولا للقوَّة الواعية المالكة للتصرُّف وحدهما، بل أعانه بالرسالات الَّتي تضع له الموازين الثابتة الدقيقة، وتكشف له عن موحيات الإيمان، ودلائل الهدى في نفسه وفي الآفاق من حوله، فيبصر الحقَّ في صورته الحقيقيَّة، وبذلك يتَّضح له الطريق وضوحاً كاشفاً لا خفاء فيه ولا شبهة. أخرج الطبراني عن ابن عباس t قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا هذه الآية: {ونَفْسٍ وما سوَّاها فألْهَمَها فجورها وتقواها} وقف ثمَّ قال: اللهم آتِ نفسي تقواها، أنت وليُّها ومولاها، وأنت خير من زكَّاها»،



فتزكية النفس هدف من أهداف الرسالات السماوية، وغايتها الارتقاء بالطبائع الإنسانية حتَّى تصبح أقرب إلى الملائكية، وتخليص الإنسان من سيطرة سلطان الأهواء والشهوات، لتكون الفضائلُ كالصدق والأمانة، والتَّواضُع والإيثار، والاستقامة ونحوها؛ مُثُلاً عليا تقود مسيرته في الحياة، وتوجِّه سلوكه بحيث لا يخرج عن إطار التربية الأخلاقية.

اللهم اهدنا لاحسن الاخلاق والاعمال واصرفنا عن سيئها

خديجة
22-07-2008, 07:04 PM
جزاك الله خيرا على الافادة المتواصلة والدائمة نحن بانتضار الجديد والمفيد دائما

لنا الله
25-07-2008, 07:40 PM
جزاكم الله خيرا أختي الكريمة لمروركم
نفعنا الله وإياكم بالقرآن وأهله

لنا الله
25-07-2008, 07:42 PM
الاستقامة والوفاء بعهد الله

قال الله تعالى: {إنَّ الَّذين قالوا ربُّنا الله ثمَّ استقاموا تَتَنزَّلُ عليهمُ الملائكَةُ ألاَّ تَخَافوا ولا تَحزنوا وأبشِرُوا بالجنَّة الَّتي كُنتم تُوعدون(30) نحن أولياؤُكُم في الحياة الدُّنيا وفي الآخرةِ ولكم فيها ما تشتهي أنفُسُكُمْ ولكم فيها ما تَدَّعُون(31) نُزُلاً من غفورٍ رحيم(32) ومن أحسَنُ قولاً ممَّن دعا إلى الله وعمِلَ صالحاً وقال إنَّني من المسلمين(33)}سورة فُصِّلَتْ(41)


وقال أيضاً: {وأَنْ لوِ استقاموا على الطَّريقَةِ لأسقيناهُم ماءً غَدَقاً(16)}سورة الجن(72)


ومضات:

ـ الاستقامة تعني الالتزام الكامل بالتوجُّه نحو الله وبالله وفي سبيل الله.

ـ إن من يُخلص العبوديَّة لله تعالى ويسير ضمن تعاليمه، يحصل على الدعم الروحي في رحلته الحياتيَّة، حيث تُظلُّه العناية الربانيَّة، وتُسخَّر له الملائكة لتيسير أموره وحفظه، وكذلك في رحلة الآخرة بدءاً من حفرة القبر، وحتَّى دخول جنان الخلد بإذن الله عزَّ وجل؛ حيث فيها ما تقرُّ به الأعين وتطرب له القلوب.

ـ يتمايز الناس في الدنيا بأنسابهم وأحسابهم وأموالهم، أمَّا عند الله فإن أفضل الناس من حسن كلامه وصلح عمله، وطاب سلوكه وممشاه، وانتسب إلى مدرسة الإسلام بصدق وجدارة.


في رحاب الآيات :


أن يقول المرء (ربِّيَ الله) فهذا سهل على اللسان، ويكاد أهل الأرض يجمعون على ترداد هذا القول، ولكن قليلاً منهم من يشعر بالمسؤوليات والالتزامات الَّتي تترتب على الاعتراف بوجوده تعالى، وبكونه خالقهم ومقدِّر أمورهم، ويدركون أنَّ عليهم أن ينظِّموا برنامـج حياتهم وفق مخططاته عزَّ وجل. وسبيلهم إلى ذلك يتلخَّص في كلمة واحدة حيث يُتْبِعُ أحدهم القول بالعمل؛ إنها الاستقامة.

فالاستقامة هي المسار الصحيح للإنسان في حياته العملية فيما يُرضي الله عنه تعبديّاً، وبما يُسْعِد مجتمعه فكريّاً أو ماديّاً أو جهداً عمليّاً. وأعضاء مجتمع الاستقامة هم أهل الله وخلفاؤه في الأرض، تحوطهم العناية الربَّانية في الدنيا والآخرة، وتحفُّ بهم ملائكة الرحمة بالبشائر والاستغفار، والرعاية الكريمة؛ قلوبهم واثقة بالله، مطمئنة به، لا تعرف الخوف إلا منه عزَّ وجل. جاء في صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: «قلت يارسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك؛ قال: قل آمنت بالله، ثمَّ استقم».

وبمجرَّد أن ينوي المؤمن الاستقامة، ويقرِّر السير عليها بصدق، فإن الله يُسخِّر له ملائكة الرحمة لتلهمه الحقَّ، وترشده إلى طريق الخير والصلاح، ولتكون معه في وحشة القبر تؤنسه، وتزيل عنه الروع من أهوال يوم القيامة، وتدخله معزَّزاً مكرَّماً إلى دار الخلود قائلة له: طبت وطاب محياك وطاب مماتك. قال بعض الصالحين: [إن الملائكة تتنزَّل حين الاحتضار على المؤمنين بهذه البشارة، ألا تخافوا من هول الموت ولا من هول القبر، وشدائد يوم القيامة، وإن المؤمن ينظر إلى حافظَيه قائمَين على رأسه يقولان له: لا تخف اليوم ولا تحزن، وأبشر بالجنَّة الَّتي كنت توعد، وإنك سترى اليوم أموراً لم تر مثلها، فلا تهولنَّك فإنما يُراد بها غيرك]. وقيل أيضاً: [البشرى للمؤمنين المستقيمين في ثلاثة مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث].

ولاشكَّ في أن الصبر على تكاليف الاستقامة أمر عسير، ولذلك يستحقُّ الصابرون عند الله هذا الإنعام الكبير، الَّذي هو صحبة الملائكة وولاؤهم ومودَّتهم، وبشائرهم بالجنَّة الَّتي فيها ما تشتهي أنفسهم وما يدَّعون، والَّتي اختارها تعالى داراً لإقامتهم: {نُزلاً من غفور رحيم} فهي من عند الله أنزلهم فيها بمغفرته ورحمته، فأيُّ نعيم بعد هذا النعيم؟.

لقد استحقَّ المؤمنون هذا التكريم بسبب رفعهم لواء التَّوحيد، لذلك فإن أحسن كلمة تقال في الأرض، هي كلمة التَّوحيد، الَّتي تصعد في مقدِّمة الكلم الطَّيب إلى السَّماء، شريطة أن تقترن بالعمل الصالح الَّذي يصدِّقها، مع الاستسلام لله الَّذي تتوارى معه الذَّات، فتصبح الدعوة خالصة له سبحانه ليس للداعية فيها شأن إلا التبليغ.

كان الحسن رضي الله عنه إذا تلا هذه الآية {ومن أَحسَنُ قولاً ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنَّني من المسلمين}، قال: (هذا الداعي إلى الله، هذا حبيب الله، هذا وليُّ الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا والله أحبُّ أهل الأرض إلى الله، أجاب الله دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه).

إذن، فالإسلام يجعل مركز الصدارة للدعاة الَّذين استقاموا على طريق الله عزَّ وجل، فهم أشرف الخلق، وأحبُّ الخلق إلى الله، يدعون الناس إلى الإيمان بأقوالهم وأفعالهم، بل إن أفعالهم لتسبق أقوالهم، فهم منارات للهدى، وبصائر للأفئدة، وهم المسلمون حقاً وصدقاً.

خديجة
25-07-2008, 09:59 PM
جزاك الله خيرا واثابك وجعل الجنة متواك

لنا الله
27-07-2008, 07:24 PM
جزاكم الله خيرا أختي الكريمة لمروركم

أظن لا أحد متابع غيركم هنا

لنا الله
27-07-2008, 07:26 PM
الصِّـدق


قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا اتَّقُوا الله وكونوا مع الصَّادقين(119)}سورة التوبة(9)

وقال أيضاً: {فمن أظلمُ ممَّن كَذَبَ على الله وكَذَّبَ بالصِّدق إذ جاءَهُ أَلَيْسَ في جهنَّمَ مثْوىً للكافرين(32) والَّذي جاءَ بالصِّدق وصَدَّقَ به أولئك هُمُ المتَّقون(33) لهم ما يشاؤونَ عندَ ربِّهمْ ذلك جزاءُ المُحسنين(34)}
سورة الزمر(39)

وقال أيضاً: {ومن أظلمُ ممَّنِ افترى على الله كذِباً أو كَذَّبَ بآياتِهِ إنَّهُ لا يُفلِحُ الظَّالمون(21)}سورة الأنعام(6)


ومضات:

ـ الصِّدق هو المِحَكُّ لمعرفة درجة الإيمان، وهو الفضيلة الَّتي يجب أن تصطبغ بها كلُّ أعمالنا وتصرفاتنا أثناء توجُّهنا إلى الحضرة الإلهية، حتَّى تُتوَّج أعمالنا كلُّها بالنور والفلاح.

ـ أشدُّ الناس ظلماً هو من يعتدي على حقوق الله تعالى وتشريعاته وتعاليمه، سواء بالتقوُّل عليها كذباً وبهتاناً، أو بالتكذيب المباشر لما أنزله تعالى من الرسالات السماوية

في رحاب الآيات:


الصِّدق خُلقٌ من أجلِّ الأخلاق الَّتي يتَّصف بها المؤمنون، وتاج مرصَّعٌ تُوِّج به النبيُّون والمرسلون. وهو الطريق لكلِّ خير وبرٍّ، وعنوان للرقيِّ المادِّي والروحي في كلِّ جيل وعصر، ومِحَكٌّ دقيق يميِّز المؤمن ـ الَّذي يتحرَّى هذا الخلق في أقواله وأعمالـه ـ عن المنافق الَّذي يكثر من الكذب حتَّى يصبح علامة من علامات نفاقه، ويسلك به الطريق الضيِّق، فينزلق من خلاله إلى أودية الشرور والآثام.

وقد بيَّن لنا الصَّادق المصدوق نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم عاقبة الأمرين عندما قال: «عليكم بالصِّدق فإن الصِّدق يهدي إلى البِّر، وإن البرَّ يهدي إلى الجنَّة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصِّدق حتَّى يكتب عند الله صِدِّيقاً، وإيَّاكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النَّار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتَّى يكتب عند الله كذَّاباً» (رواه الأربعة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ).

ولما كانت القدوة الصالحة خير طريق لاكتساب الخُلقِ الحسن؛ فقد أمرنا الله عزَّ وجل بصحبة الصَّادقين من المؤمنين في قوله: {ياأيُّها الَّذين آمنوا اتَّقوا الله وكونوا مع الصَّادقين}، وقد امتدحهم الله في آية أخرى فقال: {مِنَ المؤمنينَ رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه..} (33 الأحزاب آية 23)
فهم الوجه المشرق المنير للإنسانية، وفيهم تتجلَّى الرجولة الحقيقية لأنهم صدقوا قولاً وعملاً، ونشروا راية الإيمان شرقاً وغرباً، فسكنت قلوبَهُم سعادةٌ يحسدهم عليها ملوك الدنيا وأباطرتها، وعُمِّرت بيوتهم المتواضعة بذكر الله ونوره، فغدت تضاهي بسكينتها والسعادة الَّتي فيها، قصور الأمراء والمترفين.

فالصِّدق بُغية المؤمنين ولا يزالون يتحرَّونه حتَّى ينالوا رتبة الصدِّيقين، ولا يحيدون عن دربه إلى أن يلقَوُا الله فيحشرهم مع النبيين والشهداء والصالحين. ويسألون الله أن يثبِّتهم على هذا الخلق العظيم أسوة بحبيبهم الصَّادق الأمين صلى الله عليه وسلم الَّذي كان يدعو كما علَّمه الله: {وقُلْ رَبِّ أدخلني مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخرجني مُخْرَجَ صِدْقٍ واجعلْ لي من لدُنْكَ سلطاناً نصيراً} (17 الإسراء آية 80) أي ربِّ أدخلني كلَّ مدخل في الحياة دخولاً حسناً مَرْضِيَّاً تجعلني فيه من الصَّادقين، وأخرجني إخراجاً حسناً مؤيداً بتوفيقك واكتبني فيه من الصَّادقين، واجعل رحلة حياتي من بدئها إلى ختامها، ميسَّرة ومسدَّدة وآمنة، في ظلِّ عنايتك الَّتي تظلُّني؛ إلى أن ألقاك وقد أدرجتني في ديوان الصَّادقين الأبرار.


فما أجمله من دعاء يترجم حقيقة حالهم؛ إنهم صدقوا والتزموا التَّقوى في أموالهم وأعمالهم، فأعدَّ الله لهم خير المساكن، وأكرم المنازل، وبوَّأهم الجنَّة يتمتَّعون بنعيمها المقيم، ويتلذَّذون فيها بالنظر إلى وجهه الكريم، فيغدق عليهم من فضله ورضوانه ما يسعدهم ويرضيهم؛ فهم في بساتين غنَّاء ورياض فيحاء، وأنهار جارية، وأشربة صافية لذيذة، ومجالس صادقة خالصة، لا لغو فيها ولا تأثيم وَعْد الصِّدق الَّذي وعدهم في قوله جلَّ من قائل: {إنَّ المُتَّقينَ في جنَّاتٍ ونَهَرٍ * في مقعدِ صِدْقٍ عند مَلِيْكٍ مقْتَدِرْ} (54 القمر آية 54ـ55).

فما أشدَّ ظلم الإنسان لنفسه عندما يُعْرِضُ وينأى عن طريق الصِّدق والصَّادقين، ويسلك طريق الكذب ويرضى بأن يكون من المفسدين المنافقين، ولهذا فإن الله عزَّ وجل نفى صفة الكذب وافترائه عن المؤمن الَّذي يكون حريصاً على سلامة المجتمع وأمنه وسعادته فقال: {إنَّما يفتري الكذبَ الَّذين لا يؤمنونَ بآياتِ الله وأولئكَ هُمُ الكاذبون} (16 النحل آية 105).

فالكذب آفة من أشدِّ الآفات فتكاً بالمجتمع، ومن أشدِّها خطراً على سلامته، وذلك لما يخلق من عداوة بين الناس، وغرسٍ لبذور الشكِّ في نفوسهم، وتحطيم لعامل الثِّقة فيما بينهم. وما فشا الكذب في أمَّة إلا كثرت فيها المفاسد وشاعت الجرائم، فهو مصدر كلِّ رذيلة، ومنشأ كلِّ كبيرة.

إن من يفتري على الله الكذب ويكذِّب بما جاء به رسله الصَّادقون، يكون قد خرج عن دائرة الإيمان، وهوى في حمأة النفاق، لأنه بافترائه الكذب يصبح أشدَّ ضرراً وإيذاءً من الكافر الَّذي يعلن إنكار الحقيقة وجحودِها، بينما يتجاوز المفتري ذلك إلى اختلاق الأباطيل الَّتي يزرع بها بذور الفتنة والشِّقاق. ويليه في درجة الأذى الكاذب المعرض عن الحقِّ؛ فليس هناك من هو أظلم ممَّن يعرف الحقَّ؛ ثمَّ ينكره ويختلق الأكاذيب حوله وينشرها، وليس ثَمَّةَ من هو أضلُّ ممن نزع عن نفسه حماية الله العزيز القوي، ورفع راية الشيطان يستظلُّ بها، وهي لن تجلب له سوى الإحباط والمهلكات.

ولعلَّ أشدَّ أنواع الكذب خطراً وتهديماً أن يكذب الكاذب وهو يَدَّعي أنه يقول الحقَّ مدعوماً بوحي مزعوم يأتيه؛ أو رسالة سماوية تتنزَّل عليه، فهذا ظلم للحقِّ، وظلم للنفس، وظلم للناس. فهو ظلم للحقِّ لأنه تزوير للإرادة الإلهية، وهو ظلم للنفس بإيرادها موارد التهلكة، وهو ظلم للناس لأنه يصرفهم عن جادَّة الحقِّ باسم الحقِّ كذباً وبهتاناً، والحصيلة النهائية هي هدم القيم الاجتماعية والأخلاقية الَّتي يريد الله إرساءها بين عباده.

ومن الكذب أيضاً أن يزعم المرء أن لله ولداً أو شريكاً، أو يدَّعي في دينه ما ليس فيه، أو أن يُكذِّبَ بالكتب السماوية أو يحرِّفها أو ينكر بعض ما جاء فيها، أو ينكرها كلَّها مستجيباً بذلك لأهوائه وشهواته، وأبلغ مثال على ذلك كفر أبي جهل وتكذيبه للنبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بصدقه، فقد روي أن الأخنس بن شُرَيْق التقى بأبي جهل فقال له: [يا أبا الحكم! أخبرني عن محمَّد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس عندنا أحد غيرك يخبرنا، فقال أبو جهل: والله إن محمَّداً لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب (بنو قصي) باللواء والسقاية والحجابة والنبوَّة فماذا يكون لسائر قريش؟]، إن هذا النوع من الكذب والتكذيب هو أشدُّه ضرراً وإيذاءً، وهو في الوقت نفسه أشدُّه عذاباً، لأنه جحد للحقِّ عن إصرار وعناد.


وهناك آخرون يتَّخذون من الكذب وسيلة لتحقيق مصالحهم الشخصية، ويستترون بستار التديُّن والصلاح؛ كأن يدَّعي بعضهم أن له مع الله حالاً أو كشفاً أو مشاهدة، ليخدع مخلوقات الله ويوهمهم بالفوقيَّة عليهم، وأنهم محتاجون لبركاته وتوجُّهاته، ليشتري بذلك ثمناً قليلاً من متاع الدنيا وزخرفها.

وتندرج في أنواع الكذب صفة الإخلاف بالوعد، كأن يقول المرء قولاً لا يفي به. وقد عُدَّ هذا النوع من الكذب من أفظع الأفعال الَّتي يبغضها الله ويكرهها، وقد أنكرها سبحانه وتعالى على من يتَّصف بها من المؤمنين ووبَّخهم في كتابه العزيز على هذا التَّصرف المذموم فقال: {ياأيُّها الَّذين آمنوا لِمَ تقولونَ ما لا تفعلون * كَبُرَ مَقْتاً عندَ الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (61 الصف آية 2ـ3) فجاء الخطاب من الله لهم بصيغة استفهام يتضمَّن الإنكار والتوبيخ لكلِّ من يَعِدُ وعداً ويُخلفه، ويتفوَّه بكلام لا ينجزه.

وقد استدلَّ السلف بهذه الآية على وجوب الوفاء بالوعد لأنه دليل على كريم الشِّيم، وجميل الخصال، وبه تتولَّد الثِّقة بين الجماعات فترتبط برباط المودَّة والمحبَّة حين يتعامل أفرادها مع بعضهم بعضا، ويكونون يداً واحدة فيما قرَّروا من الأعمال، والعكس بالعكس، فإذا فشا في أُمَّة إخلاف الوعد قلَّت الثِّقة بين أفرادها وانحلَّت عُرى الروابط بينهم، وأصبحوا عِقْداً متناثراً لا يُنتَفعُ به، فلا يهابهم عدوٌّ إذا اشتدَّت الأزمات، وعظُمت الخطوب.

وقيل في معنى هذه الآية: هي أن يأمر الإنسان أخاه بالمعروف ولا يأتمر به، وينهاه عن المنكر ولا ينتهي عنه، كقول الله تعالى: {أَتأْمُرونَ النَّاسَ بالبرِّ وتَنْسَونَ أنفسَكُمْ وأنتمْ تتلونَ الكتابَ أفلا تعقلون} (2 البقرة آية 44) فهذا فعل يبغض الله صدوره من المؤمنين وخاصَّة ممَّن يكونون في مقام الدعوة والإرشاد والتهذيب؛ فلا يعقل أن يعظ واعظ بترك الموبقات وهو غارق فيها إلى أذنيه، أو يرشد إلى طريق الجنَّة من هو مترنِّح على طريق النَّار، فهذا من أكبر الموبقات عند الله، لأن المسيء في عمله لا تتجاوز عظته الآذان؛ بل قد يوقع الناس في الفتنة والإعراض عن طريق الإيمان كُلِّيةً، حيث يتساءلون في أنفسهم: إذا كان القدوة يفعل بخلاف ما يقول فكيف بمن هم دونه؟، وإذا كان ما يتفوَّه به الواعظ من الحكمة والمواعظ لا يؤثِّر فيه شخصياً، فهل يعقل أن يؤثِّر في عامَّة الأشخاص؟، إنه إذن القدوة السيئة، والأداة المنفِّرة عن طريق الله.

فلو كان يرتكب ما يرتكبه دون أن يجعل من نفسه واعظاً وقدوة، لخفَّ الضرر الصادر عنه فيما يتعلَّق بالناس الباحثين عن الدليل إلى الحقِّ، وعن القدوة الصالحة. فما بالك بإنسان واعظ مرشد ينبِّه الناس إلى أضرار الغيبة، وآثارها السلبية والسيئة في المجتمع ثمَّ تراه في مجالسه الخاصَّة سمَّاعاً للغيبة، مشاركاً فيها، منغمساً في آثامها؟، أليس الله بقادر على هؤلاء جميعاً وغيرهم ممَّن يملك من الكذب ألواناً وأصنافاً؟! أليس في جهنَّم مكان يتَّسع لهم ويكون مستقرّاً دائماً لهم؟! بلى إن جميع الفئات من الكاذبين المدجِّلين، لهم مقت شديد وعقاب مروِّع من الله، لما جنَوْه بحقِّ أنفسهم وحقِّ الآخرين!.


وحول هذه المعاني يقول الشاعر:

يا أَيُّهـــا الرجــل المعلِّـم غيرَه هلاَّ لنفسك كان ذا التعليمُ
ابدأ بنفسـك فانْهَهَا عن غيِّها فـإذا انتهـــتْ فأنتَ حكيمُ
لا تَنْـهَ عن خُلُــقٍ وتأتي مثلـه عارٌ عليـك إذا فعلت عظيمُ

لنا الله
05-08-2008, 07:55 PM
إصلاح ذات البين


قال الله تعالى: {وإنْ طائِفتان من المؤمنين اقْتَتَلُوا فأصلحوا بينَهما فإنْ بَغَتْ إحداهما على الأُخرى فقاتِلوا الَّتي تَبْغي حتَّى تَفِيء إلى أمر الله فإنْ فاءَتْ فأصلحوا بينَهما بالعدلِ وأقْسِطُوا إنَّ الله يحبُّ المُقْسطين(9) إنَّما المؤمنونَ إخوةٌ فأصلحوا بين أخوَيْكم واتَّقوا الله لعلَّكم تُرحمون(10)}سورة الحجرات(49)


ومضات:

ـ المؤمن أخو المؤمن، والأُخوَّة رباط قويٌّ من روابط الإيمان الحقيقي، لذلك كان لزاماً علينا أن نسارع ودون أيِّ تهاون إلى رأب الصدع، وإصلاح الخلل بين الإخوة قبل أن يستفحل الشر ويُعْضِلَ الداء، لننال الرحمة والبرَّ الإلهي.


في رحاب الآيات:


لقد اهتمَّ الإسلام بمسألة احتمال وقوع خلاف بين المؤمنين وأخذها بعين الاعتبار؛ وذلك لأن المؤمنين بَشَر، والبشر يخطئون ويصيبون، ويعسر أن تتَّفق آراؤهم أو تتوحَّد اتجاهاتهم دائماً. ولهذا عالج الإسلام مسألة الخلاف هذه، على اختلاف مستوياتها؛ بدءاً من مرحلة المشاحنة والمجادلة، ومروراً بالهجر والتباعد، وانتهاءً بمرحلة الاعتداء والقتال. وقد نصَّ القرآن الكريم على الحلِّ الأمثل لعلاج مثل هذه الحالة الطارئة ويتمثَّل بانتهاج طريقين اثنين هما:

أوَّلاً: العمل على جمع شمل المتخاصمين وإصلاح ذات بينهم بالحكمة والموعظة الحسنة.

ثانياً: في حال تمرُّد إحدى الفئتين المتخاصمتين على أحكام الصلح وقبول الأخرى بها؛ يجب أن يقوم المجتمع بأكمله في وجه الفئة المتمرِّدة منهما لإلزامها برأي الجماعة، ولو أدَّى ذلك إلى إخضاعها له بالقوَّة. فإذا ارتدعت وانقادت فالصلح سيِّد الأحكام، والعدل رائد الجميع في إتمام مسيرة السَّلام، وبذلك تُنتزع جذور الشرِّ من القلوب وتُزرع مكانها بذور المحبَّة والوئام.

إن الشقاق والخلاف من أخطر أسلحة الشيطان الفتاكة الَّتي يوغر بها صدور الناس، لينفصلوا بعد اتحاد، ويتنافروا بعد اتفاق، ويتعادوا بعد أُخوَّة؛ فما دامت هناك مجتمعات وتجمُّع واجتماعات، فلابدَّ من وجود أسباب للاتفاق وأخرى للاختلاف، ولابدَّ من وجود آراء متقاربة وأخرى متنافرة، قد تؤدِّي عند بعض الناس إلى نشوب خلاف مردُّه إلى التباين في تلك الآراء، وعجز كلِّ طرف من أصحاب الخلاف عن إدراك وجهة نظر الطرف الآخر، ممَّا يؤدِّي بدوره إلى سوء التصرُّف الَّذي لا تُحمَد عقباه في كثير من الأحيان. وكما وضع القرآن الكريم في الحسبان احتمال وقوع القتال بين طائفتين من المؤمنين، فقد أبقى وصف الإيمان للطائفتين كلتيهما على الرغم من اقتتالهما، مع احتمال أن تكون إحداهما أو كلتاهما باغية.

وفي مواجهة ظرف كهذا يتوجَّب على كلِّ عاقل حكيم مدرك للأمور، يتمتَّع بسعة الصدر، وبُعد النظر أن يتقدَّم لإصلاح ذات البين، وتضييق شقَّة الخلاف، ونزع العداوة من القلوب، وإحلال المحبَّة والسلام، على أن يكون حكماً عدلاً منصفاً في إيصال كلِّ ذي حقٍّ إلى حقِّه، فقد جاء في الحديث الشريف: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصِّيام والصَّلاة والصَّدقة؟ قالوا: بلى يارسول الله! قال: إصلاح ذات البين» (رواه البخاري ومسلم).

فإذا ما صدر الحُكم العدل عن هيئة اجتماعية معروفة بالعدالة والتَّقوى وجب على الجميع الالتزام به، والتقيُّد بأحكامه، إذعاناً للحقِّ وإرضاءً للضمائر الحيَّة، أمَّا إذا قلب بعض الناس ظهر المِجنِّ، وغلبتهم أهواؤهم ومطامعهم، وانْبَرَوا للاعتداء والخروج عن الجماعة، فلابدَّ للجميع من الوقوف ضدَّهم لصدِّهم عن غيِّهم وتماديهم، دون أن تأخذهم في دين الله رحمة أو شفقة بهم. فإذا انتهَوْا والتزموا جانب الصواب يُعفى عنهم ويُتجاوز عن سيئات أعمالهم، بعد أن يصلحوا ما قاموا بإفساده. وينبغي تحرِّي العدل والإنصاف في الإصلاح بين المتخاصمين لأن الله يحبُّ العادلين، جاء في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انصُر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قلت يارسول الله: هذا نصرتُه مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إيَّاه».

وفي الختام تقرِّر الآية الكريمة أن الأُخوَّة الحقيقية هي أُخوَّة الإيمان، فالمؤمنون إخوة تجمعهم رابطة الدِّين، فلا يليق بهم أن يسمحوا للعداوة أو الشحناء أن تسري بينهم، فأُخوَّة الإسلام أقوى من أُخوَّة النَّسب، بحيث أن أُخوَّة النسب تفقد قيمتها إذا خلت من أُخوَّة الإسلام.

والخلاصة: أنه يجب الإصلاح بين المتخاصمين، والوقوف في وجه المعتدين، وعَدُّ رابطة الإيمان أقوى من رابطة الدم والنسب، وكذلك السعي الحثيث لمنعِ الفرقة من أن تُنشب أظفارها، والحيلولة دون نفثِ البغضاء سمومها في جسد مجتمعنا، وأن نتحلَّى جميعاً بالتَّقوى لتهبَّ علينا نفحات الله عزَّ وجل، ولتبقى المحبَّة مزدهرة بيننا وارفة الظلال.

لنا الله
08-08-2008, 12:00 AM
الرضا بالقضاء والقدر


قال الله تعالى: {وإن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فلا كاشفَ له إلاَّ هوَ وإن يُرِدْكَ بخيرٍ فلا رادَّ لفضلهِ يُصيبُ به من يشاءُ من عبادهِ وهو الغفورُ الرَّحيم(107) قُل ياأيُّها النَّاسُ قد جاءكُمُ الحقُّ من ربِّكُمْ فمن اهتدى فإنَّما يهتدي لنفسهِ ومن ضلَّ فإنَّما يَضِلُّ عليها وما أنا عليكُم بوكيل(108)}سورة يونس(10)


ومضات:


ـ مقاليد أمور الخلق، وتصاريف أقدارهم بيد الله سبحانه وتعالى، وهو الَّذي قدَّر ما هو كائن لهم أو عليهم، وهو الَّذي قسم بينهم أرزاقهم ولا رادَّ لإرادته.

ـ الخير والشرُّ مفهومان متناقضان يصيب الله بهما من يشاء من عباده، ويكونان كجزاء عادل على أعمالهم في أغلب الأحيان، وقد يوجَّهان من الله إليهم ليبلُوَهم ويختبرهم، أيُّهم يحسن التصرُّف بالخير حين جريانه بين يديه، وأيُّهم يحسن الصبر على الضُّرِّ إذا أصابه، ثمَّ يجازيهم أو يثيبهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة حسبما يستحقُّون.

ـ المؤمن هو المستفيد الأوَّل من ثمرات هدايته واتِّباعه تعاليم الحضرة الإلهيَّة، والضالُّ هو أوَّل من يعاني من آثار تعنُّته وفجوره، والله غنيٌّ عن إيماننا ولا يضرُّه ضلالنا.


في رحاب الآيات:

إذا خرج الإنسان عن قواعد الله وتعاليمه الحكيمة الَّتي وضعها من أجل سلامته وسعادته، فإنه سيلقى عقاب الله تعالى في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معاً. هذا هو قانونه الأزلي، قانون الثواب والعقاب، فعمل الإنسان إمَّا أن يؤدِّي به إلى الإضرار بنفسه أو إلى خير يصيبه، وتضطلع إرادة الله المطلقة في تقدير الأمور، وتبقى النتيجة والمسؤولية متعلِّقة بإرادة الإنسان واختياره الشخصي؛ فإن زكَّى نفسه فقد أفلح، وإن أهلكها بالمخالفات والمعاصي فقد خاب وهلك. لذلك جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الخير ليعلِّمَنا كيف ننقذ أنفسنا من دائرة عذاب الله، فقال: «اطلبوا الخير دهْرَكُم، وتعرَّضوا لنفحات رحمة الله تعالى، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوه أن يستر عوراتكم ويؤمِّن روعاتكم» (أخرجه البيهقي).

وقد يسأل أحدهم: إذا كان الله يقدِّر الخير للطائعين والشرَّ للعاصين، فلماذا نرى الكثير من المؤمنين الطائعين وقد ابتُلُوا بمصائب مختلفة، كالمرض أو الفقر أو فَقْدِ الولد وغير ذلك، بينما نرى من العاصين من يغرق في النعيم والخيرات؟ والجواب نسوقه من خلال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته سرَّاءُ شكر وكان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر وكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن» (رواه مسلم مرفوعاً)

فالله تعالى إذا أحبَّ عبداً ابتلاه فإذا صبر اجتباه، وكلَّما ازداد صبراً وشكراً ارتقت درجته عند الله. ولا يزال المؤمن بين شكر على النعم وصبر على المحن حتَّى ينال درجة الأبرار والصدِّيقين، قال صلى الله عليه وسلم : «أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثمَّ الأمثل فالأمثل. يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّة ابتُلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء الإنسان حتَّى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» (أخرجه الترمذي).

وأيّاً كان قضاء الله تعالى في المؤمن فإنه يرضى به لأنه لا رادَّ لقضائه، فلو اجتمع الناس جميعاً على أن يدفعوا عنه ضُرّاً قد كتبه الله عليه فإنهم لن يردُّوه، ولو اجتمعوا على أن يمنعوا عنه خيراً قدَّره له فإنهم لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً. وقد أُثِر عن الرسول صلى الله عليه وسلم دعاؤه: «اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء» (أخرجه الطبراني عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه )، والرضا أعلى درجة من الصبر.

وأمَّا الكفار والمتمرِّدون فقد يزيد لهم الله تعالى من أسباب النعيم والقوَّة، ما يجعلهم يزدادون ظلماً وطغياناً، حتَّى يستحقُّوا عظيم العقاب، قال تعالى يتوعَّدهم: {وذَرْنِي والمكذِّبينَ أُوْلِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهُمْ قليلاً * إنَّ لَدَينا أَنْكَالاً وجحيماً} (73 المُزَّمل آية 11ـ12) وقال أيضاً: {ذَرْنِي ومن خَلَقتُ وحيداً * وجعَلْتُ له مالاً ممدوداً * وبَنِينَ شُهوداً * ومَهَّدت له تمهيداً * ثمَّ يطمعُ أن أَزيدَ * كلاَّ إنَّه كان لآياتنا عنيداً * سأُرْهِقُهُ صَعُوداً} (74 المُدَّثر آية 11ـ17) وهكذا فإنك ترى أن هذه النعم الدنيوية ما هي إلا امتحان يريد الله به اختبارنا أيُّنا أحسن عملاً، ومع ذلك فإنه تعالى يختصُّ برحمته من يشاء لنفسه الهداية، فيهديه إلى سواء السبيل.

إن نداء الله عامٌّ شامل، وقد نزل القرآن للناس كافَّةً دون تخصيص المؤمنين، لذلك فهو يدعوهم جميعاً إلى تدبُّره، سواء من سمع هذه الدعوة من الرسول صلى الله عليه وسلم ، أم مِنَ الدعاة بعده إلى أن تقوم الساعة؛ فقد أرسل الله القرآن هدىً ونوراً، ولو أن الناس اطَّلعوا على ما في ثناياه من الحكمة والموعظة لم يخالفوه، ومن سلك سبيل الحقِّ وصدَّق بما جاء من عند الله فإن الفائدة عائدة إليه، ومن اعْوَجَّ وأعرض، فإن وبال ضلاله عائد على نفسه، بما يفوته من فوائد الاهتداء، وما يصيبه من العذاب.

إنها دعوة صريحة وواضحة، ولكلٍّ أن يختار لنفسه ما يشاء، وما الرسول أو الداعي إلا مبلِّغين عن الله، وليسا مكلَّفين بسوق الناس إلى الهدى كُرْهاً، بل إنَّ أمْرَ هداهم وضلالهم موكَّل إلى إرادتهم واختيارهم، وقد كتب الله لهم أو عليهم ما علمه من اختيارهم، ضمن إطار إرادته سبحانه، فلا يحدث شيء في هذا الكون إلا بإرادته.

طقس
08-08-2008, 01:58 AM
جزاك الله خير الجزاء يا أخي
وفقك الله لكل خير
وجعله في موازين حسناتك
وحبذا ذكر المراجع فهي تقوي الموضوع

أظن لا أحد متابع غيركم هنا

تأكد أخي الكريم أن الكثير يتابع ولكنهم لا يعلقون فقط
فعدد المشاهدات للموضوع يزداد ولله الحمد

http://img.mlfnt.net/files/3466.gif (http://img.mlfnt.net/index.php?action=viewfile&id=3466)

لنا الله
08-08-2008, 04:41 PM
جزاك الله خير الجزاء يا أخي
وفقك الله لكل خير
وجعله في موازين حسناتك
وحبذا ذكر المراجع فهي تقوي الموضوع



تأكد أخي الكريم أن الكثير يتابع ولكنهم لا يعلقون فقط
فعدد المشاهدات للموضوع يزداد ولله الحمد

http://img.mlfnt.net/files/3466.gif (http://img.mlfnt.net/index.php?action=viewfile&id=3466)



جزاك الله خيرا أخي الكريم لمرورك وتعليقك

بالنسبة للمراجع فهذا الكلام مأخوذ من تفسير ابن كثير وعدة تفاسير

بالإضافة إلى كلام بعض المشائخ

بالنسبة للمتابعة فنحن لا نبتغي إلا الأجر من الله والفائده

لنا الله
08-08-2008, 04:42 PM
وحدة الكلمة والاعتصام بحبل الله المتين


قال الله تعالى: {إنَّ الَّذين فرَّقوا دينَهُمْ وكانوا شِيَعاً لست منهم في شيءٍ إنَّما أمرُهم إلى الله ثمَّ ينبِّئُهم بما كانوا يفعلون(159)}سورة الأنعام(6)

ومضات:



ـ إن شريعة الإسلام تهدف إلى توحيد الشعوب وإذابة عوامل التفرقة بينها، ونشر لواء الأخُوَّة والمحبَّة بين أفرادها؛ لذا كان من المستغرب حقاً أن تظهر قوى مفرِّقة ومصدِّعة لهذه الوحدة الإيمانية الإنسانية باسم الدِّين، ودافعها الخلافات السياسية والمذهبية.

ـ إن الفئات المتصلِّبة المصرَّة على التفرقة ليست من شرع الله في شيء، ورسول الله بريء منها إلى يوم القيامة.

في رحاب الآيات:


إن تعاليم السماء كلَّها وحدة متَّصلة، يأخذ بعضها بيد بعض في نسق منسجم ومنهج سليم، وكلُّها تدعو إلى وحدانيَّة الله ونشر السلام على الأرض، ولكنَّ عقول الناس متباينة في مدى فهمها واستيعابها لهذه التعاليم. لذلك نرى بعض الفئات تتقارب، إمَّا بسبب طبيعتها المتشابهة أو بسبب مصالحها المشتركة، وتتَّخذ لنفسها منحىً مذهبيّاً خاصّاً يبعدها عن منهج الصالح العام، فتتشعَّب الطرق أمام الناس ويضيعون في متاهات التعصُّب، وهذه الفرق تبني لنفسها قواعد فكرية تخالف بها غيرها من المجموعات، ولا تلبث أن تتحوَّل إلى قوالب فكرية جامدة متحجِّرة، تكفِّر غيرها وتناصبه العداء، مُعْرِضَةً عن الحوار العقلاني النزيه، مستبدَّةً بأفكارها، محدثة ما لم يكن في صلب العقيدة، وضاربة حول ذاتها سوراً يمنعها من التواصل مع الآخرين.


وهذه الفرق تُعَدُّ أداة هدم في وحدة المجتمع، وعوامل تفرقة وتشرذم، وهي بعيدة عن الدِّين، وإن كانت في الظاهر تدعو إليه، روى بقيَّة بن الوليد بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «إن الَّذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً، إنما هم أصحاب البدع، وأصحاب الأهواء، وأصحاب الضلالة من هذه الأمَّة، ياعائشة. إن لكلِّ صاحب ذَنْب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليست لهم توبة، وأنا منهم بريء، وهم مني بُرآء» (أخرجه الترمذي وابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهم).

وما نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم التوبة عنهم إلا لعِظم ذَنْبهم الَّذي أصاب من وحدة الأمَّة مقتلاً، وأوردها موارد الضعف والتهلكة، فأيُّ استغفار ينفع في ذلك، وأيُّ توبة تفيد هؤلاء؟ والله ينذرهم بأنه سيجازيهم على مفارقة دينهم، ويذيق بعضهم بأس بعض، ويسلِّط عليهم أعداءهم ويذيقهم ألوان الذلِّ والهوان. وذلك ما لم يرجعوا عن غيِّهم، وينخرطوا من جديد في صفوف المجتمع الإسلامي الواحد، نابذين خلافاتهم وأحقادهم، متخلِّين عن أهوائهم، عازمين على اتِّباع ما يرضي ربَّهم، قال تعالى: {ولا تكونوا كالَّذين تَفَرَّقوا واختلفوا من بعد ما جاءَهُمُ البيِّناتُ وأولئك لهم عذابٌ عظيم} (3 آل عمران آية 105).

فالوحدة سُنَّةُ الإسلام وفريضته، والفرقة والتمزُّق بدعة الجاهلية، والمسلمون أمَّة واحدة؛ إلَهُهم واحد، ونبيُّهم واحد، وكتابهم واحد، وقبلتهم واحدة، الأخوَّة شعارهم، والجماعة سِمةٌ في عباداتهم، والجمعة يوم عظيم من أيام أعيادهم؛ يجتمعون فيه على طاعة الله والاعتصام بحبله، وهم يبتغون بعد ذلك ما يشاؤون من عطائه وفضله. والحجُّ أكبرَ تجمُّع إيماني لهم، لحلِّ مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية، ودعم وحدتهم وتوحيد صفوفهم، إضافة لسموِّهم الروحي والأخلاقي.

لنا الله
11-08-2008, 01:39 AM
وحدة الكلمة والاعتصام بحبل الله المتين


قال الله تعالى: {ياأيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَموتُنَّ إلاَّ وأنتُم مسلِمُونَ(102) واعتَصِموا بحَبْلِ الله جميعاً ولا تَفَرَّقُوا واذكُروا نِعمَةَ الله عليكم إذ كُنتُم أعداءً فألَّفَ بين قُلوبِكُم فأصبَحتُم بنعمَتِهِ إخواناً وكُنتُم على شَفا حُفرةٍ منَ النَّارِ فأنقَذَكُم منها كذلك يُبَيِّنُ الله لكم آياتِهِ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ(103)}سورة آل عمران(3)


ومضات:

ـ تتضمَّن هذه الآيات الكريمة دعوة للمؤمنين كي يجاهدوا أنفسهم، ويستسلموا بكلِّ جوارحهم للإيمان بالله، ويواصلوا العمل حتَّى آخر رمق من حياتهم بما يقتضيه هذا الإيمان.

ـ حين تتغلغل محبَّة الله في القلوب، تتفرع عنها محبَّة لسائر مخلوقاته، وبالسير على نهجه القويم، تتوحَّد الخُطا وتتشابك الأيدي في تعاون وأُلفة، تنأى بالمؤمنين عن مهاوي الهلاك والشقاق، وتجعل منهم إخواناً متحابِّين.


في رحاب الآيات:


يأمر الله تعالى، من خلال هاتين الآيتين جميع المؤمنين في كلِّ أرجاء المعمورة، أن يتركوا الشهوات والشبهات ويزكُّوا أنفسهم، كي يتمكَّن الإيمان من قلوبهم، وتترسَّخ جذوره في أعماقهم، فيستسلموا استسلاماً كاملاً لشريعة السماء، ويخلصوا في العمل من أجل السَّلام والإخاء الإيماني، دون كلل أو ملل حتَّى الرمق الأخير. ويناديهم الله تعالى بهذا النداء المحبَّب: {ياأيُّها الَّذين آمنوا} ليستثير عواطفهم الكريمة، فيتلقَّوا أوامره ونواهيه بقلوب مؤمنة مطمئنة، ومن هذه الأوامر الدعوة إلى التَّقوى؛ وهي أن يُطاعَ الله فلا يُعصى، وأن يُذكرَ فلا يُنسى، وأن يُشكرَ فلا يُكفر، وكلَّما زادت تقوى القلب استيقظ شوقه إلى مقام أرفع ودرجة أرقى.

فإذا تمكَّن الإيمان من القلب، وترسَّخت جذوره في صميم النفس، أثمر حالة من حالات الرضا، الَّتي تفجِّر الطاقات الكامنة، وتحرِّك القوى الهاجعة في أعماق الإنسان، فيندفع إلى الخير اندفاع المحبِّ إلى ما يُحِبُّ، ويبتعد عن الشرِّ ابتعاد الكاره عما يكره، وهذه المنزلة لا يصل إليها إلا من اتقى المحارم والشُّبُهات، واقتصد في الشهوات والملذَّات، وجاهد نفسه وتجافى عن الدنيا دار الغرور؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الدنيا حلوةٌ خضِرةٌ وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتَّقوا الدنيا..» (رواه مسلم).

وتؤكِّد الآية على ضرورة تمسُّك المؤمنين بالتَّقوى، وأن يبقوا على تسليمهم المطلق لله تعالى في جميع أوقات حياتهم وسائر ظروفهم، ليموتوا مسلمين حين انقضاء آجالهم. فمن شبَّ على شيء شاب عليه، ومن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه.

والله سبحانه إنما دعا الناس إلى الإسلام لأنه يجمع القلب إلى القلب، ويضمُّ الصفَّ إلى الصفِّ، هادياً لإقامة كيان موحَّد، ونبذ عوامل الفرقة والضعف وأسباب الفشل والهزيمة؛ ليكون لهذا الكيان القدرة على تحقيق الغايات السامية، والمقاصد النبيلة، والأهداف المثلى الَّتي جاءت بها رسالته العظمى. فهو يكوِّن روابط و صِلات بين أفراد المجتمع لتُوجِد هذا الكيان وتُدعِّمه، وهذه الروابط تقوم على الأخوَّة المعتصمة بحبل الله، وهي نعمة يمنُّ الله بها على المجتمع، ويهبها لمن يحبُّ من عباده ويحبُّونه، فما من شيء يجمع القلوب مثلُ الأخوَّة في الله، حيث تتلاشى إلى جانبها الأحقاد القديمة، والأطماع الشخصية، والنزعات العنصرية. قال تعالى: {.. وَمَن يَعْتَصِمْ بالله فَقد هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (3 آل عمران آية 101).

وإذا كانت وحدة الكلمة هي القوَّة الَّتي تحمي دين الله، وتحرس دنيا المسلمين، فإن الفرقة هي الَّتي تقضي على دينهم ودنياهم معاً. ولن يصل المجتمع إلى تماسكه إلا إذا بذل له كلُّ فرد من ذات نفسه، وكان عوناً له في كلِّ أمر، ليصبح أفراده كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الَّذي رواه النعمان بن بشـير رضي الله عنه : «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجـسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (متفق عليه)، وما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً، وشبَّك بين أصابعه» (متفق عليه).

وخير مثال على هذا؛ الأمَّة العربية الَّتي كانت في بدء أمرها فرقاً متعادية وقبائل ممزَّقة، ثمَّ هبَّت عليها نفحة الإسلام فجمعت شتاتها، ووحَّدت كلمتها، فانطلقت إلى غايتها الكبرى في توحيد العالم تحت راية الهداية والعلم والأخلاق الفاضلة، بعد أن عرفت طريقها، وأحكمت خطَّتها، فجنت أطيب الثمرات من وراء الوحدة والاتحاد؛ وأدركت عملياً ـ بعد أن آمنت عقلياً وقلبياً ـ أن الوحدة قوَّة، وأن التفرُّق ضعف، وأنه ما من شدَّة تعرَّضت لها إلا كان سبَبُها الاختلاف والانقسام، لذلك كان همُّ أعدائها أن يتَّبعوا معها سياسة (فرِّق تَسُدْ)، وأوجدوا بذلك الثغرات الَّتي نفذوا من خلالها إلى مآربهم. وقد علَّم الرسول صلى الله عليه وسلم أتباعه كيف يكونون يداً واحدة، وقلباً واحداً في مادياتهم ومعنوياتهم وحركاتهم وسكناتهم، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلِمُه ولا يُسلِمهُ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كُربةً فرَّج الله عنه بها كُربة من كُرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة..» (متفق عليه).

وقد صوَّر النصُّ القرآني حال القوم حين كانوا متفرِّقين مختلفين، في مشهدٍ حيٍّ متحرِّك تضطرب له القلوب، فمثَلُهم في التفرقة كمثل قوم أشرفوا على هوَّةٍ بركانية ملتهبة، وبينما هم على وشك السقوط في النار إذا بيد العناية الإلهية تمتَدُّ إليهم فتتدارك هلاكهم وتنقذهم، وإذا بحبل الله يؤلِّف بينهم، ويجمع شملهم. فما أجملها من نعمة قد تفضَّل الله بها عليهم، فأكرمهم بالنجاة والخلاص بعد الخطر والترقُّب، وقد بَـيَّن الله تعالى فضله في تأليف تلك القلوب، وإنقاذها من براثن الفرقة والضياع بقوله سبحانه: {..هو الَّذي أيَّدَكَ بنصرِهِ وبالمؤمنين * وألَّف بين قلوبِهِمْ لو أنفقتَ ما في الأرضِ جميعاً ما ألَّفتَ بين قلوبِهِمْ ولكنَّ الله ألَّفَ بينهم إنَّه عزيزٌ حكيمٌ} (8 الأنفال آية 62ـ63)، وبذلك وضَّح الله طريقه الَّذي ارتضاه للناس كي يسلكوه فيهتدوا به إلى سعادة الدارين.

لنا الله
12-08-2008, 03:11 AM
نظرة الإسلام إلى المجتمع الإنساني


قال الله تعالى: {ياأيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْناكُمْ من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوباً وقبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكرمكُمْ عندَ الله أتقاكُمْ إنَّ الله عليمٌ خبير(13)}سورة الحجرات(49)


ومضات:



ـ إن مسؤولية بناء المجتمع الإسلامي العالمي تقع على عاتق الرجل والمرأة على السواء.

ـ خلق الله تعالى آدم وحواء وجعل من ذريَّتهما الشعوب والقبائل والأجناس والألوان، فالناس كلُّهم إخوة، لذلك فلابدَّ لجسور التوادد والتواصل من أن تبقى قائمة بينهم، فلا تفاضل بين لون وآخر، أو عرق وآخر، بل مساواة بين الجميع أمام الله تعالى؛ الَّذي يُكرَمُ الناس لديه على درجة تقواهم، فمن نال شرف التَّقوى حصل على وسام مرضاة الله، والله أعلم بأعمال مخلوقاته خبير بنواياهم.


في رحاب الآيات:


في ثنايا الآية الكريمة معنى الخطاب الإلهي الموجَّه للبشر جميعاً: يا أيُّها الناس! نحن خلقناكم بقدرتنا من أصل واحد، وأوجدناكم من أب وأم، فلا تفاخر بالأجداد والآباء، ولا اعتداد بالحسب والنسب، كلُّكم لآدم وآدم من تراب. وجعلناكم شعوباً شتَّى، وقبائل متعددة ليحصل بينكم التعارف والتآلف، ويتلاشى التناحر والتخالف. أمَّا اختلاف الألسنة والألوان، وتباين الطباع والأخلاق، وتفاوت المواهب والاستعدادات، فإنما هو تنوُّع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف، والعمل على نهوض المجتمع الإنساني وتحقيق الخلافة في الأرض.

لذلك لا يكون التفاضل بين الناس بالأحساب والأنساب، بل بالتَّقوى والعمل الجادِّ المخلص، فمن أراد شرفاً في الدنيا، ومنزلة في الآخرة فليتَّق الله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : «من سرَّهُ أن يكون أكرم الناس فليتَّقِ الله» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). والتَّقوى معناها مراعاة حدود الله تعالى أمراً ونهياً، والاتِّصاف بما يرضيه عنَّا. وقد رفع الإسلام لواء التَّقوى لينقذ البشرية من عواقب العصبية للجنس، أو للقبيلة، أو للأسرة، بشتَّى الأسماء، وهي في حقيقتها عصبيَّة جاهلية، والإسلام منها براء، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم عنها: «دعوها فإنها نتنة» (رواه أبو داود)، وقال صلى الله عليه وسلم : «إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبُّرها بآبائها، كلُّكم لآدم وحواء، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، فإذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوِّجوه» (أخرجه البيهقي)، وأخرج الترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من اتقى الله أهاب الله منه كلَّ شيء، ومن لم يتَّق الله أهابه الله من كلِّ شيء».


وهذه هي القاعدة الَّتي يقوم عليها المجتمع الإسلامي؛ المجتمع الإنساني العالمي الَّذي تحاول البشرية في خيالها المحلِّق أن تحقِّق لوناً من ألوانه ولكنَّها أخفقت، لأنها لا تسلك الطريق الوحيد الموصل إليه، وهو الطريق إلى الله تعالى. لذلك نجد أن الله جلَّ وعلا يخاطب رسوله الكريم بتلك العبارة الشاملة، الَّتي تتَّسع لتشمل سائر الأجناس والمذاهب والَّتي تنفي التحيُّز أو التعصُّب: {قُلْ أعوذُ بربِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاس * إله النَّاس} (114 الناس آية 1ـ3). فالله هو ربُّ الناس جميعاً، والربُّ هو المربِّي والموجِّه والراعي والحامي، وهو ملك الناس جميعاً، والملك هو المالك الحاكم المتصرِّف، وهو إله الناس جميعاً، والإله هو مَنْ وَلِه الكلُّ به ولهجوا باسمه، ونادوا من أعماق قلوبهم أن الحمد لله ربِّ العالمين.

ومن هنا نرى أن الإسلام بعد أن وضع القواعد السليمة لبناء النفس المؤمنة، سعى لإشباع نوازع النفس البشرية التوَّاقة إلى الفوز والتفوُّق على الآخرين، فبيَّن أن سبيل التنافس والتسابق ينحصر في المكرمات الَّتي تكسب رضا الله، كما قال تعالى: {…وفي ذلك فليتنافسِ المُتَنافسون} (83 المطففين آية 26) أي في الأسباب الموصلة إلى ذلك النعيم ليَكُنِ التنافس والتسابق، وما أكثر هذه الأسباب كالاستزادة من التخلُّق بالأخلاق الفاضلة قولاً وعملاً، والإكثار من البذل والتضحية والفداء، والإقبال على العلم والتعلُّم بنَهم.

وهكذا يأخذ كلُّ مؤمن مكانه في فردوس النعيم حسب جِدِّه وجهده، ولذا كانت الجنَّة درجات، وكانت علِّيون الدرجة العليا الَّتي ينالها أولو الألباب، وهم الصفوة من خواص المحبِّين لحضرة الله، والعاملين الملتزمين بشرعه الخالد الحنيف.

نيره
12-08-2008, 04:57 PM
http://www.osrah.net/forum/uploaded/1986/11214803596.gif

لنا الله
15-08-2008, 02:22 AM
جزاكم الله خيرا أختي الكريمة لمروركم

نفعنا الله وإياكم بالقرآن وأهله

لنا الله
15-08-2008, 02:25 AM
الإنفاق والقرض الحسن والصدقات


قال الله تعالى: {لن تَنالوا البِرَّ حتَّى تُنفقُوا ممَّا تُحِبُّونَ وما تُنفِقُوا من شيءٍ فإنَّ الله به عليم(92)}سورة آل عمران(3)


ومضات:


ـ أعظم الصدقات أجراً تلك الَّتي يبذلها المؤمن من خير ماله وأحبِّه إلى نفسه، فهي مفتاح البِرِّ وصندوقه ومحتواه.


في رحاب الآيات:

آية الصدق في العطاء وميزانه الصحيح؛ هو الإنفاق في سبيل الله تعالى من نفائس الأموال وأكرمها، وأطيبها كسباً، وذلك حباً في الله وإخلاصاً له وشكراً على نعمه.

وبما أن الصَّدقة تُبذل لتحقيق مرضاة الله، فيجدر بنا أن نجود من أفضل الموجود، وألا يكون من الرديء الخبيث الَّذي تعافه نفس صاحبه ويهون عليها تركه، والله تعالى لا يقبل إلا الطيب ويجزي عليه جزاء الراضي الشاكر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من تصدَّق بعدل تمرة من كَسـبٍ طيِّبٍ، ـ ولا يقبل الله إلا الطيِّب ـ فإن الله يقبلها بيمينه، ثمَّ يُربِّيها لصاحبها كما يُربِّي أحدكم فَلُوَّهُ ـ مهره ـ حتَّى تكون مثل الجبل» (متفق عليه).

وممَّا أُثر عن السلف الصالح أنهم كانوا إذا أحبُّوا شيئاً جعلوه لله تعالى، فعن ابن عمر رضي الله عنه أنه اشتهى في مرضٍ له حوتاً، فأخذته امرأته، فصنعته ثمَّ قربته إليه، فأتى مسكين، فقال ابن عمر: خُذْهُ، فقال له أهله: سبحان الله، قد عنَّيتنا، ومعنا زادٌ نعطيه منه، فقال: إن عبد الله يحبُّه. ورُوي أن سائلاً وقف بباب الربيع بن خيثم رحمه الله، فقال لأهله: أطعموه حلوى، فقالوا: نُطعمه خُبزاً أنفع لـه، فقال: ويحكم أطعموه حلوى، فإن الربيع يحبُّ الحلوى. وقد كان عليه السَّلام يُحسن توجيه صحابته إلى محلِّ الإنفاق ويحثُّ على إعطاء الأقارب والاهتمام بهم، لأن الإنفاق العشوائي لا يحقِّق الغاية المرجوَّة منه، أمَّا الإنفاق الموجَّه فإنه يصل بصاحبه إلى البِرِّ الَّذي هو جوهر محبَّة الله لعباده المصطفين الأخيار. وتدخل الصدقات في دائرة الإنفاق، وكلُّ ما ينفقه المرء فالله به عليم، ويجازيه عليه بحسب ما يعلم من نيَّته ومن موقع ذلك في قلبه

لنا الله
17-08-2008, 01:02 AM
الإنفاق والقرض الحسن والصدقات


قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمَنُوا أنفقوا ممَّا رزقناكُم من قبلِ أن يأتيَ يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خُلَّةٌ ولا شفاعةٌ والكافرُونَ هُمُ الظَّالمون(254)}سورة البقرة(2)

ومضات:

ـ يُحسن الله تعالى إلى خلقه بالعطاء والرزق، والمؤمنون يقابلون هذا الإحسان بالإحسان إلى النَّاس؛ فينفقون من أموالهم في وجوه الخير والبِرِّ الَّتي تُرضي الخالق سبحانه.

ـ الدار الدنيا دار العمل والآخرة دار الجزاء، ومن لم ينفق اليوم في سبيل تحقيق ما يحبُّه الله تعالى، فسيواجه يوماً تتوقَّف فيه آلة العمل عن الدوران، فلا يعود بقدرته أن يفتدي نفسه بحسنة أو عمل صالح، فقد جفَّت الأقلام وطُويت الصحف، فلا حسنة تسجَّل ولا سيئة تمحى، ولن يجد المرء في ذلك اليوم من يدفع عنه العذاب، أو يشفع له لينجو من عاقبة ذنوبه، وعليه منذ الآن أن يختار الطريق الآمن المنجي من الشقاوة الأبدية والموصل إلى السعادة السرمدية.

ـ الكافر ظالم لنفسه قبل أن يكون ظالماً لغيره، لأنه انحرف عن مسبِّبات السعادة السرمدية، واتخذ خطوات عدوِّه الشيطان مرشداً له وسبيلاً.


في رحاب الآيات:

إذا نشأ حبُّ الله في القلب وترعرع، ارتقى بالإنسان إلى مصافِّ الأتقياء ومراتب الأبرار، حتَّى يصبح كلُّ ما يملكه أداة طيِّعة يسخِّرها في سبيل هذا الحبِّ الإلهي. ولا غرابة في ذلك فإن نفس المؤمن الزكية تجود في سبيل محبوبها بالنفيس من مالها قبل الرخيص. ومن رحمة الله وسعة عطائه، أنه يرزق العبد ويهديه لينفق في وجوه الخير والبِرِّ فيُجزل له الثواب على ذلك، فهو المعطي للمال وهو المثيب على إنفاقه.

أمَّا نفس البخيل والَّتي لم يتغلغل في حناياها حبُّ الله، ولم يهذِّبها حبُّ السخاء في سبيله، فهي أسيرةُ نوازعِ الطمع والتقتير، مكبَّلَة بأغلال المخاوف والوساوس، حتَّى يغدو صاحبها عبداً لماله بدلاً من أن يكون المال خادماً له. بينما تتحرَّر نفس المؤمن السخي من هذه القيود، فينطلق إلى ما فيه إعمار مجتمعه وازدهاره. والله تعالى لم يجعل في الصدقات إرهاقاً ولا حرجاً على الغني، فقد فرض في ماله حقاً يسيراً للفقير يكفل له الحصول على مصدر للكسب والإنتاج، فيحقِّق له عيشاً كريماً ويحوِّله إلى متصدِّق بدلاً من أن يكون آخذاً للصدقات.

جاء في الحديث الشريف: «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الَّذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً» (رواه الطبراني).

وبهذا نجد أن أمام المؤمن فرصاً كثيرة مبثوثة في ساعات عمره كلِّها، وعليه أن يغتنمها ليجني منها ما استطاع من ثمرات الخير والبِرِّ الَّتي تعود عليه في الدارين حُسناً، مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابَك قبل هرمك، وصحَّتَك قبل سُقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلك، وحياتَك قبل موتك» (رواه البخاري ومسلم) وإلا فاته قطار العمر، وندم حيث لا ينفع الندم، في يوم لا يجد فيه مالاً يفتدي نفسه به، وتنقطع فيه الصلة بين الأخِلاَّء إلا المتَّقين منهم، قال تعالى: {الأخِلاَّءُ يومئذٍ بعضُهُم لبعضٍ عدوٌّ إلاَّ المتَّقين} (43 الزخرف آية 67)، ولا تُقبل فيه شفاعة إلا لمن أذن له الله من الرسل والأبرار، ولا يجد إلا ما قدَّمته يداه وسيُجزى عليه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

ولا ريب في أن من الحكمة بمكان أن يضع المرء الأشياء في مواضعها الصحيحة ومن جملتها المال، فمن الظلم للنفس والمجتمع أن يضعه الإنسان في غير موضعه، وأن يصرفه في غير وجوهه الَّتي أمر الله بها، ويمنعه عن الملهوف فلا يغيثه، وعن المضطر فلا يكشف الضُرَّ عنه ولا يواسيه به، ولا يبذله في سبيل المصالح العامَّة الَّتي تفيد الأمَّة وترفع من قدرها.

لنا الله
17-08-2008, 11:22 PM
الإنفاق والقرض الحسن والصدقات


قال الله تعالى: {وأنفِقُوا في سبيلِ الله ولا تُلقُوا بأَيدِيكُم إلى التَّهلُكةِ وأحسنُوا إنَّ الله يُحبُّ المحسنين(195)}سورة البقرة(2)


ومضات:

ـ الإنفاق المثمر في سبيل الله هو ما كان خالصاً لوجه الله تعالى، ويشمل سائر وجوه الخير الَّتي أمر الله بها، وهو أساس التضامن العائلي والاجتماعي البنَّاء، ومن ثماره الطيِّبة تطوير الإمكانات العلمية والاقتصادية والدفاعية للأمَّة، فإذا بخل الأفراد في الإنفاق أصاب الأمَّة الهلاك وطمع بها الأعداء.

ـ ليس الإنفاق مقتصراً على بذل المال، بل يشمل بذل كلِّ ما ينفع المجتمع ويعود عليه بالخير، فهناك من هو بحاجة إلى المال، وهناك من هو بحاجة إلى الهداية والتوجيه الرشيد، وهناك من يفتقر إلى العلم والمعرفة والخبرة، وهناك من يفتقر إلى المساعدة بالجهد العضلي وغير ذلك من مصالح الضعفاء والفقراء والعاجزين.

ـ إن الله تعالى يحبُّ من المؤمن إذا قام بعمل صالح أن يؤدِّيه على أكمل وجه، دون أن يخالطه أيُّ شعور بالتعالي على مخلوقات الله، وهذا وجه من وجوه الإحسان الَّذي يثمر الحبَّ والمودَّة بين النَّاس، ويقوِّي الروابط الَّتي تؤلِّف بين قلوبهم، وتزرع في حناياها المحبَّة والرحمة والتآلف، ومن ثمارها القوَّة والمنعة والرقي.



في رحاب الآيات:

إن الإنفاق في سبيل الله يزكِّي النفس ويطهِّرها من الأثرة وحبِّ الذات، وبالمقابل فالشحُّ من الأسباب المؤدِّية إلى ظهور الأنا وإيثار الذَّات، وتقديم المصالح الخاصَّة على المصالح العامَّة، ولهذا صُنِّف السخاء في الأخلاق الحميدة الَّتي يحبُّها الله ويرضى عنها، وصُنِّف الشحُّ والبخل في الأخلاق الذميمة الَّتي يبغضها الله، فقد ورد فيما أخرجه البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خُلُقانِ يحبُّهما الله، وخُلُقان يبغضهما الله، فأمَّا اللذان يحبُّهما الله، فالسَّخاء والسَّماحة، وأمَّا اللذان يبغضهما الله، فسوء الخلق والبخل، فإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله على قضاء حوائج النَّاس».


فالشحُّ والبخل والإمساك كلُّها أدوات بيد الشيطان، يحرِّكها في نفس الشحيح متى أراد وكيف يشاء، كي يزعزع ثقته بالله، ويزرع لديه الخوف غير المبرر من الفقر، ممَّا يؤدِّي إلى نتائج اجتماعية سيِّئة؛ لأن الأغنياء إذا انصرفوا إلى إيثار مصالحهم الخاصَّة من تجميع للثروات وتوسيع للعقارات والممتلكات، وتخلَّوا عن رعاية مصالح الأمَّة من الدفاع عن الأرض، وصيانة العرض، ورعاية البائس والمحروم، وإطعام الجائع، فقد ألقوا بأُمَّتهم إلى التهلُكة، ونعق فيهم ناعق الخراب، وغدت الأنانية والأثرة وحبُّ الذات طبيعة لهم، فيصبحون مطمعاً للأعداء لتفكُّك قوى الأمَّة وضعف عزيمتها، ويصير فقراؤها سخَطةً متمرِّدين، لا يهمُّهم عمران الأرض أو خرابها؛ وهم يرون جيوب الأغنياء عامرة بما يجب أن يُطعِمَ أفواههم ويشبع بطونهم الخاوية.

وكما يكون الإمساك عن الإنفاق في سبيل الله إهلاكاً للنفس، فكذلك يكون الإنفاق فيما لا يُرضي الله مُهلكاً لصاحبه؛ لأنه يتلف ماله في المحرَّمات، والتهالك على ملذَّات الحياة، أو يسرف في المباحات كالطعام والشراب والتحلِّي بفاخر الثياب، ويحرم الفقراء من حقِّهم في هذا المال. لذلك أمرنا الله تعالى أن نتصرَّف بحكمة واتزان، بعيداً عن العشوائية الَّتي تعود علينا بأسوأ النتائج وتقودنا إلى الهلاك.

إن الإنفاق في سبيل الله يعبِّر عن عروج المؤمن في مراقي العلم والسير للأفضل في كلِّ مناهج الحياة، سواء في سبيل الدعوة إلى الله، والتطوُّر الفكري والسلوكي للإنسان، أو إعداد العدَّة وحشد الإمكانات في معركة التهذيب والترقية الخُلقية. ويشمل الإنفاق أيضاً بذل الإنسان ممَّا يملك؛ دعماً لمن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهر بالحقِّ بالحكمة والموعظة الحسنة. ويشمل أيضاً تسخير معظم الأوقات في سبيل الله، وتوظيفها لنشر دين الله وتطبيقه، وكذلك توظيف الفكر والمشاعر والتأمُّلات من أجل فتح مجالات متنوِّعة، يتمُّ من خلالها تقديم الدِّين الحقِّ وعرضه، الدِّين الخالي من الرواسب الطائفية والأفكار الدخيلة كافَّة، وتوجيه الأهداف والآمال لتحقيق ذلك الغرض. ولكي يؤتي الإنفاق ثماره، ويحظى بالقبول عند الله عزَّ وجل، يجب أن يتوافر في المُنفق الإخلاص وصدق النيَّة، في ابتغاء مرضاة الله في كلِّ ما ينفق؛ من مال أو جهد أو وقت أو فكر أو أي طاقة يملكها من نعم الله وفضله.

ولقد حثَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على الإنفاق وبذل المال في وجوه البرِّ مرَّات ومرَّات، مبيِّناً أجر المنفق وجزاء الممسك فقال: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهمَّ أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهمَّ أعطِ ممسكاً تلفاً» (رواه مسلم)

لنا الله
18-08-2008, 06:08 PM
لباقة الحديث وأدب النجوى


قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا إذا تَناجَيْتُم فلا تتناجَوْا بالإثْمِ والعُدْوانِ ومعصيةِ الرَّسولِ وتَناجَوا بالبِرِّ والتَّقوى واتَّقوا الله الَّذي إليه تُحشرون(9)}
سورة المجادلة(58)


وقال أيضاً: {لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهُم إلاَّ من أمرَ بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاسِ ومن يفعلْ ذلك ابتغاءَ مرضاتِ الله فسوف نُؤْتِيهِ أجراً عظيماً(114)}سورة النساء(4)


ومضات:

ـ يحرص المؤمنون على الرقيِّ بأفكارهم والسموِّ بأحاديثهم ومجالسهم نحو الأحسن والأفضل، لذا ينهاهم الله تعالى عن التعرُّض في مجالسهم إلى ما فيه أذىً للناس في أعراضهم، أو اعتداءٌ على كراماتهم، وينهاهم عن الخوض فيما يؤذي الرسول أو يكون مقدِّمة لمخالفته.

ـ يعطي الإسلام للوقت قيمة غالية ثمينة، ويحرص على عدم هدره، وذلك بدعوة المؤمنين لأن تكون مجالسهم جادَّة تثمر ما فيه خير البلاد والعباد، فوَّاحة بعبق الإيمان والرياحين الربَّانية، زاخرة بكلِّ ما فيه شدٌّ للهمم والعزائم إلى المزيد من الطاعات والأخلاق الحميدة.

في رحاب الآيات:

روى أبو بَرْزة الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في أواخر عمره إذا قام من المجلس يقول: «سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقال رجل: يارسول الله! إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى! قال: كفَّارة لما يكون في المجلس» (أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه).

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبِّح الله ويحمده ويستغفره كلَّما انتهى من مجلسه، الَّذي لا يخرج عن دائرة الدعوة إلى دين الله تعالى، وإلى ما فيه خير الناس في الدنيا والآخرة، فما الَّذي يتوجَّب علينا فعله عند فراغنا من مجالسنا، الَّتي تدور معظم الأحاديث فيها في دائرة اللغو، الَّذي لا طائل تحته ولا نفع منه ولا ضرر، ناهيك عن الغيبة والنميمة وربَّما البُهتان! هذا عن مجالس عموم النَّاس، أمَّا أصحاب النوايا المغرضة والنفوس الخبيثة، فمجالسهم مؤامرات واجتماعاتهم مكائد، للنيل من كلِّ ما هو خير، ومن كلِّ من هو مخلص يعمل لإصلاح أمر الأمَّة. وقد نفى القرآن الكريم صفة اللغو عن المؤمنين الخاشعين في أكثر من موضع، من ذلك قوله عزَّ وجل: {قد أفلحَ المؤمنونَ * الَّذين همْ في صلاتِهِم خاشعون * والَّذين همْ عنِ اللَّغوِ معرِضُون} (23 المؤمنون آية 1ـ3)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (رواه مسلم والبيهقي). والآية الكريمة تنهانا عن الجلوس في مجالس اللغو والنميمة، أو الخوض في هذه الأحاديث، وتأمرنا بأن نستبدلها بمجالس تحضُّ على العمل البنَّاء الخيِّر المثمر، وتهدف المسامرة فيها إلى ما فيه خير الأمَّة وصلاحها، وتبيِّن لنا ما يليق بالمؤمن من أحاديث تهدي إلى البرِّ والتَّقوى؛ وأهمُّها ذكر الله، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناقشة السُّبُل لتحسين أحوال المسلمين في المجالات كافَّة. لذا كانت المحاور الأساسية الَّتي ينبغي أن يدور حولها حوار المجالس ثلاثة:
أوَّلها الترغيب بالصدقة، والحثُّ على الإنفاق، ودراسة شؤون الفقراء والمحتاجين الَّذين لا يجدون ضروريات الحياة، ووضع منهج منظَّم لجمع ما يفيض عن حاجاتنا، واستثماره في خدمتهم من خلال عمل بنَّاء، يوظِّف الأيدي العاملة، ويعود بالنفـع على الجميع.

وثانيها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا خير في مجتمع يعيش أفراده حسب أهوائهم دون رادع أو وازع، ولابدَّ من وجود عين يقظة ترصد الخطأ، وضمير حيٍّ يقوِّم الاعوجاج ويصلح الخلل بلطف ورويَّة، وهذا ما دعا إليه رسول الإنسانية محمَّد صلى الله عليه وسلم حين قال: «من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (رواه الخمسة إلا البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ).

أمَّا ثالثها: فهو القيام بالعمل المجدي الخلاَّق الَّذي نزلت به الشرائع السماوية في بعض ما نزلت من أجله، وهو نشر المحبَّة والسَّلام بين الناس جميعاً، لتسود المجتمع رابطة الأُخوَّة الَّتي تحقق التماسك والقوَّة.

إن نشر المحبَّة بين الناس يعني فيما يعنيه الإصلاح بين المتخاصمين، فالخصومات والشحناء تنتشر في كلِّ المجتمعات، صغيرها وكبيرها، ففي الأسرة الواحدة خلافات وخصومات، وفي الحيِّ الواحد والبلد الواحد أيضاً، وكذلك بين الدول، ممَّا يؤدِّي إلى الفشل وتردِّي الأخلاق وتدهور المجتمعات. لذلك جاء فيما رواه البيهقي عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ياأبا أيوب ألا أخبرك بما يُعْظِمُ الله به الأجر، ويمحو به الذنوب؟ تمشي في إصلاح الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا فإنها صدقة يحبُّ الله موضعها». فالمؤمن لا يدَّخر جهداً لرأب الصدع بين المتخاصمين، وتحويل ما بينهم من النزاع والعداوة إلى محبَّة وسلام، باذلاً في سبيل ذلك جهده ووقته وماله إذا اقتضى الأمر، لعلَّ المحبَّة تنتشر بين الأفراد، ثمَّ تشمل الشعوب والدول، فتتحوَّل هذه الأرض إلى كوكب تغمره الطمأنينة والسعادة.

ومراعاةً للآداب والسلوك الاجتماعي السليم؛ فقد نهى الإسلام عن التناجي إذا كان في ذلك أذىً لأحد، ونهى أيضاً عن تناجي اثنين في مجلس يحضره شخص ثالث دون مشاركته؛ حفاظاً على مشاعره وصيانة لكرامته. والنجوى هي الحديث الخافت الَّذي يدور بين اثنين على الأغلب، أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَ اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يَحزُنه». ومع ذلك فإن للتناجي وجهاً آخر رائعاً وهو ما كان بين المتحابِّين، وما كان فيه توادد وتراحم وتقارب، وأجمل صور هذا التناجي وأحبُّها هو ما يكون بين الله عزَّ وجل وعبده المؤمن يوم القيامة، فقد روى الإمام أحمد أن صفوان بن محرز رضي الله عنه قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر رضي الله عنه إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله يقول: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرِّره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: فإني قد سـترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثمَّ يُعطى كتاب حسناته، وأمَّا الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الَّذين كذبوا على ربِّهم، ألا لعنة الله على الظالمين».

فلنتَّقِ الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ففي ذلك كلِّه خيرنا، ثمَّ إنه سيجمعنا للحساب، ويجازي كلاً بعمله، وهو شاهد عليه ومحصيه مهما سترناه وأخفيناه.

لنا الله
22-08-2008, 12:55 AM
أدخلوا آل فرعون أشد العذاب


أخبر القرآن الكريم عن آل فرعون، بأنهم أشد الناس عذابًا يوم القيامة، جاء ذلك الإخبار في قوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } (غافر:46)؛

وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن المصورين أشد الناس عذابًا يوم القيامة، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون ) متفق عليه .


والمتأمل في الآية والحديث، قد يبدو له شيء من التعارض بينهما؛ وقد أثار بعض أهل العلم هذا الإشكال بين الآية والحديث، ووفق بينهما بأحد وجوه ثلاثة:

أولها: أن لفظ الحديث قد جاء في رواية ثانية، فيها زيادة ( من )، ونص الحديث: ( إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذابًا المصورون ) رواه مسلم . ومعنى الحديث على الرواية الثانية: إن من يفعل فعل التصوير، يكون من أشد الناس عذابًا يوم القيامة؛ ولا يقتضي هذا أن يكون أشد من آل فرعون عذابًا، بل يقتضي أنه مشارك له في شدة العذاب؛ فيكون كل واحد من هؤلاء مشترك مع الآخر في شدة العذاب .

يرشد لهذا التوجيه للحديث أمران؛ أحدهما: أنه ليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل غاية ما فيها، أن آل فرعون سينالهم أشد العذاب، وهذا لا ينفي أن يشاركهم غيرهم في هذه الشدة. ثانيهما: قوله صلى الله عليه وسلم: ( أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو قتل نبيًا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين ) رواه أحمد ؛ ووجه دلالة الحديث هنا، أن شدة العذاب شملت أنواعًا مختلفة من الناس، كالذي يقتل نبيًا من الأنبياء، أو من يقتله نبي، وكالإمام الضال، ونحو ذلك. فدل ذلك على أن شدة العذاب ليست محصورة، بآل فرعون فحسب، وإنما قد يشاركهم بها غيرهم، ممن شاركهم في جنس فعلهم. وعلى هذا الوجه الأول، يكون قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى: ( إن أشد الناس عذابًا )، محمولاً على قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الثانية: ( إن من أشد )، بمعنى أن إطلاق الرواية الأولى، مقيد بتقييد الرواية الثانية، وهذا التقييد لا يقتضي أن يكون المصورون أشد عذابًا من فرعون يوم القيامة .

ثانيها: إن الوعيد المخبر عنه في حق المصورين؛ إن ورد في حق كافر، فلا إشكال فيه؛ لأنه يكون مشتركًا في ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالة على عظم كفر من يفعل ذلك. وإن ورد الوعيد في حق عاصٍ، فيكون أشد عذابًا من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالاً على عظم معصيته .

ثالثها: أن ( الناس ) الذين أضيف إليهم لفظ ( أشد )، لا يراد بهم كل الناس، بل بعضهم، وهم الذين يشاركون فرعون في المعنى المتوعد عليه بالعذاب؛ ف فرعون أشد الناس الذين ادعوا الألوهية عذابًا، ومن يقتدي به في ضلالة كفره، أشد عذابًا ممن يقتدي به في ضلالة فسقه؛ فمن يصور صورة ذات روح بقصد العبادة، أشد عذابًا ممن يصورها لغير قصد العبادة .

هذا، وقد نقل ابن بطال في شرحه على ( صحيح البخاري ) جوابًا للإمام الطبري في الجمع بين الآية والحديث، حاصله: أنه ليس في خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف لما في خبر القرآن، بل هو له مصدق؛ وذلك أن المصور الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه أن له أشد العذاب، هو الذي وصفه صلى الله عليه وسلم، بقوله: ( أشد الناس عذابًا يوم القيامة، الذين يضاهون بخلق الله ) متفق عليه؛ أي: يشبهون ما يصنعونه بما يخلقه الله؛ و فرعون من هؤلاء، حيث أخبر قومه بقوله: { أنا ربكم الأعلى } (النازعات:24)، بل تجرأ على الله أكثر من ذلك حين قال: { ما علمت لكم من إله غيري } (القصص:38)؛ وعلى هذا، يكون المصور بهذا القصد، مشاركًا لـ فرعون ومن تبعه في شدة العذاب، من جهة أن كل واحد منهما ادعى التشبه بالخالق، والتشبيه بما يخلق .

هذا حاصل ما ذكره أهل العلم، في الجمع بين الآية والحديث. ونحن نقول وراء ذلك: إن لفظ ( أشد ) - وهو من صيغ المفاضلة - يمكن أن لا يراد به حقيقته اللغوية، بل يراد منه عظم العذاب وشدته، دون أن يعني ذلك، أنه لا يكون ثمة عذاب آخر أشد منه أو مساويًا له. وحمل صيغ ( المفاضلة ) على غير حقيقتها اللغوية، أمر له أمثلة من القرآن، كقوله تعالى: { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } (الزمر:55)، فقوله سبحانه: { أحسن } اسم تفضيل، مستعمل في معنى: كامل الحسن، وليس في معنى تفضيل بعضه على بعض؛ لأن جميع ما في القرآن حسن. وأهل اللغة يعبرون عن هذا بقولهم: وصيغة المفاضلة هنا ليست على بابها، أي: لا يراد منها ما وضعت له لغة .

نخلص مما تقدم، أن لا تعارض حقيقي بين الآية والحديث، بل هما متفقان تمام الاتفاق، ومتوافقان غاية الوفاق؛ فالآية تخبرنا بعظم العذاب الذي سيلحق بفرعون ومن تبعه يوم القيامة، والحديث يخبرنا بأن من فعل فعلاً يشابه به خلق الله له عذاب شديد .

لنا الله
23-08-2008, 02:49 PM
كمثل الذي استوقد نارًا


قال تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } (البقرة:17) .


فقد مثَّل سبحانه بهذه الآية حال المنافقين، بحال شخص أشعل نارًا في مكان شديد الظلمة، فلما أنارت ما حوله، وأخذ يستضيء بها ويستدفئ، إذا بتلك النار تنطفئ فجأة، وتخمد، وإذا بالمكان يتحول إلى ظلام دامس، لا يستطيع معه الشخص حراكًا، مع ما ينتابه من خوف وهلع .



وهذا هو حال المنافقين، الذين استبدلوا الضلالة بالهدى، واختاروا طريق الغي بديلاً عن طريق الرشاد، وصاروا بعد البصيرة إلى العمى؛ فقد كانوا في ظلمة الشرك والكفر، فأسلموا فأنار الله لهم الطريق، وعرفوا الحلال من الحرام، والخير من الشر، واستضاؤوا بكلمة الإسلام، وأمنوا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ولكنهم استبدلوا الكفر بالإيمان، واختاروا النفاق بعد الإسلام، فذهب الله بنورهم، وطبع على قلوبهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، لا يعرفون إلى الحق طريقًا، ولا يهتدون إلى الهدى سبيلاً، فهم { صم } عن سماع الهدى، و{ بكم } لا يتجرؤون على النطق بكلمة الحق، و{ عمي } عن الانتفاع بنور الهداية والإيمان، { فهم لا يرجعون } أي: لا يعودون إلى الهدى، بعد أن استبدلوا الكفر بالإيمان، ورضوا بحالة النفاق بديلاً عن الإسلام .



واستعمال لفظ ( النور ) في قوله سبحانه: { ذهب الله بنورهم } دون لفظ ( الضوء ) ودون لفظ ( النار )، كناية عن الإسلام؛ واستعمال لفظ { ظلمات }، كناية عن الكفر والضلال .



وفي الإتيان بلفظ { ظلمات } بصيغة الجمع، دون لفظ المفرد، إشارة إلى أحوال المنافقين، وأنهم ليسوا على حالة واحدة؛ فهم يعيشون بين حالة الكفر، وحالة الكذب، وحالة الاستهزاء بالمؤمنين، وما يتبع تلك الأحوال من آثار النفاق، فهي كما قال تعالى: { ظلمات بعضها فوق بعض } (النور:40) .



وإذا كان هذا المثل القرآني يبين حال المنافقين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد أن هاجر إلى المدينة، وشرع في بناء دولة الإسلام، والدعوة إلى الله، حيث بدأ المنافقون يحاربون الإسلام في الخفاء، ويتسترون بإظهار كلمة الإيمان؛ فإنه في الوقت نفسه ينطبق على الدور الذي يقوم به المنافقون على المستويات كافة في عالم اليوم، لإيذاء الإسلام وأهله، وما يحدثونه من قلق واضطراب داخل صفوف المؤمنين، حتى أن مجريات ذلك لم تعد تخفى على أحد، بعد أن انكشفت الأوراق، واتضحت النوايا، وأصبحت الحاجة ملحة لفضح ألاعيبهم، ووقف خططهم، ومواجهة مؤامراتهم .

لنا الله
25-08-2008, 12:12 AM
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي الالهي


قال الله تعالى: {وكذلك أوحينا إليكَ رُوحاً من أمرنا ما كُنتَ تَدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ ولكن جعلناهُ نُوراً نَهدي به من نَشاءُ من عبادِنا وإنَّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم(52) صراط الله الَّذي له ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ أَلاَ إلى الله تَصِيرُ الأمور(53)}سورة الشورى(42)

ومضات:

ـ سمَّى الله تعالى القرآن المُوحَى به روحاً، لأن به حياة العقل وتحريره من الجهل، وتنقية النفس من الهوى، وتخليص القلب من الغفلة؛ فهو يبعث فيها جميعاً أسباب الحياة ويحييها بعد موتها.

ـ تكرَّم سبحانه وتعالى على رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم بعطاء روحي خاصٍّ، ليتذوَّق حقيقة الإيمان، ويدرك آفاق كتابه المبين، هذا العطاء هو نور إلهي تنشده الأرواح العاشقة لتهتدي به للوصول إلى الحضرة الإلهيَّة.

ـ لا تُثبِت الرُّؤى والأحلام معنى النبُوَّة أو الوحي الإلهي، أمَّا إن تحقَّقت النبوَّة فإن رؤى الأنبياء بعد ذلك من الوحي؛ ما لم يأتِ وحي في اليقظة يعارضها أو يردُّها.

ـ إن وظيفة الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم هي دلالة الناس إلى طريق الإيمان، وبيان ما خفي عليهم من العلم الإلهي الَّذي ارتضاه لهم، وتوضيح التزاماتهم ممَّا ينبغي فعله أو ما يجب تركه؛ ليتمكَّنوا من الوصول إليه، فهو طريق مستقيم لا لَبْسَ فيه ولا عِوَج، واضح المعالم، رَسَمَهُ ووضع أسسه ربُّ العالمين خالق السموات والأرض والمهيمن عليها وإليه المصير.


في رحاب الآيات:

يؤكِّد الله عزَّ وجل في هذا النصِّ القرآني أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يدرك خلال الأربعين سنة الَّتي عاشها قبل نزول الوحي شيئاً عن القرآن الكريم، أو عن كُنْهِ الرسالة، وأن روح الوحي قد لامست قلبه، فأوقدت شعلة الإيمان فيه، فاستضاء بنور الله، ثمَّ انتشر ذلك النور فأضاء على من حوله، وصار يهدي إلى الصراط المستقيم، دين الله القويم، وهذا هو المعنى المقصود من كلمة الوحي هنا؛ إنه أمر إلهي يلقيه الله تعالى في قلوب الرسل عليهم السَّلام وأسماعهم، فيصبح لديهم استعداد للاتصال بحضرة الله، وبملائكته، وتلقِّي رسالته، فتتحوَّل قلوبهم إلى ينابيع تتفجَّر بالحكمة، وعقولهم إلى خزائن تُسْتَودَع العلومُ الإلهيَّة بها. وطبيعة هذا الوحي نور إلهي تخالط بشاشته القلوب الَّتي يشاء الله لها أن تهتدي به، بما يعلمه من حقيقتها، ومن مخالطة هذا النور لها.

ويجدر بنا ههنا التأكيد على تقَيُّد هذه المسألة، مسألة الهدى، بمشيئة الله سبحانه وحده، فهو الَّذي يقدِّرها لمن يشاء بعلمه الخاص، الَّذي لا يعرفه أحد سواه، وما الرسول صلي الله عليه وسلم في هذه الحالة إلا دليل لتحقيق مشيئة الله، فهو لا ينشئ الهدى في القلوب، بل يبلِّغ الرسالة فتنفذ مشيئة الله. فمهمَّة الرسول إذن هي الهداية إلى طريق الله الَّذي تلتقي عنده المسالك، والله هو مالك السموات والأرض، فالَّذي يهتدي إلى طريقه يهتدي إلى ناموس السموات والأرض، وإلى أن أمر الخلائق جميعها ينتهي إليه تعالى، ويلتقي عنده، وهو يقضي فيها بأمره، وهو أحكم الحاكمين.

لنا الله
26-08-2008, 01:17 AM
وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به


سورة آل عمران(3)

قال الله تعالى: {قُل إن كنتُم تُحبُّونَ الله فاتَّبِعُوني يُحبِبكُمُ الله ويَغفِر لكم ذُنُوبَكُم والله غَفُورٌ رحيمٌ(31) قُل أطِيعُوا الله والرَّسُولَ فإن تَوَلَّوا فإنَّ الله لا يُحِبُّ الكَافِرِينَ(32)}

سورة النساء(4)

وقال أيضاً: {ياأيُّها الَّذين آمَنُوا أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسولَ وأُولي الأمرِ منكُم فإن تنازعتُم في شيءٍ فرُدُّوه إلى الله والرَّسولِ إن كنتم تؤمنونَ بالله واليومِ الآخِرِ ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً(59)}

سورة النساء(4)

وقال أيضاً: {وما أرسَلنا من رسولٍ إلاَّ ليُطاعَ بإِذنِ الله ولو أنَّهُم إذ ظلموا أنفُسَهُم جاءُوكَ فاستغفَروا الله واستغفرَ لهم الرَّسولُ لَوَجدوا الله توَّاباً رحيماً(64) فلا ورَبِّكَ لا يؤمِنونَ حتَّى يُحكِّموكَ فيما شَجَرَ بينهم ثمَّ لا يَجدوا في أنفُسهِم حرَجاً ممَّا قضَيتَ ويُسلِّموا تَسليماً(65)}

سورة النساء(4)

وقال أيضاً: {ومن يُطع الله والرَّسولَ فأولَئِكَ معَ الَّذين أنعَمَ الله عليهِم من النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالِحينَ وحَسُنَ أُولئِكَ رفيقاً(69) ذلك الفضلُ من الله وكفى بالله عليماً(70)}

سورة النساء(4)

وقال أيضاً: {من يُطعِ الرَّسولَ فقد أطاعَ الله ومن تَولَّى فما أرسلناكَ علَيهِم حفيظاً(80)}

سورة الأنفال (8)

وقال أيضاً: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيْحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَابِرِين (46)}



سورة النور(24)

وقال أيضاً: {إنَّما كان قولَ المؤمنينَ إذا دُعُوا إلى الله ورسولِهِ لِيَحْكُمَ بينهم أن يقولوا سَمِعنا وأطَعنا وأولئِكَ هم المفلِحونَ(51) ومن يُطع الله ورسولَهُ ويَخشَ الله ويتَّقْهِ فأولئِكَ هم الفائِزونَ (52)}

سورة النور(24)

وقال أيضاً: {إنَّما المؤمنونَ الَّذينَ آمنوا بالله ورسولهِ وإذا كانوا معَهُ على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتَّى يستَئذِنوهُ إنَّ الَّذينَ يستئذنونَكَ أولئِكَ الَّذينَ يؤمنونَ بالله ورسولهِ فإذا استئذنوكَ لبعضِ شأنِهم فَأْذَن لِمن شِئتَ منهم واستغفرْ لهم الله إنَّ الله غفورٌ رحيمٌ(62)}

سورة الأحزاب(33)

وقال أيضاً: {لقد كان لكم في رسولِ الله أُسوَةٌ حسنةٌ لِمَن كان يَرجو الله واليومَ الآخر وذَكرَ الله كثيراً(21)}

سورة الأحزاب(33)

وقال أيضاً: {وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسُولُهُ أمراً أن يكونَ لهمُ الخِيَرَةُ من أمرهِم ومن يَعصِ الله ورسولَهُ فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً(36)}

سورة الفتح(48)

وقال أيضاً: {إنَّ الَّذين يُبايعونك إنَّما يُبايعونَ الله يدُ الله فوق أيديهم فمن نكث فإنَّما ينكثُ على نفسه ومن أوفى بما عاهدَ عليهُ الله فسَيُؤتِيه أجراً عظيماً(10)}


ومضات:

ـ كثير من الناس يدَّعون محبَّة الله ورسوله؛ فلئن كانت الطاعة هي البيِّنة الَّتي تشهد بصدق دعوى المحبّة وأصالتها، فإن المعصية تشهد بنقيض ذلك، وعلى الإنسان أن يضع نفسه على هذا المِحَكِّ ليعرف إلى أيِّ الزمرتين ينتمي.


في رحاب الآيات:

يتجلَّى حُبُّ المؤمن لربِّه ولنبيِّه بصور مختلفة وعلامات شتَّى، وإنَّ من أوضح هذه العلامات وأظهرها، أن يكون المؤمن مؤْثِراً لأوامر الله تعالى على سائر محبوباته، ظاهراً وباطناً، فيلزم الطاعة، ويجتنب التردُّد والتَّهاون واتِّباع الهوى، ويكون هواه تبعاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا المعنى قال أحد المحبِّين الصادقين:

وأَتْـركُ مـا أهـوى لـما قــد هَــويْتَــه فأرضى بما ترضى وإن سَخِطَتْ نفسي

بينما أنكر محبٌّ آخر ادِّعاء محبَّة الله مع ارتكاب معصيته فقال:


تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه هذا لَعَمْري في القيـاس بديع

لو كان حبُّك صادقاً لأطعته إن المحـبَّ لمـن يحـبُّ مطيــع


فاتِّباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأعمال والأخلاق، يعني الدخول في دائرة طاعة الله، الَّتي تعني امتثال أوامره تعالى واجتناب نواهيه، واتِّباع سنن رسوله ممَّا ورد عنه من قول أو فعل أو تقرير، قال صلى الله عليه وسلم : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» (أخرجه مسلم).

وقد يخطئ العقل البشري، ويتأثر بشتَّى التيارات الفكرية، لذلك كان لابدَّ من وجود ميزان ثابت ترجع إليه العقول عند اختلافها، فتعرف من خلاله مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوُّراتها، والله تعالى يضع هذا الميزان لسائر القيم والأحكام، وفي كلِّ حقل من حقول الحياة، وهو كتاب الله وسنَّة رسوله. فإن تنازعنا في أمر فعلينا أن نخضعه لهذا الميزان، فإن لم نجد له حكماً صريحاً في القرآن أو السنَّة لجأنا إلى القياس، وهو: ردُّ الحكم في القضايا الطارئة الَّتي لا نصَّ يبيِّن حكمها، إلى الأحكام الَّتي نصَّ عليها الشرع للتَّشابُه بينهما، والمماثلة في علَّة تشريع الحكم.

وممَّا تجدر الإشارة إليه أن آيات القرآن الكريم قد ربطت بين طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة، دفعاً لتخرُّصات المفسدين وتأويلات المنافقين، الَّذين دعَوْا إلى الاكتفاء بما جاء في القرآن الكريم، وترك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل.

وممَّا يؤكد وجوب الالتزام بالسنَّة إلى جانب الالتزام بكتاب الله، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم علاوة على قيامه بتبليغ الرسالة فقد قام بتطبيقها، بل إنه القدوة المثلى لهذا التطبيق. ولقد أخذ المسلمون عنه عليه الصَّلاة والسَّلام تعاليم هذا الدِّين ومناسكه، وراحوا يبنون صرح هذه العقيدة على أسـسها. فالرسول صلى الله عليه وسلم مبلِّغ ومبيِّن عن الله مراده، وقد جاءت سنته شارحة للقرآن تبيِّن مجمله وتقيِّد مطلقه وغير ذلك من أوجه البيان.

وبهذا يمكن فهم مقام السنَّة بالنسبة للكتاب، فالتشريع الدِّيني المحض ـ كأحكام العبادات ــ لم يكن يصدر إلا عن وحي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم من كتاب أو سنَّة، أو بما يُقِرُّه عليه من اجتهاد. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك معصوماً، لأنه لو أخطأ لما أمر تعالى بطاعته
في قوله: {من يُطعِ الرَّسول فقد أطاع الله ومن تولَّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} (4 النساء آية 80)، ومادامت المسائل الدِّينية قد بُنيت على هذا النحو، ومادام الأصل الَّذي يُرجَعُ إليه عند التحاكم معلوماً، فلا معنى للاختلاف حول منزلة النبي صلى الله عليه وسلم من الشريعة الإسلامية، فلا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو قائد مسيرة الإيمان، والدليل الروحي والمرشد الحكيم، وهو الَّذي يتكلَّم بوحي الله: {وما يَنْطقُ عن الهوى * إن هوَ إلاَّ وحيٌ يُوحى * علَّمهُ شديدُ القُوى} (53 النجم آية 3ـ5)

وعلى هذا فإن أقواله وأعماله هي من وحي الله عزَّ وجل، فصَحَّ بذلك أن تكون مصدراً ثانياً للتشريع بعد القرآن الكريم، وإن ترك هذا المصدر هَدْمٌ لركن من أركان التشريع، فمن أعرض عن السنَّة فقد حرم نفسه من ثمرات التطبيق النبوي، فَتاهَ وضلَّ عن سواء السبيل.
ـ تؤكِّد هذه الآيات حتمية إطاعة المؤمنين لله عزَّ وجل ولرسوله الكريم ولأولي الأمر منهم، وفَرْضِيَّة ردِّ الخلافات الَّتي تنشأ بينهم إلى الله ورسوله، لحلِّها في ضوء القواعد الإيمانية.

ـ طاعة الرسول الكريم واجبة، واستغفاره للمؤمنين المذنبين التائبين مقبول لدى ربِّ العالمين، وإذا اتبعوه بصدق أحبَّهم الله وأنعم عليهم بالمغفرة.

ـ من دلائل الإيمان السليم، أن يُحَكِّم المسلمُ الشرعَ الإسلامي القويم فيما يعرض له من أمور، ثمَّ يقبل بحكمه ولا يجد في نفسه حرجاً أو ضيقاً من الالتزام به.

ـ إن المطيع لله ورسوله، يتبوَّأ منزلته في علِّيِّين، مع الأنبياء والصدِّيقين والشهداء والصالحين، في ظلال عرش الرحمن، وحَسُنَ أولئك رفيقاً.

ـ طاعة الرسول هي طاعة لله عزَّ وجل ومعصيته معصية لله، لأن أوامره ما هي إلا وحي من الله وعمل بكتابه الكريم، فقد أرسل تعالى الرسل وأيَّدهم بوحيه لتكتمل مقوِّمات وجوب طاعتهم على الناس، فإذا قضى الرسول قضاءً بإذن الله فلا مناص من تنفيذه والإذعان له لأنه من أمر الله.

ـ في طاعة الله ورسوله وحدة وقوَّة للمؤمنين، ولا تتحقَّق تربية النفس على الطاعة إلا بالصبر.

ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة النموذجية المثالية، لكلِّ من آمن بالله وذكره ذكراً كثيراً.

ـ على المؤمنين أن يبقَوْا تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الملمَّات والطوارئ، وألا يفارقوه دون استئذان، فالمؤمن الَّذي يشعر بارتباطه الكامل مع المجموعة المؤمنة لا يتخلَّى عنها، إلا إذا عرض له أمر قاهر؛ ومع ذلك فهو لا يترك الرسول صلى الله عليه وسلم دون استئذان، تأدُّباً معه واحتراماً لمجلسه.

ـ عدَّ الله تعالى مبايعة الناس لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وتقديم عهد الولاء والطاعة له، والاستجابة لأوامره، مبايعة مباشرة لحضرة الله، وبيَّن أنه يؤيِّد الأيدي المتشابكة الَّتي تصافح يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه تعالى راضٍ عن هذه البيعة، ممَّا يؤكِّد قدسيتها، فمن نكث فقد نكث مع الله، ومن أوفى بعهده فقد وفَّى مع الله وله الأجر والثواب الجزيل.

لنا الله
27-08-2008, 12:19 PM
العفو والمسامحة


قال الله تعالى: {خُذِ العفوَ وأمرْ بالعُرفِ وأَعْرِضْ عن الجاهلين(199) وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ من الشيطانِ نَزْغٌ فاستعذ بالله إنَّهُ سميعٌ عليم(200)}سورة الأعراف(7)



وقال أيضاً: {ولا تستوي الحسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادفعْ بالَّتي هي أحسنُ فإذا الَّذي بينَك وبينَه عداوةٌ كأنَّه وليٌّ حميم(34) وما يُلَقَّاها إلاَّ الَّذين صبروا وما يُلَقَّاها إلاَّ ذو حظٍّ عظيم(35) وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ من الشَّيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله إنَّه هو السميعُ العليم(36)}سورة فصلت(41)


ومضات:

ـ أيُّها المسلم خذ نفحة طيِّبة من كلِّ خُلق كريم، وتحلَّى بالمسامحة وعامل الناس باللين والحلم والرفق، ولتكن آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر في كلِّ أحوالك، كن طبيباً معالجاً لمشاكل الناس وهمومهم ناشراً بلسم شفائهم، ولا تكن قاضياً جائراً تدينهم على الشُّبُهات، وابتعد عن طريق المغرضين المخرِّبين، العابثين بالقيم العليا وفضائل الأخلاق.

ـ إن قوَّة إيمانك تتجلَّى في قدرتك على أن تقتل العداوة الَّتي يزرعها الشيطان في قلب أعدائك، فتحوِّلهم إلى أحباب مسالمين متعاونين معك بمودَّة وصدق.

ـ ينال المؤمن القِيَمَ الأخلاقية الرفيعة والصفات الإيمانية الكريمة بالصبر الدؤوب، والمجاهدة المستمرة، وبتوفيق الله وعنايته.

ـ إن الشيطان يتربَّص بالإنسان الدوائر، ويقعد له مقاعد السوء، فهو مخلوق لا يملك سوى طاقة الشرِّ الَّتي تتأجَّج في صدره، وهي طاقة ضعيفة سُرعان ما تضمحلُّ وتتلاشى بمجرَّد التجاء المؤمن إلى الحقِّ، واستجارته بالله عزَّ وجل؛ الَّذي يحميه من وساوس هذا الشيطان اللعين.



في رحاب الآيات:

لئن كان الله عزَّ وجل قد حكم على آدم وذريَّته بالهبوط من الجنَّة إلى الأرض، فإنه قد شرَّع لهم من الشرائع ما يرفعهم من الأرض إلى الجنان إذا ما التزموا بها!. فالدِّين يعني الرقي الأخلاقي والسلوكي والاجتماعي، وهذا كافٍ ليأخذ بيد الإنسان من مسارب الجهل وسراديب الضياع، ويصعد به إلى مرتقيات الروح، ومسالك الضياء. وهو بمجموع تعاليمه ينضوي تحت لواء شعبتين كبيرتين هما: الإيمان بوحدانية الله، والتحلِّي بمكارم الأخلاق.

والآية الكريمة تتناول الجانب الثاني الَّذي يرتبط بعلاقات الناس بعضهم مع بعض، وهي ذات مدٍّ روحي كمدِّ البحر يتدافع في عمق النفس بسرعة خاطفة، ولا ينحسر عنها إلا وقد طهَّرها وزكّاها. وأوَّل هذه المكارم الخلقية التسامح مع الناس، والعفو عن أخطائهم، واليسر في معاملتهم بعيداً عن التشدُّد، وخاصَّة في مجال الدعوة إلى الله، حيث ينبغي أن تكون دعوتهم مبنية على اللين والحوار البنَّاء، فالنفوس ليست كلُّها على مستوى واحد من الكمال، وإذا تعامل الداعي مع الناس على أنهم متساوون في الرقيِّ الأخلاقي شقَّ ذلك عليهم، واتسعت الهوَّة بينه وبينهم؛ لذلك فإن من واجبه أن يصرف النظر عن هَفَوات من يدعوهم، ما لم يكن فيها مخالفة صريحة لتعاليم الدِّين، وعليه أن يخفِّف عنهم الأعباء ضمن حدود الشرع، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.


ومن الواضح أن الآية تحثُّ على العمل الصالح، لأن خيره يعود على من يقوم به، وعلى من يرتبط به برابطة ما من الروابط الاجتماعية، فهو يترك أثراً إيجابياً في نفسيهما معاً، وينعكس راحةً وأمناً وطمأنينة، بينما يترك العمل السيء ردود فعل من الغضب، وتوتُّر الأعصاب في نفس من يصدر عنه ونفس من يرتبط به، وقد يحدث بسبب ردود الأفعال هذه مشاكل ومضاعفات يكون لها أسوأ النتائج.

وهنا يأتي دور الإيمان، وهو المصلح النفسي والاجتماعي لنفوس الناس وطبائعهم، فالتربية الإيمانية تحثُّك على مقابلة الإساءة بالإحسان، وهذا لا يتحقَّق إلا بإرادة قوية، وأعصاب فولاذية، ولسان رطب بذِكر الله، وقلب عامر بمحبَّته وخشيته، وفوق ذلك كلِّه فلابدَّ من الصبر الجميل والمصابرة الواعية. وكثيراً ما تقلِب هذه الإيجابية عداوة المسيء إلى صداقةٍ ومودَّةٍ، تعودان به إلى طريق الصواب، قال عمر رضي الله عنه : (ما عاقبتَ من عصى الله فيك بمثل أن تُطيع الله فيه)، وروى الطبراني عن جابر رضي الله عنه : «أنه لما نزلت هذه الآية {خُذِ العفو..} سأل النبيُ صلى الله عليه وسلم جبريلَ عنها فقال: لا أعلم حتى أسأل، ثم رجع فقال: إن ربَّك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمَّن ظلمك».

ولا يقدر على تنفيذ هذه الوصية إلا الصابرون على تحمُّل الشدائد، وتجرُّع المكاره، وكظم الغيظ، وترك الانتقام، فإن ذلك ممَّا يشقُّ على النفوس، ويصعب احتماله في الأغلب من الوقائع، والأشمل من الحالات.

قال أنس رضي الله عنه : (الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنتَ صادقاً غفر الله لي، وإن كنتَ كاذباً غفر الله لك)، وهذه السماحة تحتاج إلى إنسان نبيل يعطف ويسمح مع قدرته على الإساءة والرَّد، حتى لا يُصوَّر الإحسان في نفس المسيء ضعفاً، فَيَبطُلَ أثرُ الحسنة.

إن هذه الدرجة، درجة دفع السيئة بالحسنة، وهذا التوازن الَّذي يعرف متى تكون السماحة مع القدرة، ومتى يكون الدفع بالحسنى، درجة عالية لا يُلَقَّاها أيُّ إنسان، وإنما ينالها ذوو النصيب الوافر من الأخلاق وحسن التربية، فإن وسوس لك الشيطان ليحملك على مجازاة المسيء فاستعذ بالله من كيده وشرِّه، واعتصم به من نزغاته، فالاستعاذة بالله وقاية تحميك من لظى نار الغضب الَّتي يُسعِّرها، ودرع يقيك من سهام الشرور الَّتي يُصوِّبها.

ولا يخفى أن خالق القلب البشري يعرف مداخله وقنواته، ويعرف طاقته واستعداده، ومن أين يدخل الشيطان إليه، لذا فهو قادر على أن يحفظ قلب المؤمن من نزغاته إن هو استعاذ به، قال صلى الله عليه وسلم : «إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضَّأ» (رواه أبو داود).

وبعد هذه الدعوة إلى هذا المستوى المثالي في الأخلاق والفضائل نرى الآية الكريمة تحثُّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلك سمة بارزة من سمات المجتمع المؤمن، حضَّ عليها الشارع الحكيم في الكثير من آيات القرآن الكريم، لأن صلاح المجتمع يتوقَّف عليها، وبها يتحقَّق التكافل الاجتماعي في أحسن صوره. وممَّا لاشكَّ فيه أن إصلاح الفرد هو الخطوة الأولى في إصلاح المجتمع، لأن الإنسان خليَّة في جسد المجتمع البشري، إذا فسدت أضرت به وآلمته، وإذا صلحت حملت له الأمل بالصحَّة والعافية.
ولا يكفي أن يصلح الإنسان نفسه، لأنه مسؤول أيضاً عن إصلاح أسرته الصغيرة، وكذلك عن الأسرة الإنسانية الَّتي يعيش بين ظهرانيها، لذلك ربط الله تعالى صلاح الأمَّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: {كنتم خيرَ أُمَّةٍ أُخرجتْ للنَّاس تأمرونَ بالمعروفِ وتَنْهَوْنَ عن المنكر..} (3 آل عمران آية 110). وأوَّل شروط الأمر بالمعروف أن يكون الداعي إليه هو القدوة الصالحة، والأداة المنفِّذة له، فلا خير في دعوة لا تصدر عن القلب، ولا تصدِّقها الجوارح، بل تبقى مبتورة لا تتجاوز أسماع من تُلقى إليهم، وقد ندَّد الله بأمثال هؤلاء الدعاة فقال: {أتامُرونَ النَّاسَ بالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنفسَكُم وأنتم تَتْلونَ الكتابَ أفلا تعقلون} (2 البقرة آية 44).

ولابدَّ من أن يواجه الداعي إلى الله العقبات الشاقَّة، وأن يلتقي نماذج مختلفة من البشر، ففيهم من يستمع القول فيتَّبع أحسنه، وفيهم من يستمع القول فلا يتجاوز شحمتي أذنيه، وفيهم زكي القلب حسن الاستماع بعيد الأفق، وفيهم الجاهل محدود العقل ضيِّق الأفق، فإذا ما اصطدمت مصالحهم الشخصية مع تعاليم الداعية وحاربوه، فعليه أن يحلم، وأن يحاورهم الحوار البنَّاء بالحكمة والموعظة الحسنة، قال ابن عباس رضي الله عنه : (ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك)، فإذا استنفد الداعي وسائله العقلانية ولم ينجح، فليكفف وليصمت، ولعلَّ الصمت يكون أبلغ من الكلام، وأقدر على ترويض نفوسهم وتطويعها للحقِّ بدلاً من استثارتهم للفحش في الردِّ والعناد.

فالشيطان في مثل هذه المواقف نشط فرح، يسعى ليَنفُذَ بسهامه المسمومة إلى عقل الإنسان المصلح ليربكه، وإلى حماسه ليثبِّطه، وإلى غضبه ليؤجِّجه، فما على الداعية إلا أن يستعيذ بالله، وأن يقوِّي روابط صلته القلبية الروحية بالحضرة الإلهية، ليبقي على توازنه، ويوطِّد العزم من جديد على مواصلة مسيرة الإصلاح والبناء والعمل المنتج.

لنا الله
29-08-2008, 07:38 AM
مفهـوم الجـهــاد


قال الله تعالى: {والَّذين جاهَدوا فينا لنَهديَنَّهُمْ سُبُلَنا وإنَّ الله لَمَع المحسنين(69)}سورة العنكبوت(29)



وقال أيضاً: {وجاهِدوا في الله حقَّ جهادِهِ هو اجتبَاكم وما جَعلَ عليكم في الدِّينِ من حرج.. (78)}سورة الحج(22)



وقال أيضاً: {فلا تُطِعِ الكافرينَ وجاهِدْهُم به جهاداً كبيراً(52)}سورة الفرقان(25


ومضات:

ـ جهاد النفس والهوى يزرع الخشية في القلوب والتَّقوى في النفوس، ويحرِّك الفكر لما هو أرقى؛ فيوصل إلى سبل السعادة والنجاح، والصَّادق الملتزم بهذه المسيرة محسن يحظى بعطاء الله وقُربهِ عزَّ وجل.

ـ الجهاد الحقيقي هو مجاهدة المؤمن نفسه وأهواءه، فإن تمكَّن من الانتصار عليها، كان ذلك النصر أساساً ومقدِّمة لانتصاره على الطغيان والطغاة المعتدين عند المواجهة معهم.

ـ بعد تهذيب النفس، وجَعْلِهَا مطمئنة بالله عزَّ وجل، يبدأ الجهاد بالقرآن؛ في تعلُّمه وسبر أغواره، واستخلاص تعاليمه الربَّانية المسعدة للبشرية، ومن ثمَّ عرضها على الغافلين عنه، أو الجاحدين به، ليأخذوا بها، وتكون الدواء الشافي لأمراضهم النفسية والاجتماعية والاقتصادية.


في رحاب الآيات:

لا يكاد الناس يسمعون كلمة الجهاد حتَّى تتبادر إلى أذهانهم صور القتال والحرب واستعمال العنف، حتَّى إن الرأي العام العالمي لا يدري عن الجهاد في الإسلام إلا أشباه هذه المعاني، الَّتي تُدخل الرُّعب والفزع إلى القلوب، دون إدراك لمعناه الحقيقي الشامل.

إن الجهاد في الإسلام هو بذل الجهد الممكن والطاقة في سبيل أمر من الأمور؛ وهو بهذا المعنى يشمل ثلاثة أنواع من الجهاد: مجاهدة المعتدي، ويكون بالنفس والمال وبكلِّ ما يملك المسلم من طاقة، وهو فرض كفاية، إذا قام به المُؤَهَّلون له، أجزأ عن الآخرين وعن أهل الأعذار الَّذين لا يستطيعون أن يجاهدوا. وهناك جهاد آخر هو جهاد النفس والهوى وهو الأعظم، وهذا الجهاد فرض عَيْن على كلِّ مسلم، وقد عُدَّ جهاداً أعظم، لأنه جهاد مستمرٌّ دائم مادامت الحياة، أخرج البيهقي وغيره عن جابر رضي الله عنه قال: «قَدِمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال: قدمتم خير مقدم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه».

والنوع الثالث والأهم، هو الجهاد بالقرآن الكريم، وهو الجهاد الكبير {..وجاهدْهُم به جهاداً كبيراً}، إنه جهاد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ومقارعة الجهلاء بالحجج والبراهين المستنبطة من حنايا القرآن، في سبيل إنارة عقولهم، وفتح مغاليق قلوبهم، عسى أن يهديهم ربُّهم صراطاً مستقيماً، فيؤمنوا بالله ربّاً وبالقرآن إماماً، وبجميع الأنبياء والمرسلين هداة وأدلاَّء.

وعلى هذا فشتَّى أنواع سعي المؤمن في سبيل الوصول إلى المستوى الأفضل يكون جهاداً إذا قصد به وجه الله، وسواء أكان في تهذيب نفسه وسلوكه، أم في حياته المعاشية، أم في علاقاته مع مجتمعه، ومن ثمَّ مع الأسرة الدولية. والجهاد يبدأ من مقارعة النفس والهوى وفق الأساليب التربوية الربَّانية، وتتوسَّع دائرته لتشمل الدعوة في سبيل الله، الَّتي تتحقَّق بها سعادة العالم بأسره، كثمرة من ثمار الجهد المشترك، الَّذي بذله ويبذله المؤمنون في سبيل توحيد القلوب، وتشابك الأيدي وتعاونها، وتنوير العقول وتلاقحها، والرقي بالمجتمع نحو الخير والنجاح، وإنقاذ الإنسان من الفقر والجهل والمرض والتخلُّف، وكذلك لتخليصه مما عشَّشَ في ذهنه من خرافات فاسدة، وأباطيل ضالَّة انحرفت به عن جادَّة الصواب.

لقد كانت الحروب الَّتي خاضتها الأمم عبر أعصر التاريخ، وسيلة يفتعلها المستكبرون لاستعمار الشعوب، واستنزاف خيراتها وامتصاص دمائها، ودفعها للتخلُّف والجهل. وإذا كان المسلمون قد خاضوا الحروب، فقد خاضوها مجاهدين في سبيل الله، ولم يخوضوها ليستعمروا الشعوب ولا ليقهروها ويستنزفوا خيراتها، وإنما يشهد التاريخ على أنهم حرَّروها من قبضة المستبدِّين، ومن ربقة الفقر والجهل، حتَّى تخرَّج منها أعظم علماء الأرض في زمانهم، وازدهرت الحضارة لدى تلك الشعوب حتَّى أصبحوا قادة الدنيا ومعلِّميها. وعندما جاهدوا ضد الغزاة، فإنما جاهدوا انتصاراً للحقِّ على الباطل، وللعلم ضد الجهل، وللحرِّية ضد الاستعباد، وللكرامة ضد الذلِّ، وللعدل ضد الظلم، وفي سبيل نشر جميع القيم العليا والدفاع عنها، والَّتي ما كانت لتتحقَّق إلا بتحرير الناس من كلِّ أنواع العبودية المذلَّة، ليدخلوا في عزِّ عبادة الله الواحد القهَّار.

وكلُّ نشاط للمؤمن، يعدل أجرَ الجهاد، متى توجَّه القلب به إلى الله، حتَّى الحاجات اليومية من نوم وطعام وشراب، تتحوَّل إلى عبادات متى ذَكَرَ الله ونَوى أن يتقوَّى بها على طاعته وعبادته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله» (أخرجه أحمد والطبراني والقضاعي عن فضالة بن عبيد مرفوعاً)، وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ الآية ثم قال: (إن الرجل ليجاهد في الله تعالى وما ضرب بسيف).

وبعد كلِّ هذا نستطيع الخروج بنتيجة مُفادُها أن الجهاد في الإسلام ليس مجرد لقاء بين عدوَّين يريد كلٌّ منهما الغدر بالآخر والوقيعة به لكسب المعركة لصالحه؛ بل هو صراع بين الخير والشرِّ، بين الفضيلة والرذيلة، بين الهداية والضلالة، بين العلم والجاهلية.

لقد أتى رسول الله محمَّد صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدنيا بهذه الهدية الربَّانية، فمن قَبِلها طائعاً مختاراً عن قناعة فيها ورضاً بمحتواها فقد رشد، ومن رفضها استكباراً واعتزازاً بالإثم والجاهلية، ومنع إيصال هديَّة الله إلى عباده الَّذين يريدونها، فقد وجب على أمناء هذه الهديَّة، إزاحة هذا المنع، الَّذي يحول دون وصول الهديَّة المقدَّسة إلى عباد الله.

إن هذا الكلام كان حقيقة ماثلة للعيان عبر تاريخ الإسلام الحافل بمآثر الرقي والتهذيب، الَّذي حمله المسلمون لإخوتهم في الإنسانية، والتاريخ خير شاهد على أن المسلمين ما قاتلوا يوماً من الأيام لانتزاع لقمة العيش من أفواه غيرهم، كما فعل المستعمرون المستكبرون في شعوب الأرض، إنما خرجوا محرِّرين لإخوانهم من الظلم الَّذي كانوا يرزحون تحت وطأته، وهادين إيَّاهم إلى موارد الخير الَّتي وردوها، فسعدوا بعد شقاء، واغتنوا بعد فقر، وتعلَّموا بعد جهل، واهتدوا بعد ضلال، وتوحَّدوا بعد فرقة، وتآخوا بعد عداوة، إنه الإسلام دين الحياة الآمنة المطمئنَّة على هذه الأرض، ومن ورائها حياة أبدية في نعيم يجلُّ عن الوصف.

لنا الله
30-08-2008, 06:19 AM
التَّخلُّف عن الجهاد


قال سبحانه وتعالى في محكم تنزيله

{يا أيُّها الَّذين آمَنوا مالكم إذا قيل لكُم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتُم إلى الأرضِ أَرَضِيتم بالحياة الدُّنيا من الآخرة فما متاعُ الحياةِ الدُّنيا في الآخرة إلا قَليلٌ (38) إلا تنفِروا يُعذِّبكم عذاباً أَليماً وَيَستبدِلْ قوماً غيركُم ولا تضرُّوه شيئاً والله على كِلِّ شيءٍ قديرٌ (39)}



{فَرحَ المُخلَّفون ِبمقْعدهِمْ خِلاف رسولِ الله وكَرِهوا أَن يُجاهِدوا بأموالهِم وأَنفُسِهمْ في سبيلِ الله وقالوا لا تَنفِروا في الحرِّ قُلْ نارُ جهنَّمَ أَشدُّ حرّاً لو كانوا يَفْقَهونَ(81)}



{ما كانَ لأَهلِ المدينة ومن حَولَهُم من الأَعْرابِ أن يَتخلَّفوا عن رسولِ الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بِأنَّهم لا يُصِيبُهُم ظمأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمصةٌ في سبيلِ الله ولا يَطَؤُون مَوطئاً يَغيظُ الكُفَّارَ ولا ينَالُون من عَدُوٍّ نيلاً إلا كُتبَ لَهُم به عملٌ صالحٌ إنَّ الله لا يُضيعُ أَجْرَ المُحسِنين (120)}



{لقد تَابَ الله على النبيِّ والمهاجِرِينَ والأَنصارِ الَّذين اتَّبَعوهُ في ساعةِ العُسرَةِ مِن بعدِ ما كادَ يَزيغُ قلوبُ فريقٍ منهمْ ثمَّ تابَ عليهِم إنَّه بِهِم رؤوفٌ رَّحِيمٌ (117)وعلى الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا حتَّى إذا ضاقَتْ عليهِمُ الأرضُ بما رَحُبَتْ وضاقَتْ عليهِمْ أَنْفُسُهُمْ وظنُّوا أن لا مَلْجأَ مِنَ الله إلا إليه ثمَّ تاب عليهِم لِيتُوبوا إن الله هو التَّوَّابُ الرحيمُ(118)}



{وَما كانَ المؤمِنونَ لِيَنفِروا كافَّةً فلولا نفرَ من كلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طائفةٌ ليتفقَّهوا في الدِّين وَلِيُنذِروا قومَهُمْ إذا رَجَعوا إِليهم لعلَّهم يَحْذَرون (122)}



{إِنَّما السَّبيلُ على الَّذين يَسْتَئذنِونَكَ وهمْ أغنياءُ رَضُوا بِأَن يكونُوا مع الخَوالِفِ وَطَبَعَ الله على قُلوبِهِمْ فَهمْ لا يَعْلمُونَ(93)}


ومضات:


ـ ما كان للذين آمنوا أن يتخلَّفوا عن المساهمة في الجهاد الكبير، والجهاد الأكبر، والجهاد الأصغر؛ في سبيل تحويل مجتمعهم من مجتمع الذلِّ والجهل والتخلُّف، إلى مجتمع القوَّة والكرامة والعلم والتقدُّم، وأن تكون لهم الريادة على سائر أمم الأرض، في نشر الأخلاق الفاضلة، واستنفاد طاقاتهم العقلية كافَّة في تقصِّي جميع العلوم الكونية، للاستفادة ممَّا خلقه الله لنا في إعمار القلب والعقل والجسد، بشكل متوازن سليم، وهذا هو سبيل الله.

ـ إن مغريات الجسد من التراخي والكسل، والاستمتاع باللذائذ وترف العيش، عوامل مثبِّطة للهمم، تثقل المؤمن عن الانطلاق البنَّاء، وتحجبه عن المتع الروحية وعن منابع السعادة الحقيقية، الَّتي هي زاده الوفير في الرحلة المتكاملة في الحياة الدنيا ومنها إلى الدار الآخرة.

ـ عذاب الله وفق نواميسه هو ذلٌّ وهوان، وسيطرة العدو على عقولنا وتخديرها، وتسلُّطه على منابع ثرواتنا، وما كانت لأمَّة متخاذلة أن يكون لها الخلافة الربَّانية على هذه الأرض، وما كان بمعجز لله أن يستبدلها بأمَّة بنَّاءة متطوِّرة مضحِّية، فهمت عن الله مراده وسعت في تحقيق هذا المراد.

ـ إن في الجهاد إحساناً للمؤمنين أنفسهم حيث يصونون مجتمعهم مهاباً عزيزاً، وإحسان لأعداء الإسلام بحيث تتاح فرصة عرض مبادئ هذا الدِّين عليهم في محاولة لنقلهم من أخلاق الجهل المدمِّر إلى آفاق العلم المثمر، ومن فقر الروح إلى غنى النفس، ومن الضعف البهيمي إلى قوَّة الإيمان، ومن التشتت العاطفي إلى التماسك العائلي والاجتماعي. أمَّا في حال إِعراضهم وتعدِّيهم فإنَّ علينا أن نشتِّت شملهم ونأخذ منهم كلَّ مأخذ، حتَّى يرتدعوا ويؤوبوا إلى جادَّة الحقِّ والصواب.

ـ ما كان للمؤمنين أن يتخلُّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع المهام الَّتي يباشرها بنفسه، ولا أن يحبُّوا أنفسهم أكثر من حبِّهم لرسول الله. وإن لهم في أنواع الآلام الَّتي يعانونها نتيجة العطش والتعب والجوع وفي اقتحامهم لأوكار العدو، والنيل من هيبته والإغاظة له في أسره أو قتله، لهم في كلِّ ذلك رفيع المقام، والعزَّة والكرامة، والثواب من الربِّ الكريم، حيث تصان لهم أعمالهم مجداً في هذه الحياة، ومقاماً محموداً في الدار الآخرة.

ـ كانت عقوبة الصحابة الثلاثة الَّذين تخلَّفوا عن رسول الله ـ دون عذر أو نفاق ـ مقاطعة المجتمع لهم، فلا كلام معهم ولا تعامل، ومُنعت نساؤهم عنهم، وحبسوا في دائرة أنفسهم، وهذا هو العزل المدني والاجتماعي الَّذي طُبِّق عليهم بطريقة احترقت بها قلوبهم لوعة وأسى على فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وابتعاد المؤمنين عنهم، حتَّى أَرمدت عيونهم من كثرة البكاء وهول المصاب النفسي الَّذي ألمَّ بهم.

ـ النفير المستمرُّ لطوائف من المسلمين في طلب العلم بمختلف صنوفه، وتعليمهم لباقي أفراد الأمَّة واجب حتمي، وعلى الأغنياء بشكل خاص أن يدعموا هذا السبيل تحت طائلة تغليف قلوبهم بالقسوة والنفاق، وإغراقهم في مستنقعات الجهل والتخلُّف.

في رحاب الآيات:

نزلت هذه الآيات الكريمة بمناسبة غزوة تبوك، حين تجمَّعت قوى الروم متحالفة مع بعض القبائل من العرب المتنصرة، بغية الهجوم على المدينة المنوَّرة لاستئصال جذور الإسلام والقضاء عليه. وحين بلغ الخبر رسول اللهصلى الله عليه وسلم لم يتوانَ لحظة واحدة عن الدعوة للنفير العام، قال تعالى: {انفِروا خِفافاً وثِقالاً وجاهِدوا بِأَموالِكُم وأَنفُسِكم في سبيل الله ذلِكُم خيٌر لكُم إن كُنتُم تَعلَمون} (9 سورة التوبة آية 41).

كان الوقت حينها وحرارة الصيف اللاهبة تلفح الوجوه، والناس تستعدُّ لقطف ثمار النخيل، وقد حان أوانها وطاب مذاقها. وكان تقبُّل المسلمين لهذا النفير متفاوتاً حسب درجة إيمانهم:

1ـ فمنهم من بذل الغالي والرخيص فقال تعالى في حقِّهم: {لكنِ الرسولُ والَّذينَ آمنوا معـهُ جـاهَدوا بأموالِهِـم وأَنفُسِـهم وأولئِـكَ لَهُمُ الخيراتُ وأوُلئِـكَ هُمُ المُفلِحونَ } (9التوبة آية 88).

2ـ ومنهم من أقعدهم المرض والعجز وقلَّة ذات اليد، فجاؤوا يعتذرون لرسول اللهصلى الله عليه وسلم ، فقبل الله اعتذارهم بقوله: {ليسَ على الضُّعفاءِ ولا على المرضى ولا على الَّذين لا يَجِدُون ما يُنفِقون حَرَجٌ إذا نَصَحوا لله ورسـولهِ مـا على المحُسـنينَ من سـبيلٍ والله غفورٌ رحيمٌ} (9 التوبة آية 91).

3ـ ومنهم من لم يجدوا ما يبذلونه من المال وتقدَّموا مستجيبين للنداء مع استطاعتهم لبذل الجهد العضلي، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذر عن عدم قبول تطوُّعهم لعدم وجود وسائط النقل الكافية لحملهم، قال تعالى: {ولا على الَّذين إذا ما أتوكَ لِتحمِلهمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحمِلُكُم عليهِ تَولَّوا وأعيُنُهم تَفيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَناً ألاَّ يَجِدوا ما يُنفِقون} (9 التوبة آية 92).

4ـ ومنهم أغنياء، غلَّف حبُّ الدنيا شغاف قلوبهم، فآثروا الانغلاق ضمن أصداف المادَّة والمتع البهيمية وجاءوا يعتذرون، فقال تعالى بحقِّهم: {وإذا أُنزِلَتْ سُورةٌ أَن آمنوا بالله وجاهِدوا معَ رسولِهِ استئَذنَكَ أُولُوا الطَّولِ مِنْهم وقالوا ذَرْنا نكُن مع القاعدين رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالِفِ وطُبِعَ على قُلوبِهم فهمْ لايَفقهونَ} (9 التوبة آية 86 ـ87).

إن التثاقل تغلغل في أنفس مريضة أدمنت المطامع والمصالح، وتراخت بداعي الدعة والراحة والاستقرار، وانشدَّت إلى ترابية الأرض الفانية، متخاذلة عن جهاد عدو يخافونه ويرهبون بطشه وقد بعدت مسافته.

ولو عمرت قلوبهم بمحبَّة الله ورسـوله صلى الله عليه وسلم ، لانطلقت من قيد أسـر الغرائز والشهوات، وارتفعت عن تثاقل اللحم والدم، فتغلَّب عنصر الشوق المشبوب بالإيمان على عنصر القيود المادِّية الَّتي تثقل الأنفس المتخومة. ولو أنهم أنفقوا وجاهدوا لتمكَّنوا من حماية الثروة القومية من اندثار يعادل مئات الأضعاف من قيمة ما كان يمكن أن ينفقوه في سبيل التعبئة العامَّة.

5ـ ومنهم منافقين من الأعراب ومن أهل المدينة، كذبوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، واختلقوا الأعذار الواهية، مردوا على النفاق وحـاولوا تثبيط عـزائم الآخرين، فقال تعالى عنهم: {إنَّما يَسْتأذِنُكَ الَّذين لا يُؤمنونَ بالله واليومِ الآخرِ وَارتابـتْ قُلوبُهـمْ فهُـمْ في رَيبهِم يتردَّدون} (9 التوبة آية 45).

هؤلاء المنافقين جهدوا في تفكيك البنية التحتية للمجتمع الإسلامي، وفي تفريقهم للصفوف المؤمنة، ومحاولة الإساءة لشخصيَّة النبيِّ الكريم محمَّد صلى الله عليه وسلم ، لتبهيت صورته المشرقة فقال تعالى عنهم: {وَمنهُمُ الَّذين يُؤْذون النَّبِيَّ ويقولُونَ هوَ أُذنٌ قُلْ أُذُنُ خَيرٍ لكُم يُؤْمِنُ بالله وَيؤْمِنُ للمُؤمنيَن وَرَحمةٌ لِلَّذين آمنوا والَّذين يُؤذُونَ رسولَ الله لهم عذابٌ أليمٌ} (9 التوبة آية 61).

نعم هذا الرسول الكريم أذن خير يستمع إلى الوحي ثمَّ يبلِّـغُه لكم وفيه خيركم وصلاحكم وأذن خير يستمع إليكم في أدب فلا يجابهكم بنفاقكم ولا يرميكم بخداعكم، ويؤمن للمؤمنين فيطمئن إليهم ويثق بهم لأنه يعلم صدق الإيمان الَّذي يعصمهم من الكذب والرياء، ورحمة للذين آمنوا يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح بينما يستغرق المنافقون في الكذب كما وصفهم تعالى بقوله: {يَحلِفون بالله لِيُرضوكُمْ والله ورسولُهُ أَحَقُّ أَن يُـرضُوهُ إن كـانوا مُؤمِنينَ} (9 التوبة آية 62).

وهكذا تخلَّف المنافقون وفرحوا، سروراً وشماتة، فلا إنفاق ولا تعب ولا قتال، تهرَّبوا من كلِّ ذلك فجاءت عدالة السماء لتنزل حكمها العادل فيهم بقوله تعالى: {فَليَضْحَكوا قليلاً وَليَبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون * فإن رجَعَكَ الله إلى طائِفةٍ مِنهم فاستئذَنُوك للخُروجِ فَقُل لن تَخرُجوا معي أبداً ولن تقاُتلوا معيَ عَدوّاً إنَّكم رَضيتمُ بالقعودِ أَوَّل مَرَّةٍ فاقُعُدوا مع الخالِفين * ولا تُصَلِّ على أَحد منهم ماتَ أبداً ولا تَقُمْ على قَبرِه إنَّهُم كَفَروا بالله ورسولهِ وماتوا وهم فاسقون * ولاتُعجِبْكَ أَموالُهُم وأَولادُهُم إنما يُرِيدُ الله أَنْ يُعَذِّبَهُم بها في الدنيا وتَزهَقَ أَنفُسهُم وهُم كافِرونَ } (9 التوبة آية 82ـ85).

حكمٌ إلهي بمنتهى الشدَّة، إنه حرمان من شرف الخدمة العسكرية، فلا تكريم لهم في حياتهم أو عند مماتهم، وتحويل للنعمة الزائلة الَّتي انخدعوا بها إلى جحيم دنيوي، فالأولاد ينقلبون إلى أعداء يذيقون آباءهم مرَّ الغضب والعقوق، والمال يذوب ويندثر، والموت الكريب يحيق بهم، وقد زهقت أنفسهم من وبال الأمراض والهموم، فلا استغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبورهم ولا دعاء لهم والملائكة تسائلهم.

روى أبو داود والحاكم والبزار عن عثمان رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل وفي الآخرة لهم ما هو أدهى وأمر»، قال تعالى: {بل السَّاعةُ مَوعدُهُم والسَّاعةُ أدهى وأَمرُّ * أن المُجرِمينَ في ضلالٍ وسُعُرٍ * وهمَ يُسحَبونَ في النَّارِ على وُجُوهِهِم ذُوقوا مَسَّ سَقَرَ } (54 القمر آية 46ـ48)

6ـ ومنهم ثلاثة من المؤمنين: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، لم يكن لهم أي عذر في تخلُّفهم سوى الكسل والاسترواح في ظلال المدينة، كما قال كعب: (والله ماكان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلَّفت عنك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم : «أمَّا هذا فقد صدق فقم حتَّى يقضي الله فيك»). (أخرجه البخاري ومسلم).

وقضى الله تعالى فيهم أمره، وأصدر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حكم الله فيهم، فنهى الناس عن كلامهم، أو التعامل معهم، أو ردَّ السَّلام عليهم، وأصدر عليه الصَّلاة والسَّلام أمراً بعد أربعين ليلة من الحكم الأوَّل إلى زوجاتهم بأن يعتزلن أزواجهن، والاكتفاء بخدمتهم دون مقاربتهم.

وكان سجناً انفرادياً لكلٍّ منهم داخل قفص جسده، وكانت زنزانة غير منظورة لكلٍّ منهم، وكانت عقوبتهم حكماً فريداً من نوعه، اشترك الشعب كلُّه في تنفيذه. إنها سابقة لم يكن لها مثيل في تاريخ البشرية على الاطلاق، امتثل فيها المحكومون للحكم الإلهي بملء إرادتهـم، وقابلوه بالاستغفار والتوبة، والإنابة بصدق وخشوع، وبالتضرُّع والدعاء الممزوجين بدموع مدرارة سخية ملتهبة، تنبعث من قلوب احترقت من خشية الله، وتنهمل من عيون التهبت بنار إلهية غسلت الركام الناشئ عن تخلُّفهم، حتَّى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنُّوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، نزلت بشائر التوبة الإلهية واستبشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وبشَّر صحابته الكرام، وكان احتفالاً غريباً من نوعه، قام فيه منفِّذو الحكم بتهنئة المحكومين، مهلِّلين مكبِّرين، فرحين مستبشرين.

إنها توبة إلهية شملت الثلاثة الَّذين تَخَلَّفوا، كما شملت قبلهم جميع من شاركوا في غزوة تبوك، وخاصَّة من راودتهم أنفسهم بعض الظنون والشكوك والهموم، وقد هدَّهم تعب المسير، حتَّى تورَّمت أقدامهم وتقيَّحت، حيث كان العشرة منهم يتناوبون الركب على دابَّة واحدة، وأضناهم قلَّة الزاد والماء، حتَّى أن الرجلين كانا يشقَّان التمرة بينهما، وحتَّى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده.

وهكذا بهذه الرسالة السماوية الكريمة، وبأمثال هؤلاء الصحابة العظام، وبالرعاية الكريمة الصادقة المخلصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ظهرت خير أمَّة أُخرجت للناس، سبقت أعمالُها أقوالَها، وشعَّ صدق إيمانها نوراً ربَّانيّاً أضاء ظلمات القلوب العاثِرة، فاهتدت وهدت إلى صراط ربِّ العالمين.

لنا الله
31-08-2008, 06:08 PM
الشهيد والشهادة



سورة آل عمران(3)

قال الله تعالى: {ولا تَحسَبَنَّ الَّذين قُتِلوا في سَبيلِ الله أمواتاً بل أحياءٌ عِند ربِّهم يُرزَقونَ(169) فَرِحينَ بما آتاهُمُ الله من فَضلِهِ ويَستَبشِرونَ بالَّذين لم يَلحَقوا بهم من خَلفِهِم ألاَّ خوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحزنونَ(170) يَستَبشِرونَ بِنِعمةٍ من الله وفضلٍ وأنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ المؤمِنينَ(171)}

سورة البقرة(2)

وقال أيضاً: {ولا تَقولوا لِمَنْ يُقتلُ في سبيلِ الله أمواتٌ بل أَحياءٌ ولكن لا تَشعُرونَ(154)}



ومضات:

ـ الحياة الحقيقية هي اتحاد الروح والجسد في سبيل تحقيق هدف واحد، هو إعلاء كلمة الله في الأرض، بتمثُّل الإيمان في النفس، ونشره في ربوع الأرض بين الناس، وإقامة البناء الأخلاقي والإعمار. وقد يتعرَّض الجسد من أجل ذلك كلِّه للموت، إلا أن الموت هنا، في حدِّ ذاته، بداية لحياة مِلؤُها السعادة والحبور في ظلِّ عرش الله ورعايته.

ـ الفرح الحقيقي هو الَّذي لا حزن بعده، وهو الغاية المنشودة الَّتي يطلبها المؤمن من ربٍّ كريم.

ـ قافلة الشهداء تتابع مسيرتها حين يقدِّم المؤمنون أرواحهم رخيصة في سبيل الله، بكلِّ ثبات واطمئنان دون وجل ولا تردُّد، وتكون البشرى الحقيقية عندما يُغْمِضُ الشهيد عينيه، وقلبُهُ مغمور باليقين؛ بأنه سينال ما وعده الله تعالى من حسن الجزاء لقاء صدقه واستشهاده، فيجد ذلك كلَّه حقيقةً ماثلةً للعيان، جِنانٌ وربٌ كريم.


في رحاب الآيات:

يا له من موكبٍ جميل تتنزَّل فيه كوكبةٌ من ملائكة الرحمن لتحمل روح الشهيد وتَزفَّها إلى أعالي جنان الخلد، ورائحة دمائه الزكية تفوح بالمسك الأذفر! ولا عجب في أن يُستقْبَل بهذه الحفاوة والتكريم، وهو الَّذي قدَّم أغلى ما يملك لأعزِّ مالك، ألا وهو ربُّ العرش العظيم.

لقد نزلت هذه الآيات الكريمة على المؤمنين؛ لتخبرهم عن منزلة شهدائهم عند الله، فيزدادوا في الجهاد حباً، وإلى لقاء ربِّهم شـوقاً، وبمصداقية حياتهم بعد موتهم يقيناً. وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لمَّا أصيب إخوانكم بأُحُد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خُضْر، تَرِد أنهار الجنَّة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظلِّ العرش، فلمَّا وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مَقِيلهم قالوا: ياليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله، أنا أبلغهم عنكم، فأنزل هذه الآية: {ولا تحسَبَنَّ الَّذين قُتِلوا في سبيلِ الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربِّهم يُرزَقون}».

فإن كان الشهداء في هذه المنزلة العظيمة؛ حيث يتبوَّؤُون مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويُرزَقون مثلما يُرزق الأحياء، ويتنعمون بألوان النعيم والسرور، فإن ذلك يؤكد أن الشهادة ليست بخاتمة المطاف، وليست حاجزاً بين ما قبلها وما بعدها، بل هي استمرار للحياة الأولى، وانتقال مرحلي منها للارتقاء في معارج النعيم في الجنان الَّتي أعدَّها الله للشهداء الأبرار، الَّذين يتجاوزون عالم البرزخ، وتنطلق أرواحهم لتحيا حياة جديدة يصبح فيها الغيب مُشاهَداً مرئياً؛ فيرون ألواناً من النعيم الَّذي لا يُوصف، ويُرزقون كما يُرزق الأحياء، فكأنهم لم يموتوا. إلا أن هذه الدرجة لا يُلَقَّاها إلا المخلصون من الشهداء، والمبتغون في تضحيتهم وجه الله، وهذا ما أشار إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال: «مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (متفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ).

وهكذا نجد أنَّ الإسلام قد أعطى ظاهرتَيْ، الموت والحياة، مفهوماً عميقاً وجميلاً ذاخراً بالمعاني السامية، الَّتي تُفْرِحُ قلب المؤمن وتجعل من حياته وموته رحلة متكاملة، طالما أنهما في سبيل الله، تحقيقاً لإرادته في نشر السَّلام والاطمئنان في ربوع العالم كلِّه.

إنها النظرة الجديدة للموت، وهي ذات آثار جليلة على مشاعر المؤمنين، حيث حثَّتهم على زيادة الطاعة والجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم، وترك التمسُّك بالحياة الدنيوية الزائلة، للفوز بحياة أبدية لا يكدِّرها خوف من مكروه، ولا حزن ولا هموم، وهذا ما يسلِّط الأضواء على أحد شهداء الصحابة، عندما تَلقَّى بصدره طعنةً برمحٍ نفذ إلى ظهره فقال: فُزْتُ وَرَبِّ الكعبة.

فهذه النُّقلة من الحياة الدنيا إلى الآخرة أدعى إلى الغبطة، لأنها رحلة إلى جوار الله تعالى، وتعديل لمفهوم الموت وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم، وتوسيع لأفق الحياة ومشاعرها وصورها بحيث تتجاوز نطاق العاجلة ومظاهرها الزائلة، وتستقرُّ في مجال فسيح لا تعترضه الحواجز، الَّتي تقوم في أذهاننا، عن هذه النقلة من حياة إلى حياة. وقد أثمر هذا المفهوم الجديد الَّذي غرسته هذه الآية ومثيلاتها في قلوب المسلمين؛ فتسارعت خطاهم في التسابق على طلب الشهادة في سبيل الله، دفاعاً عن الحقِّ، وردّاً لكيد المعتدين، ونصرةً للمظلومين.

لنا الله
02-09-2008, 01:02 AM
الـمــوت




قال الله تعالى: {وما كان لنفسٍ أن تَموتَ إلاَّ بإذنِ الله كِتاباً مؤَجَّلاً ومن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنيا نؤتِهِ منها ومن يُرِدْ ثَوابَ الآخرةِ نؤتِهِ منها وسَنَجزي الشَّاكرينَ(145)}آل عمران(3)



وقال أيضاً: {حتَّى إذا جاءَ أحدَهُمُ الموتُ قال ربِّ ارجعونِِ(99) لعلِّي أَعملُ صالحاً فيما تركْتُ كلاَّ إنَّها كلمةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِم برزخٌ إلى يومِ يُبْعَثون(100)}سورة المؤمنون(23)



وقال أيضاً: {وأنفِقُوا ممَّا رزقْناكُم من قبلِ أن يأتيَ أحدَكُم الموتُ فيقولَ ربِّ لولا أخَّرْتني إلى أَجَلٍ قريبٍ فأصَّدَّقَ وأكن من الصَّالحين(10) ولن يُؤخِّرَ الله نفْساً إذا جاء أَجَلُها والله خبيرٌ بما تعملون(11)}سورة المنافقون(



ومضات:

ـ الحياة الأرضية معبر إلى حياة الخلود، وكلُّ مَنْ على هذه الأرض فان، والمهمُّ هو الاستفادة من رحلة العمر هذه، في تهيئة أرواحنا للحياة الأبدية، حيث حصاد زرعنا ونتاج أعمالنا، دون الالتفات إلى بريق الدنيا الكاذب وزخارفها الخدَّاعة.

ـ الله تعالى غنيٌّ عن العالمين، ومن يكفر به وبآلائه فإنه لا يضرُّه ولا ينقص من ملكه شيئاً، وأمَّا من آمن به حقَّ الإيمان وشكره على أنعمه فإنه سيُجزل عطاءه ويُحسن مثواه.

ـ الوقت سلاح ذو حدين، إن أحسنَّا استعماله ذلَّلنا الصعاب ووصلنا إلى الغاية المرجوَّة، وإذا أسأنا اسـتعماله خسـرنا وندمنـا، وإن عجلة الزمن لا يمكن أن تعود إلى الوراء، وما كان لندم ـ مهما اشتدَّ على ما فوَّتنا أو ضيَّعنا من عمرنا ـ أن يعيد دورة الزمن لنأخذ فرصتنا من جديد.

ـ إن التجارب اليومية كثيرة وهي تمرُّ بنا وبسوانا، وعند كلِّ تقصير أو إهمال نبديه، تفوتنا فرص عديدة في الحياة قد نعجز عن استدراكها، وهكذا هو قانون الله تعالى، حيث أعطى الإنسان كلَّ الفرص للاستفادة منها في إعمار قلبه وعقله ومحيطه المسؤول عنه، فمن ضيَّعها فقد فاتته هذه الفرص، وليس أمامه سوى الندم والويل والثبور وفظائع الأمور.


في رحاب الآيات:

الموتُ هو النهاية الَّتي ينتهي إليها كلُّ حيٍّ على هذه الأرض، فلكلِّ نفس موعد مؤجَّل إلى وقت لا يعلمه إلا الله تعالى، ولن تموت نفس حتَّى تستوفي أجلها، وبذلك تستقرُّ حقيقة الأجل في النفس، فلا تنشغل بالتفكير فيه عن أداء واجباتها، والوفاء بالتزاماتها، وتكاليفها الإيمانية.

فليس المهم إذاً موعد الموت، بل أن نكون جاهزين في كلِّ لحظة لهذا الرحيل، وذلك بأن نكون مستغفرين من ذنوبنا، تائبين منيبين إلى الله، مؤدِّين ما علينا من حقوق لعباده، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم : «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحَّتك لمرضك ومن حياتك لموتك» (رواه البخاري). فالإنسان الموفَّق هو الَّذي يصحو من سُبات الجهل، ويبتعد عن طريق الشرور والآثام في الوقت المناسب، وقبل أن يمضي قطار العمر، بحيث يبادر وما زال أمامه متَّسع من الوقت لترميم ما أفسد، ولتعويض ما فاته من الطاعات والعمل الصالح. فما الفائدة من أن يصحو المرء من سكرة ذنوبه ومعاصيه، ليقع في سكرة الموت، ويجد نفسه وقد أضاع ماله وشبابه وصحَّته وعمره.

إن المرء ليتمنَّى عندما تنتابه صحوة الموت، وينكشف له الغطاء عن عالم الآخرة، أن يُعطى ولو ساعة من حياة، ليَهَبَ كلَّ ما يملك من مال في سبيل الله، أو أن يعيد كلَّ ما اغتصبه من حقوق لأهلها، ولكنَّه موعد مع القدر الإلهي لا يستقدم لحظة ولا يستأخر: {وَلِكُلِّ أُمَّةٌ أَجَلٌ فإذا جاءَ أَجَلُهُم لا يَسْتأخِرونَ ساعةً ولا يَسْتَقْدِمون} (7 الأعراف آية 34). وماذا بوسع المُحْـتَضر أن يفعل فيما إذا طلب تأخير موته عن موعده المحدد ولو لساعات أو لأيام؛ بعد أن بدأت ظواهر عالم الغيب تتكشَّف له؟ وهل يكفيه أن يسجد طيلة مدة التمديد، صائماً مسبِّحاً لله ومستغفراً؟ وهل يكفيه إذا أُعطي مهلة تأخير التنفيذ، أن ينفق جميع ما يمكنه أن ينفقه في سبيل الله، كفَّارةً لذنوبه واستدراكاً لما تأخر عن إنفاقه؟.

ذلك المال الَّذي ضيَّع عمره بحثاً عنه، وتهالُكاً على جمعه، هل هو مستعدٌّ الآن أن ينفقه في لحظة واحدة في سبيل إرضاء الله؛ بعد أن تحقَّق من وجود الحساب واليوم الآخر؟ وهل هو مستعدٌّ أن يعيد كلَّ مال حرام اغتصبه إلى أصحابه؟؟. أما وإن الروح لن تعود إلى الجسد في الحياة الدنيا بعد أن حان أجلها، وأنَّ الموت حقٌّ، والحساب حقٌّ، واليوم الآخر حقٌّ، فلماذا لا ننفق ما فرضه علينا الشارع الحكيم، أثناء حياتنا وبهدوء ورويَّة، وعلى أفضل وجه يرضاه الله، من أجل مصلحة المجتمع وتحقيق توازنه وسلامة بنيته الأخلاقية؟.

إن من أهمِّ المعوِّقات عن مثل هذا الإنفاق هو تعلُّقنا بالمزيد من الكسب وتجميع الثروات، ورغبتنا بإشباع شهواتنا بالمزيد من المتع الحسيَّة، مما يغلِّف قلوبنا بأستار كثيفة تبعدنا عن حضرة الله، وعن تذكُّر تعاليمه الَّتي ما فُرضت علينا إلا لأجل سعادتنا في الدارين.

لذلك فإن الله جلَّ وعلا يردُّ على هذا السائل المتمني الرجوع إلى الدنيا كي يعمل صالحاً بقوله: كلا، وهو حرف ردع وزجر، أي لا نجيبه إلى طلبه ولا نقبل منه، فسؤاله الرجوع ليعمل صالحاً هو قول لا عمل معه، ولو رُدَّ لما عمل صالحاً، ولكان كاذباً في مقالته كما قال تعالى: {..ولو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه وإنَّهم لكاذبون} (6 الأنعام آية 28).

فعودة الناس إلى الحياة الدنيا بعد الموت أمر مستحيل، فَمِنْ أمامهم حاجز يحول بينهم وبين هذه العودة وهو عالم البرزخ، قال مجاهد: (البرزخ الحاجز بين الدنيا والآخرة) وقال محمد بن كعب: (البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يُجازون بأعمالهم).

وقد حذَّر الله تعالى عباده من هذه اللحظة العصيبة، لحظة الموت، وما وراءها من حياة البرزخ، وما بعدها من الحساب والعقاب، وجاء هذا التحذير على ألسنة الأنبياء وفي الكتب السماوية المقدَّسة، وحضَّ عباده على أن يلهجوا بذكره آناء الليل وأطراف النهار، وأن يؤدُّوا ما فُرِضَ عليهم من العبادات، فلا يشغلهم عن ذلك زخرف الحياة الدنيا من مال ونسب وولد وجاه وسلطان، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. وكذلك أمرهم أن ينفقوا أموالهم في أعمال البرِّ ووجوه الخير، وألا يؤخِّروا ذلك حتَّى يفجأهم الموت فيندموا حيث لا ينفع الندم، ويتمنَّوا أن يطيل الله أعمارهم ليعوِّضوا بعض ما فاتهم، ولكن أنَّى لهم ذلك، ولكلِّ نفس أجل محدود لا تتعدَّاه، والله خبير بأعمالهم، وهو مجزيهم عليها، إن خيراً فخير وإن شراً فشر؟.

فمن جعل الدنيا همَّه فقد يصيبه حظٌ منها ويخسر نصيبه في الآخرة، لأن حيازة الإنسان على الدنيا ليس بموضع غبطة لأنها مبذولة للبَرِّ والفاجر على السواء، أمَّا من أراد الآخرة وجعلها همَّه فإنه يُوفَّى أجره كاملاً، ولا يُنْقصه ما قد يحصل عليه في الدنيا، وسيجزي الله الشاكرين الَّذين يدركون نعم الله ويؤدُّون حقَّها من الشكر.

هذه هي ميزات الإسلام الحنيف، فما طلب من المؤمنين أن يكونوا مادِّيين يتكالبون على جمع حطام الدنيا، ولا أن يكونوا روحانيين يجرِّدون أنفسهم من لذَّات الحياة، ويدلُّ على ذلك قـوله تعـالى: {قـلْ من حـرَّمَ زينَـةَ الله الَّـتي أخـرَجَ لـعبـادِهِ والطَّيِّبـاتِ من الرِّزق..} (7 الأعراف آية 32). ومِنْ أكثر ما يقرِّب العبد من ربِّه، ويجعله يفوز برضوانه، رحمته بالبائسين من عباده، وبذل المال في الوجوه الَّتي فيها سعادة الأمَّة، وإعلاء شأنها، ونشر الدعوة. جاء في الحديث الشريف: «لأن يتصدَّق المرء في حياته بدرهم خير من أن يتصدَّق بمائة عند موته» (أخرجه أبو داود وابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رجل يارسول الله! أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال صلى الله عليه وسلم : أن تتصدَّق وأنت شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تُمْهِل حتَّى إذا بلغت الحلقوم قلتَ: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان» (رواه البخاري). ومن أَلْهَتْهُ الدنيا وشغلته عن حقوق الله والعباد، فقد باء بغضب من ربِّه، وخسرت تجارته، إذ باع خالداً باقياً، واشترى به فانياً زائلاً، فكيف يرضى عاقل بمثل هذه التجارة الخاسرة؟.

غربة روح
02-09-2008, 05:34 PM
بارك الله فيك أخي
وجزاك الفردوس الأعلى:_11:

رباب راجية الجنة
02-09-2008, 07:39 PM
في ميزان حسناتك بإذن الله أخي الكريم....مشكور.

لنا الله
03-09-2008, 01:15 AM
بارك الله فيك أخي


وجزاك الفردوس الأعلى:_11:



جزاكم الله خيرا أختي الكريمة لمروركم

نفعنا الله وإياكم بالقرآن وأهله

لنا الله
03-09-2008, 01:18 AM
في ميزان حسناتك بإذن الله أخي الكريم....مشكور.


جزاكم الله خيرا أختي الكريمة لمروركم
نفعنا الله وإياكم بالقرآن وأهله

لنا الله
03-09-2008, 01:18 AM
الحساب والجزاء


قال الله تعالى: {ليس بأمانيِّكُم ولا أمانيِّ أهلِ الكتابِ من يعملْ سُوءاً يُجزَ بهِ ولا يجدْ لهُ من دونِ الله وليّاً ولا نصيراً(123) ومن يعملْ من الصَّالحاتِ من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئِكَ يدْخلُونَ الجنَّة ولا يُظلَمونَ نقيراً(124)} سورة النساء(4)


ومضات:

ـ إن استحقاق الثواب أو العقاب ليس موكولاً إلى الأماني، بل يرجع إلى أصل ثابت، وسنَّة لا تتبدَّل، وقانون لا يحابي، قانون يستوي أمامه جميع النَّاس من جميع الشرائع، فصاحب السوء مجزي بالسوء، وصاحب الحسنة مكافأ بالحسنة، وصاحب القرار في ذلك هو ربُّ العالمين وحده ولا أحد سواه.

ـ الإيمان الحقيقي المقرون بالعمل الصالح ـ المثمر علماً وأخلاقاً ـ هو معيار النجاح والتوفيق في سائر الشرائع السماوية، وهو يسري على الأجناس البشرية كافَّة، في الأزمنة والأمكنة كافَّة، دون تفريق بين ذكر وأنثى.


في رحاب الآيات:

قال النبي عليه الصَّلاة والسَّلام: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلِّي، ولكنَّ الإيمان ما وقر في القلب وصدَّقه العمل» (رواه ابن النجار والديلمي في مسند الفردوس عن أنس رضي الله عنه ).
فالعقيدة والعمل هما ركنا الإيمان، عقيدة التَّوحيد والعبودية الخالصة لله تعالى، والعمل بمقتضى شريعة الله. ولكنَّ بعض النَّاس ممَّن التبست عليهم الأمور، اغترُّوا بمغفرة الله وحلمه وسعة رحمته، وحصروها في أنفسهم، وادَّعَوا انغلاق باب الرجاء والرحمة عن غيرهم من أتباع الرسالات السماوية. وإنَّ هذا الوهم ليس وقفاً على فردٍ دون آخر، ولا على أصحاب ملَّة دون أخرى، إذ ربما وقع فيه المسلمون غروراً بانتمائهم إلى الإسلام، وبأن هذا الانتماء سوف ينجيهم من عذاب الله، وكذلك أهل الكتاب من الَّذين غرَّتهم الأماني فقالوا: {وقالوا لن تَمَسَّنا النَّارُ إلاَّ أيَّاماً معدودةً قُلْ أتَّخذتُم عند الله عهداً فلن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ أمْ تقولون على الله ما لا تعلمون * بلى من كسبَ سيِّئةً وأحاطتْ به خطيئَتُهُ فأولئك أصحابُ النَّارِ هم فيها خالدون * والَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ أولئك أصحابُ الجنَّة هم فيها خالدون} (2 البقرة آية 80ـ82).

والأديان أصلاً لم تشرَّع للتفاخر والتباهي، ولا تحصل الفائدة بالانتساب إليها دون العمل بمضمونها، وليس هناك شريعة تعلو على شريعة في نظر الله، لأن الشرائع نزلت من مشرِّع واحد، وليس هناك أتباع شريعة يتجاوزون القوانين الإلهية دون أن تطالهم عدالة السماء، فلن يُعذر مسلمٌ سَرَق، ولن يُستثنى مسيحيٌ أو يهوديٌ قتل، فالكلُّ أمام الله مسيء وسيحاسَبُ على قدر إساءته بغضِّ النظر عن انتمائه الديني.

ولقد شقَّ على المسلمين قول الله لهم: {من يعملْ سُوءاً يُجزَ به} لأنهم كانوا يعرفون طبيعة النفس البشرية، ويعرفون أنها لابُدَّ أن تعمل سوءاً، مهما صلحت ومهما عملت من حسنات، فلم يخدعوا أنفسهم عن حقيقتها، وارتعشت قلوبهم كالَّذي يواجه العاقبة فعلاً ويلامسها، ولبثوا حين نزلت لاينفعهم طعام ولا شراب حتَّى أنزل الله قوله: {ومن يعملْ سُوءاً أو يَظْلِمْ نفْسهُ ثمَّ يستغفِرِ الله يجدِ الله غفوراً رحيماً} (4 النساء آية 110). روي أنه لـمَّا نزل قوله تعالى: {من يعملْ سُوءاً يُجز به} راع ذلك أبا بكر رضي الله عنه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم من ينجو مع هذا يارسول الله؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : «أما تحزن، أما تمرض، أما يصيبك البلاء؟ قال بلى يارسول الله، قال: هو ذاك» (رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي بكر رضي الله عنه ).

ونطالع الوجه المقابل لهذا الوعيد فنراه وعداً مبشِّراً، مسفراً، يومض بريق الأمل في صدورٍ آمنت بربِّها وأسلمت قلبها له، واتجهت بأبصارها وبصائرها نحوه، فتغلغل نوره في حناياها، وطهَّرها وزكَّاها، فلم يلتبس عليها الحقُّ بالباطل، وترفَّعت عن تلبية شهوات الجسد، الَّتي تلقي بصاحبها في دوَّامة من الجوع الروحي لا شبع له، ومتاهة من الظمأ لا ريَّ يطفئها، أولئك الَّذين أحرقوا شهواتهم في أتون الإرادة الصلبة، والاستقامة الصادقة فلن تمسَّهم النَّار، بل إن مصيرهم إن شاء الله إلى الجنَّة والرضا من الله عزَّ وجل.

وتراعي الآية الدقَّة في تقرير الحُكْمِ، وفي ترتيب الثواب والعقاب، فالذكر والأنثى في نظر الشريعة سواء، وهما أمام محكمة الله سواء، ولا يُنقص الله من ثواب أحدهما شيئاً. وتُوَجِّهُ الآية الكريمة الأنظار والقلوب إلى الله، وإلى لزوم تفويض الأمر إليه، والتوكُّل عليه، مع العمل الصالح الَّذي أمر بهالله ورسوله. وقد عبَّرت الآية عن توجُّه القلب بإسلام الوجه، لأن الوجه مرآة القلب، على صفحته تنعكس طهارة الروح، ونقاوة الضمير، وصفاء السريرة.

لنا الله
05-09-2008, 02:26 AM
الحساب والجزاء


قال الله تعالى: {وماذا عليهِمْ لو آمنوا بالله واليومِ الآخرِ وأنفقوا ممَّا رزقَهُم الله وكان الله بهم عليماً(39) إنَّ الله لا يظْلمُ مثقالَ ذرَّة وإن تَكُ حسنةً يُضاعِفْها ويُؤتِ من لدُنْهُ أجراً عظِيماً(40) فكيف إذا جئنا من كلِّ أمَّةٍ بشهِيدٍ وجئنا بكَ على هؤلاء شهيداً(41) يومئذٍ يَودُّ الَّذينَ كَفَروا وعَصَوا الرَّسولَ لو تُسوَّى بهمُ الأرضُ ولا يَكْتُمونَ الله حَدِيثاً(42)} سورة النساء(4)



ومضات:

ـ لو آمن النَّاس بالله إيماناً صحيحاً، وأعدُّوا العُدَّة ليوم الحساب، وقدَّمُوا الغالي والنفيس في سبيله تعالى، لما فاتتهم منفعة الدُّنيا ولفازوا بسعادة الآخرة.

ـ حَسْبُ المؤمن شرفاً أن الله يطَّلع على إنفاقه في سبيله، ثمَّ يجزيه عليه أفضل الجزاء، علم النَّاس بذلك أم لم يعلموا.

ـ الجزاء من جنس العمل، ولا يُنقص الله تعالى أجرَ أحدٍ، ولو كان مثقال ذرَّة، ويزيد ويضاعف من فضله لمن يشاء بغير حساب.

ـ يقوم الأنبياء والمرسلون والصالحون يوم القيامة بالشهادة على أقوامهم، فمن تَبِعَهم في الحياة الدُّنيا، كان معهم في الدار الآخرة، ومن عصاهم فله الخزي والندامة. يومها تتكشَّف الأمور وتتَّضح الحقائق ويتبيَّن للجميع أن الله حقٌّ، وأن ما وعد به صدق، ويتمنَّى الكافر لو كان ترابا، هرباً من مواجهة أعماله وتلقِّي نتائجها.


في رحاب الآيات:

الإسلام دين المنطق السليم، لأن تعاليمه تتوافق مع العقل الناضج والَّذي يجد فيها إجابة عن كلِّ سؤال. والآية هنا تتوجَّه إلى الإنسان الواعي وتطرح عليه سؤالاً يحمل معنى الإنكار؛ فتسأله: ماذا يضيره؟ أو ما الضرر الَّذي سيلحق به لو أنه آمن بالله حقَّ الإيمان، وأنفق ممَّا رُزق في وجوه الإحسان؟! ولا شكَّ بأن الإجابة الضمنية سيُقرُّها بنفسه، وتكون نفياً قاطعاً لإصابته بأدنى ضرر إذا ما آمن واتَّقى، بل إنه سيكون الرابح السعيد، والمسعد للقريب والبعيد.

فمن عرف هذه الحقيقة وأدركها بقلبه فعليه أن يعيد حساباته، ويستقيم في حياته ليستدرك ما فات، وينجو من مناقشة الحساب فيما هو آت؛ لأن من نُوقش الحساب عُذِّب.

وكم من عصاة أسرفوا على أنفسهم فأحاط بهم سيـِّئات ما عملوا، فندموا أشدَّ الندم على ما فرَّطوا، ولات ساعة مندم. فلأمثال هؤلاء يُوجَّه الخطاب من الله تعالى: وماذا عليكم لو اتَّقيتم وأصلحتم أحوالكم قبل الندم؟ وهل من خزي أشدُّ وأنكى من الإقرار بالحقِّ لدى معاينة لحظات النزع الأخير؟. ولعلَّ أهم سبب في تقاعس المرء، عن سلوك طريق الإيمان، هو فقدانه للشعور بأن الله تعالى عليم به، ومطَّلع على أعماله، ولا يغيب عنه مثقال ذرَّة ممَّا ينفقه ويقدِّمه. ولو أن مثل هذا الشعور تحقَّق بشكل راسخ، لراقب تصرَّفاته وسلوكه، ولأدرك أهمية كلِّ عمل يقوم به لتغليب كفَّة الحسنات على كفَّة السيئات، وكفَّة البناء على كفَّة الهدم. شوهدت السيِّدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ تتصدَّق مرَّة بحبَّة عنب، فاستقلَّها القوم وتساءلوا: حبَّة عنب؟ فأجابتهم: أو تدرون كم ذرَّة في حبَّة العنب هذه؟.

ومع أن الله تعالى لا يُنقص أجر أحد من عباده، ولو مثقال ذرَّة، فإنه يضاعف للمحسن حسناته، قال تعالى: {من ذا الَّذي يُقرِضُ الله قرضاً حسناً فيضاعِفَهُ له أضعافاً كثيرة..} (2 البقرة آية 245).

والحساب والجزاء شيئان متلازمان يوم القيامة، ويجريان على مشهد من الرسل الَّذين جعلهم الله حجَّة على الخلق. فالرسول يشهد على أمَّته بأنه قد بلَّغها أوامر الله، ثمَّ تُعرض أعمال الأمم على أنبيائها وعلمائها وحكمائها، وتقارن مع تعاليمهم وتوجيهاتهم لكي تتضح المخالفات، وتُقرَّر العقوبات، ويكون رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس الأنبياء والرسل والمصلحين شاهداً أميناً لهذه المحاكمة الإلهية العادلة. وفي مثل هذه اللحظات الحرجة، حيث يشعر الإنسان المقصِّر بالخزي أمام الله عزَّ وجل، ويدرك أنه قد أساء حقاً إلى نفسه بإساءته إلى مخلوقات الله، يتمنَّى لو أن الأرض تميد به فيختفي من على ظهرها، أو أن ينحلَّ في تربتها ولا يبقى له أثر ولا ذكر، ولكن هيهات! فلا مفرَّ حينئذ من عذاب الله، ولابُدَّ من العقاب أو الثواب، وهذا قضاء ربِّ العالمين.


نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يردنا جميعاً إلى دينه مرداً حسناً وأن يلهمنا رشدنا ويفقهنا في ديننا ويرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن يمكن لأمة الإسلام ويعيد لها عزتها ومكانتها وأن ينصرها على أعدائها إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

لنا الله
06-09-2008, 11:54 AM
وفاء الأجور على الأعمال



قال الله تعالى: {ألا إنَّ أولياءَ الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون(62) الَّذين آمنوا وكانوا يتَّقون(63) لهم البُشرى في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ لا تبْديلَ لكلماتِ الله ذلك هو الفوزُ العظيم(64)}
سورة يونس(10)



ومضات:


ـ كلَّما ازداد المؤمن رُقيّاً في سلوكه وقُرْبِهِ من حضرة الله، زاده الله شمولاً بعنايته ورعايته وحسن توفيقه.

ـ البشائر الإلهية والمِنح الربانيَّة تتنزَّل على أولياء الله، في الدُّنيا قبل الآخرة، وفي الحياة قبل الممات، فإن شعر المؤمن بنقص عطاء الله، فليفتِّش في دخائل نفسه وليحاسب ذاته، فإن المستقيم على طريق الله يكون في زيادة من فضل الله من غير نقصان، وهذا قانون الله ولا مبدِّل لقوانينه.


في رحاب الآيات:


أولياء الله هم الَّذين تولَّوا تنفيذ تعاليمه بدقَّة وأمانة واندفاع في أنفسهم، وفيمن تولَّوا رعايتهم، يتقرَّبون إليه تعالى بالطاعة والتفكُّر، وهم يرون عياناً دلائل قدرته تملأ الكون، فلا يسمعون إلا كلامه، ولا يتحرَّكون إلا في خدمته، ولا يَجهَدون إلا في طاعته. روى سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: «مَنْ أولياء الله؟ فقال: الَّذين يُذكر الله برؤيتهم» (أخرجه أحمد ابن حنبل وأبو نعيم في الحلية)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابُّون بجلالي، اليوم أظلُّهم في ظلِّي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي» (أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)،

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن من عباد الله ناساً يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم يارسول الله؟ قال: قوم تحابُّوا في الله من غير أموال ولا أنساب، لا يفزعون إذا فزع النَّاس، ولا يحزنون إذا حزنوا، ثمَّ تلا صلى الله عليه وسلم : {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}» (أخرجه أبو داود وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب عن عمر رضي الله عنه ).

وهؤلاء لا يخافون من غوائل الدهر، لأن عناية الرحمن تحفُّ بهم، وأنظاره الخفية تحرسهم ليل نهار، فقد آمنوا الإيمان الصادق واتَّقَوا كلَّ مفسدة، فترى البشائر السماوية تتنزَّل عليهم في الدُّنيا، ويتجلَّى ذلك في وجوههم المشرقة المستبشرة الَّتي تطفح بالرضا والسعادة، كما يتجلَّى في الثناء الحسن، والذكر الجميل، ومحبَّة النَّاس لهم، قال صلى الله عليه وسلم : «قال الله تعالى: حقَّت محبَّتي للمتحابِّين فيَّ، وحقَّت للمتزاورين فيَّ، وحقَّت للمتجالسين فيَّ، الَّذين يعمرون مساجدي بذكري ويعلِّمون النَّاس الخير ويدعونهم إلى طاعتي، أولئك أوليائي الَّذين أُظلُّهم في ظلِّ عرشي، وأسكنهم في جواري، وآمَنُهُم من عذابي، وأُدخلهم الجنَّة قبل النَّاس بخمسمائة عام، يتنعَّمون فيها وهم خالدون» (أخرجه أحمد وابن حبان وأبو نعيم في الحلية عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأخرجه البيهقي في السنن عن عبادة بن الصامت).

وإن لهم البشرى في الآخرة، حيث تتلقَّاهم الملائكة مبشِّرين لهم بالفوز والكرامة والجنَّة كما ورد في الآية الكريمة: {إنَّ الَّذين قالوا ربُّنا الله ثمَّ اســتقاموا تتنَزَّلُ عليهِمُ الملائكةُ ألاَّ تخافوا ولا تحزَنوا وأَبْشـروا بالجنَّة الَّتي كنتم تُوعَدون * نحن أولياؤكُم في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ ولكم فيها ما تشتَهي أنفسُكُم ولكم فيها ما تدَّعون * نُزُلاً من غفورٍ رحيم} (41 فصلت آية 30ـ32) وهذا عهد من الله لعباده المؤمنين، ولن يُخلف الله وعده، فمن يفعل الخير لا يعدم ثوابه وذلك هو الفوز العظيم.

شبكة المعرفة
06-09-2008, 11:02 PM
:asdasd::006:

muhaned
07-09-2008, 01:39 AM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اخواني في الله انا عندي طلب بسيط
من فيكم يستطيع تفسير هذه الاية :( و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض )اية 251 سورة البقرة
بارك الله فيكم

لنا الله
08-09-2008, 02:35 AM
:asdasd::006:


جزانا وإياكم أختي الكريمة
نفعنا الله وإياكم بالقرآن وأهله

لنا الله
08-09-2008, 02:40 AM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اخواني في الله انا عندي طلب بسيط
من فيكم يستطيع تفسير هذه الاية :( و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض )اية 251 سورة البقرة
بارك الله فيكم


هذا تفسير للآيه أخي الكريم



قال الله تعالى : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (البقرة: من الآية251 )
وقال تعالى : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:40-41)


يبين الله تبارك وتعالى في هذه الآيات المحكمات أن الفساد المترتب على المدافعة والضرر المتوقع من الجهاد ؛ لا شيء – وإن عظمه الناس وكرهوا الجهاد من أجله – في مقابل ما ينتج عن ترك الجهاد من فساد ؛ ولذا أهمل سبحانه ولم يذكر ما يترتب على المدافعة والجهاد من مفاسد قد يضخمها كثير من السذج السطحيين؛ وذلك لأنها لا تذكر بالمقارنة مع تلك المفاسد العظيمة المترتبة على ترك الجهاد ..
فالله ذو فضل على العالمين بما شرعه للمسلمين من فريضة جهاد الكفار ودفع فسادهم وإفسادهم وشركهم ، وبما قدّره من علو توحيده وغلبة المؤمنين الذين تصلح بهم الأرض، ولو بعد حين ..
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من آثار ترك مدافعة الكفار وإهمال جهادهم ومن عقوبات الله على ذلك ؛ أن يسلط الله على الأمة ذلا لا ينزعه عنها حتى ترجع إلى دينها ..
" فالباطل - كما يقول سيد قطب رحمه الله - متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول ، ولا يكفي الحق أنه الحق ليوقف عدوان الباطل عليه ؛ بل لا بد من قوة تحميه وتدفع عنه ؛ وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان " .

وقد عدد الله في الآيات أعظم المفاسد المترتبة على ترك الجهاد فذكر فيها؛ فساد المعمورة ومن عليها ؛ ولا شك أن أعظم فساد في الأرض ؛ الإشراك بالله بصوره المتنوعة ؛ سواء بإعلان التنديد له بدعوى أنه ثالث ثلاثة أو بنسبة الصاحبة والولد إليه كما يفعل اليهود والنصارى، أوبما نشاهده اليوم من تنحية شرع الله وتسلط طواغيت الأرض بشرائعهم الشركية على رقاب العباد ومنحهم لسلطة التشريع المطلقه لأنفسهم ولشركائهم المتفرقين .. فما هذا وذاك إلا شيء من الفساد العظيم والمتشعب الذي ترتب على ترك الجهاد ومدافعة الكفار ..
ومن ذلك أيضا هدم المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا ..
ولا شك أن عمران بنيانها اليوم في ديار الكفر بل والمبالغة في البذخ فيه وفي زخرفته في الوقت الذي تمسخ فيه رسالتها بطمس معالم العقيدة والتوحيد عن منابرها ورفع أسماء أئمة الكفر والأنداد المتفرقين عليها ؛وكل ذلك من آثار ترك المسلمين للجهاد ؛ لا شك أن ذلك أعظم من هدم المساجد حقيقة وقتل الأنفس وسفك الدماء إذ " الفتنة أكبر من القتل " أي فتنة المسلم عن دينه وتوحيده وإيمانه ورده إلى الإشراك بالله ؛ أعظم من القتل وسفك الدماء مهما عظم وكثر وضخمه الناس..
فلو اقتتلت المعمورة جميعها حتى تفني بعضها بعضا؛ لكان هذا أهون عند الله من الإشراك به ، وأهون من رد المسلم عن دينه وفتنته عن عقيدته وتوحيده بتسلط أهل الكفر عليه وفرضهم لشرائعهم وأنظمتهم ومللهم الكافرة على الخلق ؛ والذي هو ثمرة من ثمرات إهمال المسلمين لفريضةجهادهم ودفعهم وذبحهم ..
هذه مبادئنا وأصولنا أهل الإسلام .. وهي أصول محكمة معلومة في ديننا لا يجهلها أويغفلها مسلم شم رائحة العلم ..
وهي أصول من أهملها ولم يعتبرها ويبني بنيانه عليها ؛ خرج بفتاوى ونتائج ومبان عوجاء شوهاء قائمة على شفا جرف هار ..
وأكبر شاهد على هذا وعلى جهل كثير من المنتسبين للإسلام بل والعلم وبعدهم عن حقيقة دين الله ؛ ما نراه ونسمعه اليوم من شجب واستنكار وتبرٍ من الجهاد والمجاهدين وتسميتهم بالمجرمين والإرهابيين ؛ وما درى هؤلاء السفهاء الذين ينعتونهم بذلك أن إرهاب أعداء الله من أعظم الفرائض في دين الله وأن تشريدهم والقعود لهم في كل مرصد من أوجب واجبات الإسلام ، وأن إرعابهم من أهم سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم ..
قال تعالى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ )(لأنفال: من الآية60)
وقال سبحانه: ( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (لأنفال:57)
وقال عز من قائل: ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ )(التوبة: من الآية5)
وفي الحديث الصحيح : ( نصرت بالرعب مسيرة شهر.. ) ( وجعل رزقي تحت ظل رمحي )
والحقيقة أن وضوح هذه الأصول في ديننا لأوضح من الشمس في رابعة النهار ؛ وهي والله لا تخفى حتى على أعداء هذا الدين ؛ ولذلك يكشرون عند الحقائق عن ناب العداوة لدين الإسلام نفسه إذ هم يعرفون حقيقته ؛ وقد قرأت مرارا وتكرارا لكثير من النصارى والمستشرقين كلاما يبيّنون فيه بوضوح حقيقة الجهاد في دين الإسلام ، ويردون شبه المنهزمين من علماء الفتنة الذين يسعون في مسخ هذه الحقائق تلطفا للغرب الكافر وإرضاءا لهم .. ولسان حالهم بل ومقالهم في كثير من الأحيان يقول : ( َنخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ) ( فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ )(المائدة: من الآية52)
ولا شك أن من يسعون جاهدين في طمس هذه الحقائق وتمييعها؛ هم في الحقيقة من أهل الإرجاف والنفاق الذين لا يثقون بموعود الله ولا يفقهون سننه ( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) (التوبة:87)
ولذا تراهم عندما يرون تألب الأحزاب على أهل الحق يغترون بعددهم وعتادهم ويخشونهم أشد من خشية الله ؛ وتعلم عند التقاء الصفوف أنهم في الحقيقة أهل مقالة : ( مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً )(الأحزاب: من الآية12)
أما أهل الإيمان الراسخ الذين ينظرون بنور الله ويعرفون حقيقة الجهاد وبركات المدافعة فيقولون : ( هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً )(الأحزاب: من الآية22)

لنا الله
08-09-2008, 02:41 AM
وفاء الأجور على الأعمال


قال الله تعالى: {والَّذين كفروا أعمالُهُم كسرابٍ بِقِيعَةٍ يحسَبُهُ الظَّمآنُ ماءً حتَّى إذا جاءَهُ لم يجدْهُ شيئاً ووجدَ الله عندَهُ فوفَّاهُ حسابَهُ والله سريعُ الحساب(39) أو كظلُماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ يغشاهُ موجٌ من فوقِهِ موجٌ من فوقِهِ سحابٌ ظلماتٌ بعضُها فوق بعضٍ إذا أخرجَ يدَهُ لم يكدْ يراها ومن لم يجعلِ الله له نوراً فما له من نور(40)}
سورة النور(24)


ومضات

إن الله تعالى عادل لا يُضيع أجر من أحسن عملاً، فالمؤمن بالله المتمسِّك بتعاليمه، المواسي للفقراء بماله وجهده، امتثالاً لأمر الله، سينال الأجر العظيم أضعافاً مضاعفة في الدار الآخرة. أمَّا غير المؤمن والَّذي لا يرجو ثواب الآخرة لأنه ليس مؤمناً بها، فإن حدث أن أسدى إلى أحد معروفاً أو قدَّم لفقير مساعدة، فإن الله عزَّ وجل لا يضيع له ذلك الخير، بل يكافئه عليه في دار الدُّنيا، وليس له في الآخرة من نصيب.

ـ الغاية من التعاليم السماوية هي جمع النَّاس على عبادة الله الواحد الأحد، في سبيل تكوين مجتمع موَّحِد متراحم مترابط، لا انحراف فيه ولا خلل. ولما كان عمل الكافر خالياً عن هذه الضوابط، ويأتي بتصرُّف عشوائي، إذ لا تعاليم شرعية تلزمه، ولا عواطف روحية نورانية تحرِّكه، فيكون كالموجة الَّتي تسير دون هدف، لذلك وجب تهذيبه وضبط دوافعه ضمن دائرة الإيمان بالله، حتَّى لا يتخبَّط في ظلام الهوى والرغبات فتضيع ثمرات عمله.


في رحاب الآيات:

ما أصعب أن يقطع المسافر أشواطاً طويلة من رحلته، ليكتشف فجأة أنه قد أخطأ الطريق، وأنَّ عليه أن يعود إلى نقطة البداية ويعاود السير في الاتجاه الصحيح. ومع ذلك فإن وضعه أيسر وأسهل ممن يخطئ الطريق في رحلة الحياة، إذ أن هذه الرحلة إذا بلغت نهايتها، فلا رجوع فيها ولا عودة للوراء، وحين يكتشف المرء أنه قد ضلَّ الطريق، يكون قد دخل في دائرة الحساب الإلهي، وانحبس في إسارها. وهنا تبرز أهميَّة دور الأنبياء والرسل والمصلحين والهُداة، فهم رحمة إلهية مهداة للناس الَّذين يقفون على مفارق طرق الحياة، فيرشدونهم إلى الاتجاه الصحيح. فمن وعى كلامهم وعمل بإرشاداتهم فقد سعد وأسعد، ومن أعرض ونأى بجانبه، يجد أن ما جرى وراءه طوال حياته، ما هو إلا سراب لا يروي ظمأً، ولا يشفي غليلاً!.

والمؤمن يتمتَّع بوضوح الرؤية في مسيرة الحياة، ويعرف الهدف الَّذي يصبو إليه، بل هو قادر على تعريف الآخرين وتبصيرهم بحقائق العلوم الإلهية، الَّتي جاء بها رسل الله عليهم السَّلام، وإرشادهم إلى دائرة المعارف الربَّانية. بينما الجاحد لطريق الإيمان العقلاني يتخبَّط في متاهات الحياة، وكأنَّ به مسّاً من الجنون، أو كأنَّه غريق تتقاذفه أمواج الضلال وظلماته، لا منارة تهديه سواء السبيل، ولا بصيص أمل ينقذه من الضياع والإحباط الَّذي هو واقع فيه.

إن التعبير القرآني في هذه الآيات المباركة يمثِّل حال الكافرين في هذه الدُّنيا، ومآلهم في الدار الآخرة، بمشهدين حافلين بالحركة والحياة. ففي المشهد الأول يصوِّر أعمالهم في الدعوة إلى كفرهم كسراب في فلاة يلمع لمعاناً كاذباً، يراه الظمآن فيحسبه مورد ماء، فيُسرع الخُطى نحوه، وكلُّه ثقة أنه عثر على ضالَّته المنشودة، الماء الَّذي يروي ظمأه الشديد، وما أن يبلغ ذلك المكان، حتَّى تنكشف له الحقيقة،

ويعلم أنه كان واقعاً في خداع النظر، فهو أمام سراب كاذب وليس أمام مورد ماء نمير يطفئ عطشه، وما أيسرها من نتيجة، نتيجة ذلك المخدوع بالسراب، إذا ما قيست بنتيجة المخدوع بزخارف هذه الحياة الدُّنيا وزينتها، فأعماه ذلك عن حقائق الدار الآخرة، وعندما يأتيه الموت يجد نفسه وجهاً لوجه أمام حساب الله وعذابه، وهو مستحقٌّ ذلك، لأنه كفر بالله تعالى وجحد وجوده وخاصمه، وتنكَّر لرسله الَّذين حملوا له رسالة الهداية والإنقاذ، لكنَّه أعرض عنهم ووقف في طريقهم، وآثر الفانية الخدَّاعة على الباقية الَّتي يستحقُّها بالإيمان والعمل الصالح.

إن هذا المخدوع سيؤول إلى موقف يدعو إلى الشفقة، لو أنه فوجئ بعد الموت، بعدوٍّ بشريٍّ لم يستعدَّ لملاقاته، فكيف يكون حاله والواقع أنه سيفاجأ بلقاء الله، المنتقم الجبَّار، وهو في أشدِّ الغضب عليه، إنه الهلاك الحقيقي والخسارة الكبرى الَّتي لا تُعوَّض. فما أحوج الإنسان إلى أن يُعرِض عن هذا السراب الكاذب، ويتتبَّع الحقائق، ويتلمَّس سبل النجاة الحقيقية، باتِّباع الهداة المهديين، والإعراض عن كلِّ ما يشغله عن ذلك أو يصرفه عن الصراط المستقيم، قبل أن يفوت الوقت، ويصل المخطئ إلى مرحلة اللاعودة، فيندم حين لا ينفع الندم قال تعالى: {وقدِمْنا إلى ما عمِلوا من عملٍ فجعلناهُ هَباءً منثوراً} (25 الفرقان آية 23).

إن هذا المثال مثالٌ لذوي الجهل المُرَّكب من الكفرة، أمَّا أصحاب الجهل البسيط، وهم الحمقى المقلِّدون لأئمَّة الكفر، فمثلهم كما قال تعالى: {أو كظُلُماتٍ في بحرٍ لُجِّيّ يغشاهُ موجٌ من فوقِهِ موجٌ من فوقِهِ سحابٌ ظُلماتٌ بعضُها فوق بعضٍ إذا أخرَجَ يدهُ لم يكد يراها ومن لم يجعلِ الله له نوراً فما له من نور}.

فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلِّد، الَّذي لا يعرف حال من يقوده، ولا يدري أين يذهب، إنه يعيش في ظلمات الكفر والجهل والتبعية العمياء، وحاله كحال من كان في بحر محيط متلاطم الأمواج، موج في الظاهر وموج في باطن الماء، وفوق كلِّ ذلك سحاب قاتم أسود يحجب ضوء الشمس أو القمر والنجوم، فأنَّى لهذا أن يبصر؟ وكذلك أنَّى لذلك الجاهل أن يهتدي؟.

والهداية الحقيقية من الله تعالى، فمن سلك سبيل الهُداة هداه الله، ومن سلك سبيل الغُواة أغواه الله، ومردُّ الأمر كلِّه إلى الله العلي العزيز، فمن كان أهلاً لأن ينير الله طريقه أناره أمامه، ومن لم يكن أهلاً لذلك، فلا يزال غارقاً في الظلام، حتَّى يوافيه الأجل، ليكون من الخاسرين الخسران المبين.

إن قلب الكافر الغارق في الظلام، بعيد عن نور الله المنتشر في هذا الكون الفسيح، وإن سلوكه ضلال واضح لا يرى فيه القلب أدنى علامات الهدى، وإن البعيد عن الله يعيش في ظلمات ثلاث، ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل، وقال ابن عباس رضي الله عنه : (هي ظلمة قلبه وبصره وسمعه).

لنا الله
08-09-2008, 01:49 PM
دار الأبرار ودار الفُجَّار


قال الله تعالى: {ونُفِخَ في الصُّورِ فصَعِقَ من في السَّمواتِ ومن في الأرضِ إلاَّ من شاءَ الله ثمَّ نُفِخَ فيه أُخرى فإذا هم قيامٌ يَنظُرون(68) وأشرقتِ الأرضُ بنورِ ربِّها ووُضِعَ الكتابُ وجيءَ بالنَّبيِّينَ والشُّهداءِ وقُضيَ بينهم بالحقِّ وهم لا يُظْلَمون(69) ووفِّـيَّتْ كلُّ نفْس ما عملتْ وهو أعلمُ بما يفعلون(70) وسيقَ الَّذين كفروا إلى جهنَّم زُمَراً حتَّى إذا جاؤوها فُتِحتْ أبوابُها وقال لهم خزنتُها ألم يأتِكم رسلٌ منكم يتلونَ عليكم آياتِ ربِّكم ويُنذِرونَكم لقاءَ يومِكم هذا قالوا بلى ولكن حقَّتْ كلمةُ العذابِ على الكافرين(71) قيل ادخلوا أبوابَ جهنَّم خالدين فيها فبئسَ مثوى المتكبِّرين(72) وسيقَ الَّذين اتَّقوا ربَّهم إلى الجنَّة زُمَراً حتَّى إذا جاؤوها وفُتِحتْ أبوابُها وقال لهم خزنَتُها سلامٌ عليكم طِبْتم فادخلوها خالدين(73) وقالوا الحمدُ لله الَّذي صَدَقَنا وعْدَهُ وأورثنا الأرضَ نَتَبَوَّأُ من الجنَّة حيث نشاءُ فَنِعْمَ أجرُ العاملين(74) وترى الملائِكةَ حافِّينَ من حولِ العرشِ يسبِّحونَ بحمدِ ربِّهم وقُضِيَ بينهم بالحقِّ وقيل الحمدُ لله ربِّ العالمين(75)}سورة الزمر(39)



ومضات:

ـ يعرض الله تعالى مشاهد من يوم القيامة بصورة تنبض بالحياة، حتَّى لكأنها تجري أمام ناظرَي القارئ أو السامع للقرآن الكريم، لعلَّه يدرسها ويأخذ العبر منها.

ـ يبدأ العرض الإلهي بتصوير مشهد من مشاهد فناء الأكوان كلِّها، بحيث لا يبقى بعد النفخة الأولى غير الله الواحد القهَّار، ومن شاء له تعالى أن يبقى. ومن ثمَّ يأذن الله تعالى فيُنْفَخُ في الصور النفخة الثانية، فتعود الحياة من جديد إلى جميع الخلائق، ولكنَّها لا ترى سوى نورٍ وحيدٍ شاملٍ وغامرٍ مصدره ربُّ العالمين.

ـ تقام المحاكمة الإلهية للنَّاس بحضور الأنبياء والشهداء، حيث لا يُظلم أحد شيئاً، ويُوفَّى كلٌّ منهم نتائج عمله.

ـ تُصوِّر الآيات مشاهد الرحيل الجماعي، حيث تساق جماعات الفجَّار إلى جهنَّم مذمومة مدحورة، وتُشرَّف جماعات الأبرار بدخول الجنَّة معزَّزة مكرَّمة.

ـ يجري في أحد مشاهد يوم القيامة حوار بين ملائكة العذاب وبين الكفرة، حيث تُؤنِّبُ الملائكةُ الكفرةَ فيسألونهم سؤالاً استنكارياً: {ألم يَأْتِكم رسلٌ منكم} ويجيبون مع كلِّ الخزي والخُسران: بلى.. ولكن ما الفائدة؟ لقد جاء الإقرار بعد فوات الأوان.

ـ عند أبواب الجنان تستقبل الملائكة وفود المؤمنين، وترحِّب بهم وتشرف على محافل تكريمهم: {سلامٌ عليكم طِبْتُم فادخلوها خالدين}.

ـ لا يملك المؤمنون عند رؤية ما أعدَّ الله لهم من حسن الثواب، إلا المبادرة إلى حمده تعالى وشكره على تحقيق وعده، وإنزالهم حيث يشاؤون، متنعِّمين في جنان ورياحين.

ـ تُكْشَفُ الحجب بالنسبة لأهل الجنَّة بعد دخولها، فيرون عرش ربِّهم تعالت قدرته وعَظُمت هيبته، والملائكة تطوف من حوله مسبِّحة ممجِّدة مُقِرَّةً بوصول كلِّ ذي حقٍّ إلى حقِّه، ويردِّدُ الجميع هتاف الشكر والثناء ويقولون: الحمد لله ربِّ العالمين.


في رحاب الآيات :

مشهد حيٌّ حافل بالصور الحيوية والأفعال والظلال، يطوي في تضاعيفه قصَّة البعث والنشور، تتسارع الأحداث فيه وتتعاقب، ولكن حين تتملاَّها العين، ويعيَها القلب، تنبعث القشعريرة في أعماقه، وكلَّما كان وعي الإنسان أكبر، وتفتُّحه أعظم، كلَّما كانت الهزة الَّتي تعتريه أقوى وأعمق. ولو أن الإنسان آمن بمضمون هذه الآيات ساعة من نهار لانقلبت موازين حياته، ولحرَّم على نفسه الظلم والاعتداء، والشرور والآثام، ولآثر الباقي على الفاني، ولغدا نظيفاً طاهراً مؤهَّلاً لدخول مملكة الله: {يومَ لا ينفَعُ مالٌ ولا بنون * إلاَّ من أتى الله بقلبٍ سليم} (26 الشعراء آية 88ـ89).

والآيات تبدأ بفعلين متتاليين: (نُفِخَ، صَعِقَ) أمَّا النافخ فهو إسرافيل عليه السَّلام بأمر ربِّه، وأمَّا المصعوق فهو كلُّ من خلقه الله في السموات والأرض حيث يخرُّ ميتاً إلا من شاء الله بقاءه. ثمَّ ينفخ في الصور نفخة أخرى، وهي نفخة الإحياء، فإذا جميع الخلائق يقومون من القبور ينظرون ماذا يُؤمرون في هذا اليوم، يوم الحساب، حيث لا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا كواكب، فكلها اندثرت وزالت، ولكنَّ نور الله باق وهو الَّذي يضيء أرض المحشر، حين يتجلَّى الباري جلَّ وعلا لفصل القضاء بين العباد.

ووُضع الكتاب الحافظ لأعمال العباد، وجيء بالنبيِّين ليشهدوا على أممهم، وأُحضر الشهداء وهم الحفظة من الملائكة، الَّذين يسجِّلون أعمال العباد خيرها وشرِّها. في هذا اليوم يُجازى كلُّ إنسان بما عمل من خير أو شرٍّ، والله تعالى عالم بعمل الجميع ولا حاجة به إلى كتاب ولا إلى شاهد، ومع ذلك تشهد الكتب إلزاماً للحُجَّة على عباده.

ويُطوى مشهد الحساب ليُنشر مشهد آخر، هو فرز النَّاس إلى فريقين: أهل النَّار وأهل الجنَّة. أمَّا أهل النَّار فيُساقون أفواجاً أفواجاً إلى جهنَّم، سوق المجرمين إلى القصاص، لا يملكون سبيلاً للاعتراض ولا يستطيعون التلكُّؤ أو الفرار، وهم يساقون كما يُساق الأشقياء إلى السجون مع الإهانة والتحقير على ضروبٍ شتَّى.

وما إن يصل هؤلاء إلى أبواب جهنَّم حتَّى تُفتح لهم سريعاً ليدخلوها، فإذا دخلوها أُغلقت عليهم، ودار حوار بين خزنتها من الملائكة، وبين المجرمين الَّذين كفروا بالله وأشركوا به، وطغَوا واستعلَوا في الأرض، إنه حوار ينطوي على التأنيب والتقريع: أَلَمْ يأتكم رسل من البشر يتلون عليكم الكتب المنزَّلة من السماء..؟ ويخوِّفونكم من شرِّ هذا اليوم العصيب؟ فيقولون: بلى، قد جاؤونا وأنذرونا، وأقاموا علينا الحجج وقدَّموا البراهين، ولكنَّنا كذَّبناهم وخالفناهم، فحقَّ علينا عذاب ربِّنا، فتقول لهم الملائكة: ادخلوا جهنَّم لتَصْلَوْا سعيرها ماكثيـن فيها أبـداً، بلا زوال ولا انتقال، فبئس المقام والمأوى للمتكبِّرين عن الإيمان بالله وتصديق رسله.

وأمَّا الَّذين اتَّقَوا ربَّهم فيساقون إلى الجنَّة جماعات جماعات، وهم الشهداء والعلماء والأتقياء وغيرهم ممن عمل بطاعة الله تعالى. والآية الكريمة عبَّرت عن دخول الفريقين إلى الجنَّة أو النَّار بلفظ واحد مشترك وهو قوله تعالى: {وَسِيْقَ}، إلا أن كيفية السَّوْق لكلِّ فريق تختلف عن الأخرى، وتتناسب مع حالهم وأعمالهم الَّتي قَدِموا بها على ربِّهم، فسوق أهل النَّار هو طردهم وَدَعُّهم إليها بالخزي والهوان دعّاً، وسَوْقُ أهل الجنَّة هو سَوْقُ مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان، لأنهم يَذهبون إليها راكبين كما يُفعل بمن يُشرَّف ويُكرَّم من الوافدين، فالفرق بين السَّوقين كالفرق بين المصيرين.

فإذا وصل المؤمنون الجنَّة وجدوا أبوابها مفتَّحةً لهم مستعدَّة لاستقبالهم، وهذا لعظيم كرامتهم عند الله تعالى، وهم يساقون إلى الجنَّة بحسب مراتبهم، المقرَّبون فالأبرار ثمَّ الَّذين يلونهم، كلُّ طائفة منهم مع من يشاكلهم، الأنبياء مع الأنبياء، والصدِّيقون مع الصدِّيقين، والشهداء مع أمثالهم، والعلماء مع أقرانهم وهكذا.

وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: {يومَ نحشُرُ المتقينَ إلى الرحـمنِ وَفْـداً} (19 مريم آية 85) وقوله تعـالى: {ونَسـوقُ المجْرِمين إلى جهنَّم وِرْداً} (19 مريم آية 86).

ومما يجدر ذكره أن للجنَّة أبواباً ثمانية، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيُسبِغ الوضوء، ثمَّ يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنَّة الثمانية يدخل من أيِّها شاء» (رواه مسلم وغيره)، وأخرج الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنَّة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريَّان لا يدخله إلا الصائمون».

فإذا وصل أهل الجنَّة إلى جنانهم استقبلتهم الملائكة استقبالاً طيِّباً بالسَّلام والتحيَّة، والثناء المستحبِّ، مع بيان السبب، لقد طبتم وتطهرتم بطاعة الله والعمل الصالح، وجئتم طيِّبين، فما يكون في الجنَّة إلا الطيِّب، وما يدخلها إلا الطيِّبون، ولكم الخلود في هذا النعيم.

هنا تتعالى أصوات أصحاب الجنَّة بالتسبيح والتحميد، لأن الله صَدَقَهم وعده الَّذي وعدهم به على ألسنة رسله الكرام فيقولون: الحمد لله الَّذي أَنْزَلَنا هذه الدار، نتصرَّف في أرض الجنَّة تصرُّف الوارث فيما يرث، فنتَّخذ منها مسكناً حيث شئنا، فنِعْمَ الأجر أجرنا على عملنا، ونِعْمَ الثواب الَّذي أعطيتنا!! وترى الملائكة محيطين بجوانب العرش، قائمين بجميع ما يُطلب منهم، يسبِّحون الله ويمجِّدونه تلذُّذاً وتعبُّداً، ثمَّ يُختم المشهد وألسنة الخلق تلهج بالشكر والحمد لله ربِّ العالمين، الَّذي قضى بين عباده بالحقِّ والعدل، وهو أحكم الحاكمين

لنا الله
09-09-2008, 11:54 PM
الاعتدال في التعلُّقات الدنيوية





قال الله تعالى: {زُيِّنَ للنَّاسِ حُبُّ الشَّهواتِ من النِّساءِ والبَنينَ والقناطيرِ المُقَنطَرَةِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ والخيلِ المُسَوَّمةِ والأنعامِ والحرثِ ذلك مَتاعُ الحياةِ الدُّنيا والله عندهُ حُسنُ المآبِ(14) قُل أؤنَبِّئُكُم بخيرٍ من ذلكُم للَّذين اتَّقَوا عند ربِّهم جنَّاتٌ تجري من تحتها الأنهارُ خالِدينَ فيها وأزواجٌ مُطَهَّرةٌ ورضوانٌ من الله والله بَصيرُ بالعباد(15)}سورة آل عمران(3)


ومضات:

ـ إن المَيل إلى الملذَّات والرغبات هو من مقوِّمات الطبيعة البشرية، وما خلق الله تعالى النِّعَم والمُتَع، إلا لنُسرَّ بها ونشكر واهبها، لا لنتعلَّق بها وننسى خالقها.

ـ الإسلام لا يتعارض مع الطبائع البشرية، فهو يسعى إلى تلبية دوافعها وغرائزها، بتنظيمها وتعديل ميولها ونوازعها، ولا يسعى أبداً إلى كبحها ووأدها.

ـ يجدر بالمؤمن أن يحدَّ من جماح متعه وشهواته، لقاء ما ينتظره من نعيم الجنان ورضوان الله، وخشية أن يقع في الغفلة والمعصية دون أن يدري.

ـ الله تعالى بصيرٌ بالعباد، عالمٌ بالفطرة الَّتي طبعهم عليها، ومشرِّعٌ لما يصلح لها من التوجيهات والتعاليم والآداب.

في رحاب الآيات:

أوجد الله تعالى في نفس كلٍّ من الرجال والنساء، حباً وميلاً نحو الطرف الآخر، وكذلك حَبَّب إليهم النسل والمال والملك، وزيَّن ذلك لهم لكي تقوم حياتهم الدنيوية عليها، وأوجب عليهم أن يحسنوا التعامل معها، بالحدود الَّتي تكفل صلاح أمرهم، وتحقيق أهداف الشرع، كي يتميَّز من يُحسن العمل ممن يُسيئه.

وقد بدأت الآية الكريمة بذكر النساء، لأن الفتنة بهن من أعظم الفتن إذا ما استقرَّ حبُّهن في القلب، وتملَّكَ الجوارح، حتَّى يخرج بصاحبه عن حدود الاعتدال والاتزان، فيصرفه عما خلقه الله من أجله، وهو الإيمان والعبادة وإعمار الكون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما تركتُ بعدي فتنة أضرُّ على الرجال من النساء» (متفق عليه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه ).

فالنساء هُنَّ موضع الرغبة بالنسبة للرجال، وإليهن تسكن النفوس كما قال الله تعالى: {ومن آياتِهِ أن خلَقَ لكم من أنفُسِكم أزواجاً لتسْكُنوا إليها وجعلَ بينَكُم مودَّةً ورحمةً إنَّ في ذلك لآيات لقومٍ يتفكَّرون} (30 الروم آية 21). وإذا انفردت الآية الأولى بذكر مشاعر الرجال تجاه النساء، فهذا لا يعني أبداً أن القرآن يهمل مشاعر النساء تجاه الرجال، ففي هذه الآية دليل على أن المشاعر بين الرجل والمرأة مشتركة، وأمر أن تكون هذه المشاعر بين الزوجين قائمة على المودَّة والتراحم بينهما، لا على مبدأ المشاركة فحسب.

ثم ذكرت الآية البنين لأن النفس الإنسانية توَّاقة إليهم شديدة الشغف بهم، فهم ريحانة القلوب، وفلذات الأكباد وقرَّة العيون، بهم يرتفع الذِّكر وينتشر الصيت، وهم أصحاب الإرث عن الآباء بكلِّ أنواعه، سواء كان إرثاً مادِّياً أم فكرياً أم تربوياً. وقد قَرَن معهما حبَّ كثرة المال، لأنه مطيَّة لجلب الرغائب، وسبيل لنيل الملذَّات والشهوات. ولا يخفى أن رغبات الإنسان لا حدود لها، وملذَّاته لا حصر لها، وكلَّما حصل على لذَّة طلب المزيد، وكلَّما وصل إلى غاية تاقت نفسه إلى بلوغ ما بعدها، قال صلى الله عليه وسلم : «إن الدُّنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتَّقوا الدينار واتَّقوا النساء» (رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ).

وحبُّ الممتلكات يدخل ضمن حبِّ المال، كالحرص على اقتناء الخيول الأصيلة الكثيرة العدد، فهي ما تزال حتَّى في عصر الآلة المادِّي، زينة محبَّبة مشتهاة، فيها جمال وقوَّة ورياضة، وانطلاق وأُلْفة ومودَّة، والمزادات العالمية تشهد تنافسات حادَّة بين كبار الأثرياء لاقتنائها بأسعار تكاد تكون خيالية.

وكذلك زُيِّن للناس امتلاك الأنعام والحرث؛ أمَّا الأنعام أي المواشي فهي الثروة الَّتي كانوا يتفاخرون بتكاثرها، وتقوم عليها حياة أهل البادية بشكل خاص وسائر النَّاس بشكل عام. أمَّا الحرث أي الزرع والنبات فهو قوام حياة الإنسان والحاجة إليه ماسَّة، وهذا كلُّه يشكِّل زهرة الحياة الدُّنيا وزينتها الفانية.

إن استمتاع الإنسان بهذه الأُعطيات الإلهية شيء طبيعي ومباح، ولكن أن يبالغ في حبِّها ويتعلَّق قلبه بها فهنا مكمن الخطر، وهذا هو الشرك الخفي الَّذي إن وقع به الإنسان أبعده عن دوره الإنساني، ونزل به إلى الدرك البهيمي. فالاستغراق في شهوات الدُّنيا ورغائب النفوس، ودوافع الميول الفطرية دون قيد، هو الَّذي يشغل القلب عن التبصُّر والاعتبار، ولمَّا كانت هذه الرغبات والدوافع أساسية في حفظ الحياة وامتدادها، فإن الإسلام لا يقضي بكبتها أو إنكارها، ولكن يدعو إلى ضبطها وتنظيمها، وتخفيف حدَّتها المفرطة واندفاعها الشديد، فيكون الإنسان مالكاً لها متحكِّماً فيها، لا أن تكون مالكة له، متحكِّمة فيه.

لقد تضمَّن التركيب الفطري للإنسان ميلاً نحو هذه الشهوات، وهذا جزء أصيل في تكوينه، لا يجوز إهماله ولا تجاهله، لأنه ضروري للحياة البشرية كي تنمو وتتأصَّل، ولكن الواقع يشهد بأن في الفطرة جانباً آخر يوازي ذلك الميل، ويحمي الإنسان من الاستغراق في ذلك الجانب وحده، وهو الاستعداد لضبط النفس والوقوف بها عند الحدِّ السليم من مزاولة هذه الشهوات؛ الحدِّ الباني للفضائل والحافظ للنفس والحياة.

وهذا الاستعداد يُهذِّب ذلك الميل وينقِّيه من الشوائب، ويجعله في الحدود المأمونة، الَّتي لا يطغى فيها جانب اللذَّة الحسيَّة ونزعاتها على الروح الإنسانية. وبذلك ضَمِنَ الإسلام سلامة الكائن البشري من الصراع بين شطري النفس البشرية، وهما نوازع الشهوة واللذَّة وأشواق الارتفاع والتسامي، وحقَّق لهذه وتلك نشاطها المستمرَّ في حدود التوسُّط والاعتدال. فعلى المؤمن أن يكون كيِّساً حكيماً، يمنع نفسه من السقوط في مهاوي الشهوات، كي لا تشغله عن تهذيب روحه وإنارة عقله، وأن يوازن بين دنياه وآخرته كما قال تعالى: {ومنهم من يقولُ ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسَنَةً وفي الآخرةِ حسَنَةً وقِنا عذابَ النَّار} (2 البقرة آية 201).

والعاقل من استبدل الَّذي هو أدنى بالَّذي هو أعلى، وأحلَّ رضا الله وتقواه محلَّ القيادة لهذه الشهوات والملذَّات الآنيَّة، الَّتي قد يراها الإنسان من أجَلِّ النِّعم الدنيوية، ولكنَّ المؤمن الحقَّ الَّذي ارتبط قلبه بالذَّات الإلهية، يرى عالم الروح خيراً وأبقى، وهذه الرؤيا لا ينالها إلا الَّذين اتَّقوا ربَّهم وخافوه وذكروه. والشعور بالتَّقوى مهذِّبٌ للروح، مُرهِف للحسِّ، ضابط للنفس يكبح جماحها كيلا تنساق وراء الوهم والسراب، وفيه ربطٌ لمتاع الدُّنيا بمتاع الآخرة حيث الجنَّات ونعيمها، والخيرات واستمرارها، والأزواج المبرَّأة من كلِّ عيب، وكمال ذلك هو الحصول على رضوان الله وهو أعظمُ اللذَّات عند المتَّقين.

فإذا تمكَّن الإيمان من القلب، وتعمَّقت جذوره، أثمر حالة من الحالات المفجِّرة لطاقات الخير الكامنة الَّتي وهبها الله للإنسان. وهذه المنزلة لا ينالها إلا من ارتضى لنفسه ترك الشهوات، وجاهدها في ذات الله حتَّى تَذَوَّقَ حلاوة الإيمان وَبرْدَ اليقين، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين حتَّى يدع ما لابأس به حذراً لما به بأس» (رواه الترمذي عن عطية ابن عروة السعدي).

وهكذا نرى أن القرآن الكريم يبدأ بالنفس البشرية من موضعها على الأرض، وشيئاً فشيئاً يرتقي بها آفاقاً مضيئة، حتَّى يصل بها إلى الملأ الأعلى في رفق ورحمة، وفي مراعاة كاملة لفطرتها ونوازعها وضعفها، دون كبت أو قسر أو إكراه.

خديجة
10-09-2008, 01:06 PM
بارك الله فيك على الافادة الدائمة وجزاك الله خيرا ونفع بك وجعلها في موازين حسناتك

لنا الله
10-09-2008, 01:45 PM
جزانا وإياكم أختي الكريمة

نفعنا الله وإياكم بالقرآن وأهله

لنا الله
10-09-2008, 01:46 PM
تلاوة القرآن


قال الله تعالى: {فإذا قرأتَ القرآنَ فاستَعِذْ بالله من الشَّيطانِ الرَّجيم(98) إنَّه ليس له سُلطَانٌ على الَّذين آمنوا وعلى ربِّهم يتوكَّلون(99) إنَّما سلطَانُهُ على الَّذين يتَوَلَّونَهُ والَّذين هم به مُشْرِكُون(100)}سورة النحل(16)


ومضات:

ـ الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، تهيئة للجو الَّذي يُتْلى فيه كتاب الله، وتطهير للقلب من الوسوسة، وإخلاصٌ لله بحيث لا يشغله عنه شاغل.

ـ لا يمكن لظلمة الشيطان أن تصمد أمام نور الله، المستقر في قلب المؤمن ولا أن تقاومه.

ـ أولياء الشيطان هم من استسلموا لنوازعه وفِتَنِهِ، وتحالفوا مع أعوانه وأتباعه، وهم أوَّل من ينزلق بين براثنه، فينالهم من شروره ألوان شتَّى.

في رحاب الآيات:


نور القرآن يباعد بين الإنسان والشيطان، ويحيي قلب الإنسان بماء الإيمان، ويحقِّق له الصلة مع حضرة الله والتوكُّل على فضله. فالشيطان حقيقة واقعة، وخلق من مخلوقات الله، أعطي العلم والقوَّة، ولكنَّ العُجْبَ والاستكبار سيطرا عليه، فتعالى على غيره من مخلوقات الله ـ وأَوَّلُهُمْ آدم عليه السَّلام أبو البشريَّة ـ فباء بالخسران والطرد من رحمة الله. لذلك ما فتئ يخطِّط ويكيد لكي يبعد آدم وذريَّته عن ورود موارد عطاءات الحضرة الإلهية، وعن كلِّ ما يُقَرِّبهم إليها.

والقرآن الكريم هو ألدُّ أعداء الشيطان لأنه يكشف خططه وحبائله وينير للمؤمنين الطريق إلى حضرة الله، لذلك نصب الشيطان شِراكه ليبعد الناس عن تلاوته. إلا أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تفقده القوَّة والسيطرة، فتردُّ كيده إلى نحره، ويندحر مذموماً مقهوراً، لأن قدرته على الإغواء والإضلال، تتلاشى أمام نور الإيمان وقوَّة التوكُّل، فسلطان الإيمان والتوكُّل مبدِّد لكيد الشيطان ووسوسته.

والمؤمنون الَّذين يتوجَّهون إلى الله وحده، ويخلصون قلوبهم له، لا يملك الشيطان أن يسيطر عليهم مهما اجتهد في ذلك، لأن صلتهم بالله تعصمهم من الاستسلام له، ولو أخطؤوا مرَّة وانزلقوا وراء وساوسه فإنهم لا يسترسلون، وسـرعان ما يتـوبون إلى ربِّهم ويستغفرون. وإنما سلطانه على الَّذين يجعلونه وليّاً لهم، ويُسْلِمُون له قيادتهم لإرضاء شهواتهم وإشباع نزواتهم.

وأمَّا الاستعاذة عند قراءة القرآن الكريم فلها فوائد كثيرة، منها:

1 ـ أنها تجعل القارئ يتذكَّر حقيقة الشيطان، ويتفكر في أمره، وكيف صار شـيطاناً رجيماً ـ بعد أن كـان مخلوقاً كريماً ـ بفسـقه عن أمر ربِّه؛ حيث أبى السـجود لآدم واستكبر. هذا التذكُّر يدفع القارئ إلى أن يهيِّيء نفسه لأن يأتمر بما جاءه من أوامر الله تعالى في القرآن، وينتهي عما نهاه عنه احترازاً عن المخالفة، فيزداد خشوعاً وتواضعاً أمام جلال الله وعظمته.

2 ـ للاستعاذة تأثير فعَّال على تالي القرآن، حيث تمنحه الصفاء من وساوس الشيطان، وتنقِّيه من حديث النفس وهواجسها؛ ليشعر بحلاوة كلام الله، فتزكو نفسه وينجلي قلبه بنور الله.

3 ـ الاستعاذة خطوة أوَّلية نحو فهم وإدراك كلِّ كلمة وإشارة في القرآن الكريم، إذ أنَّ هناك حقائق ومعانيَ لا يعيها إلا قلب مطهَّر من الوساوس.

وللاستعاذة بالله في سائر الظروف، فضل كبير في إزالة الغضب وإشاعة الهدوء في النفس، فقد روى البخاري ومسلم عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: «استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمَرُّ وجهه وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».

إلا أن التلفُّظ بالاستعاذة وحده لا يُجدي، إن لم يَجْمَعِ القارئ في قلبه بين الإيمان والتوكُّل على الله؛ فالإيمان نور والتوكُّل يقين، فلابدَّ أن يستقِرَّا معاً في وعاء القلب، ليشكِّلا رادعاً في وجه الشيطان، ولجوءاً لقوَّة الله وحفظه وأمنه. وتبقى للشيطان سيطرة على ضعاف النفوس، ممَّن حكمت الأنانية تصرُّفاتهم، واحتلَّت الأهواء ساحة قلوبهم، لتصبح مرتعاً له، فصاروا بذلك أدواتٍ منفِّذةً لرغائبه في الإفساد والتخريب، وأولياء له من دون الله الواحد القهار.

لنا الله
12-09-2008, 04:58 PM
تلاوة القرآن


قال الله تعالى: {وإذا قُرِئ القرآنُ فاستمعوا له وأنصتوا لعلَّكم تُرحمون(204)}سورة الأعراف(7)


ومضات:

ـ لا يُصْغي المريض عادة إلى تعليمات الطبيب، ليطرب بصوته أو يأنس بكلامه، وإنما ليتدبَّرها برويَّة وإمعان، ثمَّ ينفِّذها حفاظاً على صحة جسده. وكلمات القرآن الكريم فيها تعليمات تشفي الروح والجسد، وعلينا أن نستوعب معانيها بدقَّة وانتباه، وننفِّذ وصاياها بحرص وعناية، لنصل إلى الغاية المرجوَّة منها، وهي سعادتنا في الحياة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والإنسانية جمعاء، ولتكون أماناً لنا في الحياة الدنيا وفي الدار الآخرة.

في رحاب الآيات:

القرآن الكريم كلام الله الَّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، المُتَعبَّد بتلاوته، في آياته تكمن الحكمة، وفي سطوره الشفاء، وفي حناياه النور، يغزو القلوب فيحيي مَوَاتَها، لا يَخْلَق على مرِّ الزمن ولا يبلى مع تقادم الأيام، أُنزل من لدن حكيم عليم ليكون شريعة ومنهاجاً للبشرية إلى قيام الساعة.

وقد حثَّنا الرسول الكريم على قراءته المستديمة، حيث ورد عن أبي أُمامة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» (رواه مسلم) فتلك العطايا الَّتي يحملها القرآن، لا تُغْدَق علينا، إن لم نُعْطِهِ أذناً صاغية، وعقلاً واعياً.

وعلى المستمع للقرآن أن يتأدَّب في مجلس التلاوة، فيكون خاشعاً مدركاً لما يسمع، محاولاً تفهُّم آياته وتدبُّرها، مستعداً للعمل بها وتطبيقها، لتتحوَّل من كلام مسموع، إلى عمل ملموس وسلوك محسوس. لذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينتقلون من آية إلى أخرى حتَّى يحسنوا فهم الأولى وتطبيقها التطبيق الكامل؛ فالقرآن أُنزل ليكون منهاجاً للتربية، لا قولاً يُتَغَنَّى به، ولا نغماً يُتَرَنَّم بترديده.

والإنصات يكون بالقلب والعقل معاً، ليخترق نور القرآن الأذن الخارجية إلى شغاف القلب، والحجب الَّتي تستره، فتدبُّ فيه الحياة، ورُبَّ آية سمعها الإنسان ووعاها، حرَّكت مكامن الخير في نفسه، وألهبت مشاعره، واستدرَّت دموع الخشية من عينيه، وغيَّرت مسيرة حياته من الكفر إلى الإيمان، ومن الضلال إلى الهدى، ومن البعد عن الله إلى القرب، ومن القسوة إلى الرحمة.

وليست قصَّة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببعيدة عن الأذهان، فقد سمع آية من آيات الله تُتلى، حين تسلل إلى أذنه صوت القارئ وهو يردِّد قول الله تعالى: {طه * ما أنْزَلْنَا عليك القرآنَ لتشقى * إلاَّ تذكِرَةً لِمن يخشى} (20 طه آية 1ـ3) فهوى الصنم المعبود من سماء قلبه إلى غير رجعة، وارتفعت مكانه كلمة التوحيد، وأعلن إسلامه بعد أن كاد الجميع ييأَسون من ذلك.

والاستماع إلى القرآن له مثوبة كبيرة عند الله تعالى، فقد أخرج أحمد والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله كُتِبَتْ له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة». ولكن نور القرآن لا يدخل القلوب الملوَّثة بشهوات الدنيا وتعلُّقاتها، فلابدَّ قبل الاستماع من ذكر الله ذكراً ممزوجاً بالحبِّ والاطمئنان، مُفعماً بالخوف والتضرُّع والرجاء، في آناء الليل وأطراف النهار، وبذا تحدث للقلب صحوته، وترتدُّ إليه عافيته، فتثمر آيات القرآن فيه.

وأوَّل الثمرات الَّتي يجنيها المستمع من تلاوة القرآن، هي انشراح الصدر الَّذي يهدي إلى الإيمان، من غير حاجة إلى حجَّة أو برهان. ولكي يصل المرء إلى اليقين الصادق، ينبغي عليه أن يترجم تلاوة القرآن، وتفسيره وفهمه فهماً عميقاً، إلى واقع وعمل. وبهذا يزداد اعتقاده رسوخاً وعمله خصوبة، فيكون سماع التلاوة كإلقاء البذرة في التربة، وتكون الدراسة للآيات والعمل بها، كالسِّقاية والرِّعاية لها، حتَّى تنمو تلك البذرة، وتقوى وترتفع شجرة طيِّبة راسخة.

عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين» (رواه مسلم) وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ المؤمن الَّذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّة ريحها طيِّب وطعمها طيِّب» (متفق عليه).

لنا الله
13-09-2008, 10:34 PM
حشراتٌ... بل آيات




قال الله تعالى: {ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذينَ تَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ الله لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلو اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإنْ يَسْلُبهُمُ الذُّبابُ شيئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ (73)}.سورة الحج (22)


وقال أيضاً: {إِنَّ الله لا يَسْتَحْي أَنْ يَضرِبَ مَثلاً مَا بَعُوضةً فَمَا فَوْقَهَا..(26) }.سورة البقرة (2)



وقال أيضاً: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ والـجَّرَادَ..(133) }سورة الأعراف (7)



وقال أيضاً: {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأنَّهُمُ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7) }.سورة القمر (54)


ومضات:

ـ لقد أكثر الله تعالى من ضرب الأمثلة في القرآن الكريم، ومن ذكر بعض الحشرات من أمثال الذباب والبعوض والجراد، ممَّا أدَّى إلى استهزاء المشركين وتأنُّفهم، حتَّى قالوا: ما بال ربُّك يكثر من ذكر أمثال هذه الحشرات الدنيئة، وماذا يريد من ذلك؟! وما دروا أن الإنسان قد يكون أشدَّ دناءة من أمثال هذه الحشرات، ولو أدركوا سرَّ تكوينها وغرائب حيـاتهـا، رغم صغر حجمها، لأوصلهم هذا الإدراك إلى عظمة الله وقدرته فيما خلق.


ـ لعلَّ العرب في جزيرتهم أكثر النَّاس تعايشاً مع الجراد ومشاكله.. وبسبب هذا التآلف فإنهم لا يلقون بالاً لآليَّة هذا النَّهِم المفرط في الشراهة.

ـ امتلأت الأرض بأرزاق الذباب والبعوض والجراد، وبما أنها لا تعيش للعام القادم، لذلك لم يضع الله في فطرتها غريزة الادخار، أو تشييد مساكن دائمة تأوي إليها.


في رحاب الآيات:

يُعَدُّ الذباب بالرغم من قذارته ودناءته آيةً من آيات إعجاز الله تعالى، ولولا ذلك لما ذكره في القرآن وتحدَّى به الكفار.
ففي الذباب من الغرائب الشيء الكثير منها تعدُّد أنواعه الَّتي زادت عن ثمانين ألف نوع. كما أن لدى الذباب قدرات عالية في الطيران، فسرعته المدهشة تصل إلى ألف وثلاثمائة وعشرين كيلو متر في الساعة إضافة إلى أن لديه قدرة عالية على التوقُّف المفاجئ والانعطاف والانقضاض السريع. وللذبابة زوجان من الأجنحة أحدهما للمساعدة في الطيران والثاني للمحافظة على التوازن، إضافة إلى أن لها دوراً يُشبه دور المكابح. وقد وجد العلماء أن الذبابة عندما تريد لعق غذاء ما فإنها تضع فيه مادَّة كيميائية هاضمة تهضمه قبل أن تدخله إلى جوفها، وذلك تصديقاً لقوله تعالى: {وإن يَسْلِبهُمُ الذُّبابُ شيئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ}، ولكلِّ ذبابة أربعة آلاف عين (سُطيح) بحيث لو نظرتَ إليها بالمكبر لرأيتها كهيئة ثقوب الغربال، كما أن لها خرطوما يرشف السوائل بمضخَّات رئوية، وفكِّين على شكل الخنجر تمزِّق بهما جلد فريستها، ولها ستُّ أرجل في نهاياتها زوائد لحمية تفرز غددا تستطيع الوقوف بها على السقف بالمقلوب ولو كان من الزجاج.

هذه الحشرة، مع قوَّتها وعيونها وأجنحتها، يصطادها العنكبوت الَّذي لا أجنحة له، ويصطادها النبات الصيَّاد الَّذي لا حول ولا قوَّة له إلا بالعسل الَّذي أمدَّه الله به في داخله، وفتح فيه نوافذ أشبه بالمقصورات، وجعلها مسوَّاة ومصقولة تنزلق الأرجل عليها إذا لامستها، فإذا اقتربت الذبابة منها، وشمَّت روائحها الذكيـَّة، تقدَّمت إليها، ودخلت في دهاليزها لتشرب عسلها، لكنَّها سرعان ما تنزلق أرجلها وتنغمس في هذا العسل، فيقتنصها النبات ويهشِّمها ويهضمها بالمادَّة الهاضمة الَّتي هي أشبه بالمادَّة الهاضمة في معدة الإنسان.

أمَّا البعوض، فهذه الحشرة الصغيرة الضعيفة، غنيَّة بأسرار علمية كبيرة، اكتشف الإنسان بعضها في العصر الحديث.. ومنها أنَّه عندما يُهاجم جسد الإنسان يبحث عن أضعف منطقة من جلده، وهي أماكن خروج العرق، ثمَّ ينفث فيها مادَّة تُشبه المخدِّر، ويغرس إبرته فيها..

والحقيقة أنه ليست هناك أدوات للجراحة أكثر دقَّة من أجزاء فم البعوضة، حيث ينتهي خرطومها الطويل بما يُشبه مشارط دقيقة، اثنان منها ذو أسـنان، وثالث ـ وهو أكبرها ـ يتكوَّن من أنبوبة مجوَّفة تمتصُّ بها الدم، وتدفع البعوضة خلال جزء رابع مُجوَّف أيضاً لُعابَها في الجرح لتزيد من تدفُّق الدم، وهذا يزيد من نقلها للأمراض والعدوى. والبعوضة مثال حيٌّ للشراهة، حيث أنها تبقى تمتصُّ الدم حتَّى تَثْقُلَ ويصعب عليها الطيران وربَّما تموت.

أمَّا الجراد فَيُعَدُّ من أشدِّ أعداء المزروعات فتكاً بالمحاصيل الزراعية، وإن هجومه على أحد المناطق الزراعيَّة يسبِّب كارثة اقتصادية أكيدة. لأن الجراد يُهاجم عادة في أسراب كبيرة قد يصل عدد أفراد السرب الواحد إلى أكثر من ألف مليون جرادة تُغطي مساحة عشرين كيلو متراً مربعا.

والجراد شرهٌ جداً في الأكل، فهو يأكل حتَّى تمتلئ معدته، ويتغوَّط مُخْرِجاً ما فيها وهو يتابع أكله دون توقُّف. ويصل ما تأكله الجرادة الواحدة يومياً إلى أكثر من وزنها، كما يقطع الجراد في أثناء رحلته مسافة قد تصل إلى مائة كيلو متر يومياً، وهو يشغل نهاره كلَّه بالطيران وليله كلَّه بالأكل.

لنا الله
14-09-2008, 02:35 PM
العنكبوت


قال الله تعالى: {مَثَلُ الَّذين اتَخَذُوا مِنْ دُوْنِ الله أَوْلِيَاءَ كَمَثلِ العَنْكَبُوتِ اتْخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيوتِ لبَيتُ العَنْكَبُوتِ لَو كَانُوا يَعْلَمُون (41)}سورة العنكبوت (29)


ومضات:


ـ لا تنتمي العنكبوت إلى أسرة الحشرات، ولكنَّها كثيراً ما تذكر معها لتشابهها معها في كثير من الصفات الَّتي تحار لها القلوب والأبصار.

في رحاب الآيات:

العنكبوت مهندسة بارعة، حيث تقوم ببناء بيتها من خلال الخيوط الحريرية الَّتي تنسجها بشكل مُنظَّم ومُحكم، فما إن يخرج لعابهـا من فمها ويلاقي الهـواء، حتَّى يتجمَّد ويتحوَّل إلى خيوط مرنة مؤلَّفة من شعيرات دقيقة جداً، هذه الشعيرات تنبع من جسم العنكبوت، وكأن هذا الجسم كتلة متراصَّة من الينابيع، حيث سرعان ما تنضمُّ هذه الشعيرات لبعضها وتتَّحد لتشكِّل أربع خيوط متناغمة، وتتَّصف هذه الخيوط باللزوجة، لكي تلتصق بها الحشرات الغريبة، وتصبح لقمة سائغة للعنكبوت.


وتبدأ العنكبوت في نسج خيوطها بشكل مشابه لعمل النسَّاج، حيث تضع أولاً خطوطاً طولية ثمَّ خطوطاً عرضية، ويقع بعيداً عن بيتها الَّذي يوصلها به خيط دقيق، يعطيها العلم بأن حشرة ما قد علقت في شباكها. وإذا قُطعت بعض خيطان هذه الشبكة قبل الغروب لسبب ما، تراها أعادت نسجها قبل شروق شمس اليوم التالي.


ويتألَّف جسم العنكبوت من قسمين في أحدهما الرأس، وفي الثاني البطن، وهما مفصولان عن بعضهما بعنيق صغير ممَّا يعطيها المرونة والسرعة في عملية الغزل، حيث يتوضَّع المغزال في البطن. ومن العناكب نوع يُعرف بعنكبوت الباب الأفقي، إشارة إلى شكل المخبأ الَّذي يأوي إليه هذا النوع. فالعنكبوت من هذا النوع تحفر بيتها في الأرض، وتستخدم من أجل ذلك فكَّيها اللذين تقطع بهما الطين، وتحمله بعيداً عن الحفرة، ثمَّ تكسوها من الداخل بغطاء من الحرير الناعم الَّذي تقوم بغزله، وإذا تداعى جانب من هذه الحفرة قوَّتْه بنسيج من الحرير ممزوج بمادَّة صمغيَّة تُساعد على تماسكه، ثمَّ تبني باباً متيناً لسدِّ الحفرة، وتجعل لهذا الباب مفصلاً لتتمكَّن من الدخول إلى بيتها.. وأحياناً تصنع لنفسها غرفتين ولهما عدَّة أبواب، حيث تتمكَّن من الاختباء بالداخل دون العثور عليها من الغرباء..
وقد تكون هذه الغرف سفليَّة وعلويَّة، حيث تقبع العنكبوت مختبئة في الغرفة العلويَّة، منتظرة فريسـتها حتَّى تدخل إلى الغرفة الأولى، حيث تصل فتحة مسكنها بأنبوبة حريرية طويلة، تُشعرِها بدخول الفريسة..

وهناك العنكبوت المائي الَّتي تصنع لنفسها عُشاً على شكل فقاعة، من خيوطها، ثمَّ تقوم بمهارة بإدخال عدد من فقاعات الهواء إليه، وتقوم برفعه وتعلِّقه بشيء ما تحت الماء، ثمَّ تلد صغارها فيه.. وتستطيع العنكبوت أن تجتاز هاوية أو نهراً بصنع جسر معلَّق من خيوطها، فتغزل خيطاً طويلاً تُعلِّق طرفه في طرف النهر، وتترك طرفه الآخر للرياح، حتَّى يستقرَّ على الطرف الآخر للنهر ثمَّ تنزلق عليه بسرعة كبيرة.. كما تستطيع أن تستعمل خيوطها في ربط أوراق الشجر لتحملها وما معها من مؤن على سطح الماء.

وقد ذكر الله تعالى أن أنثى العنكبوت هي الَّتي تقوم بصنع البيت وليس الذكر، في قوله تعالى: {...كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً..}، وهذا ما أثبته علماء الطبيعة أخيراً... ثمَّ إن أنثى العنكبوت، وبعد أن تنتهي عملية التزاوج بينها وبين الذكر، لا تلبث أن تقتل الذكر بِسُمِّها الَّذي هو أشدُّ فتكاً من سمِّ بعض الأفاعي، إن لم يفر منها فوراً، وتستقرَّ لوحدها في بيتها الَّذي صنعته.

لنا الله
16-09-2008, 04:29 PM
النحل


سورة النَّحل(16)

قال الله تعالى: {وأوحى ربُّكَ إلى النَّحل أن اتَّخذي من الجبالِ بُيوتاً ومن الشَّجرِ وممَّا يَعْرِشون(68) ثمَّ كُلِي من كلِّ الثَّمراتِ فاسْلُكي سُبُلَ ربِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ من بطونِها شرابٌ مختلِفٌ ألوانُهُ فيه شِفاءٌ للنَّاسِ إنَّ في ذلك لآيةً لِقومٍ يتـفكَّرون(69)}



ومضات:

ـ ما أجمل أن نتَّخذ من حياة النَّحل وكفاحه وتعاونـه، وإنتاجه الطيِّب الشهي، نموذجاً نقتدي به، ونتعلَّم منه الإخلاص والتضحية، والإيثار وفناء الأنا، في سبيل حياة المجموعة وسلامتها.

ـ كلَّما تقدَّم علم الأغذية، نرى للعسل مكانة الصدارة من حيث قيمته الغذائية، وفعاليَّته المدهشة في معالجة كثير من الأمراض، وهذا مصداق قوله تعالى: {فيه شفاءٌ للنَّاس}.

في رحاب الآيات:

يعرض القرآن الكريم أمثلة قريبة من واقع حياتنا، لنتعرَّف من خلالها عظمة الخالق، ولنأخذ دروساً نستفيد منها في بناء مجتمعنا. ولعلَّ في حياة النَّحل ما يكفي عظة ودرساً للإنسان، فإذا دخلنا عالمه أدهشنا ما فيه من نظام، فمجموعة النَّحل تتحرَّك بإلهام من الغريزة الَّتي أودعها الخالق لديها، وهي تعمل بدقَّة عجيبة قد يعجز عن مثلها كثير من البشر، سواء في بناء خلاياها، أو في تقسيم العمل بينها، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفَّى. وهي تتَّخذ بيوتها، بوحي من الله عزَّ وجل، في الجبال والشجر، وما ارتفع من الكروم وغيرها، وقد ذلَّل الله لها سبل الحياة، وجعـل نتيجة جهدهـا، غذاءً شـهيـاً ودواءً شـافيـاً. وكـلُّ هـذه المهمَّـات تقوم بها إناث النحل ـ العاملات ـ ولهذا خاطبهنَّ الله بقوله: {أَنِ اتَّخِذِي}، ولو عمل ذكر واحد في شؤون الخلية لكان الخطاب بصيغة المذكَّر؛ وهذا من إعجاز القرآن الكريم.

وقد تتبَّع العلماء أحوال النَّحل، وكتبوا فيها المؤلفات الكثيرة، وتوصَّلوا من ذلك إلى أمور عديدة منها:

1 ـ يعيش النَّحل ضمن مجموعات كبيرة، وتسكن كلُّ مجموعة منها في بيت خاصٍّ يسمى خليَّة.

2 ـ كلُّ خليَّة يكون فيها نحلة واحدة كبيرة تسمى الملكة، وعدد يتراوح بين أربعمائة نحلة وخمسمائة تسمَّى الذكور، وعدد آخر من خمسة عشر ألفاً إلى خمسين ألف نحلة تسمَّى العاملات.

3 ـ تعيش هذه الفصائل الثلاث ـ في كلِّ خلية ـ عيشة تعاونيَّة على أدقِّ ما تكون نظاماً، فعلى الذكر تلقيح الملكة، وعلى الملكة وضع البيض، ويتمُّ التلقيح دائما في الطبيعة وفي الهواء الطلق، حيث تطير الملكة محدثة لصوت تنجذب إليه الذكور، ومفرزة لمادَّة ذات رائحة خاصَّة؛ حيث يُلقِّحها أسرعها طيرانا، ولكنَّه سرعان ما يلقى حتفه من جرَّاء عملية التلقيح هذه. وعلى العاملات خدمة الخليَّة ومن فيها؛ فتنطلق في المزارع طول النهار لجمع الرحيق، ثمَّ تعود إلى الخلَّية فتفرز عسلاً يتغذَّى به سكَّان الخليِّة، وتفرز الشمع وتبني به بيوتاً تخزن في بعضها العسل، وتربِّي الصغار في بعضها الآخر، كما عليها أن تنظِّف الخلية، وتخفق بأجنحتها لتساعد على تهويتها، وعليها الدفاع عن الملكة والمملكة وحراستها من الأعداء. وتهتمُّ العاملات بخزن العسل وغبار الطلع فيجعلنه في خلايا، ثمَّ يُحكمن إغلاقها، ويتولَّين صنع أقراص الشمع من المادَّة الشمعية، الَّتي تفرزها غدد أربع تقع بين قطع البطن، وتكون هذه المادَّة أوَّل الأمر سائلة، ثمَّ تتصلَّب بتعرُّضها للهواء، فتتحوَّل إلى قشور تلوكها العاملة بالأجزاء الساحقة من فكَّيها، ثمَّ تبني بها سلسلة من الخلايا السداسية الشكل، ذات القعر المحدَّب والمتَّصل بعضها ببعض، وهذا الشكل يعطي أكبر فراغ ممكن بأقل كمية من مواد البناء، وهو في الوقت نفسه من أشدِّ الأشكال متانة وقوَّة. ويتألَّف من مجموع هذه الخلايا القرص. ومن مهام العاملات أيضاً دعم جدران الخلية لتكون صامدة، وهن يستعنَّ على ذلك بالمواد الراتنجية، الَّتي يجمعنها من أشجار الصنوبر والتنوب وبراعم الحور.

أمَّا كيفية صنع العسل، فالعاملات يلعقن رحيق الأزهار، حتَّى إذا وصل إلى حواصلهنَّ، امتزج بالأنزيمات اللعابية وتحوَّل إلى عسل، ثمَّ إنهنَّ يُسلِّمن هذا العسل إلى عاملات أصغر منهنَّ سنّاً، ليقمن بتكثيفه باستبعاد الماء عنه، وحين يصبح عسلا مركَّزاً يضعنه في خلايا الأقراص، ومن ثمَّ يُجففنه بأجنحتهن. وقد أثبت الطبُّ الحديث ما للعسل من فوائد، حيث تبيَّن أنه يتركب من: 20% ماء، 70% سكريات بسيطة غلوكوز وفركتوز، 5% سكريات مركَّبة وخاصَّة سكروز، 5% بروتينات وأملاح معدنية، وأنزيمات هاضمة، وأحماض عضوية، ومضاد حيوي، ومركَّبات عطرية، وصبغيات مختلفة، وحبوب طلع.

ويتوافر الغلوكوز في العسل بنسبة أكبر من وجوده في أي غذاء آخر، وهو سلاح الطبيب في أغلب الأمراض، واستعماله مستمرٌّ بتقدُّم الطبِّ، فيُعْطى بصفته مقوياً ومغذياً، ومعالجـاً دوائيا. والعسل يفيد بشكل عامٍّ في معالجة الحروق، ولسعات الحشرات، والجروح الملتهبة، والآفات الجلدية. كما أنه مضادٌّ للجراثيم والتعفُّنات، ويُستخدم في معالجة الالتهابات وخاصَّة الرئوية منها والكلوية والكبدية والقلبية والحصيَّات المرارية، وفي حالات الإرهاق والضعف العام، وهو مضادٌّ للغازات والتخمُّرات والتهاب القولون، وطارد للديدان. كما يُستخدم العسل في معالجة بعض أمراض العيون وخاصة التهاب القرنية، وفي بعض الالتهابات المزمنة في الأنف والبلعوم وجفاف الحنجرة.

لقد عرفت خواص العسل وفوائده، في العصور التاريخية القديمة، سواء عند الفراعنة، أو الرومان أو الهنود أو العرب... ولاتزال هذه المعرفة تزيد وتتطوَّر، مع وضع دراسات لهذه المعرفة حسب أنواع العسل. والَّذي لا خلاف عليه أن العسل هو معالج وشافٍ لبعض الأمراض، والشيء الأهمُّ من ذلك أنه يقي من الأمراض ويقوِّي جهاز المناعة في الجسم، وكلتا الصفتين أشار إليهما رسول الله محمَّد صلى الله عليه وسلم حيث قال: «عليكم بالشفاءين العسل والقرآن» (أخرجه ابن ماجه وابن مردويه والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه). وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : «من لعق العسل ثلاث غدوات كلَّ شهر لم يصبه عظيم من البلاء» (أخرجه ابن ماجه وابن السني والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه ). وللعسل أنواع منها الأحمر والأبيض والأصفر، والجامد والسائل، وفيه دليل على أن القدرة الإلهية نوَّعته بحسب تنويع الغذاء، كما يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي، ونجد أن كلَّ نوع منه يفيد في حالة أو حالات معينة.

والآن، وبعد أن عرفنا الدقَّة اللامتناهية لحياة النَّحل، من حيث توزيع الصلاحيات والاختصاصات، وعلمنا أن الكلَّ مؤهَّل لما يقوم به من عمل، وينفِّذه بإخلاص وتفانٍ، فإذا اعتدى على جماعة النَّحل طارق غريب، قامت كلُّها يداً واحدة للدفاع، متماسكة متفانية مضحِّية بحياتها، مقابل سلامة مملكتها ومليكتها.

فهل لنا أن نستخلص العبر والنتائج، حيث يرينا الله تعالى درساً عملياً نموذجياً في سلوك حشرة ضعيفة؟ فكيف بالإنسان العاقل، المدرك، المتكامل البنيان الروحي والفكري؟ فهل يصعب عليه أن يتَّخذ من هذا المخلوق البسيط، مثالاً له، في التعاون والتفاني في سبيل الأسرة الإنسانية؟.

لنا الله
20-09-2008, 03:22 PM
حشرات....بل ايات




قال الله تعالى: {حتَّى إِذَا أَتَوا عَلَى وَادِ النَّمل قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمل ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُم لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُون (18)}
سورة النَّمل (27)


ومضات:

ـ كما في النَّحل، رصد العلماء، طرق معيشة النَّمل، وأدهشهم عملهم الجاد الدؤوب في تحصيل أرزاقهم، متعاونين مع بعضهم بعضاً، موزِّعين الوظائف والمهمَّات بينهم بكلِّ دقَّة وجدِّية.

ـ لم تفكِّر النَّملة في إنقاذ نفسها بشكل أناني، بل حذَّرت أصحابها من تحطيم سليمان وجنوده لهم، مما يدُّل على روح الجماعة والتعاون والتفاني المفطورين عليها.

في رحاب الآيات:

الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن للنَّمل لغة تخاطب وتفاهم فيما بينهم.. كما عرفنا منها أن للنَّمل نظاماً دقيقاً في معاشه، فهو له قائد يوجِّهه ويأمره، وله مساكن يعيش فيها. هذه المساكن مقسَّمة إلى غرف معيشة، ومستودعات لخزن المؤن، ولها دهاليز معقَّدة، عليها حراسة مشددَّة على مدار الساعة.

ويجتمع من تلك المساكن قرى كاملة، وقد تبني عدَّة قرى، كأنها مستعمرات تصل بينها طرق ومسالك، بحيث تهتدي بها إلى أعلى الأرض. كذلك هناك نوع آخر من النَّمل يبني بيوته فوق الأرض، من أوراق الأشجار وأغصانها، ويكثر هذا تحت شجر الصنوبر، أو ينحت هذه البيوت في الأشجار العتيقة، كما يتَّخذ الإنسان من الجبال بيوتاً. ومع أن النَّمل لا يملك الآلات والعُدَد، فإنه يبني أبراجا في غاية الدقة والإحكام، مستعينا بمقصِّ فمه الحاد، حيث يمضغ ما يقصُّه حتَّى يصبح كالعجين، ولعلَّ ما بناه قدماء المصريين في مساكنهم وأهراماتهم كان تقليداً للنمل.



وللنَّملة رأس ووسط وذنب أسطواني، ولها ستُّ أرجل تقدر بها على الجري السريع، ولبعضها أجنحة للوثوب، ولها خمس أعين؛ عينان مركَّبتان على جانبي الرأس مكوَّنتان من أعين بسيطة تعدُّ بالمئات، وهي ملتئمة الوضع والتركيب والترتيب بحيث ترى وكأن لها عينا واحدة، وثلاث العيون الباقية موضوعة على هيئة مثلث، يعلو العينين المركبتين، وهي أعين بسيطة لا تركيب فيها، غير أن عيون الذكر أكبر من عيون الأنثى، ومتقاربة من بعضها بسبب قوَّة المهام المنوطة به.. ولكلِّ نملة قرنان طويلان كالشعرتين، بهما تحسُّ الأشياء، ويقومان مقام اليدين والرجلين والأصابع في الحمل؛ ويسميان الحاسَّتين.



وتضع إناث النَّمل بيوضها في محال تقرب من مساكن الكبار، وتخصَّص لها مربيات يلاحظهن ليلا ونهارا، مع تأمين الحرارة المناسبة لها، حتَّى تتفتَّح البيوض وتخرج دودا صغيرا لا جناح له ولا أرجل، تلاحظه المربيات وتطعمه، حيث يأكل بشراهة لعدَّة أسابيع، ثمَّ يغزل بفمه، وينسج على نفسه كرة من الحرير وينام.
فإذا مضت أيام، نهض من رقدته، وقطع خيوط الكرة، وقرض حريرها المحيط به، تساعده المربيات في ذلك، وتقوم بتنظيفه، حيث تظهر أرجله وأجنحته، والنَّمل بهذه المناسبة يحبُّ النظافة حبّاً مفرطاً.


يعمل النَّمل في قراه بموجب انضباط مدهش وصارم للغاية، وبإشراف النَّمل الَّذي كبرت رؤوسه وعظمت خراطيمه. والصبية الصغار تبقى في الديار تحفر الحجرات، وتشكِّل السراديب وتنمو وهي فيها، بالإضافة إلى وجود المربيات، وكذلك النَّمل المسؤول عن الحراسة أو التنظيف أو حفظ المؤن وتوضيبها الَّتي يحضرها النَّمل العامل. وهو يأبى كلَّ الإباء أن يطَّلع أحد على أسراره، أو يتطفَّل عليه لمعرفة نظامه العجيب في الحياة.


وقد وجد العلماء أن النَّمل حين يغادر قريته، يرسل في كلِّ مسافة معيَّنة مـادَّة كيميائية لها رائحة صغيرة حتَّى يستطيع التعرُّف إلى طريق عودته، وأنه عندما قام أحدهم بإزالة آثار هذه المادَّة لم يستطع النَّمل الاهتداء إلى طريق عودته.. فإذا رأت النَّملة شيئا مفيدا لا تقوى على حمله نشرت حوله بعض الرائحة، وأخذت منه قدرا يسيرا، وكرَّت راجعة إلى أخواتها، وكلَّما رأت واحدة منهن أعطتها شيئا ممَّا معها لتدلَّها على ذلك، حتَّى يجتمع على ذلك الشيء جماعات منها، يحملونه ويجرُّونه بجهد وعناء متعاونين في نقله؛ علماً بأن للنَّمل قوى عضلية بالنسبة إلى حجمه تزري بقوَّة أعظم المصارعين والرياضيين، بحيث تستطيع النَّملة الواحدة أن تحمل بين فكَّيها حملا أثقل من وزنها بثلاثة آلاف مرَّة من غير عناء. كما وجد العلماء أن النَّمل ينشر عند موته رائحة خاصَّة تُنبِّه بقيَّة الأفراد إلى الإسراع بدفنه قبل انجذاب الحشرات الغريبة إليه.. وعندما قام أحد العلماء بوضع نقطة من هذه المادَّة على جسم نملة حيَّة سارع باقي النَّمل إليها ودفنوها وهي حيَّة.

والنَّمل من الحيوانات والحشرات القليلة الَّتي أودع الله فيها غريزة ادِّخار الغذاء.

فهو يحتفظ بالحبوب في مسكنه الرطب الدافئ تحت الأرض دون أن يصيبها تلف.. ويتفنَّن النَّمل بطرق الادِّخار حسب أنواعه، فهو يقطع حبَّة القمح نصفين، ويقشِّر البقول، لئلا تنبت من جديد، أو يتركها عدَّة أسابيع في تهوية وحرارة معينة ويسمح لها بعدها بالإنبات، فتنمو ويظهر لها جذر وساق صغيران، حيث يقوم بقطعها وتجفيفها، لتصبح مادَّة جاهزة يتغذَّى عليها طوال مدَّة الشتاء، كما أنه يقوم بتسميد أوراق الأشجار المقطَّعة ببراز نوع معيَّن من الفراشات، وعندها ينمو عليها نوع من الفطريات يسمى (خبز الغراب)، يقوم النَّمل بالتغذِّي عليه.


كما أن بعض أنواع النَّمل يجلب بيوض المنِّ إلى عشِّه، وعندما يفقس يحمله إلى الخارج ويضعه على النباتات الَّتي تفرز الندوة العسلية، ثمَّ يعيده إلى عشِّه في الليل ويحلب منه هذه الندوة العسلية، حيث تعطي كلُّ حشرة ما يقارب ثمانٍ وأربعين نقطة من هذه الندوة خلال أربع وعشرين ساعة، علما بأنه يبني لهذه الحشرات حجرات خاصَّة لتسكن فيها.

ويعرف النَّمل بعضه بغير علامة، والتوادد موجود بين أهل القرية الواحدة فقط، وماعدا ذلك فعداء مستحكم، حيث يمكن أن تنشب الحرب بين عدَّة قرى من النَّمل، فينتظم في صفوف قتالية وتحدث المعارك، ويقع القتلى والجرحى، ويتَّخذ النَّمل المنتصر الأسرى ليجعلهم خدماً في قراه، ويقوم بدفن موتاه في مقابر خاصَّة به، كما ينظِّف أرضه من جثث أعدائه، حتَّى قيل بأن النَّمل أقرب الحشرات إلى الإنسان في أفعاله. وقد يصبح النَّمل قوَّة مزعجة مهلكة، شديدة الخطر على الإنسان نفسه، حيث يمكن أن يقرض دعائم المساكن الخشبية؛ حتَّى تتداعى عروشها، أو يكوِّن مستعمرات في دور الكتب، حيث يقوم بإتلاف الورق أكلا وتمزيقا.

ومن طريف ما ورد في السُنة عن سلوك النَّمل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقتلوا النَّملة فإن سليمان عليه السَّلام خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها تقول: اللهم إنّا خلقٌ من خلقك لا غنى لنا عن فضلك، اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك الخاطئين اسقنا مطراً تُنبت لنا به شجراً وتُطعمنا به ثمراً، فقال سليمان: ارجعوا فقد كُفيتم وسُقيتم بغيركم» (رواه الدارقطني والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه ) .


وروي أن عدي بن حاتم رضي الله عنه خرج في نزهة إلى بستان، ثمَّ عاد إلى بيته فوجد نملة قد علقت على ثيابه، فقال: لقد أَبْعَدْنَا عليها المسير، ثمَّ حملها وعاد بها إلى البستان الَّذي كان فيه.

لنا الله
22-09-2008, 08:58 PM
أحكام استثنائية رُخِّص بها لرفع الحرج



قال الله تعالى: {..يريدُ الله بكمُ اليُسْرَ ولا يريدُ بكمُ العُسْرَ.. (185)}سورة البقرة(2)

وقال أيضاً: {يُريدُ الله أَن يُخفِّفَ عنكم وخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفاً(28)}سورة النساء(4)

وقال أيضاً: {..وما جعلَ عليكم في الدِّينِ من حرجٍ.. (78)}سورة الحج(22)


ومضات:

ـ اليُسْرُ وعدم الحرج سِمَة بارزة في الأحكام الَّتي كَلَّف الله بها عباده، وتتمثَّل في الإقرار بوجود الدوافع الفطريَّة وتنظيم الاستجابة لها، ليكون التوازن قائماً ومنسجماً، بين التكليف وبين متطلَّبات الحياة، على صعيد الفرد والجماعة.

ـ ليست غاية الإسلام تعذيب النفس وإرهاقها بالمبالغة في التكاليف والأعباء الدِّينية، فقد رحمها الله تعالى لضعفها وعجزها، حيث أن قدراتها محدودة واستعداداتها الطبيعية متفاوتة.


في رحاب الآيات:

من كمال حكمة الله التخفيف على عباده فيما شرع لهم من الحدود والأحكام، وذلك رحمة منه بهم، ومراعاة لضعفهم، ورفعاً للحرج ودفعاً للمشقَّة عنهم، فلا ضرر ولا ضرار. وتأكيداً على هذه المبادئ الَّتي تُبرز يُسر الإسلام وسماحته؛ شُرع كثير من أحكام الرُّخَص الَّتي تتعلَّق بالعبادات والمعاملات والعقوبات، والأمثلة عليها كثيرة وعديدة، سنأتي على ذكر بعضها، فيما يتعلَّق بالعبادات من صلاة وصيام وحج.

فعلى سبيل المثال فرض الله تعالى عدداً من ركعات الصَّلاة يومياً، لكنَّه رخَّص بجواز قَصْرِها في ظروف معيَّنة، كما ورد في قوله تعالى: {وإذا ضرَبْتُم في الأرضِ فليس عليكم جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا من الصَّلاة..} (4 النساء آية 101)

أي إذا سافرتم أيُّها المؤمنون في الأرض للجهاد ـ وقياساً لأي داعٍ من دواعي السفر ـ فلا إثم عليكم في أن تَقصُروا الصَّلاة المفروضة، فَتُصَلُّوا الرباعيَّة ركعتين، لأن في السفر من المشقَّة والتعب ما لا يخفى على أحد، والإسلام دين اليُسر الملائم لكلِّ الظروف، وكذلك أبيح الجمع بين فرضين بسبب وجود حرج على المكلَّف، أو دون سبب لما رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه : «صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولاسفر»، وهذا استثناء وليس قاعدة عامَّة.

كما أنه يجوز لمن جهل جهة القبلة، وتعسَّر عليه تحديد جهتها في سفر أو غيره؛ أن يتوجَّه في صلاته إلى أي جهة يغلب على ظنِّه أنها جهة القبلة.

كما يجوز للمصلِّي أن يصلِّي صلاة النافلة على المركوب الَّذي يمكن توقيفه والنزول عنه كالدابَّة والسيارة، أمَّا صلاة الفريضة في القطار والباخرة والطائرة، فيمكنه أداءها قاعدا، فيما إذا تعذَّر عليه الصَّلاة واقفا. وتكون قبلته حيث تتجه مركوبته، لما أخرجه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي وهو مُقبل من مكَّة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت الآية: {ولله المَشرقُ والمَغربُ فأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجهُ الله..}» (2 البقرة آية 115). فالحكمة من الاتجاه للقبلة هي توحيد وجهة المصلِّين، ولكنَّ يُسر الإسلام يحكم بجواز الاتجاه لغير جهتها، فيما إذا كان المصلِّي يخضع لظرف يمنعه من استقبالها.


فالله موجود في كلِّ مكان، لا تقيِّده الحدود، ولا تحدُّه الجهات، بل هو الواسع العليم، الَّذي يتقبَّل العبادة من المكلَّف على الشكل الَّذي يمكنه أن يقوم بأدائها عليه، وهو الرحيم الرؤوف الَّذي يتجاوز عن الضعفاء من عباده، ولا يكلِّفهم ما لا يطيقون، فيرخِّص لهم في الأحكام في ظروف الجهل والمرض والسفر والخطأ والنسيان وغيرها من الأسباب الاضطرارية، لأنه يريد بهم اليُسر ولا يريد بهم العُسر.

ومن الرُّخَص الَّتي شُرعت فيما يتعلَّق بالصَّلاة، التخفيف عن المؤمنين بمقدار صلاة قيام الليل، ونَسْخُ حُكمها من الوجوب إلى التطوُّع، لأنه عندما نزل قول الله تعالى: {ياأيُّها المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيلَ إلاَّ قليلاً * نِصفَهُ أو انقُصْ منه قليلاً * أو زدْ عليه ورتِّلِ القرآنَ ترتيلاً} (73 المزمل آية 1ـ4) سارع الرسول صلى الله عليه وسلم مع طائفة من أصحابه إلى امتثال أمر الله في المداومة على قيام الليل. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية شقَّ ذلك عليهم فكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتَّى يصبح مخافة أن يخطئ، فانتفخت أقدامهم، وامتقعت ألوانهم، فرحمهم الله تعالى وخفَّف عنهم، بعد أن أثنى عليهم في محكم تنزيله فقال جلَّ من قائل: {إنَّ ربَّكَ يعلمُ أنَّك تقومُ أدْنى من ثُلُثَي اللَّيلِ ونصفَهُ وثُلُثَهُ وطائفةٌ من الَّذين معك والله يُقَدِّرُ اللَّيلَ والنَّهارَ عَلِمَ أن لن تُحصوهُ فتابَ عليكم فاقرؤوا ما تيسَّرَ من القرآن عَلِمَ أنْ سيكونُ منكم مرضى وآخرونَ يَضْربونَ في الأرضِ يبْتغونَ من فَضْلِ الله وآخرونَ يُقاتِلونَ في سبيلِ الله فاقرؤوا ما تيسَّرَ منه..} (73 المزمل آية 20).

ففي هذا منتهى الرأفة بهم من الله تعالى، وغاية العناية الربَّانية الَّتي شاءت أن تخفِّف عنهم وتيسِّر أمورهم، ليبقى التوازن قائماً بين متطلَّبات الروح وحاجات الجسد، فقد يكون الإنسان مريضاً أو مسافراً لأجل كسبه ومعاشه، وقد يكون مجاهداً في سبيل الله لإعلاء كلمته ونشر دينه، وكلٌّ من هؤلاء الثلاثة قد يشقُّ عليه قيام الليل، فخفَّف الله عنهم وعن أمثالهم، وأسقط عن عموم المسلمين وجوب قيام الليل، وتركه نافلة للمتطوِّعين الراغبين في ذلك. ويؤكِّد ذلك الحديث الصحيح عند مسلم والنسائي والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه الَّذي قال فيه: «قال السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هل عليَّ غيرها؟ يعني الصَّلوات الخمس، فقال: لا، إلا أن تَطَّوَّع»؛ فهو يدلُّ على عدم وجوب غير الصلوات الخمس المفروضة، ومن تطوَّع خيراً فهو خير.

أمَّا عن الأحكام المتعلِّقة بالصَّوم، فقد فرض الله على عباده المسلمين صيام شهر رمضان، ولكنَّه رخَّص لهم بالإفطار لأسباب مانعة أو مرهقة كالمرض أو السفر، قال تعالى: {..فمن شَهِدَ منكمُ الشَّهرَ فلْيَصُمهُ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ يُريدُ الله بكمُ اليُسرَ ولا يُريدُ بكمُ العسرَ..} (2 البقرة آية 185) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى وضع شطر الصَّلاة عن المسافر، وأرخص له في الإفطار، وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما» (أخرجه أصحاب السنن عن أنس بن مالك رضي الله عنه ). وقد كان الصحابة الكرام تجاه مثل هذه الأحكام على فريقين، فبعضهم يأخذ بالعزيمة ـ في حال السـفر أو المرض ـ إذا وجد في نفسه القدرة فيصوم، وبعضهم الآخر يأخذ بالرخصة إذا وجد في الصَّوم مشقَّة وحرجاً فيفطر، إلا أنه لم يكن صائمهم ليَعيب على مفطرهم، ولا مفطرهم على صائمهم.

والأخذ بمثل هذه الرُّخص سنةٌ؛ ولا ينقص من الأجر شيئاً، كما أن عدم الأخذ بها يجعل المكلَّف آثماً إذا ترتَّب على عدوله عنها ضرر يؤذيه. ويؤكِّد ذلك ما روي عن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فصام بعض وأفطر بعض، فتحزَّم المفطرون وعملوا، وضعُف الصُوَّام عن بعض العمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (رواه مسلم والنسائي).

وعن جابر رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح إلى مكَّة في رمضان فصام حتَّى بلغ كُراع الغميم فصام النَّاس، ثمَّ دعا بقدح من ماء فرفعه حتَّى نظر النَّاس ثمَّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض النَّاس قد صام، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة» (أخرجه مسلم والترمذي) ويؤيِّد هذا حديث آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم : «ليس من البرِّ الصيام في السفر» (رواه الخمسة عن جابر رضي الله عنه ).

أمَّا فيما يتعلق بفريضة الحج فقد رُخِّص في بعض أحكامها المتعلِّقة ببعض شعائره كَرَمي الجمار؛ فأصل الحكم في ذلك أنه لا يجوز لأحد أن يرمي قبل نصف الليل الأخير بالإجماع. إلا أنه يُرخَّص للنساء والصبيان، والضعفاء، وذوي الأعذار، ورعاة الإبل أن يرموا جمرة العقبة من نصف ليلة النحر (ليلة الإفاضة من عرفات)، فعن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت ثمَّ أفاضت» (رواه أبو داود والبيهقي).

والأمثلة على التخفيف في الإسلام كثيرة يضيق المجال عن إحصائهـا، وهي تصل إلى حدِّ إباحة بعض ما حرَّم الله في حال الضرورة القصوى، ومن ثمَّ فإن ميزة التيسير ميزة واضحة في التشريع الإسلامي، نلمس آثارها وملامحها في معظم سور القرآن الكريم، وفي كثير من الحوادث الَّتي جرت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي كثير من الأقوال الَّتي أُثِرت عنه في هذا الصدد،

كقوله عليه الصَّلاة والسلام فيما رواه أحمد عن جابر رضي الله عنه : «بُعثت بالحنيفية السمحة»، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنه حين بعثهما إلى اليمن: «بشِّرا ولا تنفِّرا ويسِّرا ولا تعسِّرا» (رواه البخاري ومسلم). فاليسر في الدِّين هدية من الله لعباده، روي عن أنس رضي الله عنه قال: «جاء ثلاثة رَهْط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا كأنَّهم تقالُّوها (عدُّوها قليلة) فقالوا: وأين نحن من النبي وقد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟ فقال أحدهم: أمَّا أنا فإني أصلِّي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الَّذين قلتم كذا وكذا؟ أمَّا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرقُد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني» (رواه البخاري ومسلم)

وبهذا فإنه صلى الله عليه وسلم عدَّ من يسعى إلى الغُلُو في تطبيق أحكامه، معادلاً للمقصِّر في دين الله، والراغب عن سنَّته صلى الله عليه وسلم ، وتبرَّأ منه.

وخَيْرُ منهجٍ في هذا السبيل منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث صحَّ عنه أنه صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين، إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.

لنا الله
24-09-2008, 09:59 PM
أحكام استثنائية رُخِّص بها لرفع الحرج


قال الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ الله باللَّغوِ في أَيمَانِكُم ولكن يُؤَاخِذُكُم بما كَسَبَت قُلُوبُكُم والله غفورٌ حليمٌ(225)}.سورة البقرة(2)


وقال أيضاً: {لا يُؤَاخِذُكُمُ الله باللَّغو في أَيمَانِكُم ولكن يُؤَاخِذُكُم بما عَقَّدْتُمُ الأَيمانَ فَكفَّارَتُهُ إطعامُ عَشَرَةِ مساكينَ من أوسَطِ ما تُطعِمونَ أَهلِيكُم أو كِسوَتُهُم أو تحريرُ رَقَبَةٍ فمن لم يَجِد فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ ذلكَ كَفَّارَةُ أيمانِكُم إذا حَلَفتُم واحفَظُوا أيمانَكُم كذلك يُبَيِّنُ الله لكم آياتهِ لعلَّكُم تَشْكرون(89)}سورة المائدة(5)

ومضات:

ـ تُقَـيَّم الأعمال عند الله تعالى بالنيَّات، ومن هنا كانت محاسبته على اليمين مرهونة بالنيَّة المعقودة عليها، ولهذا كانت الكفَّارة واجبة على اليمين المؤكَّدَة وبعد الحِنْث بها، لا على اليمين الَّتي ينزلق بها اللسان لغواً ودون قصد اليمين؛ وفي كلِّ الأحوال فإن لليمين حُرمة وقدسية لا يجوز أن تُنتَهك.

ـ إن الله واسع المغفرة، يغفر الزلاَّت ويتجاوز عن ضعف العبد، طالما أنه لا يقصد بخطئه الإساءة إلى العباد، ولا مخالفة أمر الله سبحانه.

ـ الإسلام دين المجتمع، لهذا فقد شرَّع أغلب الكفارات بشكل يجعل فائدتها تعود على المجتمع بشكل عام، فهو يُلزم مَنْ أقسَمَ يميناً ثمَّ حَنِث بها بإطعام عشرة مساكين، على ألا يرهق نفسه بل يكون إطعامهم مماثلاً لما يأكل، أو كسوتهم ممَّا يرتديه وأُسرَتُهُ، أو تحرير عبد من عبوديَّة الإنسان. وبعد أن أعطى الأولوية لهذه الخدمات الاجتماعية تحت شعار الكفَّارة وأعطى الفرد الحرِّية في اختيار إحداها، شرع الكفَّارة الفردية، لمن لا يقدر على واحدة ممَّا سبق بأن يصوم ثلاثة أيام، وهي كفَّارة تعود منفعتها المباشرة على المرء شخصياً، وتنعكس منافعها بشكل غير مباشر على المجتمع، بتقويم أفراده وتهذيبهم.

ـ الله تعالى يفصِّل الأحكام بما يتلاءم ومصلحة الخلق، وعليهم في مقابل ذلك أن يشكروه ويقدِّروا نعمه عليهم.

في رحاب الآيات:

اليمين في الشرع هو قَسَمٌ يعقده الحالف على نفسه ليؤكِّد به ثبوت أمرٍ أو نفيه، أو عزمه على فعل أمر أو تركه، بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته، ويترتَّب عليه التزامه بصحَّة ما أقسم عليه، وتنفيذه حفظاً لحرمة اليمين وقدسيته. ومن بعض آثاره الهامَّة إيجاب حقٍّ للحالف أو حجب ذاك الحقِّ عمن امتنع عن القسم، ومن هنا كان لليمين دورٌ فاعلٌ في العلاقات بين النَّاس لاسيَّما القضائية منها. ولا يجوز شرعاً الحلف إلا بالله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم : «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد (أي الأصنام) ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون» (رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه ).

ويُشترط فيمن يعقد اليمين: العقل والبلوغ وإمكان التنفيذ والاختيار (الحرِّية) فمن حلف مُكْرَهاً لم تنعقد يمينه.

واليمين أنواع: 1 ـ اللغو 2 ـ المنعقدة 3 ـ الغموس

1 ـ اللغو في اليمين: هو ما يجري على اللسان من غير قصد الحلف بمقتضى العرف والعادة، أو أن يحلف المرء على شيء يظنُّ صدقه فيظهر خلافه، فهو من باب الخطأ، وهذا اليمين لا كفَّارة فيه ولا مؤاخذة عليه.

2 ـ اليمين المنعقدة: هي اليمين الَّتي يقصدها الحالف ويصمِّم عليها، فهي يمين متعمَّدة ومقصودة، وحكمها وجوب الكفَّارة عند الحِنْث بها، والحِنْث في اليمين يكون بفعل ما حُلف على تركه أو ترك ما حُلف على فعله.

3 ـ اليمين الغموس: هي اليمين الكاذبة الَّتي يُقصد بها الغشُّ والخيانة، وهي من الكبائر، لأنه يقصد بها اغتصاب الحقِّ من صاحبه وإلحاقه بمعتدٍ كاذب. ولا كفَّارة فيها ويجب التوبة منها، وردُّ الحقوق المتعلِّقة بها إلى أصحابها؛ إذا ترتَّب عليها ضياع هذه الحقوق، قال صلى الله عليه وسلم : «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» (رواه البخاري).

والمقصود بالكفارات: الأعمال الَّتي تكفِّر بعض الذنوب وتسترها، حتَّى لا يكون لها أثر يؤاخذ به صاحبها في الدنيا أو في الآخرة.

وكفَّارة اليمين المنعقدة إذا حنث فيها الحالف هي، الإطعام أو الكسوة أو العتق، فمن لم يستطع أي أمر منها فليصم ثلاثة أيام. أمَّا الإطعام فإنه لم يرد نصٌّ شرعي في بيان مقداره، إنما يرجع في تقديره إلى العُرْف فيكون الطعام مقدَّراً بقدر ما يُطعم منه الإنسان أهل بيته من الطعام المتوسط، وقد حدَّدت الآية الإطعام إمَّا لعشرة مساكين يوماً واحداً، أو مسكيناً واحداً لعشرة أيام، كلَّ يوم أكلتين مشبعتين.

وأمَّا الكسوة فهي إكساء عشرة مساكين ثوباً سابغاً لكلِّ واحد منهم، وأَقَلُّ ذلك ما يلبسه المساكين عادة، قال مالك وأحمد رضي الله عنهما: (يُدفع لكلِّ مسكين ما يصحُّ أن يصلِّي فيه إن كان رجلاً أو امرأة كلٌّ بحسبه).

وأمَّا تحرير الرقبة فهو عَتْقُ رقيق وتحريره من العبودية. فإذا تعذَّرت الوسائل الثلاث كان عليه أن يصوم ثلاثة أيام، فإن لم يستطع لمرض أو نحوه، ينوي الصِّيام عند الاستطاعة.

ويجوز للحالف أن يحنث بيمينه عمداً ويُكفِّر عنها إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ شريطة أن لا يترتَّب على الحِنْث المتعمَّد إيذاءٌ لأحد أو ضياعٌ للحقوق، قال صلى الله عليه وسلم : «إذا حلفْتَ على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فَأْتِ الَّذي هو خير وكفِّر عن يمينك» (رواه أحمد والبخاري ومسلم).

لنا الله
27-09-2008, 10:01 PM
مقوِّمـات النصـر



قال الله تعالى: {إن يَنصُرْكُمُ الله فلا غالِبَ لكم وإن يَخذُلْكُمْ فمن ذا الَّذي يَنصُرُكُمْ من بعدهِ وعلى الله فَليتوكَّلِ المؤمنونَ(160)}سورة آل عمران(3)

ومضات:

ـ النصر والخذلان من قوانين الله تعالى. فالنصر حليف من لاذ بالله والتجأ إلى حماه، والتزم بقوانينه، والخذلان نصيب من خذل قوانين الله، وعمل بعكس تعاليمه عزَّ وجل.


في رحاب الآيات:

قضت سنَّة الله في هذا العالَمِ بتوقُّف النتائج على المقدِّمات، وارتباط المسبَّبات بالأسباب، فبقدر ما يفي الإنسان بالتزاماته، بقدر ما يحقِّق الله له من النتائج الإيجابية المثمرة. وهكذا فإن المقدِّمات ترتبط بمشيئة الإنسان وقراره الشخصي في إطار مشيئة الله، وتظلُّ النتائج والعواقب متعلِّقة بمشيئة الله وحدها أوَّلاً، وبمقدار الجهد المبذول والإتقان للعمل المنفَّذ ثانياً. وباعتبار أن قضية النصر والخذلان في أيِّ معركة حياتية يخوضها الإنسان تخضع لعوامل كثيرة، فإن الآية الكريمة تردُّ الناس إلى قدر الله ومشيئته، وتعلُّقهم بإرادته وقوانينه، لذلك فالنصر لا يكون إلا لمن سار على هذه القوانين.

وهذه الحقيقة تُلْزِمُ المسلمين باتباع المنهج والتقيُّد بالتوجيه، والنهوض بالتكاليف، وبذل الجهد والتوكُّل بعد هذا كلِّه على الله تعالى: {..وعلى الله فليتوَكَّلِ المؤمنون} (9 التوبة آية 51) وبذلك يخلص تصوُّر المسلم من التماس شيء من عند غير الله، ويتَّصل قلبه مباشرة بالقوَّة الفاعلة في هذا الوجود.

إن ظاهر الآية يوحي أن النصر والخذلان كليهما من الله تعالى، وأن الإنسان ما هو إلا أداة مسيَّرة، والواقع أن المعنى الحقيقي الَّذي يجب أن نفهمه هو أن من يسير ضمن قوانين الله وتعاليمه ينصره الله، فنصر الله يكلِّل طاعتنا وتنفيذنا لهذه التعاليم، فإن تجاوزناها فإن الله يخذلنا بتقصيرنا وتفريطنا بمقتضيات قانونه التكويني العام، والأدلَّة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: {وأعِدُّوا لهم ما استطَعْتُم من قوَّة..} (8 الأنفال آية 60) وقوله في آية أخرى: {إنَّ الله يُحِبُّ الَّذين يُقاتِلون في سبيلِهِ صفّاً كأنَّهم بُنيانٌ مرصوص} (61 الصف آية 4) فإعداد القوَّة الحسيَّة والمعنوية، إلى جانب الوحدة وتجميع القوى، يشكِّلان أساساً من أسس النصر، أمَّا إهمالهما فيكون عاملاً من عوامل الفشل والهزيمة.

لنا الله
28-09-2008, 02:17 PM
مقوِّمـات النصـر


قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا إن تنصُروا الله ينصُرْكم ويُثبِّت أقدامكم(7) والَّذين كفروا فتَعْساً لهم وأضلَّ أعمالَهُم(8) ذلك بأنَّهم كَرِهوا ما أنزلَ الله فأحبَطَ أعمالَهُم(9)}سورة محمَّد(47)

ومضات:


ـ نصرة المؤمنين لله تعالى تعبير، رمزي مجازي، يُعبِّر عن مدى التزامهم العملي بتطبيق شريعته، بحماس وقوَّة إرادة، مع التحلِّي بالأخلاق الفاضلة، والاستزادة من الحكمة والعلوم بأنواعها.

ـ نصرة الله تعالى للمؤمنين تعني إمدادهم بالعطاء الروحي والنور الإلهي، وتيسير سُبُل العطاء المادِّي ممَّا يحقِّق لهم السعادة والسكينة والاستقرار، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، ويجعل لهم من عُسرهم يُسراً، ومن ضيقهم مخرجاً وفرجاً، مما يثبِّت لهم مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية، ليشكِّلوا قاعدة يقوم عليها السَّلام والرخاء.

ـ الَّذين يرفضون الإيمان بالله، وينأون بجانبهم عن محبَّة الله وعبادته، هم غارقون في متاهات الفراغ والملل، ويسلكون سبل الضياع، تتقاذفهم أمواج الخوف والقلق. ذلك أنهم أقاموا آمالهم على قواعد ركيكة من الوهم والخيال، كارهين الحقَّ وأهله لعدم تجانسه مع نفوسهم المريضة، فانهارت آمالهم، وحبطت أعمالهم وصارت هشيماً تذروه الرياح.


في رحاب الآيات:


قد يُفهَم من ظاهر الآية أن الله سبحانه وتعالى بحاجة إلى دعم مادِّي، أو قوَّة عسكرية تدافع عنه وتحميه! والحقيقة أنه تعالى هو الغني عنَّا، ونحن الفقراء إليه، ونحن المحتاجون إلى دعمه ومدده ونصرته. والأمر المنوط بنا أن نقدِّم أنفسنا وأموالنا في سبيل نصرة دين الله، ورفع راية العمل لتحقيق تعاليمه المفيدة في سائر نواحي الحياة.

وفي سبيل تحقيق ذلك، علينا أن نجرِّد نفوسنا لله، وألا نشرك به شيئاً، لا شِرْكاً ظاهراً ولا خفياً، وأن يكون الله أَحَبَّ إلينا من ذواتنا ومن كلِّ ما نحبُّ ونهوى، وأن نراقبه في رَغَبِنا ورَهَبِنا وحركاتنا وسكناتنا، وسرِّنا وعلانيتنا، ونشاطنا كلِّه وخلجات أفئدتنا عامَّة، وهذا نصر الله في ذات نفوسنا.

إن لله شريعة واضحة ومنهاجاً محدَّداً للحياة، يقومان على قواعد وموازين وقيم وتصور خاص للحياة وللوجود كلِّه، وإن نصر الله يتحقَّق بنصرة منهاجه وشريعته، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلِّها دون استثناء، وهذا نصر الله في واقع الحياة، بشرط أن يكون الهدف هو أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تهيمن شريعته ومنهاجه على ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم، وعلى أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم.

هذا شرط الله على الَّذين آمنوا، أمَّا وعده لهم في مقابل ذلك فهو النصر وتثبيت الأقدام، وقوَّة الإيمان ليتَقوَّوا بها على أنفسهم وأهوائهم، وعلى كلِّ من يحاول تخريب هذه المسيرة الطاهرة المباركة.

والنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان، وبين الهداية والضلال، فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة، وذلك في عدم الزهُوِّ به، وعدم التراخي بعده والبعد عن التهاون في المحافظة عليه.

هذا هو الوجه الحسن الَّذي يصوِّر المؤمنين مع الله، ولو أننا نظرنا إلى الوجه الآخر لرأينا النقيض، إننا نرى التعاسة والخيبة والخذلان تلقي بظلالها على من كفر بالله وآياته، ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله من قرآن وشريعة ومنهج واتجاه، وهي حالة كثير من النفوس الفاسدة الَّتي تكره بطبعها ذاك النهج السليم القويم، وتتصادم معه من داخلها، بحكم مغايرة باطلها لحقيقته، وغاياتها لغاياته.

إن أصحاب هذه النفوس موجودون في كلِّ زمان وفي كلِّ مكان، يحملون في قلوبهم الحقد والكراهية للدِّين ولكلِّ ما يتَّصل به، لأنهم يَرَوْنَ فيه حدّاً من سيطرتهم، وكفّاً لتجاوزاتهم وطغيانهم؛ ولقد كان جزاء الله لهم أن أحبط أعمالهم، فانتهوا إلى الهلاك والضياع.

وصفوة القول: نحن بحاجة إلى الله حين ننصره لأن في ذلك نصراً لنا بوصفنا من أتباع دينه وأنصاره، ونحن بحاجة إلى الله حين ينصرنا لأن في ذلك تزكية لنفوسنا وأرواحنا، وبالتالي سُمُوّاً وعُلُوّاً لنا؛ ونحن الرابحون في كلتا الحالتين.

لنا الله
30-09-2008, 02:03 PM
التَّخلُّف عن الجهاد


{يا أيُّها الَّذين آمَنوا مالكم إذا قيل لكُم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتُم إلى الأرضِ أَرَضِيتم بالحياة الدُّنيا من الآخرة فما متاعُ الحياةِ الدُّنيا في الآخرة إلا قَليلٌ (38) إلا تنفِروا يُعذِّبكم عذاباً أَليماً وَيَستبدِلْ قوماً غيركُم ولا تضرُّوه شيئاً والله على كِلِّ شيءٍ قديرٌ (39)}


{فَرحَ المُخلَّفون ِبمقْعدهِمْ خِلاف رسولِ الله وكَرِهوا أَن يُجاهِدوا بأموالهِم وأَنفُسِهمْ في سبيلِ الله وقالوا لا تَنفِروا في الحرِّ قُلْ نارُ جهنَّمَ أَشدُّ حرّاً لو كانوا يَفْقَهونَ(81)}

{ما كانَ لأَهلِ المدينة ومن حَولَهُم من الأَعْرابِ أن يَتخلَّفوا عن رسولِ الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بِأنَّهم لا يُصِيبُهُم ظمأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمصةٌ في سبيلِ الله ولا يَطَؤُون مَوطئاً يَغيظُ الكُفَّارَ ولا ينَالُون من عَدُوٍّ نيلاً إلا كُتبَ لَهُم به عملٌ صالحٌ إنَّ الله لا يُضيعُ أَجْرَ المُحسِنين (120)}


{لقد تَابَ الله على النبيِّ والمهاجِرِينَ والأَنصارِ الَّذين اتَّبَعوهُ في ساعةِ العُسرَةِ مِن بعدِ ما كادَ يَزيغُ قلوبُ فريقٍ منهمْ ثمَّ تابَ عليهِم إنَّه بِهِم رؤوفٌ رَّحِيمٌ (117)وعلى الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا حتَّى إذا ضاقَتْ عليهِمُ الأرضُ بما رَحُبَتْ وضاقَتْ عليهِمْ أَنْفُسُهُمْ وظنُّوا أن لا مَلْجأَ مِنَ الله إلا إليه ثمَّ تاب عليهِم لِيتُوبوا إن الله هو التَّوَّابُ الرحيمُ(118)}


{وَما كانَ المؤمِنونَ لِيَنفِروا كافَّةً فلولا نفرَ من كلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طائفةٌ ليتفقَّهوا في الدِّين وَلِيُنذِروا قومَهُمْ إذا رَجَعوا إِليهم لعلَّهم يَحْذَرون (122)}


{إِنَّما السَّبيلُ على الَّذين يَسْتَئذنِونَكَ وهمْ أغنياءُ رَضُوا بِأَن يكونُوا مع الخَوالِفِ وَطَبَعَ الله على قُلوبِهِمْ فَهمْ لا يَعْلمُونَ(93)}

ومضات:


ـ ما كان للذين آمنوا أن يتخلَّفوا عن المساهمة في الجهاد الكبير، والجهاد الأكبر، والجهاد الأصغر؛ في سبيل تحويل مجتمعهم من مجتمع الذلِّ والجهل والتخلُّف، إلى مجتمع القوَّة والكرامة والعلم والتقدُّم، وأن تكون لهم الريادة على سائر أمم الأرض، في نشر الأخلاق الفاضلة، واستنفاد طاقاتهم العقلية كافَّة في تقصِّي جميع العلوم الكونية، للاستفادة ممَّا خلقه الله لنا في إعمار القلب والعقل والجسد، بشكل متوازن سليم، وهذا هو سبيل الله.

ـ إن مغريات الجسد من التراخي والكسل، والاستمتاع باللذائذ وترف العيش، عوامل مثبِّطة للهمم، تثقل المؤمن عن الانطلاق البنَّاء، وتحجبه عن المتع الروحية وعن منابع السعادة الحقيقية، الَّتي هي زاده الوفير في الرحلة المتكاملة في الحياة الدنيا ومنها إلى الدار الآخرة.

ـ عذاب الله وفق نواميسه هو ذلٌّ وهوان، وسيطرة العدو على عقولنا وتخديرها، وتسلُّطه على منابع ثرواتنا، وما كانت لأمَّة متخاذلة أن يكون لها الخلافة الربَّانية على هذه الأرض، وما كان بمعجز لله أن يستبدلها بأمَّة بنَّاءة متطوِّرة مضحِّية، فهمت عن الله مراده وسعت في تحقيق هذا المراد.

ـ إن في الجهاد إحساناً للمؤمنين أنفسهم حيث يصونون مجتمعهم مهاباً عزيزاً، وإحسان لأعداء الإسلام بحيث تتاح فرصة عرض مبادئ هذا الدِّين عليهم في محاولة لنقلهم من أخلاق الجهل المدمِّر إلى آفاق العلم المثمر، ومن فقر الروح إلى غنى النفس، ومن الضعف البهيمي إلى قوَّة الإيمان، ومن التشتت العاطفي إلى التماسك العائلي والاجتماعي. أمَّا في حال إِعراضهم وتعدِّيهم فإنَّ علينا أن نشتِّت شملهم ونأخذ منهم كلَّ مأخذ، حتَّى يرتدعوا ويؤوبوا إلى جادَّة الحقِّ والصواب.

ـ ما كان للمؤمنين أن يتخلُّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع المهام الَّتي يباشرها بنفسه، ولا أن يحبُّوا أنفسهم أكثر من حبِّهم لرسول الله. وإن لهم في أنواع الآلام الَّتي يعانونها نتيجة العطش والتعب والجوع وفي اقتحامهم لأوكار العدو، والنيل من هيبته والإغاظة له في أسره أو قتله، لهم في كلِّ ذلك رفيع المقام، والعزَّة والكرامة، والثواب من الربِّ الكريم، حيث تصان لهم أعمالهم مجداً في هذه الحياة، ومقاماً محموداً في الدار الآخرة.

ـ كانت عقوبة الصحابة الثلاثة الَّذين تخلَّفوا عن رسول الله ـ دون عذر أو نفاق ـ مقاطعة المجتمع لهم، فلا كلام معهم ولا تعامل، ومُنعت نساؤهم عنهم، وحبسوا في دائرة أنفسهم، وهذا هو العزل المدني والاجتماعي الَّذي طُبِّق عليهم بطريقة احترقت بها قلوبهم لوعة وأسى على فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وابتعاد المؤمنين عنهم، حتَّى أَرمدت عيونهم من كثرة البكاء وهول المصاب النفسي الَّذي ألمَّ بهم.

ـ النفير المستمرُّ لطوائف من المسلمين في طلب العلم بمختلف صنوفه، وتعليمهم لباقي أفراد الأمَّة واجب حتمي، وعلى الأغنياء بشكل خاص أن يدعموا هذا السبيل تحت طائلة تغليف قلوبهم بالقسوة والنفاق، وإغراقهم في مستنقعات الجهل والتخلُّف.


في رحاب الآيات:

نزلت هذه الآيات الكريمة بمناسبة غزوة تبوك، حين تجمَّعت قوى الروم متحالفة مع بعض القبائل من العرب المتنصرة، بغية الهجوم على المدينة المنوَّرة لاستئصال جذور الإسلام والقضاء عليه. وحين بلغ الخبر رسول اللهصلى الله عليه وسلم لم يتوانَ لحظة واحدة عن الدعوة للنفير العام، قال تعالى: {انفِروا خِفافاً وثِقالاً وجاهِدوا بِأَموالِكُم وأَنفُسِكم في سبيل الله ذلِكُم خيٌر لكُم إن كُنتُم تَعلَمون} (9 سورة التوبة آية 41).

لنا الله
01-10-2008, 12:33 PM
مقتطفات من آيات الجهاد



كان الوقت حينها وحرارة الصيف اللاهبة تلفح الوجوه، والناس تستعدُّ لقطف ثمار النخيل، وقد حان أوانها وطاب مذاقها. وكان تقبُّل المسلمين لهذا النفير متفاوتاً حسب درجة إيمانهم:

1ـ فمنهم من بذل الغالي والرخيص فقال تعالى في حقِّهم: {لكنِ الرسولُ والَّذينَ آمنوا معـهُ جـاهَدوا بأموالِهِـم وأَنفُسِـهم وأولئِـكَ لَهُمُ الخيراتُ وأوُلئِـكَ هُمُ المُفلِحونَ } (9التوبة آية 88).

2ـ ومنهم من أقعدهم المرض والعجز وقلَّة ذات اليد، فجاؤوا يعتذرون لرسول اللهصلى الله عليه وسلم ، فقبل الله اعتذارهم بقوله: {ليسَ على الضُّعفاءِ ولا على المرضى ولا على الَّذين لا يَجِدُون ما يُنفِقون حَرَجٌ إذا نَصَحوا لله ورسـولهِ مـا على المحُسـنينَ من سـبيلٍ والله غفورٌ رحيمٌ} (9 التوبة آية 91).

3ـ ومنهم من لم يجدوا ما يبذلونه من المال وتقدَّموا مستجيبين للنداء مع استطاعتهم لبذل الجهد العضلي، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذر عن عدم قبول تطوُّعهم لعدم وجود وسائط النقل الكافية لحملهم، قال تعالى: {ولا على الَّذين إذا ما أتوكَ لِتحمِلهمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحمِلُكُم عليهِ تَولَّوا وأعيُنُهم تَفيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَناً ألاَّ يَجِدوا ما يُنفِقون} (9 التوبة آية 92).

4ـ ومنهم أغنياء، غلَّف حبُّ الدنيا شغاف قلوبهم، فآثروا الانغلاق ضمن أصداف المادَّة والمتع البهيمية وجاءوا يعتذرون، فقال تعالى بحقِّهم: {وإذا أُنزِلَتْ سُورةٌ أَن آمنوا بالله وجاهِدوا معَ رسولِهِ استئَذنَكَ أُولُوا الطَّولِ مِنْهم وقالوا ذَرْنا نكُن مع القاعدين رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالِفِ وطُبِعَ على قُلوبِهم فهمْ لايَفقهونَ} (9 التوبة آية 86 ـ87).

إن التثاقل تغلغل في أنفس مريضة أدمنت المطامع والمصالح، وتراخت بداعي الدعة والراحة والاستقرار، وانشدَّت إلى ترابية الأرض الفانية، متخاذلة عن جهاد عدو يخافونه ويرهبون بطشه وقد بعدت مسافته.

ولو عمرت قلوبهم بمحبَّة الله ورسـوله صلى الله عليه وسلم ، لانطلقت من قيد أسـر الغرائز والشهوات، وارتفعت عن تثاقل اللحم والدم، فتغلَّب عنصر الشوق المشبوب بالإيمان على عنصر القيود المادِّية الَّتي تثقل الأنفس المتخومة. ولو أنهم أنفقوا وجاهدوا لتمكَّنوا من حماية الثروة القومية من اندثار يعادل مئات الأضعاف من قيمة ما كان يمكن أن ينفقوه في سبيل التعبئة العامَّة.

5ـ ومنهم منافقين من الأعراب ومن أهل المدينة، كذبوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، واختلقوا الأعذار الواهية، مردوا على النفاق وحـاولوا تثبيط عـزائم الآخرين، فقال تعالى عنهم: {إنَّما يَسْتأذِنُكَ الَّذين لا يُؤمنونَ بالله واليومِ الآخرِ وَارتابـتْ قُلوبُهـمْ فهُـمْ في رَيبهِم يتردَّدون} (9 التوبة آية 45).

هؤلاء المنافقين جهدوا في تفكيك البنية التحتية للمجتمع الإسلامي، وفي تفريقهم للصفوف المؤمنة، ومحاولة الإساءة لشخصيَّة النبيِّ الكريم محمَّد صلى الله عليه وسلم ، لتبهيت صورته المشرقة فقال تعالى عنهم: {وَمنهُمُ الَّذين يُؤْذون النَّبِيَّ ويقولُونَ هوَ أُذنٌ قُلْ أُذُنُ خَيرٍ لكُم يُؤْمِنُ بالله وَيؤْمِنُ للمُؤمنيَن وَرَحمةٌ لِلَّذين آمنوا والَّذين يُؤذُونَ رسولَ الله لهم عذابٌ أليمٌ} (9 التوبة آية 61).

نعم هذا الرسول الكريم أذن خير يستمع إلى الوحي ثمَّ يبلِّـغُه لكم وفيه خيركم وصلاحكم وأذن خير يستمع إليكم في أدب فلا يجابهكم بنفاقكم ولا يرميكم بخداعكم، ويؤمن للمؤمنين فيطمئن إليهم ويثق بهم لأنه يعلم صدق الإيمان الَّذي يعصمهم من الكذب والرياء، ورحمة للذين آمنوا يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح بينما يستغرق المنافقون في الكذب كما وصفهم تعالى بقوله: {يَحلِفون بالله لِيُرضوكُمْ والله ورسولُهُ أَحَقُّ أَن يُـرضُوهُ إن كـانوا مُؤمِنينَ} (9 التوبة آية 62).

وهكذا تخلَّف المنافقون وفرحوا، سروراً وشماتة، فلا إنفاق ولا تعب ولا قتال، تهرَّبوا من كلِّ ذلك فجاءت عدالة السماء لتنزل حكمها العادل فيهم بقوله تعالى: {فَليَضْحَكوا قليلاً وَليَبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون * فإن رجَعَكَ الله إلى طائِفةٍ مِنهم فاستئذَنُوك للخُروجِ فَقُل لن تَخرُجوا معي أبداً ولن تقاُتلوا معيَ عَدوّاً إنَّكم رَضيتمُ بالقعودِ أَوَّل مَرَّةٍ فاقُعُدوا مع الخالِفين * ولا تُصَلِّ على أَحد منهم ماتَ أبداً ولا تَقُمْ على قَبرِه إنَّهُم كَفَروا بالله ورسولهِ وماتوا وهم فاسقون * ولاتُعجِبْكَ أَموالُهُم وأَولادُهُم إنما يُرِيدُ الله أَنْ يُعَذِّبَهُم بها في الدنيا وتَزهَقَ أَنفُسهُم وهُم كافِرونَ } (9 التوبة آية 82ـ85).

حكمٌ إلهي بمنتهى الشدَّة، إنه حرمان من شرف الخدمة العسكرية، فلا تكريم لهم في حياتهم أو عند مماتهم، وتحويل للنعمة الزائلة الَّتي انخدعوا بها إلى جحيم دنيوي، فالأولاد ينقلبون إلى أعداء يذيقون آباءهم مرَّ الغضب والعقوق، والمال يذوب ويندثر، والموت الكريب يحيق بهم، وقد زهقت أنفسهم من وبال الأمراض والهموم، فلا استغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبورهم ولا دعاء لهم والملائكة تسائلهم.

روى أبو داود والحاكم والبزار عن عثمان رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل وفي الآخرة لهم ما هو أدهى وأمر»، قال تعالى: {بل السَّاعةُ مَوعدُهُم والسَّاعةُ أدهى وأَمرُّ * أن المُجرِمينَ في ضلالٍ وسُعُرٍ * وهمَ يُسحَبونَ في النَّارِ على وُجُوهِهِم ذُوقوا مَسَّ سَقَرَ } (54 القمر آية 46ـ48)

6ـ ومنهم ثلاثة من المؤمنين: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، لم يكن لهم أي عذر في تخلُّفهم سوى الكسل والاسترواح في ظلال المدينة، كما قال كعب: (والله ماكان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلَّفت عنك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم : «أمَّا هذا فقد صدق فقم حتَّى يقضي الله فيك»). (أخرجه البخاري ومسلم).

وقضى الله تعالى فيهم أمره، وأصدر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حكم الله فيهم، فنهى الناس عن كلامهم، أو التعامل معهم، أو ردَّ السَّلام عليهم، وأصدر عليه الصَّلاة والسَّلام أمراً بعد أربعين ليلة من الحكم الأوَّل إلى زوجاتهم بأن يعتزلن أزواجهن، والاكتفاء بخدمتهم دون مقاربتهم.

وكان سجناً انفرادياً لكلٍّ منهم داخل قفص جسده، وكانت زنزانة غير منظورة لكلٍّ منهم، وكانت عقوبتهم حكماً فريداً من نوعه، اشترك الشعب كلُّه في تنفيذه. إنها سابقة لم يكن لها مثيل في تاريخ البشرية على الاطلاق، امتثل فيها المحكومون للحكم الإلهي بملء إرادتهـم، وقابلوه بالاستغفار والتوبة، والإنابة بصدق وخشوع، وبالتضرُّع والدعاء الممزوجين بدموع مدرارة سخية ملتهبة، تنبعث من قلوب احترقت من خشية الله، وتنهمل من عيون التهبت بنار إلهية غسلت الركام الناشئ عن تخلُّفهم، حتَّى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنُّوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، نزلت بشائر التوبة الإلهية واستبشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وبشَّر صحابته الكرام، وكان احتفالاً غريباً من نوعه، قام فيه منفِّذو الحكم بتهنئة المحكومين، مهلِّلين مكبِّرين، فرحين مستبشرين.

إنها توبة إلهية شملت الثلاثة الَّذين تَخَلَّفوا، كما شملت قبلهم جميع من شاركوا في غزوة تبوك، وخاصَّة من راودتهم أنفسهم بعض الظنون والشكوك والهموم، وقد هدَّهم تعب المسير، حتَّى تورَّمت أقدامهم وتقيَّحت، حيث كان العشرة منهم يتناوبون الركب على دابَّة واحدة، وأضناهم قلَّة الزاد والماء، حتَّى أن الرجلين كانا يشقَّان التمرة بينهما، وحتَّى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده.

وهكذا بهذه الرسالة السماوية الكريمة، وبأمثال هؤلاء الصحابة العظام، وبالرعاية الكريمة الصادقة المخلصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ظهرت خير أمَّة أُخرجت للناس، سبقت أعمالُها أقوالَها، وشعَّ صدق إيمانها نوراً ربَّانيّاً أضاء ظلمات القلوب العاثِرة، فاهتدت وهدت إلى صراط ربِّ العالمين.

لنا الله
04-10-2008, 12:33 AM
شبهات حول آية


قال تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } (البقرة:124).


في رحاب الأيه :


وقد أورد بعض الناس إشكالاً نحويًا في الآية، وذلك أن قوله تعالى: { لا ينال عهدي الظالمين } جاء فيه الفاعل { الظالمين } منصوبًا، وكان المتبادر أن يقال: ( لا ينال عهدي الظالمون )! فما هو توجيه الآية الكريمة ؟


هذه الآية قرأها معظم القراء بنصب { الظالمين } بالياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجمع المذكر السالم ينصب بالياء. وقرأ بعض القراء في قراءة غير متواترة بالرفع ( الظالمون ) بالواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجمع المذكر السالم يرفع بالواو. ويكون { عهدي } على هذه القراءة مفعول به مقدم على الفاعل اهتمامًا به .

والآية على القراءة الثانية لا إشكال فيها. وهي كذلك على القراءة الأولى؛ فقوله تعالى: { لا ينال عهدي الظالمين } جملة مؤلفة من فعل وفاعل ومفعول به؛ أما الفعل فقوله تعالى: { ينال }، والفعل ( نال ) كما يقول النحويون، يتعدى لمفعول واحد لا غير، وهو في الآية { الظالمين }، فتعين أن يكون الفاعل هو ( العهد ) في قوله سبحانه: { عهدي }، وهذا الفاعل مرفوع بضمة مقدرة على ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة لياء المتكلم؛ أما قوله سبحانه: { الظالمين } فهو مفعول به منصوب بالياء؛ لأنه جمع مذكر سالم.


وإعراب الآية على هذا النحو، هو محل اتفاق بين أهل العلم، بل إن أهل العلم ذكروا هنا أمرًا مهمًا، وهو أن الفعل ( نال ) يجوز أن يكون فاعله مفعولاً، ويجوز أن يكون مفعوله فاعلاً، على التبادل بينهما؛ فأنت تقول: نال الطالبُ الجائزةَ، ويجوز لك أن تقول: نالت الجائزةُ الطالبَ؛ لأن ما نالك فقد نلته أنت .

ومعنى الآية على هذه القراءة: لا ينال عهدُ الله بالإمامة ظالمًا، أي: ليس لظالم أن يتولى إمامة المسلمين .

ومجيء الآية على هذا التركيب يفيد معنى مهمًا، وهو أن الظالمين ولو اتخذوا الأسباب التي توصلهم إلى نيل العهد، فإن عهد الله وميثاقه يأبى بنفسه أن يذهب لظالم، أو يكون له؛ لأن الأخذ بعهد الله شرف، وهذا الشرف لا ينال الظالمين .


والآية الكريمة وإن كانت واردة بصيغة الإخبار لا بصيغة الأمر، حيث إنها تخبر أن عهد الله لا يناله ظالم، إلا أن المقصود بهذا الإخبار الأمر، هو أمر الله عباده، أن لا يولوا أمور الدين والدنيا ظالمًا. والذي يُرجح أن يكون المقصود بالآية الأمر لا الإخبار، أن أخباره تعالى لا يجوز أن تقع على خلاف ما أخبر سبحانه، وقد علمنا يقينًا، أنه قد نال عهده من الإمامة وغيرها كثيرًا من الظالمين .

لنا الله
04-10-2008, 12:34 AM
"ولا تكونوا أول كافر به"


ومضات :


في سياق تذكير القرآن بني إسرائيل بفضل الله وما أسبغه عليهم من نِعَم ظاهرة وباطنة، والذي بدأ الخطاب بقول الله تعالى: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } (البقرة:40) إلى أن قال: { وأمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به } (البقرة:41) نتوقف مع هذه الآية الأخيرة، لنستشف ما تحمله من دلالات ومعان:

الخطاب في الآية كما هو ظاهر لليهود من أهل الكتاب، وقوله تعالى: { بما أنزلت } المقصود بالمنَـزَّل هنا القرآن الكريم، أي: آمنوا بما جاء في القرآن من الأحكام والمبشرِّات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وظهور الإسلام على غيره من الأديان، كما جاء ذلك في كتبكم التوراة والإنجيل .

وقوله تعالى: { ولا تكونوا أول كافر به } عطف على قوله سبحانه: { وآمنوا بما أنزلت } وهو ارتقاء في الدعوة، واستجلاب للقلوب. وجاء الضمير في قوله تعالى: { ولا تكونوا } بصيغة الجمع، بينما جاء قوله: { كافر } بصيغة الإفراد، وحقه أن يكون جمعًا، ليناسب الضمير قبله؛ قالوا: إنما جاء به مفردًا، ولم يقل: ( كافرين ) حتى يطابق ما قبله؛ لأنه وصف لموصوف محذوف مفرد اللفظ، متعدد المعنى، تقديره: فريق، وعلى هذا فالمعنى: ولا تكونوا أول فريق يكفر بالقرآن وما جاء به .

ثم إنه سبحانه قال: { أول كافر به } مع أنه قد سبقهم إلى الكفر به كفار قريش؛ ووجَّه المفسرون ذلك بأن المراد: أول كافر به من أهل الكتاب، لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء، وما يلزم من التصديق بما جاؤوا به؛ وعلى هذا فالضمير في قوله: { بـه } عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي: لا تكونوا أول كافر بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، مع كونكم قد وجدتموه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل، مبشَّرًا به في الكتب المنـزلة عليكم .

على أنه يمكن إرجاع الضمير أيضًا إلى القرآن، وعليه يكون المعنى: لا تكونوا أول كافر بالقرآن، ومعلوم أن مما جاء في القرآن، إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته؛ واختار ابن جرير الطبري أن الضمير في قوله: { بـه } عائد على القرآن، الذي تقدم ذكره في قوله: { بما أنزلت } وكلا القولين صحيح، لأنهما متلازمان؛ إذ الإيمان بالقرآن يستلزم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، يستلزم الإيمان بالقرآن .

في رحاب الآيه :


يرشد لهذا المعنى قول الحسن و السدي و الربيع بن أنس : من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ولا تكونوا أول كافر به، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم .

على أن التقيد في الآية بـ { أول } لا مفهوم له؛ إذ ليس المقصود من الآية النهي عن الكفر أولاً فحسب، بل المقصود النهي عن ذلك دائمًا وعلى كل حال، وخُصَّ الأول بالذكر لأن التقدم والسبق إليه أغلظ وأشنع، فكان الأول والأخر في الحكم سواء؛ فقوله جلَّ ثناؤه: { أول كافر به } يعني أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، لم يؤمنوا بما جاء القرآن به .

وفي تقرير هذا المعنى يقول أبو العالية : ولا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، يعني من جنسكم أهل الكتاب، بعد سماعكم بمبعثه .

إذا عُلِمَ هذا، نقول: إن قوله تعالى: { ولا تكونوا أول كافر به } يحتمل وجوهًا من المعاني، إليك بيانها:

الأول: أن النهي عن الكفر بالقرآن وما جاء به، هو تأكيد لطلب الإيمان به؛ إذ الإيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان، إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر، فكان النهي عن أن يكونوا أول الكافرين، يستلزم أن يكونوا أول المؤمنين، وعلى هذا فالمقصود من النهي توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام .

الثاني: أن يكون المقصود التعريض بالمشركين، وبيان أنهم أشد كفرًا من اليهود، والمعنى على هذا: لا تكونوا أيها اليهود أشد كفرًا من المشركين الذين كانوا سابقين في الكفر بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم .

الثالث: أن يكون المراد من { أول } المبادرة والمسارعة إلى الإيمان، كقوله تعالى: { فأنا أول العابدين } (الزخرف: 81) أي: أول المسارعين والمبادرين للالتزام بشرع الله، ونبذ ما سواه من الشرائع البشرية والوضعية .

الرابع: أن يكون { أول } كناية عن القدوة في الأمر، والمعنى عليه: لا تكونوا كافرين بهذا القرآن، فتكونوا قدوة لمن جاء بعدكم، وبئس القدوة تلك .

وكما ترى - قارئي الكريم - فإن الآية تحتمل هذه المعاني كلها ولا تأباها؛ على أن الآية وإن كانت خطابًا لليهود في عهد الرسالة، بيد أنها تفيد خطاب الناس كافة، زمانًا ومكانًا؛ إذ هي دعوة للناس أجمعين للإيمان بهذا الدين، والتزام أحكامه أمرًا ونهيًا، وترك ما سواه من الأديان السماوية المنسوخة والمحرفة، ونبذ الشرائع الوضعية التي استحدثها الناس، فضلوا بها وأضلوا عن سواء السبيل. والله يرشدني وإياك إلى صواب القول، وحُسْن القصد، والحمد لله رب العالمين

لنا الله
10-10-2008, 07:28 AM
"واستعينوا بالصبر والصلاة"



ومضات :


بعد أن توجَّه الخطاب القرآني إلى بني إسرائيل - والعلماء منهم خاصة - بالترهيب والإنكار والتوبيخ على ما كان منهم؛ انتقل إلى أسلوب الترغيب والتحفيز، فجاء الأمر بالاستعانة بالصبـر، إذ به ملاك الهدى والسداد؛ وجاء الأمر بالاستعانة بالصلاة، إذ بها الفلاح والرشاد .

وبيان ذلك: أن مما يصد الناس عن اتباع الدين القويم إلفهم بأحوالهم القديمة، وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها، فإذا تخلَّقوا بأخلاق الصبر سهل عليهم اتباع الحق، ومفارقة ما أَلْفَوْه من عادات جاهلية، وأعراف لا يقرها الشرع الحنيف .

ومن هنا جاء الأمر لبني إسرائيل بالاستعانة بالصبر على الوفاء بما عاهدوا الله عليه في طاعته واتباع أمره، وترك ما يميلون إليه من الرياسة وحب الدنيا، ومن ثم التسليم لأمر الله، واتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم .

وحسبك بمزية الصبر أن الله جعلها سببًا من أسباب الفوز، قال تعالى: { والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } قال الغزالي رحمه الله: ذكر الله الصبر في القرآن في نيِّف وسبعين موضعًا، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له، قال سبحانه: { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } (السجدة:24) وقال تعالى: { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } (الأعراف:137) وقال أيضًا: { إن الله مع الصابرين } (البقرة:153) والآيات كثيرة في هذا المعنى .

وأنت - قارئي الكريم - إذا تأملت وأمعنت النظر، وجدت أن أصل التدين والإيمان راجع إلى الصبر؛ فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته، وفيه طاعة خالق لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار؛ فإذا صار الصبر خُلُقًا لصاحبه، هان عليه كل شيء لأجل الخضوع للحق والتسليم للبرهان. وبهذا يظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر، فإنه خُلُق يفتح أبواب النفوس لقبول الحق والخضوع له .

أما طلب الاستعانة بالصلاة، فهي فضلاً عن كونها شكرًا للمنعم وخضوعًا لأمره، فإن فيها صبراً من جهات عدة؛ إذ فيها مخالفة حال المرء المعتادة، ولزومه حالة في وقت معين، وفيها تجلية الأحزان وكشف الكربات؛ وقد صح في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( كان إذا حَزَبه أمر صلى ) رواه أبو داود و أحمد ، أَي: إذا نزل به أمر مُهِمّ، أَو أَصابَه غمّ وهمٌّ واشتد عليه بادر إلى الصلاة؛ وقوله عليه الصلاة والسلام: ( أرحنا بها يا بلال ) رواه أبو داود و أحمد ، وهذا أمر يلمسه من تحرَّاه وقصده من المصلين، ويكفيك في ذلك قوله تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ففي الصلاة أكبر العون على الثبات في الأمر، والعزيمة في الرشد .

حول الآية :

ثم إن الآية التي بين يديك، نظير قوله تعالى مخاطبًا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده: { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى } (طـه:130) فأَمَرَ سبحانه نبيه في نوائبه كافة بالفزع إلى الصبر والصلاة، إذ بهما العون والثبات وكشف الهموم والكربات .

والضمير في قوله تعالى: { وإنها لكبيرة } راجع - على أرجح الأقوال - إلى جميع المأمورات والوصايا السابقة التي خوطب بها بني إسرائيل .

والمراد ( بالكبيرة ) هنا الصعبة التي تشق على النفوس؛ وإطلاق ( الكِبَرُ )على الأمر الصعب والشاق أمر معهود في كلام العرب؛ لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير، قال تعالى: { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } (البقرة:143) وقال سبحانه: { وإن كان كَبُرَ عليك إعراضهم } (الأنعام:35).

وقوله تعالى: { إلا على الخاشعين } الخاشع هنا هو من ذلل نفسه وضبط شهوتها بضوابط الشرع الحنيف، فتصبح النفس حينئذ مطاوعة لأمر الله، راغبة في أمره وراهبة من نهيه، وهذا الوصف في الآية يشبه ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: ( لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه ) رواه الترمذي و أحمد ؛ والمعنى على ما تقدم: أن الاستعانة بالصبر والصلاة ليس بالأمر اليسير على الأنفس، بل هو خاص بالنفوس الخاضعة لطاعته سبحانه، والمصدقة بوعده، والخائفة من وعيده .

على إن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل وتهديدهم، بيد أن خطابها ليس خاصًا بهم وحدهم فحسب، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول أهل العلم، يُنبئك بهذا قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } (البقرة:153) وعلى هذا فإننا اليوم - نحن المسلمين - أولى الناس بوعي هذا الخطاب القرآني، والعمل به، خاصة بعد ما آل أمر الأمة إلى ما لا يخفى. نسأل الله التوفيق والعون والفرج والخاتمة بالحسنى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

لنا الله
11-10-2008, 09:13 AM
ولا تنازعوا فتفشلوا

ومضات :

ورد لفظ ( التنازع ) في القرآن الكريم في سبعة مواضع، وورد لفظ ( الفشل ) في أربعة مواضع، وجاء الربط بين اللفظين في ثلاثة مواضع، قوله تعالى: { حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر } (آل عمران:152) في وقعة أُحد؛ وقوله سبحانه: { ولو أراكهم كثيرًا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر } (الأنفال:43) وذلك في غزوة بدر؛ ثم قوله: { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } (الأنفال:46) ولنا مع هذه الآية الأخيرة وقفة .

والتنازع: التخالف والاختلاف والتخاصُمُ. والفشل: الوهن والإعياء والجبن وانحطاط القوة، مادية أو معنوية .

ويلاحظ أن الخطاب القرآني قد ربط بين هذه المعاني، ورتب بعضها على بعض؛ رَبْط النتيجة بسببها، وتَرَتُّبَ المعلول على علته؛ وهذا شأن منهج القرآن الكريم في كثير من آياته، التي تقرر قانونًا عامًا، لا يتبدل ولا يتغير، بل يجري على سَنَنٍ ثابت مطرد لا اختلال فيه ولا تبديل { فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا } (فاطر:43) .


في رحاب الآيه :
فقوله تعالى: { ولا تنازعوا فتفشلوا } إخبار واضح، ونهي جازم، وسنة ثابتة، يدل على أن الفشل والتراجع - على مستوى الأمة أو الأفراد - إنما مرجعه إلى التنازع والاختلاف؛ إذ العلاقة بين الأمرين علاقة تلازمية، كعلاقة السبب بالمسبَّب تمامًا، لا تتخلف إلا إذا تخلفت سُنَن الحياة الكونية، كأن تصبح قوة الجاذبية إلى السماء لا إلى الأرض !

وعلى ما تقدم، فإن النهي عن التنازع يقتضي الأمر بمنع أسباب التنازع وموجباته، من شقاق واختلاف وافتراق؛ والأمر بتحصيل أسباب التفاهم ومحصلاته، من تشاور وتعاون ووفاق .

ولما كان التنازع من شأنه أن ينشأ عن اختلاف الآراء والتوجهات، وهو أمر مركوز في الفطرة والجِبِلِّة البشرية، بسط القرآن القول فيه ببيان سيئ آثاره، ومغبة مآله، ورتب عليه في الآية هنا أمرين: الفشل { فتفشلوا } وذهاب القوة { وتذهب ريحكم } والفشل في الآية هنا على حقيقته، إذ يعني الفشل في مواجهة العدو ومدافعته؛ وذهاب الريح في الآية، كناية عن ذهاب القوة، والدخول في حالة الضعف والوهن .

وإنما كان التنازع مفضيًا إلى الفشل، لأنه يُثير التباغض والشحناء، ويُزيل التعاون والألفة بين النفوس، ويدفع بها إلى أن يتربص بعضها ببعض، ويمكر كل طرف بالآخر، مما يُطْمِع الأعداء فيها، ويشجعهم على النيل منها، ويجرئهم على خرق حرماتها، واختراق محارمها. وكم أُتيت أمة الإسلام على مر تاريخها - القديم والحديث - من جهة التنازع والتباغض، مع وضوح النص وصراحته في النهي عن هذا .

ومن ثَمَّ، جاء صدر الآية آمرًا بطاعة الله ورسوله، إذ بطاعتهما تُتلاشى أسباب التنازع والاختلاف، وبالتزام أمرهما تتجمع أسباب النصر المادي والمعنوي؛ فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وحين يكون الهوى المطاع هو الموجِّه الأساس للآراء والأفكار، فإذا استسلم الناس لأمر الله ورسوله، وجعلوا أهواءهم على وَفْق ما يحب الله ورسوله انتفى النزاع والتنازع بينهم، وسارت الأمور على سَنَنِ الشرع الحنيف، وضُبطت بأحكامه وتوجيهاته .

على أنَّه من المهم هنا حمل ( الفشل ) في الآية على معنى أعم وأوسع، بحيث يشمل الفشل في أمور الحياة كافة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث لا يقتصر الفشل على ساحات الوغى والقتال فحسب - كما هو السبب الذي وردت لأجله الآية الكريمة - وهو معنى لا تأباه اللغة، ولا يمنعه الشرع؛ وهذا أولى بفهم الآية، كما يُعلم ذلك مِن تتبُّع مقاصد القرآن، وكلياته الأساسية .

وحاصل القول في الآية: أن الاختلاف والتنازع عاقبته الفشل والخسران، وأن التعاون والوفاق سبب للفوز والنجاح في الدنيا والآخرة؛ والقارئ لتاريخ الأمم والشعوب - بما فيها تاريخ أمتنا الإسلامية - لا يعجزه أن يقف على العديد من الأحداث والشواهد والمشاهد - وعلى المستويات كافة - التي تصدق ما أخبر به القرآن الكريم. وصدق الله إذ يقول: { واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا } (آل عمران:103) فهل يعمل المسلمون بهذا الأمر الإلهي، أم ما زالوا عنه غافلين ؟ نسأل الله أن يوفق هذه الأمة لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين .

لنا الله
14-10-2008, 12:11 AM
"ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم ؟!"



ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم ؟!
يالها من آية عظيمه وياله من نداء تهتز له القلوب وتقشعر منه الأبدان.
يوم ينادى عليك أيها الإنسان الفقير الضعيف ماغرك بربك الكريم ؟
ماالذي خدعك حتى عصيت الواحد القهار ؟
ماالذي خدعك فاقترفت الآثام بالليل والنهار؟
ماالذي خدعك ففرط في حدود الله ؟
ماالذي خدعك فتهاونت في الصلاة ؟
ماالذي خدعك فأطلقت بصرك في الحرام ؟
ماالذي خدعك فلم تخش الله كما كنت تخشى الأنام ؟
أهي الدنيا؟ أما كنت تعلم أنها دار فناء؟ وقد فنيت!
أهي الشهوات؟ أما تعلم أنها إلى زوال؟ وقد زالت!
أم هو الشيطان ؟ أما علمت أنه لك عدو مبين ؟
إذن ماالذي خدعك ؟ أجب ...أجب ... لاعذر اليوم.
لا إله إلا الله ...
أخي الحبيب .. أرأيت ؟ إنها لآية عظيمة وتذكرة مبينة لمن وعاها... كررها بينك وبين نفسك .. قم بها في جوف الليل إذا هجع الأنام وغارت النجوم كررها في ركعتين تلذذ فيهما بمناجاة ربك وكرر ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكلام وتمثل نفسك ماذا تجيب ، تذكر ذنوبك وابك على تفريطك .
أخي الحبيب ... تخيل معي هذا المنظر كأنك تراه واعلم أنه واقع لامحالة وتخيل هذا المشهد المهيب:
إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت، علمت نفس ماقدمت وأخرت، ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ماشاء ركبك.
وإلى اللقاء مع وقفة أخرى في ظلال آية.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

لنا الله
15-10-2008, 05:43 PM
"قل إن كان آبائكم وأبنائكم..... أحب إليكم من الله ورسوله"



يقول الله تعالى : " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين "

كلما اقرأ هذه الآية أشعر بالخوف والرهبة من هذا الوعيد الشديد. واسأل نفسي هل حبي لله ورسوله وللجهاد في سبيل الله أكبر من حبي لهؤلاء الذين جاء ذكرهم في الآية : الآباء والأبناء والإخوان والزوجة والعشيرة ؟ أرد وأقول نعم إننى أحب الله ورسوله وأحب الجهاد أكبر ولكن هل هذا هو فعلاً واقع الأمر أم أنه مجرد إدعاء؟

هنا تكمن المشكلة ويكمن الخطر الداهم الذي ربما يكون سبباً في تحقق وعد الله فينا : فتربصوا حتى يأتي الله بأمره !

أيها الأخوة ... كيف نحب الله تعالى ورسوله ؟ يقول العلماء اعرف الله حتى تحبه . فكلما زادت معرفة العبد بربه زاد حبه له. وكلما فكر في نعم الله عليه قوي حبه لربه لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها. وإذا أردنا أن نعرف كيف يأتي حب الله في قلوبنا فلننظر كيف جاء حب الدنيا في قلوبنا. لقد تمكن حب الدنيا من قلوبنا بسبب انشغالنا بذكرها آناء الله وأطراف النهار حتى تعلقت قلوبنا بزخرفها وزينتها ومباهجها فتمكن حبها من قلوبنا.... مجالسنا تدور الأحاديث فيها حول الدنيا وطرق تحصيلها وأنواع متاعها والجديد من أخبارها وفي المقابل لانذكر الله إلا قليلاً ، كم من أوقاتنا أمضيناه مع كتاب الله وتدبر آياته وتدارس تفسيره ؟ وكم من الوقت أمضيناه في استعراض سير الأنبياء والصالحين وحياة الزهاد والعباد من الصحابة والتابعين ؟ وكم من الوقت أمضيناه في التفكر في نعيم الجنة وحياة القبر والآخرة ... قارن هذا بهذا تجد الجواب ساطعاً سطوع الشمس في رابعة النهار. فهل بعد هذا نلوم أنفسنا لماذا تتعلق بالدنيا وتزهد في الآخرة وتؤثر متاعها الزائل على حب الله ورسوله والدار الآخرة ؟ هل نلوم أنفسنا بعد ذلك لماذا لاتحب قيام الليل ولاتشتاق إلى الجهاد ولاتحب الإنفاق في سبيل الله ولا قراءة القرآن ولاولاولا ...من أعمال الخير.

إنها الدنيا .. لايتمع حبها مع حب الآخرة في قلب واحد لذا حذرنا منها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كثيرا ، من ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلاتنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تتنظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك . رواه البخاري وقال عيسى بن مريم عليه السلام: الدنيا قنطرة فاعبروها ولاتعمروها. وفي الترمذي عن سهل بن سعد الساعدي قال: كنت مع الركب الذين وقفوا على السخلة الميته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا: ومن هوانها ألقوها يارسول الله. قال فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها.

نأسى على الدنيا وما من معشر .............. جمعـتهم الدنيـا فلم يتفـرقوا

أين الأكاسـرة الجبابـرة الألى .............. كنزوا الكنوز فما بقين ولابقوا

من كل من ضاق الفضاء بجيشه .............. حتى ثوى فحـواه لحد ضيق

فالموت آت والنفـوس نفـائس ............... والمستغر بما لديه الأحمـق

اللهم اجعلنا من حزبك المفلحين وعبادك الصالحين الذين أهلتهم لخدمتك وجعلتهم ممن قبلت أعمالهم وأصلحت نياتهم وأحسنت آجالهم يارب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وإلى اللقاء في ظلال آية أخرى من كتاب الله.

لنا الله
17-10-2008, 11:18 PM
"ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون"

في رحاب الآيه :


يقول الله تعالى : " ولاتحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. مهطعين مقنعي رؤوسهم، لايرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء.".
آية تهديد ووعيد ولكن ما أعظم مافيها من شفاء لقلوب المظلومين وتسلية لخواطر المكلومين، فكم ترتاح نفس المظلوم ويهدأ خاطره حينما يسمع هذه الآية ويعلم علم اليقين أن حقه لن يضيع وأنه سوف يقتص له ممن ظلمه ولو بعد حين. وأنه مهما أفلت الظالم من العقوبة في الدنيا فإن جرائمه مسجله عند من لاتخفى عليه خافيه ولايغفل عن شئ . والموعد يوم الجزاء والحساب، يوم العدالة، يوم يؤخذ للمظلوم من الظالم، ويقتص للمقتول من القاتل " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لاظلم اليوم" ولكن الله يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار" أي تبقى أبصارهم مفتوحة مبهوتة، لاتتحرك الأجفان من الفزع والهلع، ولاتطرف العين من هول ماترى، "مهطعين مقنعي رؤوسهم رؤوسهم، لايرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء" أي مسرعين لايلتفتون إلى شئ ممن حولهم، وقد رفعوا رؤوسهم في ذل وخشوع لايطرفون بأعينهم من الخوف والجزع وقلوبهم خاوية خالية من كل خاطر من هول الموقف. ماأعظم بلاغة القرآن وماأروع تصويره للمواقف حتى كأنك ترى المشهد ماثلاً أمامك.
أخي الحبيب تخيل وأنت تقرأ هذه الآية مصير الطغاة الظلمة ممن انتهكوا أعراض المسلمات وسفكوا دماء الأبرياء وقتلوا الأطفاء وشردوا النساء ، وهدموا المساجد والمنازل تذكر من عاثوا بأرض البوسنة والهرسك والشيشان الفساد ومن أذاقوا أخواننا في فلسطين صنوف العذاب والقهر والظلم ، وتذكر الطغاة الذين يعذبون الدعاة في السجون ويسيمونهم سوء العذاب من أجل أنهم قالوا ربنا الله، تذكر أن الله فوقهم وأنه سوف يقتص منهم وسيرينا فيهم مايثلج صدورنا إن شاء الله ويتحقق لنا موعود ربنا تبارك وتعالى إذ يقول:" فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الآرائك ينظرون ،هل ثوب الكفار ماكانوا يفعلون".
اللهم اغفر ذنوبنا ويسر أمورنا واستر عيوبنا وآمن روعاتنا واغفر زلاتنا ، وانصرنا على أعدائنا، وثبتنا على دينك ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

لنا الله
19-10-2008, 07:29 PM
"إن الله وملائكته يصلون على النبي"


قال الله تعالى: (( إن الله وملائكته يصلون على النبي ، ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ))


في رحاب الايه


اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد
روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة. حديث حسن
وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : : إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا يارسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال يقول : بليت قال "إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء" رواه أبوداؤد بإسناد صحيح
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رغم أنف رجلٍ ذكرت عنده فلم يصل عليَ" رواه الترمذي وقال: حدبث حسن
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاتجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" رواه أبوداؤد بإسناد صحيح
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مامن أحدٍ يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام" رواه أبوداؤد
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البخيل من ُذكرت عنده فلم يصل علي" رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح
وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة رضي الله عنه ، فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، والسلام كما قد علمتم" رواه مسلم

فالله الله أخي الحبيب في هذا الفضل العظيم في هذا الذكر البسيط الذي يوجب قرب المنزلة من النبي الحبيب محمد صلى الله عليه . وسلم في الجنة. والحذر الحذر من البخل الذي يتمثل في عدم الصلاة على الحبيب عند ذكره عليه الصلاة والسلام . ولعل من المفيد أن نذّكر بأن معتى الصلاة من الله تعالى الرحمه ومن العباد الدعاء

اللهم أكسبنا حبك وحب نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأرزقنا مرافقته في الجنة . اللهم وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لاتخلف الميعاد

لنا الله
20-10-2008, 12:55 PM
اقرأ وربك الأكرم


مقدمة


الآيات الخمس الأُوَل من سورة ( العلق ) أول ما نزل من القرآن، في قول أكثر المفسرين، نزل بها جبريل الأمين على النبي خاتم المرسلين، عليه الصلاة وأتم التسليم، وهو قائم في غار حراء يتعبد .

ومع أن هذا النص القرآني الكريم قد صِيغَ بعبارات وجيزة، وكلمات بليغة، غير أنه تضمن من الحقائق والمعاني الكثير، وهو ما نحاول بسط القول فيه في هذه السطور:

روى البخاري في "صحيحه" عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة، فجاءه المَلَك، فقال: { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم } (العلق:1-3) .

وافتتاح السورة بكلمة { اقرأ } إيذان بأنه صلى الله عليه وسلم سيكون قارئًا، ومن ثَمَّ هو خطاب لأمته من بعده لتقوم بهذا الأمر الذي هو مفتاح كل خير .

ويُلْحظ في الآيات الكريمة تكرار لفظ { اقرأ } مرتين، ولهذا التكرار وظيفته في الخطاب القرآن، وهو يدل هنا على أمرين اثنين، يفيدهما السياق الذي وردت فيه الآيات:

الأول: ارتباط القراءة والأمر بها بنعمة الخلق والإيجاد؛ وهذا مستفاد من قوله سبحانه: { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق } .


في رحاب الآيه


والثاني: ارتباط القراءة بنعمة الإمداد والإكرام، وهذا مستفاد من قوله تعالى: { اقرأ وربك الأكرم } .

والمعنى وَفق هذا الارتباط المشار إليه: أن الذي خلق الإنسان يأمره بالقراءة؛ لأنها حق الخالق، إذ بها يُعرف؛ وإن ممارسة هذه القراءة هي صورة من صور الشكر للخالق، لأنها قراءة لاسمه، وباسمه، ومع اسمه { اقرأ باسم ربك الذي خلق } إذ إن غاية القراءة معرفة الله تعالى، ووسيلتها النظر والتحري في آياته سبحانه المقروءة والمنشورة .

ثم إن ( الواو ) في قوله سبحانه: { اقرأ وربك الأكرم } أقرب ما تكون إلى معنى المعية، ذلك أن القارئ باسم الله لا يقرأ وحيدًا دون مساعدة، ومعونة ربانية، وإنما يقرأ بعين وعون من الله سبحانه { اقرأ وربك الأكرم } فهو معك يُعينك، يهديك، يصنعك { ولتصنع على عيني }(طه:39) وكرمه سبحانه من رحمته، وهذه الرحمة تتجلى في نعمة التعليم بعد الخلق، وهكذا تتلازم صفتا العلم والرحمة منذ بداية الوحي القرآني إلى منتهاه .

وإذا كان المعنى الأصلي للقراءة الجمع، فهي إذن قراءة جامعة لكل الخير والبر والإحسان والعرف والمعروف والصدق والحق والهدى والنور والرشاد في القرآن .

ثم إن الأمر بالقراءة جاء عامًا في الموضعين من السورة الكريمة، دون تحديد لطبيعة المقروء، وقد ذهب المفسرون إلى حصر المفعول بالقرآن، على معنى: اقرأ ما أُنزل عليك من القرآن؛ وإذا صح لنا الأخذ بعموم اللفظ، جاز لنا القول: إن الأمر بالقراءة يفيد قراءة كتاب الله المسطور ( القرآن ) وكتاب الله المنشور ( الأكوان ) .

واعلم - أخي الكريم - أن للعلماء توجيهات وآراء في معنى الباء الواردة في قوله تعالى: { باسم ربك } نمسك عن الخوض فيها، إذ ليس المقام مقامها .

ويحسن القول هنا: إن الأمر بالقراءة ابتداء يجب اعتباره أهم وأكبر مفصل من مفاصل التاريخ البشري، ولهذا دلالته في تاريخ الأمم والشعوب، كما لا يخفاك .

وأنت عليم أن القراءة في كتاب الله المسطور، لا تنفصل في وجودها وأهميتها عن الكتابة، التي احتوتها آيات أُخر من كتاب الله المجيد، وهي قوله تعالى: { ن والقلم وما يسطرون } (القلم:1) فإذا كانت آيات سورة العلق فيها دعوة للقراءة، وحث عليها، لكشف آيات الله في الآفاق والأنفس، فإن آية سورة القلم فيها بيان وتعظيم لوسيلة القراءة وما به تكون، وكلاهما معًا طريق لمعرفة الخالق سبحانه وتعالى .

وختامًا: فإننا أمة قد نسيت أو تناست القراءة منذ زمن، وقد طال هذا النسيان، ونسيانها أو تناسيها مرض مزمن معقد حار الأطباء - على اختلاف اختصاصاتهم - في تشخيصه، فكيف في إيجاد العلاج له ؟ فهل إلى خروج من سبيل ؟!

لنا الله
21-10-2008, 09:09 PM
مصير أعمال الكافرين


( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار )

( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب * أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور)


في رحاب الآيات


فهاتان الآيتان تضمنتا مثلين، يتعلقان بأعمال الكفار؛ وبيان أن تلك الأعمال لا قيمة لها عند الله، ولا وزن لها يوم الحساب، بل هي أعمال خاسرة؛ لأنها لم تؤسس على تقوى من الله ورضوان، ولم تأت على وفق ما شرع الله .

فشبه سبحانه في المثل الأول أعمال الكافرين بالسراب الذي يبدو للظمآن من بعيد في الصحراء الجرداء القاحلة، حيث يحسب الظمآن ذلك الشراب ماء، فيلهث إليه مسرعاً؛ أملاً في الوصول إليه، لينال منه بغيته، ويطفئ به ظمأ جوفه، بيد أنه لا يلبث أن يتحقق بعد ذلك الجري الحثيث، واللهاث الشديد، أن ما ظنه ماء لم يكن في الحقيقة سوى سراب، لا يروي جوفاً، ولا يطفئ ظمأ، فخاب ظنه، وضاع سعيه، وأخذته الحسرة من كل جانب. وهكذا أعمال الكفار، يحسب أصحابها أنها نافعة لهم، مغنية عنهم شيئاً، حتى إذا كان يوم الجزاء والحساب خانتهم تلك الأعمال، وهم أحوج ما يكونون إليها؛ لأنها في الحقيقة أعمال خاسرة بائرة، لا تنفع أصحابها في شيء؛ فهي إما أنها فاقدة لعنصر الإخلاص لله، وإما أنها فاقدة لعنصر الصواب، وهما شرطا صحة قبول الأعمال عند الله سبحانه. وهكذا حال كل صاحب باطل، فإنه يخونه باطله أحوج ما يكون إليه، فإن الباطل لا حقيقة له، وهو كاسمه باطل، لا يعني شيئاً، ولا يساوي شيئاً، ولا يغني من الحق شيئاً .

وهذا التمثيل في الآية شبيه بقوله تعالى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } (الفرقان:23) .

وقد جاء في "الصحيحين" في حديث طويل، وفيه: (... إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: تتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى من كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله بر أو فاجر وغبرات أهل الكتاب، فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيراً بن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ فقالوا؟ عطشنا ربنا فاسقنا، فيشار، ألا تردون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: من كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح بن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون، فكذلك مثل الأول... ) الحديث .

وفي المثل الثاني، يشبه سبحانه أعمال الكفار بحال من وُجد في بحر عميق لا ساحل له، فهو في وسط ظلمات ثلاث: ظلمة البحر العميق من تحته، وظلمة الأمواج العاتية من حوله، وظلمة السحاب المنذر بالمطر من فوقه، بحيث إنه لا يستطيع أن يرى يده، وهي أقرب شيء من ناظريه. والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه، فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من فوقه زاد الخوف شدة، لأنها تستر النجوم التي يهتدي بها من في البحر، ثم إذا أمطرت تلك السحاب وهبت الريح المعتادة في الغالب عند نزول المطر تكاثفت الهموم وترادفت الغموم. فهو يعيش في ظلام دامس، تنعدم فيه الرؤية، ويعاني من الخوف والمرارة والألم ما لا يطاق. وهذا حال أهل الكفر والضلال، فهم يعيشون وسط ظلمات ثلاث؛ ظلمة الكفر، وظلمة الجهل، وظلمة الضلال، فهم كافرون بخالقهم ورازقهم، لا يعترفون له بعبودية، وهم جاحدون بأنعم الله عليهم، لا يقرون له بفضل ولا نعمة، وهم ضالون عن سواء السبيل، لا يعرفون إلى الحق طريقاً، ولا يهتدون إلى الخير سبيلاً، وهم تائهون في هذه الحياة، لا يدرون أين يسيرون، ولا يعلمون إلى أي اتجاه يتجهون .

على أنه ليس هناك ما يمنع من أن يكون هذان المثلان صفتين لموصوف واحد، فهما ينطبقان على كل كافر؛ أو أن يكون كل مثل مضروباً لبيان حال طائفة من الكفار؛ فيكون المثل الأول مضروباً للمبتدعين من أئمة الضلال والداعين إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في حقيقة الأمر على شيء. والثاني مضروباً للأتباع والمقلدين على غير هدى وبصيرة. وهذا ما ذهب إليه ابن كثير في توجيه هذين المثلين .

أو أن يكون المثل الأول مضروباً لبيان حال الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة، بل على جهل وعماية وحسن ظن بالأسلاف، فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وهم ليسوا كذلك. وأصحاب المثل الثاني، هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل على الحق، وعموا عنه بعد إذ أبصروه، وجحدوه بعد أن عرفوه. وهذا ما ذهب إليه ابن القيم .

وهكذا يضرب لنا سبحانه مثلين لبيان حال المعرضين عن نور الحق، وهدي الإيمان، الذين يحسبون أنهم على شيء، وهم في الحقيقة ليسوا على شيء، فأعمالهم لا قيمة لها في ميزان الحق، كما وصفهم سبحانه وتعالى بقوله: { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } (الكهف:104) .

لنا الله
23-10-2008, 07:43 PM
ولا تتمنوا ما فضل الله به


خلق سبحانه عباده ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، فالبلاء والابتلاء من السنن التي أقام الله عليها هذه الحياة، وحياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها ابتلاء بالخير، أو ابتلاء بالشر، قال تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون } (الأنبياء:35) .

ومن مظاهر هذا الابتلاء، أن خلق سبحانه عباده على درجات متفاوتة، وقسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات؛ فجعل منهم الغني والفقير، والعالم والجاهل، والقوي والضعيف، والصحيح والسقيم، والسعيد والشقي .

ولعلم الله سبحانه بطبيعة النفس البشرية، وأنها تتطلع وتتشوف لما يكون عليه الآخرين من خيرية وأفضلية، فقد طلب سبحانه من عباده أن لا يطاوعوا النفس فيما تشتهي وتتمنى، فنهاهم سبحانه عن تمني ما بأيدي الآخرين من خير وفضل، فقال سبحانه: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله } (النساء:32) .


ولعلم الله سبحانه بطبيعة النفس البشرية، وأنها تتطلع وتتشوف لما يكون عليه الآخرين من خيرية وأفضلية، فقد طلب سبحانه من عباده أن لا يطاوعوا النفس فيما تشتهي وتتمنى، فنهاهم سبحانه عن تمني ما بأيدي الآخرين من خير وفضل، فقال سبحانه: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله } (النساء:32) .

وتخبرنا كتب التفسير وأسباب النـزول بعدة روايات، نزلت بسببها هذه الآية؛ من ذلك ما رواه مجاهد عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله ! يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث ! فنـزلت: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن }، ونزل أيضًا: { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } (الأحزاب:35)، رواه الترمذي .

وعن ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا نبي الله ! للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة ؟ فأنزل الله: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن }. رواه ابن أبي حاتم .

وروى الواحدي عن عكرمة ، أن النساء سألن الجهاد، فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو، فنُصِيبُ من الأجر ما يصيب الرجال، فأنزل الله تعالى: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } .

وروى الواحدي أيضًا عن قتادة و السدي ؛ أنه لما نزل قوله سبحانه: { للذكر مثل حظ الأنثيين } (النساء:11)، قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء؛ وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله تعالى: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } .

هذا حاصل ما نزل من أسباب نزول هذه الآية؛ وهي في مجموعها تدل على أن الآية وردت بسبب تمني بعض النساء ما فضل الله به الرجال عليهن، من جهاد وغيره .

وعلى ضوء أسباب النـزول لهذه الآية لكريمة، فقد قال المفسرون في معناها ما يفيد نهي المؤمنين أن يتمنى بعضهم ما فضل الله به غيره من الأمور. فلا تتمنى النساء خصائص الرجال، ولا يتمنى الفقير وذو الحاجة، ما لدى الغني من مال وجاه؛ لأن هذا هو الحسد بعينه، وهو أن تتمنى لنفسك النعمة التي أنعم الله بها على غيرك، وأن تتمنى في الوقت نفسه زوالها عنه. وإنما نهى الشرع عن هذا السلوك، وذمه غاية الذم؛ لأنه يقتضي السخط على ما قسمه الله للإنسان، ولأنه أيضًا يتضمن الركون إلى الكسل والدعة، والتمني على الله الأماني، التي لا يقترن بها عمل ولا سعي، وقد قال تعالى: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه } (المُلك:15). وإنما المحمود والمطلوب أمران؛ الأول: أن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه في الدنيا والآخرة؛ والثاني: أن يسأل الله من فضله، فلا يتكل على نفسه، ولا يعتمد على غيره، وإنما يفوض أمره إلى الله، فهو حسبه، وهو كافيه .

وهذا هو الذي أرشدت إليه الآية في شطرها الثاني، حيث فتحت الباب واسعًا أمام العباد، ليطلبوا من فضل ربهم الذي لا ينفد، ومن عطائه الذي لا ينتهي، فقال تعالى: { واسألوا الله من فضله } .

وإذا أجلنا الطرف في واقع المسلمين اليوم، لنرى مقدار تمثلهم لهذه الآية، وجدنا واقع بعضهم بعيدًا كل البعد، عما نهت عنه هذه الآية، وعما أرشدت إليه؛ فأصبحنا نرى هؤلاء البعض { يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله } (النساء:54)، وأصبح لسان حال هذا البعض يقول: { يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم } (القصص:79)، وأصبح الرضا بما قسم الله أمرًا عزيزًا، وحالة نادرة في واقع هذا البعض من المسلمين .

والأمر الذي يجدر التنبيه إليه في هذا المقام، أن النهي الوارد في الآية الكريمة، إنما يتعلق بما يكون من زخرف الحياة الدنيا وزينتها، كالأموال والجاه والقصور الفاخرة، والمراكب الفارهة، والنساء الجميلات؛ أما تمني ما عند الغير من أمور الآخرة، كتمني الإنسان أن يكون على درجة من العلم الشرعي، كدرجة أهل العلم، أو أن يكون على طاعة، كطاعات أهل القربات، ونحو ذلك من أمور العبادات، فهذا أمر لا يدخل في النهي، بل هو أمر مطلوب، ومسلك محمود؛ يرشد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق؛ ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها )، متفق عليه؛ وفي رواية ثانية: ( لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله هذا الكتاب، فقام به آناء الليل وآناء النهار؛ ورجل آتاه الله مالاً فتصدق به آناء الليل وآناء النهار )، متفق عليه. وليس ( الحسد ) في الحديث هو الحسد المذموم، والذي هو تمني زوال النعمة عن الغير، وإنما هو حسد ( الغبطة ) وهو أن يتمنى الإنسان أن يحصل له ما هو حاصل لغيره من نعمة، من غير أن يتمنى زوال تلك النعمة عن الغير .

وأخيرًا، فإن على المسلم الحق، أن يعلم علم اليقين، أن التفضيل بين العباد قسمة من الله سبحانه، صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح لهم من هذا الأمر، أو ذاك، وما يدري الإنسان الخير له، فيمَ يكون ؟ أفي الفقر أم في الغنى، وفي البسط في الرزق أم في المنع منه، وقد قال سبحانه: { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } (الشورى:27). فعلى كل مسلم أن يرضى بما قسم الله له، وأن يعلم أن المصلحة فيما قسم الله للإنسان، والمفسدة فيما كان خلاف ذلك، ولا ينبغي للمسلم، أن يحسد أخاه المسلم على ما أتاه الله من فضله، وليسأل الله من فضله العظيم؛ وقد كان ابن سيرين إذا سمع الرجل يتمنى في الدنيا، قال: قد نهاكم الله عن هذا: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض }، ودلكم على ما هو خير منه: { واسألوا الله من فضله } .

لنا الله
25-10-2008, 01:41 PM
سبب نزول قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم}


ذكر سبحانه في سورة الحشر ثلاثة أصناف من أهل الإيمان: المهاجرين، والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، مبينًا فضلهم ومكانتهم، ومثنيًا عليهم بما هم له أهل؛ ومما جاء في فيهم قوله تعالى: { والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } (الحشر:9)، والمقصود في الآية الأنصار الذين ناصروا رسوله صلى الله عليه وسلم عند هجرته إلى المدينة .



وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أكثر من رواية، أصحها ما رواه البخاري و مسلم ، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصابني جوع، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: من يضيف هذا الليلة رحمه الله، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فاصطحبه إلى بيته، فقال لامرأته: هل عندك شيء قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فدعيهم يتلهون بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة )؛ وفي رواية البخاري : فأنزل الله قوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة }. وقد جاء في بعض الروايات، أن الصحابي الذي استضاف ذلك الرجل هو أبو طلحة رضي الله عنه .



هذا أصح ما ثبت من روايات لأسباب نزول هذه الآية الكريمة، وهي تبين ما كان عليه الأنصار رضي الله عنهم من حب لإخوانهم المهاجرين، فكانوا يعطونهم أموالهم؛ إيثارًا لهم بها على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة وفقر إلى ما بذلوا من أموال .



وقد وردت أخبار وأحاديث تبين مظاهر الإيثار التي كان عليها الأنصار رضي الله عنهم؛ من ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" قال: لما قدم المهاجرون المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن الربيع ، فقال سعد لـ عبد الرحمن : إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك، فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها .



وفي البخاري أيضًا أن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم أراضي البحرين على الأنصار، فقالت الأنصار: حتى تقسم لإخواننا من المهاجرين، مثل الذي تقسم لنا .



وروى الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه، قال: قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المأكل والمشرب والمنكح، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ( لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم ) .



وكان المهاجرون بعد هجرتهم من مكة، قد نزلوا في دور الأنصار، وواسوهم في أموالهم ونسائهم؛ فلما غنم عليه الصلاة والسلام أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم. ثم قال: إن أحببتم قسمت ما فتح الله علي من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دونكم. فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: بل نقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا، كما كانوا. ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار ). وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئًا، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة .



وقد روى الطبري في "تفسيره" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم، فقالوا: أموالنا بينهم مقاسمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أو غير ذلك؟ ) قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: ( هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر )، فقالوا: نعم يا رسول الله .



لأجل هذه المواقف التي وقفها الأنصار من أخوانهم المهاجرين، فقد أوصى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الخليفة بعده بالأنصار، فقال: ( ... وأوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم ) رواه البخاري .



وهنا لنا وقفة تتعلق بقوله تعالى: { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا }، فقد ذكر ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، حديثًا رواه الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس ، قال: كنا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة )، فطلع رجل من الأنصار تقطر لحيته من وضوئه، قد حمل نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقال: إني خاصمت أبي، فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثة أيام، فإن رأيت أن تؤويني إليك تلك الأيام فعلت، قال: نعم .



قال: فبت معه تلك الليالي الثلاث، فلم أره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه كان إذا استيقظ من نومه، ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، ولم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الليالي الثلاث، وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله !لم يكن بيني وبين أبي خصام ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات: ( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة )، فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوي إليك، لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله: فهذه التي بلغت بك، وهي التي لا تطاق.



وقد ساق كثير من المفسرين هذا الحديث عند تفسيرهم لقوله تعالى: { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا }، وصلة هذا الحديث بسبب النـزول، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم للمهاجرين ما فتح الله عليه من أموال بني النضير، دون الأنصار، كان من الممكن أن يكون ذلك سببًا دافعًا لإثارة الحسد في نفوسهم، فبين سبحانه سلامة صدور الأنصار تجاه أخوانهم المهاجرين خاصة، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث أهمية سلامة الصدر تجاه الآخرين عامة .



ومن خلال هذه الآية، وسبب نزولها، يمكن إدراك أهمية صفة الإيثار في حياة المجتمع المسلم؛ الأمر الذي ينعكس على تطور المجتمع وتقدمه لما فيه خيره في الدنيا والآخرة؛ وبالمقابل بينت الآية الكريمة أثر صفة الشح على حياة المجتمع؛ وما يؤدي إليه من التباغض والتحاسد وتقطيع روابط الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع .

لنا الله
26-10-2008, 09:31 PM
آيات ظاهرها التعارض


{ نسوا الله فنسيهم }



من الثابت في أصول العقيدة الإسلامية أن الله سبحانه وتعالى متصف بصفات الكمال، ومنـزَّه عن صفات النقص، وقد قال تعالى مقررًا هذه العقيدة غاية التقرير: { ليس كمثله شيء } (الشورى:11)، وقال سبحانه أيضًا: { أفمن يخلق كمن لا يخلق } (النحل:17)؛ والعقل يقتضي كذلك، أن الخالق غير المخلوق .

وقد وردت في القرآن الكريم بعض الآيات، تتحدث عن نسبة النسيان لله سبحانه، من ذلك قوله تعالى: { نسوا الله فنسيهم } (التوبة:67)؛ وبالمقابل، فقد وردت آيات أخرى، تنفي عنه سبحانه صفة النسيان، كقوله عز وجل: { وما كان ربك نسيا } (مريم:64) .

وقد يبدو للوهلة الأولى، أن بين الآيتين تعارضًا؛ فكيف السبيل لرفع ما يبدو من تعارض ظاهر ؟


لقد أجاب أغلب المفسرين عن هذا التعارض، بأن قالوا: إن النسيان يطلق على معنيين؛ أحدهما: النسيان الذي هو ضد الذكر ومقابل له، وهو الحالة الذهنية التي تطرأ على الإنسان، فتغيِّب عن ذاكرته بعض الأمور؛ ثانيهما: يطلق النسيان ويراد به ( الترك )؛ قالوا: والنسيان بمعنى ( الترك ) مشهور في اللغة، يقال: أنسيت الشيء، إذا أمرت بتركه؛ ويقول الرجل لصاحبه: لا تنسني من عطيتك، أي: لا تتركني منها.

وبناء على هذا المعنى الثاني للنسيان، وتأسيسًا عليه، وجهوا قوله تعالى: { نسوا الله فنسيهم }، فقالوا: إن الآية جاءت على أسلوب المشاكلة والمقابلة والمجاراة، وهو أسلوب معهود في كلام العرب، بحيث يذكرون الشيء بلفظ غيره؛ لوقوعه في صحبته؛ وبحسب هذا الأسلوب، جاء قول عمرو بن كلثوم في معلقته المشهورة:

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

فسمى جزاء الجهل جهلاً؛ مصاحبة للكلام، ومشاكلة له .

ومنه قول جحظة البرمكي ، وقد دُعي إلى طعام في يوم بارد، وكان لا يجد ثوبًا يقيه ألم البرد، قال:

قالوا: اقترح لونًا يجاد طبخه قلت: اطبخوا لي جبة وقميصًا

فعبر الشاعر عن حاجته لما يقيه ألم البرد بفعل الطبخ، وإنما فعل ذلك مجارة ومشاكلة لمقدم الكلام .

وعلى هذا الأسلوب جاء القرآن أيضًا، كما في قوله تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } (الشورى:40)؛ إذ من المعلوم أن السيئة الأولى من صاحبها سيئة؛ لأنها معصية من فاعلها لله تبارك وتعالى، أما الثانية فهي عدل منه تعالى، لأنها جزاء من الله للعاصي على معصيته، فالكلمتان وإن اتفقتا لفظًا، إلا أنهما اختلفتا معنى؛ فالأولى على الحقيقة، والثانية على المقابلة .

ومن هذا الباب أيضًا، قوله تعالى: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } (البقرة:194)، فالعدوان الأول ظلم، والثاني جزاء لا ظلم، بل هو عين العدل، لأنه عقوبة للظالم على ظلمه، وإن وافق لفظه لفظ الأول .

وجريًا على هذا الأسلوب جاء قوله تعالى: { نسوا الله فنسيهم }، أي: تركوا طاعة الله، وأعرضوا عن اتباع أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته .

قال أهل التفسير، وعلى هذا التوجيه يُفهم كل ما في القرآن من نظائر ذلك؛ كقوله تعالى: { يخادعون الله وهو خادعهم } (البقرة:142)، { ومكروا ومكر الله } (آل عمران:54)، وقوله سبحانه: { ويمكرون ويمكر الله } (الأنفال:30)؛ فليس المقصود من هذه الآيات، وصفه سبحانه بالخداع والمكر، فالله سبحانه منـزه عن مثل هذه الصفات وما شابهها، وإنما المراد من هذا الأسلوب المجاراة والمقابلة، على ما تقدم .

وحمل ( النسيان ) في حقه تعالى على معنى ( الترك ) أمر متعين؛ إذ لا يستقيم في حقه سبحانه أن يوصف بالنسيان؛ لأن النسيان من صفات النقص في البشر، والله سبحانه موصوف بصفات الكمال والجلال، وهو منـزه عن صفات النقص .

وبحسب هذا التوجيه للآية، يمكننا أن نفهم قوله سبحانه: { فاليوم ننساهم } (الأعراف:51)، وقوله عز من قائل: { وكذلك اليوم تنسى } (طه:126)؛ فليس المقصود بالنسيان هنا المعنى الأول، وإنما المقصود منه المعنى الثاني، الذي هو معنى الترك .

وعلى هذا المعنى، يكون النسيان الوارد في قوله تعالى { نسوا الله }، هو النسيان المقصود والمتعمد، على معنى أنهم لم يأخذوا بأوامر الله، وتركوها وراء ظهورهم؛ ولذلك استحقوا الذم والعقوبة. بخلاف ما لو حُمل النسيان على المعنى المعروف، فإنهم لم يكونوا يستحقوا ذمًا ولا عقابًا؛ لأن النسيان - كعارض من العوارض البشرية - ليس في وسع البشر دفعه ولا منعه، بل هو من مقتضيات الطبيعة البشرية؛ ومن المعلوم شرعًا أن النسيان المعهود من البشر لا يحاسب عليه الإنسان، وإن كان لا يسقط به التكليف .

وختامًا نقول: إن قوله تعالى: { نسوا الله فنسيهم }، وما شابهه من آيات، لا يتعارض مع قوله سبحانه: { وما كان ربك نسيا } ونحوها من الآيات؛ إذ المراد من النسيان في الآية الأولى ( الترك )؛ أما النسيان في الآية الثانية، فالمراد منه معناه المعهود بين الناس، والآية نافية له في حق الله سبحانه .

لنا الله
28-10-2008, 05:29 AM
آيات ظاهرها التعارض


وردت في القرآن الكريم آية، قال عنها عليٌّ رضي الله عنه: ما في القرآن آية أوسع منها؛ وقال عنها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: هي أرجى آية في القرآن؛ إنها قوله تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } (الزمر:53) ففي هذه الآية يبين سبحانه أنه يغفر ذنوب عباده جميعها .



وبالمقابل وردت آية أخرى، يقول الله فيها: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } (النساء:48) وفي هذه الآية يخبر سبحانه أنه يغفر كل ذنب إلا الشرك به، وأنه يغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده ؟



وقد يبدو شيء من التعارض بين الآيتين الكريمتين؛ فقد ذكرت الآية الأولى أن الله يغفر الذنوب جميعًا، في حين أن الآية الثانية نفت أن يغفر الله ذنب من يشرك به، فكيف السبيل لإزالة ما يبدو من تعارض بين الآيتين ؟



لقد أجاب المفسرون على هذا التعارض الظاهر بين الآيتين بجوابين؛ الأول: أن قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } نص مطلق، قيدته نصوص أخرى تبين أن الله يغفر ذنوب عباده أيًا كانت إذا تاب العبد منها؛ من ذلك قوله تعالى: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا } (الفرقان:68-69)، فقد بين سبحانه في هاتين الآيتين أن الذي يدعو مع الله إلهًا آخر يلقى العذاب الأثيم، والمضاعف، والخلود في النار؛ ثم أخبر سبحانه بعد هاتين الآيتين مباشرة، أن العبد إذا تاب من كل الذنوب التي ارتكبها، بما فيها الشرك به، فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه، ويبدله بتلك الذنوب حسنات، يقول تعالى: { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } (الفرقان:70) فأوضحت هذه الآية أن التوبة مكفرة للذنوب، بما فيها الشرك، وهو أكبر الذنوب .

وقد وردت كثير من الأحاديث التي تخبر أن مغفرة الذنوب، بما فيها الشرك بالله، متعلقة بالتوبة منها، والإقلاع عنها؛ فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فأنزل الله قوله: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } وقوله: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } رواه البخاري و مسلم .



وهذا الحديث وما شابهه، يخبر أنه سبحانه يغفر جميع ذنوب عباده إذا تابوا منها، ويشير كذلك إلى أن على العبد ألا يقنط من رحمة الله مهما بلغت ذنوبه، فإن باب الرحمة والتوبة واسع ومفتوح .



فآية سورة الفرقان وهذا الحديث وما شابههما، بيَّنا أن قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ليس على إطلاقه، وإنما مقيد بالتوبة من الذنوب؛ فإذا تاب العبد منها غفر الله ما كان منه، ولو كان شركًا، أما إذا لم يتب العبد منها، فإن عاقبته تكون ما ذكره سبحانه من الخلود في النار .


والجواب الثاني للجمع بين الآيتين، أن قوله تعالى: { إن الله يغفر الذنوب جميعا } نص عام، خصصته نصوص أخرى تبين أن مغفرة الذنوب متعلقة بالتوبة منها؛ يوضح هذا اتفاق المسلمين على أن المشرك إذا مات على شركه، لم يكن مستحقًا للمغفرة التي تفضل الله بها على عباده، بقوله: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } .



ثم إن الآية التالية لآية الزمر، تؤكد هذا المعنى؛ فقد جاء بعد قوله تعالى: { إن الله يغفر الذنوب جميعا } قوله سبحانه: { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب } (الزمر:54) فهذه الآية دعت العباد إلى الرجوع إلى الله، والتسليم والاستسلام له في الأمر كله، لينالوا رضا الله سبحانه، وليأمنوا عذابه .



وهذا الجمع بين الآيتين هو الذي ذهب إليه أغلب المفسرين؛ حيث حملوا قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } على من مات وهو مشرك بالله، ومعنى الآية عندهم: إن الله لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، ويغفر ما دون ذلك من الذنوب. وقد جاء في الحديث، أن الله سبحانه يخاطب عباده، قائلاً: ( يا ابن آدم ! إنك لو أتيتني بذنوب كثيرة، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأبدلتك مكانها مغفرة ) رواه الترمذي .

لنا الله
30-10-2008, 04:56 PM
آيات ظاهرها التعارض


واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها؛ كيف لا وقد قال تعالى في محكم كتابه الكريم: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } (آل عمران:104) والأحاديث الثابتة في ذلك مستفيضة مشهورة .

لكن قد يُشكل على هذا الأصل ما جاء في سورة المائدة من قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } (المائدة:105) فقد يتبادر إلى الذهن أن ثَمَّة تعارض بين آية آل عمران - الموجبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وبين آية المائدة، والتي يدل ظاهرها على لزوم الإنسان أمر نفسه، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، كما قد يفهم منها البعض ذلك، وليس الأمر في الواقع كذلك، وليس ثَمَّة تعارض بين الآيتين، وفيما يلي بيان لما قد يبدو من تعارض:


الآية، وتتأولونها على غير تأويلها: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا أهتديتم } وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب ) رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .

قال ابن كثير في توجيه آية المائدة: وليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكنًا؛ ثم استدل على هذا التوجيه بالأحاديث الحاثَّة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده، لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنَّه فلا يستجيب لكم ) رواه أحمد .

وإذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي أن يتوهم من هذه الآية أنها رخصة للمسلمين في ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن جميع ذلك واجب بأدلة كثيرة، جاءت بها الشريعة؛ يوضح هذا أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى؛ ومن القيام بالقسط، الأخذ على يد الظالم. ومن التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

على أن آية المائدة نفسها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان ذلك من وجهين:

أولهما: أن قوله تعالى: { عليكم أنفسكم } معناه: ألزموا أنفسكم طاعة الله، وطاعة رسوله؛ ومن طاعة الله وطاعة رسوله القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

والوجه الثاني: أن قوله سبحانه: { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } يفيد أنه إذا تمسكنا بالهدى والتزمناه لم نؤاخذ بضلال من ضل، ولا بكفر من كفر؛ ومن جملة تمسكنا بالهدى، أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، فإن ذلك داخل في قوله تعالى: { إذا اهتديتم } وعلى هذا يكون معنى الآية: إذا سلكتم طريق الهداية، ومن جملته أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، حينئذ لا يضركم إعراض المعرضين، ولا ضلال الضالين، فإنه { لا تزر وازرة وزر أخرى } (الإسراء:15) .

ويرشح ما ذكرناه، أن الخطاب في الآية الكريمة إنما جاء بصيغة الجمع: { عليكم أنفسكم } و { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وليس بصيغة المفرد، فالمخاطبون في الآية هم جماعة المؤمنين، وليست الآية خطاب لأفراد مستقلين .

إذن، فليس في آية المائدة ما يعارض آية آل عمران؛ وليس فيها إطلاقًا ما يفيد أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة الناس كلهم إلى الهدى والرشاد. بل الذي تفيده عموم أدلة الشريعة - ومنها هذه الآية - وجوب دعوة الآخرين إلى هدى الله وشرعه. فإذا أقامت الأمة شرع الله في نفسها أولاً، تعيَّن عليها أن تدعوا الناس كافة، وأن تحاول هدايتهم .

وهكذا، فكما صحَّح الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه فهمًا معكوسًا لمقتضى آية المائدة، فكذلك نحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذا التصحيح؛ لأن القيام بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد صارت أشق على النفس، وأشد وطئًا .

لنا الله
01-11-2008, 11:37 PM
شبهه حول آيه


في قصة النبي يوسف عليه السلام نقرأ قوله تعالى: { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } (يوسف:15) وقد استشكل بعض الناس عدم مجيء جواب ( لما ) في الآية، فقالوا: أين جواب ( لما ) في الآية؟ ثم اضافوا فقالوا: أَوَ ليس لو حذفنا ( الواو ) في قوله سبحانه: { وأوحينا } لاستقام المعنى ؟! وجواب من أشكل عليه نظم الآية، أو من جعل منه إشكالاً أن يقال

إن جواب ( لما ) في الآية محذوف، دلَّ عليه قوله سبحانه: { أن يجعلوه في غيابت الجب } وتقدير الكلام: فلما ذهبوا به من عند أبيهم { وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب } جعلوه فيها؛ ولك أن تقدر المحذوف، فتقول: { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب } فعلوا به ما فعلوا من الإلقاء في الجب. ففي الكلام مقدر حُذف ذكره، اكتفاءً بما ظهر عما هو مقدر .

قال أهل العلم: ومثل هذا كثير في القرآن؛ وهو من الإيجاز الخاص بالقرآن، فهو تقليل في اللفظ لظهور المعنى .

وقال ابن القيم في كتابه " بدائع الفوائد " ما خلاصته: حذف كثير من جوابات الشرط في القرآن أسلوب قرآني متبع، لدلالة ( الواو ) عليها؛ لعلم المخاطب أن الواو عاطفة، ولا يعطف بها إلا على شيء؛ كقوله تعالى: { حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها } (الزمر:73) أي: رأوا من النعيم ما لم يخطر على بال، فهذا جواب الشرط في الآية. قال: وهذا الباب واسع في لغة العرب .

على أن ثَمَّة توجيهاً ثان للآية، وهو أن يقال: إن جواب الشرط قوله سبحانه: { وأوحينا } وأُدخلت ( الواو ) في الجواب، و( الواو ) في كلام العرب قد تزاد مع ( لما ) و( حتى ) كقوله تعالى: { حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها } ( الزمر:73) أي: فتحت؛ وقوله تعالى: { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور } (هود:40) أي: فار؛ وقال تعالى: { فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم } (الصافات:103-104) أي: ناديناه .

ومن هذا القبيل، ما جاء في الشعر، قول امرئ القيس :

فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل‌

و ( الخبت ): ما اطمأن من الأَرض واتسع؛ و ( الحقاف ): جمع حقفٍ، وهو ما اعْوَجَّ من الرمل واستطال، ولهذا قيل للرمل إذا كان منحنيًا: حِقْفٌ؛ و ( العقنقل ): ما تراكم من الرَّمل، وتجمع بعضه ببعض، و( العقنقل ) من الأَودية: ما عظم واتسع. والشاهد في البيت، قوله: ( وانتحى )، أي: انتحى. فأدخل ( الواو ) في جواب ( لما ) ومعنى الكلام: فلما أجزنا ساحة الحي، انتحى بنا. وكذلك قوله سبحانه: { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه } فقوله: ( أوحينا ) هو الجواب وَفْقَ هذا التوجيه، و( الواو ) دخلت على الجواب كدخولها في قوله تعالى: { وفتحت أبوابها }، وقوله سبحانه: { وفار التنور } .

والتوجيه الأول للآية هو المعتمد، وعليه المعوَّل في دفع الإشكال الذي قد يرد على الآية الكريمة. وبه يُعلم أن المعنى في الآية مستقيم، وأن لا إشكال في نَسَقَ الآية عند من خَبُرَ الأسلوب القرآني، ومن كان على بينة من لسان العرب، وأساليبهم في الكلام .

لنا الله
02-11-2008, 05:38 PM
آيات ظاهرها التعارض

في صدر سورة البقرة، يخبر سبحانه أن هذا القرآن: { هدى للمتقين } أي: في القرآن إرشاد للمتقين، واهتداء لما فيه صلاحهم وفلاحهم في العاجل والآجل؛ ونقرأ في السورة نفسها، بعد تقرير فريضة الصيام، قوله تعالى في صفة هذا القرآن، أنه: { هدى للناس } (البقرة:185) .
وظاهر الآية الأولى، أن هداية القرآن الكريم خاصة بالمتقين فحسب؛ بينما جاءت الآية الثانية عامة، فوصفت هدى القرآن بأنه للناس، ولفظ ( الناس ) لفظ عام، يشمل المتقين وغيرهم، والمؤمنين ومَن سواهم .
ويبدو للناظر أن بين الآيتين تعارضًا، ووجه الجمع بينهما - كما قرر أهل العلم - أن يقال: إن الهداية في القرآن نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم، وهو المعنيُّ في قوله تعالى: { ولكل قوم هاد } (الرعد:7) أي: لكل قوم هاد يدلهم ويُرشدهم إلى سُبُل الحق؛ ومن هذا الباب قوله جلا وعلا: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } (الشورى:52) فأثبت سبحانه للرسل ومن سلك سبيلهم الهدى، الذي معناه الدلالة، والدعوة، والتنبيه؛ وتفرد سبحانه بالهدى - وهو النوع الثاني - الذي معناه التأييد والتوفيق والتسديد، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } (القصص:56) فالهداية هنا بمعنى التوفيق لالتزام سبيل المؤمنين، ونهج سلوك المتقين، وهو المعنيُّ في قوله تعالى: { ويهدي من يشاء } (يونس:25) .
ونزيد الأمر وضوحًا، فنقول: إن الهداية في القرآن تأتي على نوعين: أحدهما عام، والثاني خاص؛ فأما الهداية العامة، فمعناها إبانة طريق الحق والرشاد، وإيضاح المحجة والسداد، وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى: { وأما ثمود فهدينهم } (فُصِّلت:17) والمعنى: بيَّنا لهم طريق الحق من الضلال، ووضَّحنا لهم طريق الرشاد من الفساد، بَيْدَ أنهم آثروا الثاني على الأول؛ فالأمر هنا أمر اختيار واختبار، يوضع أمام العبد ليختار منهما ما يشاء، والدليل على هذا الاختيار، قوله سبحانه: { فاستحبوا العمى على الهدى } (فُصِّلت:17) أي: استحبوا طريق الضلال على طريق الرشاد؛ ومثله أيضًا قوله تعالى: { وهديناه النجدين } (البلد:10) أي: بيَّنا له طريق الخير وطريق الشر .
وأما الهداية الخاصة، فهي تفضُّل من الله سبحانه على العبد بتوفيقه إلى طاعته، وتيسيره سلوك طريق النجاة والفلاح؛ وعلى هذا المعنى جاء قوله عز وجل: { أولئك الذين هدى الله } (الأنعام:90) وقوله سبحانه: { فمن يُرِد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } (الأنعام:125) .
إذا علمت هذا، فلا يُشكل عليك فهمُ ما جاء من آيات تخصُّ الهداية بالمتقين، وما جاء من آيات عامة، تعمُّ الهداية للناس أجمعين؛ وبه أيضًا يرتفع ما يبدو من إشكال بين قوله تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت } (القصص:56) وبين قوله سبحانه: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } (الشورى:52) لأن الهداية المنفيَّة عنه صلى الله عليه وسلم في الآية الأولى هي الهداية الخاصة، إذ التوفيق بيد الله سبحانه؛ أما الهداية المثبتة له عليه الصلاة والسلام في الآية الثانية، فهي الهداية بمعناها العام، وهي إبانة الطريق، وهو ما فعله صلى الله عليه وسلم، وقام به أحسن القيام، وأتمَّه خير التمام، حتى ترك أمته على المحجَّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك .
على أن للمفسرين توجيهات أُخرى لآية البقرة { هدى للمتقين } وما شابهها من آيات، لا ينبغي أن يُغفل عنها في مقام كهذا؛ فقد قالوا:
- خصَّ سبحانه المتقين بالهداية، وإنْ كان القرآن هدى للخلق أجمعين؛ تشريفًا لهم، وإجلالاً لهم، وكرامة لهم، وبيانًا لفضلهم؛ لأنهم آمنوا به، وصدقوا بما فيه .
- إنَّ تخصيص الهدى بالمتقين باعتبار الغاية، أي: إن من استمسك بهدي القرآن فإن عاقبته أن يكون من المتقين .
- إن اختصاصه بالمتقين؛ لأنهم المهتدون به فعلاً، والمنتفعون بما فيه حقيقة، وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر من مسلم أو كافر؛ وبهذا الاعتبار قال تعالى: { هدى للناس } .

لنا الله
04-11-2008, 09:25 PM
آيات ظاهرها التعارض


هناك من الآيات القرآنية ما قد يفهم البعض من ظاهرها، أن بينها تعارضًا وتناقضًا؛ ومن هذا القبيل قوله سبحانه في سورة الأعراف: { إن الله لا يأمر بالفحشاء } (الأعراف:28)، مع قوله تعالى في سورة الإسراء: { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } (الإسراء:16) .





فقد ذكر سبحانه في الآية الأولى، أنه لا يأمر أحدًا بفعل الفحشاء؛ في حين أنه سبحانه قد أخبر في آية الإسراء، أنه إذا أراد هلاك قرية، أمر مترفيها، ففسقوا فيها؛ وقد يفهم البعض من ذلك، أن الله يمكن أن يأمر بالفسق !! فهل هناك تعارض بين الآيتين ؟ وما هو السبيل لرفع ما يبدو بينهما من تعارض ؟



ومن المهم لرفع ما يبدو من تعارض بين الآيتين الكريمتين، معرفة السياق الذي وردت فيه الآيات؛ مما يساعد على فهمها فهمًا سليمًا، ويزيل ما يبدو بينها من تعارض .



وقد جاءت آية الأعراف في سياق الرد على أهل الجاهلية، وإنكار الممارسات التي كانوا يفعلونها، من طوافهم بالبيت وهم عراة، ودعوى أن الله أمرهم بذلك؛ فجاء الرد القرآني حاسمًا، ليقرر مبدأ مهمًا، وهو أنه سبحانه { لا يأمر بالفحشاء }، وإنما يأمر بالقسط { قل أمر ربي بالقسط } (الأعراف:29) فالآية واضحة صريحة في أن أمره سبحانه لا يكون بما هو فاحش ومنكر، وإنما يكون بما هو قسط وحق .



أما آية الإسراء فقد جاءت لتقرر سنة إلهية، لا تتبدل على مر العصور والأزمان، ولا تتغير باختلاف الأماكن والبلدان؛ وهي أن بقاء الأمم ودوامها مرتبط بإقامة أوامر الله، والعمل بشرعه؛ وأن هلاكها إنما يكون بانتهاك حرمات الله، وتعدي حدوده؛ فهناك سبب وهو الفسوق، وهناك نتيجة وهي الهلاك؛ وليس معنى الآية - كما قد يتبادر إلى الفهم - أن الله يأمر الناس بالفسق، فيفعلوا المعاصي ويرتكبوا المحرمات، ثم ينـزل الله بهم الهلاك، فهذا الفهم ليس مراد الآية، وليس هو من دلالتها، بل هو فهم مخالف لها، ومعارض لأدلة أخرى، تفيد أنه سبحانه لا يأمر عباده بغير العدل والخير .



وقد وردت آيات عديدة توضح المقصود من آية الإسراء؛ من ذلك قوله تعالى: { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } (هود:117)؛ فهذه الآية صريحة في أنه سبحانه ما كان ليهلك أهل القرى، إذا كانوا عاملين بأوامر الله، ومجتنبين لنواهيه؛ فهي تبين الوجه المقابل لما قررته آية الإسراء؛ فإذا كانت آية الإسراء قد علقت هلاك أهل القرى على فسقهم ومعصيتهم؛ فإن هذه الآية قد قررت أنه سبحانه لا يهلك أهل القرى ما داموا صالحين. والقرآن يفسر بعضه بعضًا .



والذي يوضح ويؤكد أن آية الإسراء ليس فيها ما يدل على أن الله تعالى يأمر عباده بالفسق، أنها لم تعين المأمور به، بل سكتت عنه؛ فالآية تقول: { أمرنا مترفيها }، ولم تصرح بطبيعة المأمور به، هل هو الفسق أم هو الطاعة؛ والذي يعين أحدهما اللغة، والسياق الذي وردت فيه الآية، وأدلة قرآنية أخرى .



أما اللغة، فأنت تقول: أمرت ولدي فعصاني، ولا يعني ذلك أبدًا: أنك أمرته بالمعصية، وإنما يدل على أن المعصية ترتبت على أمرك إياه، وهو أمر طبيعي؛ لأن المعصية فرع عن الأمر .



وأما السياق الذي وردت فيه الآية، فإنه يوضح أن المأمور به هو الدعوة إلى الاستقامة وعمل الصالحات؛ فقبل هذه الآية نقرأ قوله تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } (الإسراء:9)، وبعدها نقرأ قوله تعالى: { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } (الإسراء:19)، وإذا كان السياق يفيد أن المقصود طلب فعل الطاعات، فمن غير الصواب - حينئذ - فهم الآية على أنها أمر من الله لعباده بالفسق؛ وبالتالي فإن المصير إلى هذا الفهم السقيم من الضلال البعيد .



أما الأدلة القرآنية فكثيرة، منها قوله تعالى: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } (النحل:90) وهو نص واضح في أن أمره تعالى لا يكون إلا بطاعة وخير، ولا يأمر سبحانه بفسق أو فحشاء. وهذا أمر من صلب عقيدة المؤمن، لا يقول بخلافه إلا من نزع الله الإيمان من قلبه .



وبذلك يكون المعنى الصحيح للآية، أن يقال: أمرنا مترفيها بطاعتنا وبمنهجنا، ولكنهم خالفوا وعصوا وفسقوا؛ فحق عليهم العذاب؛ ويكون من الخطأ أن نفهم من الآية: أنه سبحانه أمر أهل القرية بالفسوق، ليُنـزل بهم عليهم العقوبة والهلاك .



وما تقدم هو الوجه الراجح في تفسير الآية الكريمة؛ وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمرنا مترفيها بطاعة الله، فعصوا. وعلى هذا القول يكون في الآية كلام مقدر، مستفاد من السياق، أو من أدلة أخرى؛ وعليه فلا يكون هناك تعارض ولا إشكال بين هذه الآية وآية الأعراف .



على أن آية الإسراء تقتضي التنبيه إلى أمرين، يساعدان على إلقاء مزيد من الضوء حول معنى الآية؛ الأول: يتعلق بالمقصود بالمترفين، ووجه اختصاصهم بالذكر؛ فالمترفون هم أهل النعمة وسعة العيش، وتعليق الأمر بهم على وجه الخصوص، مع أن الرسل يخاطبون جميع الناس؛ لأنهم عادة في موقع القيادة والزعامة، والناس تبع لهم، فكان من المنطقي أن يتوجه الخطاب إليهم دون غيرهم، فإذا فسقوا عن الأمر، اتبعهم الأتباع وضعاف القوم، فعم الفسق أو غلب على القرية، فاستحقت الهلاك .



الثاني: يتعلق بوجه العلاقة بين إرادة الله إهلاك القرية، وبين أمر المترفين، فهي علاقة السبب بنتيجته؛ ففعل المترفين هو السبب، وإرادة إهلاك القرية هو النتيجة لذلك الفعل؛ وعليه فلا يقال: إن إرادة الله سبب مؤد إلى فسوق المترفين، ونزول الهلاك بأهل القرى؛ فحاشا لله أن يريد إهلاك قوم قبل أن يأتوا بما يستوجب هلاكهم، وليس من الحكمة الإلهية أن يسوقهم إلى ما يفضي إلى مؤاخذتهم. ولـ ابن عاشور كلام مفيد في تفسيره ( التحرير والتنوير )، يحسن الرجوع إليه في هذا المقام .



وقد ذكر المفسرون وجوهًا أخرى للتوفيق بين الآيتين الكريمتين، نذكر منها ما يلي:



الأول: أن يكون معنى { أمرنا }: كثَّرنا، من الكثرة؛ أي: كثرناهم حتى بطروا النعمة، ففسقوا؛ ومجيء ( الأمر ) بمعنى الكثرة والتكثير له أدلة من اللغة والشرع؛ وقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( خير مال المرء له مهرة مأمورة ) رواه أحمد ؛ أي: كثيرة النسل؛ وفي حديث أبي سفيان مع هرقل قوله: ( لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ) أي: كثر وعظم .



الثاني: أن يكون معنى { أمَّرنا } بتشديد الميم، من الإمارة؛ أي: جعلناهم أمراء، ففسقوا؛ لأن الأغلب ممن يتولى أمر الناس، أن لا يراعي حكم الله فيهم. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب. وهو قوله تعالى: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها } (الأنعام:123) .



الثالث: أن يكون ( الأمر ) في قوله سبحانه: { إن الله لا يأمر بالفحشاء } هو من باب الأمر الشرعي، المطلوب فعله من العباد؛ وأن ( الأمر ) في قوله تعالى: { أمرنا مترفيها } هو من باب الأمر القدري، الذي لا يخرج عنه شيء في هذا الكون. ولهذا أدلة من القرآن، وتفصيل الكلام فيه له مقام آخر .



ويتضح من مجموع ما قيل في معنى آية الإسراء، أن هذه الآية الكريمة لا تعارض قوله تعالى: { إن الله لا يأمر بالفحشاء } بل إن كل منهما تقرر حقيقة لا تعارض الأخرى ولا تخالفها؛ فآية الأعراف تقرر عقيدة إيمانية، وآية الإسراء تقرر سنة إلهية، لا تتخلف ولا تتبدل .

لنا الله
08-11-2008, 01:31 AM
آيات ظاهرها التعارض


واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها؛ كيف لا وقد قال تعالى في محكم كتابه الكريم: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } (آل عمران:104) والأحاديث الثابتة في ذلك مستفيضة مشهورة .

لكن قد يُشكل على هذا الأصل ما جاء في سورة المائدة من قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } (المائدة:105) فقد يتبادر إلى الذهن أن ثَمَّة تعارض بين آية آل عمران - الموجبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وبين آية المائدة، والتي يدل ظاهرها على لزوم الإنسان أمر نفسه، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، كما قد يفهم منها البعض ذلك، وليس الأمر في الواقع كذلك، وليس ثَمَّة تعارض بين الآيتين، وفيما يلي بيان لما قد يبدو من تعارض:

روى الترمذي في "جامعه" عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس: إنكم تقرؤون هذه الآية، وتتأولونها على غير تأويلها: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا أهتديتم } وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب ) رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .

قال ابن كثير في توجيه آية المائدة: وليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكنًا؛ ثم استدل على هذا التوجيه بالأحاديث الحاثَّة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده، لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنَّه فلا يستجيب لكم ) رواه أحمد .

وإذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي أن يتوهم من هذه الآية أنها رخصة للمسلمين في ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن جميع ذلك واجب بأدلة كثيرة، جاءت بها الشريعة؛ يوضح هذا أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى؛ ومن القيام بالقسط، الأخذ على يد الظالم. ومن التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

على أن آية المائدة نفسها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان ذلك من وجهين:

أولهما: أن قوله تعالى: { عليكم أنفسكم } معناه: ألزموا أنفسكم طاعة الله، وطاعة رسوله؛ ومن طاعة الله وطاعة رسوله القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

والوجه الثاني: أن قوله سبحانه: { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } يفيد أنه إذا تمسكنا بالهدى والتزمناه لم نؤاخذ بضلال من ضل، ولا بكفر من كفر؛ ومن جملة تمسكنا بالهدى، أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، فإن ذلك داخل في قوله تعالى: { إذا اهتديتم } وعلى هذا يكون معنى الآية: إذا سلكتم طريق الهداية، ومن جملته أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، حينئذ لا يضركم إعراض المعرضين، ولا ضلال الضالين، فإنه { لا تزر وازرة وزر أخرى } (الإسراء:15) .

ويرشح ما ذكرناه، أن الخطاب في الآية الكريمة إنما جاء بصيغة الجمع: { عليكم أنفسكم } و { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وليس بصيغة المفرد، فالمخاطبون في الآية هم جماعة المؤمنين، وليست الآية خطاب لأفراد مستقلين .

إذن، فليس في آية المائدة ما يعارض آية آل عمران؛ وليس فيها إطلاقًا ما يفيد أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة الناس كلهم إلى الهدى والرشاد. بل الذي تفيده عموم أدلة الشريعة - ومنها هذه الآية - وجوب دعوة الآخرين إلى هدى الله وشرعه. فإذا أقامت الأمة شرع الله في نفسها أولاً، تعيَّن عليها أن تدعوا الناس كافة، وأن تحاول هدايتهم .

وهكذا، فكما صحَّح الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه فهمًا معكوسًا لمقتضى آية المائدة، فكذلك نحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذا التصحيح؛ لأن القيام بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد صارت أشق على النفس، وأشد وطئًا .

لنا الله
08-11-2008, 05:22 PM
آيات ظاهرها التعارض

في القرآن الكريم نقرأ قوله تعالى: { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } (البقرة:256) ونحو ذلك من الآيات المشابهة؛ وفي المقابل نقرأ قوله تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب } (التوبة:29) وقوله سبحانه: { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } (التوبة:123) ونحو ذلك من الآيات الحاثة على الجهاد .

والتعارض بين آية البقرة وآيتي التوبة ظاهر بأدنى تأمل؛ فآية البقرة وما شاكلها، تفيد منع الإكراه على الدين بحال؛ وآياتا التوبة ونحوهما تفيدان محاربة ومقاتلة الكافرين؛ فما السبيل الأسلم للتوفيق بين أمثال هذه الآيات، وما الطريق الأوفق لرفع ما يبدو من تعارض بينها .

بالعودة إلى ما ذكره المفسرون، حول الآيات موضوع الحديث، نقف على أقوال عديدة للعلماء، حاصلها قولان:

الأول: أن آية { لا إكراه } منسوخة بقوله تعالى: { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين } (التوبة:73) إلا أن القول بالنسخ يعارضه أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من بعض الكفار مقابل الكف عنهم، وهذا ما يُضعف القول بالنسخ، كما أن النسخ لا يصار إليه، ويقال به إلا بعد العجز عن الجمع بين الدليلين .

الثاني: أن آية { لا إكراه } محكمة، ولكنها خاصة بأهل الكتاب، فإنهم لا يُكْرَهون على الإسلام إذا أدُّوا الجزية، وكانوا تحت حكم المسلمين؛ أما غيرهم فيجبرون عليه؛ وهذا القول الثاني هو ما عليه أكثر أهل العلم، وقد استدلوا لما ذهبوا إليه، بما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ( نزلت في الأنصار، قال: كانت المرأة منهم إذا كانت نزرة أو مقلاة - الذي لا يعيش لها ولد - تنذر لئن ولدت ولدًا لتجعلنه في اليهود، تلتمس بذلك طول بقائه، فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت النضير، قالت الأنصار: يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم، فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: { لا إكراه في الدين } رواه البيهقي . وهذا الذي اختاره شيخ المفسرين الطبري وصوَّبه، وحمل عليه معنى الآية، فقال: ( وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآية في خاصِّ من الناس ) ثم قال: عنى بقوله تعالى ذكره: { لا إكراه في الدين } أهل الكتابين والمجوس، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه ) .

هذا حاصل أقوال المتقدمين في الجمع بين هذه الآيات؛ والواقع فإن الناظر في كتب التفسير المتقدمة عمومًا، يجد أن المفسرين لم يخرجوا عن هذين القولين، في الأغلب، ورجَّح أكثرهم القول بأن آية البقرة خاصة بأهل الكتاب ومن شاكلهم .

وإن كان ثمة من ملاحظة نبديها على هذا المسلك، فهي أن نقول: إن القول بالتخصيص هنا لا يرفع التعارض الواقع بين الآيات موضوع الحديث، ناهيك على أن القاعدة التفسيرية تقرر: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب .

أما عن أقوال المتأخرين، فإننا نكتفي بالوقوف عند قولين منها:

القول الأول: قول سيد قطب " في ظلال القرآن " إذ رأى - رحمه الله - أن الإكراه على العقيدة والدين أمر ينافي حقيقة دعوة الإسلام، فينبغي أن يترك الناس - كأفراد - وما يختارونه من دين ومعتقد، لكن ينبغي أن تزال من طريقهم تلك العوائق التي تمنعهم من إبصار حقيقة هذا الدين، وتصدهم عن دين الإسلام؛ ونص عبارته: إن ( الإسلام بوصفه دين الحق، الوحيد القائم في الأرض، لا بد أن ينطلق لإزالة العوائق المادية من جهة؛ ولتحرير الإنسان من الدينونة بغير دين الحق، على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار، بلا إكراه منه، ولا من تلك العوائق المادية كذلك ) ويوضح هذه الحقيقة بقوله: ( { لا إكراه في الدين } أي: لا إكراه على اعتناق العقيدة، بعد الخروج من سلطان العبيد، والإقرار بمبدأ أن السلطان كله لله؛ أو أن { الدين كله لله } بهذا الاعتبار ) .

فآية: { لا إكراه } وما شاكلها - حسب رأي سيد - موضوعها الأفراد؛ وآية: { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } وما وافقها، فموضوعها تلك العوائق المادية والمعنوية، التي تصد الناس عن معرفة دين الحق، وتمنعهم من الانضواء تحت لوائه .

وظاهر من كلام سيد - رحمه الله - أنه وفَّق بين الآيات توفيقًا متَّجهًا، تؤيده الأدلة ولا تأباه، وأعمل كل دليل وَفْق ظرفه، وحسب حاله، وهذا أمر معهود، وطريق مقبول عند العلماء، للتوفيق بين الأدلة .

أما القول الثاني، فهو قول الشيخ ابن عاشور وقد ذكره في تفسيره " التحرير والتنوير " وحاصل ما قال بهذا الصدد: إن آية { لا إكراه في الدين } ناسخة لآيات القتال، وأن هذه الآية - وأيضًا حسب رأي ابن عاشور - نزلت بعد فتح مكة، واستخلاص بلاد العرب، فنسخت حكم القتال على قبول الإسلام، ودلت على الاقتناع منهم بالدخول تحت سلطان الإسلام، وهو المعبَّر عنه بالذمة، ووضَّح هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، بعد فتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) رواه البيهقي .

وكلام ابن عاشور صريح، أو على الأقل ما يُفهم منه، أن آية: { لا إكراه في الدين } ناسخة لآيات القتال، وحاكمة عليها؛ ولنا على ما ذهب إليه الشيخ ابن عاشور بضع ملاحظات:

- أن القول بالنسخ لا يصار إليه - كما هو مقرر أصوليًا - إلا عند عدم إمكانية الجمع بين الأدلة، والجمع هنا ممكن، وبالتالي فلا مجال للقول بالنسخ هنا .

- أن ما ذهب إليه ابن عاشور مخالف لما عليه أكثر أهل العلم، في توجيه هذه الآية، وقد عرفنا مذهب الجمهور آنفًا، وأن آية { لا إكراه } خاصة بأهل الكتاب .

- ثم إنا نقول: إن المتتبع لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام وهديه، يجد أن سيرته على خلاف ما قرره ابن عاشور ، بخصوص تشريع آيات الجهاد؛ وذلك أن مجاهدة الكافرين كانت ثابتة في سيرته صلى الله عليه وسلم، إلى حين وفاته عليه الصلاة والسلام، يرشد لهذا أمره بتجهيز جيش أسامة لقتال الروم قبل وفاته بمدة قصيرة .

- على أن من المعلوم من تاريخ نزول الآيات، أن سورة براءة - وفيها آيات الجهاد - هي من أواخر ما نزل من القرآن، فإذا كان لا بد من القول بالنسخ، فالأصوب أن يقال: إن آيات الجهاد - الواردة في سورة براءة - هي الناسخة لآية البقرة وليس العكس، وهذا مذهب بعض أهل العلم .

إذا تبين هذا، فالذي يقتضيه النظر بين الأدلة، وما تقتضيه قواعد الأصول، أن نقول: إن إمكانية الجمع هنا ممكنة، وبالتالي فلا وجه للقول بالنسخ هنا، والأصوب أن يقال: يُعمل بهاتين الآيتين، كل في موضعه، وكل بحسب ظرفه؛ فآية البقرة: { لا إكراه في الدين } يُعمل بها على مستوى الأفراد، فلا يُكره أحدٌ على اعتناق الإسلام والدخول فيه .

أما آيات الجهاد والقتال، فيُعمل بها عندما يُواجَه هذا الدين من قِبَل أعدائه، أو يُمنع من تبليغ رسالة رب العالمين، إذ هي الهدف الأساس من دعوة الإسلام، ليكون { الدين كله لله } (الأنفال:39) وبذلك تلتئم الأدلة وتتفق، ويُحمل كل دليل بحسب ظرفه وسياقه .

على أن من المفيد الإشارة هنا إلى أن ابن القيم رحمه الله تكلم كلامًا جيدًا في هذا السياق، يمكن الرجوع إليه في كتابيه ( زاد المعاد ) و ( هداية الحيارى ) .

لنا الله
10-11-2008, 12:51 AM
آيات ظاهرها التعارض

تعارض آية وحديث



وصف سبحانه بيته الحرام - بما فيه الكعبة المشرفة - بالأمن، فقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: { أولم نمكن لهم حرما آمنا } (القصص:75)؛ ووردت آيات عديدة، يفيد مجموعها كون البيت الحرام بيتًا آمنًا للناس؛ قال تعالى: { ومن دخله كان آمنا } (آل عمران:)، وكان من دعاء إبراهيم عليه السلام: { رب اجعل هذا البلد آمنا } (إبراهيم:35) .

وهذه الآيات التي تخبر بأن البيت الحرام مكان آمن للناس، ورد مقابلها حديث، يُخبر بخراب الكعبة، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( يخرب الكعبة ذو السويقتين - صاحب الساقين الصغيرتين - من الحبشة ) متفق عليه .

وأيضًا، فإن بعض الوقائع في التاريخ الإسلامي، تثبت أن البيت الحرام قد ناله الخراب والدمار؛ كما حدث في عهد يزيد بن معاوية أثناء حربه مع ابن الزبير ، وما حدث كذلك من أفعال القتل والتخريب التي قام بها القرامطة في القرن الرابع الهجري، وغير ذلك من الوقائع .

وفي حديث ذي السويقتين، ووقائع التاريخ الإسلامي ما يعارض صفة ( الأمن )، التي وصف الله بها بيته الحرام. فكيف يمكن الجمع والتوفيق بين الآيات، التي وصفت البيت بأنه آمن، وبين الحديث المُخْبِر عن تخريب الكعبة على يد ذي السويقتين ؟

أجاب العلماء على هذا السؤال بجوابين:

الأول: أن ( الأمن ) الذي أخبر به القرآن ليس أمنًا دائمًا، لا يزول ولا يحول، وإنما هو أمن محدود بقرب قيام الساعة، وانتهاء الحياة في هذه الدنيا، بحيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله؛ وقد صح في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله ) رواه مسلم . وفي رواية ابن حبان : ( ثم تظهر الحبشة، فيخربونه خرابًا، لا يعمر بعده أبدًا ). فإذا شارفت الحياة الدنيا على نهايتها، واقتربت الساعة، أرسل الله ذا السويقتين، فيخرب الكعبة، ويكون هذا من علامات اقتراب الساعة. فليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن ودوامه، ويكون معنى قوله تعالى: { حرما آمنا }، أي: آمنا إلى قرب القيامة، وخراب الدنيا، وبذلك يندفع التعارض، ويزول الإشكال بين الآية والحديث .

ثانيًا: أن قوله تعالى: { أولم نمكن لهم حرما آمنا }، على عمومه، وما ورد من أحاديث ووقائع تاريخية تنافي وصف البيت بالأمن الذي جاءت به الآية، فإنما هي استثناءات عارضة، وأمور طارئة، ليس لها صفة الدوام، بل سرعان ما تزول، وسيبقى البيت كما أخبر تعالى: { حرما آمنا }، تهوي إليه أفئدة الناس من كل حدب وصوب؛ قال ابن بطال: " فهذا شرط الله لا ينخرم ولا يحول، وإن كان في خلاله وقت يكون فيه خوف، فلا يدوم، ولابد من ارتفاعه، ورجوع حرمتها وأمنها، وحج العباد إليها ". واسترشد من قال بهذا القول، بقوله صلى الله عليه وسلم: ( ليحجن البيت، وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج ) رواه البخاري .

على أن من العلماء من ذهب إلى أن عموم الآية مخصص بالحديث، غير أن ما تقدم من التوفيق بين الآية والحديث، هو الذي ذهب إليه أكثر أهل العلم .

وحاصل القول من كل ما تقدم، أنه لا تعارض بين قوله تعالى: { أولم نمكن لهم حرما آمنا }، وبين قوله عليه الصلاة والسلام: ( يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة )، وأن الحديث مبين للآية، وموضح لمجملها .

لنا الله
16-11-2008, 04:38 AM
آيات ظاهرها التعارض


تعارض آية وحديث


من أسمائه الحسنى سبحانه ( العدل )، والعدل أساس الشرائع السماوية، وعليه قامت السماوات والأرض. وقاعدة الشريعة أن الإنسان خُلق مكلفًا، ومحاسبًا على عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر؛ ويتبع هذه القاعدة، أن الإنسان لا يحمل تبعات غيره، ولا يعاقب على ما فعله الآخرون؛ فليس مما يقتضيه الشرع، ولا مما يقبله العقل، أن يحمل الإنسان تبعات أعمال، لم يكن له فيها ناقة ولا جمل .


وقد صرح القرآن الكريم في أكثر من آية، أن الإنسان ليس مسؤولاً عن أفعال غيره، ولا يعاقب عليها، وإنما يحاسب على ما فعله، يقول تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } (الأنعام:164) والآية صريحة في أن الإنسان لا يحمل ذنب غيره، وإنما يحمل ما كسبته يداه فحسب .



ومن جانب آخر، فقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) متفق عليه، وفي رواية ثانية: ( إن الميت ليعذب ببكاء الحي ) متفق عليه؛ وفيه تصريح بأن الميت يلحقه العذاب بسبب بكاء الحي عليه .



وواضح أن بين الآية الكريمة، وبين الحديث شيء من التعارض؛ وذلك أن الآية نفت أن يُحَمَّل الإنسان تبعات غيره؛ في حين أن الحديث أثبت العذاب بذنب الغير. فكيف يكون وجه التوفيق والجمع بين الآية والحديث ؟


لقد جمع العلماء بين الآية والحديث بعدة توجيهات، تتباين قربًا وبعدًا، وتختلف قوة وضعفًا، إلا أنها في النهاية تتفق على إمكانية الجمع بينهما، وعدم وجود أي منافاة، وبيان ذلك فيما يلي:



التوجيه الأول: أن العذاب الذي يلحق الميت، إنما يكون لمن أوصى بالبكاء عليه بعد مماته؛ فإذا فعل ذلك ناله من العذاب بسبب ما أوصى به، لأنه إيصاء بما يخالف الشرع، ويكون العذاب في هذه الحالة بسببه هو، وليس بفعل غيره؛ أما إذا كان الميت قد أوصى أهله بعدم البكاء والنوح عليه، ففعلوا ذلك، ولم ينفذوا وصيته، فلا يناله من العذاب شيء، بل الإثم لمن فعل ذلك منهم؛ لقوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } .



وقد استأنس أصحاب هذا التوجيه له، بأنه كان من عادة العرب أن يوصوا أهلهم بالنوح عليهم، واستمر ذلك من عادتهم إلى أن جاء الإسلام، وأبطل تلك العادة، ومن أشعارهم في هذا الصدد، قول طرفة بن العبد :



إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد



وقول لبيد بن ربيعة :



تمنى ابنتيا أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر


إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر



وإلى هذا التوجيه ذهب جمهور أهل العلم .



التوجيه الثاني: أن العذاب يلحق من علم من عادة أهله البكاء والنواح، وأهمل نهيهم عن ذلك؛ أما إن كان نهاهم عن البكاء عليه، ثم هم فعلوا ما نهاهم عنه، فلا يلحقه شيء من العذاب، وإنما الإثم عليهم، والذنب ذنبهم، لأنه أدى ما عليه. ومقتضى هذا القول، أنه يجب على الإنسان، إذا علم من عادة أهله البكاء والنواح، أن ينهاهم عن ذلك، فإن لم يفعل، لحقه العذاب لتقصيره؛ لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا } (التحريم:6) .



التوجيه الثالث: أن يكون المقصود بـ ( التعذيب ) في الحديث، العذاب بمعناه اللغوي، وهو مطلق الألم، وليس العذاب الأخروي؛ فيكون تعذيب الميت على هذا التوجيه معناه: تألمه بما يكون من أهله من نياحة وعويل، وتألمه كذلك لعدم التزامهم شرع الله؛ وإلى هذا القول ذهب الطبري ، ورجحه القاضي عياض ، واختاره ابن تيمية ؛ واستدلوا له بقوله صلى الله عليه وسلم: ( فوالذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي، فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله ! لا تعذبوا موتاكم ) رواه ابن أبي شيبة و الطبراني ، وقال ابن حجر : حسن الإسناد، و( الاستعبار ) هو دمع العين؛ فالإنسان إذا مات، فبكى عليه أهله وأصحابه، فإنه يشعر ببكائهم، فيتألم لألمهم، فيكون ذلك عذابًا له .



ويشار هنا إلى أن البكاء الذي ذكر في الأحاديث، ورتب العذاب عليه، المقصود منه البكاء المصحوب بالنواح والعويل والصياح ونحو ذلك، فهذا النوع من البكاء هو المنهي عنه، والمحذر منه؛ أما بكاء العين ودمعها، فهذا لا حرج فيه، ولا يشمله ما جاءت به الأحاديث .



وبذلك يتبين، أن الإنسان لا يعذب بذنب غيره، إلا إذا كان متسببًا فيه، فيعاقب حينئذ على تسببه وتقصيره؛ أما ما سوى ذلك، فلا تكسب كل نفس إلا ما عملت، قال تعالى: { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } (البقرة:286) .

لنا الله
17-11-2008, 06:28 PM
آيات ظاهرها التعارض


تعارض آية وحديث

الحسد صفة مَرضِيِّة مذمومة، وهو من أشد أمراض القلوب فتكًا بصاحبه؛ ومن كلامهم فيه:

لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله

وقد نهى صلى الله عليه وسلم أمته عن التلبس بهذه الصفة، فقال: ( لا تحاسدوا ...)؛ وكان من جملة ما أخبر به عليه الصلاة والسلام أمته بأن قال: ( دب إليكم داء الأمم الحسد والبغضاء ) رواه الترمذي .

والقرآن الكريم نهى المؤمنين عن تمني ما للآخرين من نعمة، وطلب منهم التوجه بالسؤال إلى الله؛ طلبًا لفضله، وأملاً بعطائه، فقال تعالى: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله } (النساء:32)، وقد فُسرت الآية الكريمة بالحسد، وهو تمني الرجل نفس ما أُعطيَ أخوه من نعمة، بحيث تنتقل تلك النعمة إليه؛ وفُسرت كذلك بتمني ما هو ممتنع شرعًا، كتمني النساء أن يكون لهن مثل ما للرجال من الفضائل الدينية كالجهاد، والفضائل الدنيوية كالمساواة في الميراث، والإدلاء في الشهادات؛ أو تمني ما هو ممتنع قدرًا، كتمني النساء أن يكن رجالاً، وأن يكون لهن من القوة ما لهم، أو كتمني أحد من هذه الأمة، أن يكون نبيًا بعد ما أخبر الله تعالى، أن نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء .

بالمقابل، نقرأ في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوله: ( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق؛ ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها ) متفق عليه .


وظاهر هذا الحديث يدل على أن الحسد مذموم إلا في خصلتين اثنتين، فهو فيهما محمود وممدوح؛ وهاتان الخصلتان هما: طلب العلم للعمل والتعليم، وطلب المال لإنفاقه في أبواب الخير .

وربما يشكل هذا الحديث مع ما جاء في الآية السابقة، الناهية عن تمني ما في أيدي الآخرين من نعمة وفضل؛ ووجه ذلك، أن الآية الكريمة أطلقت النهي عن تمني ما فضَّل الله به بعض عباده على بعض؛ في حين أن الحديث الشريف نهى عن الحسد عمومًا، واستثنى منه أمرين: طلب العلم، وطلب المال. فكيف نفهم نهي الآية واستثناء الحديث ؟

لقد تعرض شرَّاح الحديث لهذا الإشكال، وأجابوا عنه بأن قالوا:

إن الحديث حضَّ على تمني مثل النعمة التي أنعم الله بها على بعض عباده؛ بينما الآية الكريمة نهت عن تمني عين تلك النعمة؛ وبعبارة أوضح: إن الحديث وجَّه المؤمن إلى تمني أن يكون له مثل ما للآخرين من نِعَم، دينية كانت أو دنيوية؛ أما الآية فقد نهت المؤمن عن تمني حصول النعمة ذاتها التي أنعم الله بها على بعض عباده. وعلى هذا تكون الآية نهت عن تمني الإنسان ما في يدي غيره، بحيث تخرج من يده وتصير إليه؛ في حين أن الحديث رغب المؤمن أن يتمنى أن يكون له من الخير مثل ما للآخرين، من غير أن تزول تلك النعمة عنهم .

ومما يلقي مزيد ضوء على توضيح هذا الإشكال، أن العلماء قسموا الحسد إلى قسمين، أحدهما: محمود؛ والثاني: مذموم؛ فأما الحسد المحمود، فيسمى حسد الغبطة، وهو أن يتمنى الإنسان أن يكون له مثل ما للآخرين، من غير أن تزول تلك النعمة عنهم؛ أما الحسد المذموم - وهو المراد عند الإطلاق - فهو أن يتمنى المرء زوال النعمة عن الغير، سواء عادت تلك النعمة إليه، أم عادت إلى غيره .

وانطلاقًا من هذا التقسيم للحسد، يمكن أن نفهم أن الحسد المنهي عنه في الآية هو الحسد المذموم، وهو تمني زوال النعمة عن الغير؛ أما الحسد الذي رغَّب فيه الحديث النبوي فهو حسد الغبطة؛ وشتان ما بينهما .

وبحسب ما تقدم، يتضح وجه التوفيق بين ما يبدو من تعارض بين الآية والحديث .

واعلم أن ما قيل في التوفيق بين الآية وهذا الحديث، يقال أيضًا في الحديث الآخر، وفيه قوله صلى عليه وسلم: ( إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل؛ وعبد رزقه الله علمًا، ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو نيته، فأجرهما سواء؛ وعبد رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل؛ وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو نيته، فوزرهما سواء ) رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح .

ومما هو وثيق الصلة بموضوع المقال أن يقال: لا بأس أن يغبط المؤمنُ المؤمنَ على ما يفعله من أعمال البر، وأن يتمنى أن لو فعل مثل ما فعله، ويعمل على تحصيل ذلك؛ بل إن المؤمن حقًا مطالب بأن ينظر في أمور الدين إلى من هو فوقه، وأن ينافس في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال تعالى: { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } (المطففين:26)؛ فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية، اجتهد أن يلحق به، وحزن على تقصيره وتخلفه عمن سبقه؛ لا حسدًا لهم على ما آتاهم الله، بل منافسة لهم، وغبطة وحزنًا على النفس بتقصيرها وتخلفها عن درجات السابقين؛ وكذلك في أمور الدنيا، لا حرج على المؤمن أن يطلب من أمرها ما يكون مشروعًا ومقدورًا عليه .

لنا الله
20-11-2008, 12:45 AM
آيات ظاهرها التعارض

الاعتراض على نصوص الشريعة - قرآنًا وسنة - والنيل منها، والتنقص من قدرها، وتوهين أمرها، أمر كان ولا يزال شغل المشككين في هذا الدين، والضعفاء من أتباعه وأشياعه .



وفي هذا السياق، يطالعنا من يعلم ظاهرًا من العلم دون حقيقته، بأن ثمة تعارضًا بين آيات وردت في القرآن الكريم، تصرح بأن دخول الجنة إنما يكون بعمل العبد، ونتيجة لسعيه وكسبه؛ في حين أن هناك أحاديث وردت في "الصحيحين" تصرح أيضًا أن دخول الجنة ليس جزاء لعمل العبد، ولا هو نتيجة لسعيه، وإنما هو بفضل الله ورحمته .



ويفصل البعض الشبهة، بقوله: ( إن حديث: ( لن يدخل أحدًا عمله الجنة ) مخالف لقوله تعالى: { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } (النحل:32) ويضيفون إلى هذا قائلين: إن في القرآن آيات كثيرة في هذا المعنى...وإن ( صحيح البخاري ) فيه أصح الأحاديث، ولكن الناس بالغوا في تقديره، حتى وصلوا إلى تقديسه، مع أن المحدِّثين يقررون أن الحديث مهما كانت درجته، إذا خالف القرآن، ولم يمكن التوفيق بينه وبين الآية، نحكم بأن الرسول لم يقله ) .



هذا حاصل قول من قال بهذه الشبهة. ومراد قائلها أن يضع ويقلل من قيمة ( صحيح البخاري ) ومن باب أولى أن يسحب هذا الطعن إلى ما سواه من كتب السنة؛ وذلك بحجة أن فيها ما يعارض القرآن ويخالفه !!



وليس غرض مقالنا الرد على من أراد الطعن في كتب السنة، وما حوته من أحاديث وآثار، فقد كتب في هذا الكثير، وفي محور الحديث على موقعنا ما يفي بهذا الغرض، لكن حسبنا في مقالنا هذا أن نبين وجه التوفيق والجمع فيما يبدو من تعارض بين الآية والحديث، إذ هو الأليق بموضوع هذا المحور، محور القرآن الكريم .



وللوصول إلى ما عقدنا المقال لأجله، نستعرض بداية بعضًا من الآيات القرآنية التي تثبت وتصرح بأن دخول العبد الجنة إنما هو بعمله، وجزاء لسعيه؛ ثم نردف تلك الآيات ببعض الأحاديث التي تقرر وتصرح بأن دخول الجنة ليس نتيجة لعمل العبد، ولا هو جزاء على سعيه وكده، وإنما هو بفضل الله ورحمته؛ ثم نعطف على ذلك بنقل أقوال أهل العلم في وجوه التوفيق بين الآيات والأحاديث الواردة في هذا الموضوع، محاولين أن نستخلص منها القول الفصل في هذة المسألة. لكن قبل هذا وذاك نرى من المناسب - بل وربما من المهم - أن نمهد بكلمة موجزة تتعلق بمسألة التعارض بين نصوص الشريعة، فمن هذه النقطة نبدأ، فنقول:



إن القول بوجود تعارض حقيقي بين نصوص الشريعة - قرآنًا وسنة صحيحة - إنما يصدر عن أحد رجلين؛ إما عن جاهل لا حظ له من علم الشريعة في شيء، فمن كان هذا شأنه فليس من المستغرب أن يصدر عنه مثل هذا القول، ويبني عليه ما يريد أن يبني؛ وإما عن حاقد مضاد لهذه الشريعة، يتقول عليها ما يوافق أغراضه وأهوائه، وغير هذين الرجلين لا نقف على قائل بوجود تعارض تام بين نصوص الشريعة، أو تناقض فيما جاءت به من أحكام وأخبار .



ثم إنه من المفروغ منه عند كل من رضي الإسلام دينًا، والتزم به شرعة ومنهجًا، أن القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة، كلاهما يصدران عن مشكاة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك كان وجود التعارض بين نصوص الشريعة - قرآنًا وسنة - أمرًا غير واقع، بل هو غير وارد بحال من الأحوال، وإن بدا شيء من ذلك فهو فيما يبدو للإنسان بسبب محدودية قدراته العقلية، لا على أن واقع الأمر كذلك. كيف لا وقد قال الله سبحانه: { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } (النساء:82) فالآية الكريمة تقرر وتبين أن القرآن لو كان من عند غير الله سبحانه، لكان الاختلاف فيما جاء فيه وتضمنه أمر كائن وحاصل، بل هو الأمر الطبعي، أما وإنه ليس كذلك، إذ هو من عند الله سبحانه، فإن وقوع الاختلاف فيه أوالتناقض أمر غير وارد؛ لأن ذلك مما لا يليق بصفات الله سبحانه وتعالى .



ثم إن نفي الاختلاف الوارد في الآية الكريمة الآنفة الذكر، ليس عن القرآن فحسب، بل هو أيضًا عن السنة الصحيحة الثابتة؛ لأنها شارحة ومفصلة ومبينة للقرآن، قال تعالى: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } (النحل:44) وإذا كان الأمر كذلك، ثبت أن شأن القرآن والسنة واحد، ما دام أن مصدرهما واحد، وبالتالي امتنع أن يقع التعارض الحقيقي بينهما .



على أنه لا يُنكر وجود تعارض من حيث الظاهر بين آية وأخرى، أو بين آية وحديث، أو بين حديث وحديث؛ لكن كل ما يبدو من هذا وذاك، هو عند التحقيق والتدقيق منتف ومعدوم، وإنما هو تعارض فيما يبدو للناظر، لا أنه كذلك في واقع الأمر .



أجل هذا الملحظ، وجدنا أهل العلم - وخاصة علماء الأصول - يخصصون فصولاً في كتبهم تحت عنوان ( التعارض والترجيح بين الأدلة ) أو شيء من هذا القبيل، وهم يبحثون فيها ما كان من الأدلة ظاهره التعارض، ويقررون في ذلك قواعد تتعلق بالتوفيق والترجيح بين النصوص المتعارضة في ظاهرها، والمتوافقة في حقيقتها .



فإذا تبين ما تقدم، ظهر لنا أن ما قامت عليه هذه الشبهة من بنيان، إنما هو في الحقيقة بنيان هاو وهار؛ من جهة أن النصوص التي قامت عليها هذه الشبهة نصوص ثابتة لا شك في سندها، ولا مطعن فيها بحال، وإنما الطعن والشك قد يرد على طريقة فهمها، ومنهج التوفيق بينها، مما قد تختلف فيه الأنظار، وتتباين فيه الأفكار .

يتبع

لنا الله
20-11-2008, 12:46 AM
تابع لما قبله


بعد هذا التوضيح لمسألة التعارض بين النصوص، نتجه صوب الشبهة - موضوع حديثنا - لنرى مدى صحة هذه الشبهة، ومدى قوة أو ضعف ما قامت عليه واستندت إليه. وهذا ما نسعى إلى توضيحه في الفقرات التالية، فنقول:



وردت في القرآن الكريم آيات صريحة، تبين أن دخول الجنة مرتبط بعمل الإنسان، ومتوقف على سعيه وجهده في هذه الحياة. ويفهم من تلك الآيات أن ثمة علاقة سببية بين فعل الإنسان ودخوله الجنة، وأن العمل سبب للدخول، وأن الدخول نتيجة للعمل؛ من ذلك نورد الآيات الآتية:



- قوله تعالى: { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } (الأعراف:43) وقال تعالى: { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } (النحل:32) ويقول سبحانه: { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } (الزخرف:72) فهذه الآيات وما شاكلها تدل على أن سعي الإنسان وكسبه والعمل بما أمر الله به كان سببًا لدخوله الجنة. ويفهم من هذه الآيات أن من لم يعمل بطاعة الله في هذه الدنيا، ولم يلتزم بأحكام شرعه فليس له نصيب من الجنة، ولن يكون من داخليها ولا من أصحابها. فهذا بعض من الآيات الواردة في هذا الشأن؛ أما الأحاديث، فنسوق منها:



- ما رواه البخاري في "صحيحه" أن أبا هريرة رضي الله عنه،قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ( لن ينجي أحدًا منكم عمله ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله ! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا ) وقد روى البخاري هذا الحديث في موضعين آخرين من "صحيحه" بألفاظ متقاربة .





- وروى مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ( لن ينجي أحدًا منكم عمله ، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله ! قال: ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا ) وقد روى مسلم هذا الحديث في مواضع أُخر من "صحيحه" بألفاظ متقاربة أيضًا .

- والحديث رواه عدد من أئمة الحديث؛ فهو في ( صحيح ابن حبان ) و( مسند الإمام أحمد ) و( سنن ابن ماجه ) و( السنن الكبرى ل لبيهقي ) وهو عند الطبراني في ( المعجم الكبير ) و( الأوسط ) وهو في ( مسند أبي يعلى ) و( مسند الطيالسي ) وغيرها من كتب الحديث .



وإذا كان الأمر كذلك، فالحديث ثابت سندًا لا شك فيه ولا مطعن، وهو إن لم يكن إلا في "الصحيحين" لكفى، فكيف وهو في غيرها من كتب الحديث .

بعد ما تبين من تحرير موضع الشبهة، يجدر بنا أن نتجه إلى أقوال أهل العلم - وشراح الحديث منهم خاصة - لنرى ماذا يقولون في توجيه هذا التعارض، وماذا يقررون في منهج التوفيق بين الآية والحديث؛ والبداية مع الإمام النووي في شرحه على ( صحيح مسلم ) فماذا يقول النووي عند شرحه لحديث: ( لن ينجي أحدًا منكم عمله ) ؟



- بعد أن يقرر الإمام النووي عقيدة أهل السنة في مسألة الثواب والعقاب، وأن ذلك ثابت بالشرع لا بالعقل، خلافًا للمعتزلة، يقول بعد تلك التقدمة: (... وفى ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لايستحق أحد الثواب والجنة بطاعته ) ثم يورد ما يَرِدُ من اعتراض أو تعارض بين هذا الحديث - وما شاكله من أحاديث - وبعض الآيات القرآنية، فيقول: ( وأما قوله تعالى: { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } { وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون } ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يُدْخَل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للاخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال، أي: بسببها، وهي من الرحمة ) إذًا، يقرر النووي ألا تعارض بين الآيات والأحاديث، وأن وجه التوفيق بينهما، بأن يقال: إن دخول الجنة نتيجة لعمل العبد، لكن عمل العبد لا يكون إلا بتوفيق من الله، وفتح منه، وبذلك تتفق النصوص وتتوافق. وهذا حاصل ما قرره النووي في هذه المسألة .



- أما ابن حجر في ( فتح الباري ) فهو ينقل بعضًا من أقوال أهل العلم في المسألة؛ لبيان وجه التوفيق بين الأحاديث والآيات الواردة في هذا الشأن؛ فنقل قول ابن بطال بأن: ( تحمل الآية على أن الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها ) .

ويدلي ابن حجر بدلوه في المسألة، فيقول: ( ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر، وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولاً، وإذا كان كذلك، فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه. وعلى هذا، فمعنى قوله تعالى: { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } أي: تعملونه من العمل المقبول. ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة أو للإلصاق أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية ) وما قرره ابن حجر يلتقي في المحصلة مع ما قرره النووي .



- أما ابن كثير ، فيقول في توجيه هذا التعارض: (...{ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } أي: أعمالكم الصالحة كانت سببًا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحدًا عمله الجنة، ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات يُنال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات...) ثم يؤيد هذا التوجيه للآية، بما رواه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كل أهل النار يرى منـزله من الجنة، فيكون له حسرة، فيقول : { لو أن الله هداني لكنت من المتقين } (الزمر:57) وكل أهل الجنة يرى منـزله من النار، فيقول : { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } (الأعراف:43) فيكون له شكراً ) قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من أحد إلا وله منـزل في الجنة ومنزل في النار؛ فالكافر يرث المؤمن منـزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منـزله من الجنة . وذلك قوله تعالى: { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } (الزخرف:72). وحاصل كلام ابن كثير في هذه المسألة، أنه لا تعارض بين الآيات الدالة على ارتباط الجزاء بالعمل، وبين الأحاديث الدالة على أن دخول الجنة إنما يكون بفضل الله وبرحمته؛ من جهة أن القيام بالأعمال إنما هو حاصل من الله سبحانه بتوفيق العبد للقيام بها، وليس للعبد في ذلك سببية حقيقية في القيام بهذه الأعمال، ونيل الجزاء عليها، بل هي سببية عادية على حسب ما أقام الله عليه أمر الدنيا من الأسباب الظاهرة .



- ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية وجه التوفيق بين الآية والحديث، بأن نيل الجنة ليس لمجرد العمل؛ إذ العمل مجرد سبب فحسب؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه و سلم: ( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ..) أما قوله تعالى: { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } قال: فهذه ( باء السبب ) أي: بسبب أعمالكم؛ والذى نفاه النبي صلى الله عليه وسلم ( باء المقابلة ) كما يقال: اشتريت هذا بهذا، أي: هذا مقابل هذا؛ ويكون المعنى: ليس العمل عوضًا وثمنًا كافيًا لدخول الجنة، بل لابد من عفو الله وفضله ورحمته؛ فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف البركات .



- وقد سار ابن القيم على درب شيخه في التوفيق بين ما يبدو من تعارض الآية والحديث، واستحسن في الجواب أن يقال: إن ( الباء ) المقتضية لدخول الجنة، غير ( الباء ) التي نفي معها الدخول؛ فالمقتضية هي ( باء ) السببية، الدالة على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، ومقتضية له، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها؛ و( الباء ) التي نفي بها الدخول، هي ( باء ) المعاوضة والمقابلة، التي في نحو قولهم: اشتريت هذا بهذا؛ فالحديث النافي أن يكون العمل سببًا لدخول الجنة، يقرر ويفيد أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل العبد، بل هو برحمة الله وفضله، فليس عمل العبد وإن تناهى موجبًا وكافيًا بمجرده لدخول الجنة، ولا عوضًا لها. فإن أعمال العبد وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، فهي لا تقارن نعمة الله التي أنعم بها عليه في دار الدنيا، ولا تعادلها، بل لو حاسبه لوقعت أعماله كلها في مقابلة اليسير من نعمه، وتبقى بقية النعم مقتضية لشكرها، فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له، ولو رحمه لكانت رحمته خيرًا له من عمله. وهذا حاصل جواب ابن القيم في هذه المسألة .



- على أن المتأخرين من أهل العلم، لم يخرجوا في التوفيق بين الآية والحديث عن فحوى ما قاله المتقدمون؛ فهذا ابن عاشور في ( التحرير والتنوير ) يقول: و( الباء ) في قوله: { بما كنتم تعملون } سببية، أي: بسبب أعمالكم، وهي الإيمان والعمل الصالح ). لكن السببية هنا ليست سببية محضة، بل هي سببية ظاهرة كما قدمنا؛ لذلك نجده يُتبع ما تقدم من كلامه بالقول: ( وهذا الكلام ثناء عليهم بأن الله شكر لهم أعمالهم، فأعطاهم هذا النعيم الخالد لأجل أعمالهم، وأنهم لما عملوا ما عملوه من العمل، ما كانوا ينوون بعملهم إلا السلامة من غضب ربهم، وتطلب مرضاته شكرًا له على نعمائه، وما كانوا يمتون بأن توصلهم أعمالهم إلى ما نالوه، وذلك لا ينافي الطمع في ثوابه والنجاة من عقابه ) وقد دلل ابن عاشور على هذا التوجيه، بأن الآية جمعت بين لفظ ( الإيراث ) في قوله سبحانه: { أورثتموها } وبين ( باء ) السببية، في قوله تعالى: { بما كنتم تعملون } وذلك أن لفظ ( الإيراث ) دال على أنها عطية، بدون قصد تعاوض ولا تعاقد، وأنها فضل محض من الله تعالى؛ لأن إيمان العبد بربه وطاعته إياه لا يوجب إلا نجاته من العقاب، الذي من شأنه أن يترتب على الكفران والعصيان، وإلا حصول رضى ربه عنه، ولا يوجب جزاء ولا عطاء. وهذا محصل كلام ابن عاشور في هذه المسألة .

وفي الجملة، نستطيع أن نلخص أقوال أهل العلم في التوفيق بين الآية والحديث، بالنقاط التالية:



* أن الأعمال ليست سببًا حقيقًا لدخول الجنة، وإنما هي سبب حسب الظاهر والمعتاد والمألوف؛ وأن دخول الجنة إنما يحصل بفضل الله ورحمته .



* أن الأعمال سبب لدخول الجنة، لكن التوفيق للقيام بالأعمال، إنما هو من الله سبحانه؛ فضلاً منه على عباده، ورحمة منه لخلقه؛ ولولا رحمة الله وفضله لما وِفِّق العباد لفعل الطاعات، التي يحصل بها دخول الجنات .



* أن الأعمال سبب لدخول الجنة، لكنها ليست مقابلاً لها؛ فمن أراد دخول الجنة بعوض يقابلها، فلن يجد إلا رحمة الله وفضله، وتكون أعمال العباد سببًا لنيل تلك الرحمة .

* أن أصل دخول الجنة إنما هو بفضل الله، لكن اقتسام درجاتها ومنازلها، مرده إلى عمل العباد؛ فيقع التفاوت في تلك الدرجات والمنازل بحسب الأعمال؛ كما قال بعض السلف: ينجون من النار بعفو الله ومغفرته، ويدخلون الجنة بفضله ونعمته ومغفرته، ويتقاسمون المنازل بأعمالهم .



على أن الأمر الذي يجدر التنبيه إليه في هذا المقام، أن ما نص عليه الحديث من كون دخول الجنة إنما يكون بفضل الله ورحمته، لا يفهم منه التقليل من سعي العبد وكسبه؛ لذلك جاء في الحديث نفسه: ( سددوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا ) أي: اقصدوا بعملكم الصواب، أي: اتباع السنة من الإخلاص وغيره، ليقبل عملكم، فتنـزل عليكم الرحمة .



نخلص من كل ما تقدم - وهو ما عقدنا المقال لأجله - أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين آيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول الأمين، وأن وجود تعارض من حيث الظاهر بين آية وحديث، لا يعني بحال إسقاط ذلك الحديث، وعدم اعتباره. ومن ظن أو اعتقد خلاف ذلك، فليس على بينة من أمره .

لنا الله
22-11-2008, 04:35 AM
آيات ظاهرها التعارض


في سورة النساء نقرأ قوله تعالى: { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله } (النساء:78) وبعدها مباشرة نقرأ قوله عز وجل: { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } (النساء:79) ونقرأ أيضًا قوله سبحانه في سورة آل عمران: { قل هو من عند أنفسكم } (آل عمران:165) .

وقد يظن للوهلة الأولى أن قوله سبحانه: { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } مناف لقوله تعالى: { قل كل من عند الله } ولقوله أيضًا: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله } (آل عمران:166) ولقوله: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } (الأنبياء:35) وليس الأمر كذلك .

وهذه القضية التي تتناولها الآيات السابقة، هي جانب من قضية كبيرة؛ القضية المعروفة في تاريخ العالم كله باسم " القضاء والقدر" أو "الجبر والاختيار" .

والواقع، فإن فهم هذه الآيات فهمًا صحيحًا يستدعي أمرين؛ أولهما: النظر إليها في السياق الذي وردت فيه؛ إذ لا يستقيم ولا يصح فهمها وهي منعزلة عن سياقها الخاص. وثانيهما: النظر إليها وفق المنظومة القرآنية العامة، أو بعبارة أخرى، النظر إليها نظرة كلية عامة، وضمن إطار الآيات القرآنية الأخرى؛ إذ إن آيات الكتاب يشهد بعضها لبعض، ويؤيد بعضها بعضًا. وانطلاقًا من هذين الأمرين نستطيع التوفيق بين ما قد يظهر من تعارض في الآيات التي نحن بصددها .

على ضوء هذا نقول: إن قوله سبحانه: { قل كل من عند الله } معناه: قل يا محمد، للقائلين إذا أصابتهم حسنة: { هذه من عند الله } وإذا أصابتهم سيئة: { هذه من عندك } قل لهم: إن كل ذلك من عند الله؛ فمن عنده سبحانه الرخاء والشدة، ومنه النصر والظَفَر، ومن عنده الفوز والهزيمة. ولهذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { قل كل من عند الله } قال: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها. وعن قتادة في قوله سبحانه: { قل كل من عند الله } قال: النعم والمصائب. وعن ابن زيد قال: النصر والهزيمة. وعن أبي العالية قال: هذه في السراء والضراء .

وعلى هذا فمعنى الآية الكريمة: إن كل ما أصاب الناس من خير أو شر، أو ضر أو نفع، أو شدة أو رخاء، فمن عند الله، لا يقدر على ذلك غيره، ولا يصيب أحدًا سيئة إلا بتقديره، ولا ينال رخاء ونعمة إلا بمشيئته. فالجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البِر والفاجر، والمؤمن والكافر. وفي هذا إعلام من الله لعباده، وتقرير لحقيقة مفادها: إن مفاتح الأشياء كلها بيده سبحانه، لا يملك شيئًا منها أحد غيره .

أما قوله عز وجل: { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } يعني: ما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه، فمن نفسك، أي: بسبب ذنب اكتسبته نفسك. وفي ذلك آثار أيضًا؛ فعن السدي قال: { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } أي: من ذنبك. وعن قتادة قال: { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } أي: عقوبة يا ابن آدم بذنبك. وعن أبي صالح قال: بذنبك، وأنا قدَّرتها عليك.

وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد معنى هذه الآية؛ كقوله تعالى: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } (الشورى:30) أي: بذنوبكم وبما كسبت أيديكم؛ وقوله في سورة آل عمران بشأن أهل غزوة أحد: { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } (آل عمران:65) .

فحاصل المعنى هنا: ما أصابك أيها المؤمن من خصب ورخاء، وصحة وسلامة، وغنى وفقر، وسراء وضراء، ونعمة ونقمة، فبفضل الله عليك وإحسانه إليك؛ وما أصابك من جدب وشدة، وهمٍّ وغمٍّ، ومرض وسقم، فبذنب أتيته، وإثم اقترفته، وعمل كسبته، فعوقبت عليه .

وفي تفسير ابن كثير عن مطرف بن عبد الله قال: ما تريدون من القدر ؟ أما تكفيكم الآية التي في سورة النساء: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } أي: من نفسك؛ والله ما وكلوا إلى القدر، وقد أمروا وإليه يصيرون. قال ابن كثير معقبًا: وهذا كلام متين قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضًا .

قال أهل العلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشك في أن كل شيء بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته، كما قال تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } (الأنبياء:35) .

فالآية - موضع البحث - تقرر حقيقة مهمة حاصلها: أن الله سبحانه هو المقدر لكل ما يقع في الكون؛ فما يقع في الكون من خير، فهو بتقديره؛ وما يقع من شر فهو بتقديره أيضًا، لكنه سبحانه - وهو العليم الحكيم - يقدر الشر والضر لسبب؛ فما أصابك أيها الإنسان من خير فهو بتقدير الله، وبسبب من أعمالك الصالحة، وما أصابك من شر فبسبب ذنوبك الطالحة، ولا يظلم ربك أحدًا .

إن الإنسان قد يتجه ويحاول تحقيق الخير بالوسائل التي أرشد الله إليها، بَيَدَ أنَّ تحقق الخير فعلاً، لا يتم إلا بإرادة الله وقدره .

وكذلك، فإن الإنسان قد يتجه إلى تحقيق السوء. أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء. ولكن وقوع السوء فعلاً، ووجوده أصلاً، لا يتم إلا بقدرة الله وقدره .

فكل أمر في هذا الكون لا ينشأ ولا يتحقق إلا بإرادة الله وقدره. وما يصيب الإنسان من حسنة أو سيئة - بأي معنى من معاني الحسنة أو السيئة، سواء حسب ما يبدو في الظاهر، أو حسب ما هو في حقيقة الأمر والواقع - فهو من عند الله. لأنه لا ينشىء شيئًا ولا يحدثه ولا يخلقه ولا يوجده إلا الله .

أما ما يصيب الإنسان من حسنة حقيقية - في ميزان الله - فهو من عند الله، لأنه بسبب منهجه وهدايته. وما يصيبه من سيئة حقيقية - في ميزان الله - فهو من عند نفسه، لأنه بسبب تنكُّبه منهج الله، وإعراضه عن هدايته ومنهجه. وبهذا البيان يستقيم فهم الآيات والتوفيق بينها .

لنا الله
25-11-2008, 07:00 PM
أمثال قرآنية


تناولت الأمثال القرآنية كثيرًا من القضايا التي تحيط بالإنسان في هذه الحياة؛ كقضايا الكفر والإيمان، والإيمان والنفاق، والهدى والضلال، والعلم والجهل، والخير والشر، والغنى والفقر، والحياة الدنيا والحياة الآخرة، وغير ذلك من القضايا .

ومن بين تلك القضايا التي تناولتها الأمثلة القرآنية قضية الحق والباطل، قال تعالى: { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال } (الرعد:14) .

هذه الآية الكريمة في جملتها تبين أن الذي يصح ويبقى في هذه الحياة، وينتفع به الناس غاية الانتفاع إنما هو الحق. وبالمقابل فإن كل ما كان خلاف ذلك من أنواع الباطل لا وزن له ولا قيمة ولا اعتبار، وسرعان ما يزول ويضمحل .

فهذه الآية تضمنت مثلين حسيَّين، يراد منهما إيصال فكرة واحدة، مفادها: أن الحق هو المنتصر في النهاية، وهو صاحب الكلمة الفصل في معركة الحياة، وأن الباطل هو الخاسر والمنهزم في المحصلة؛ فالمثل الأول وهو قوله تعالى: { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا } مضروب للماء الذي يُنـزله الله من السماء، فيتدفق في الأرض، فيملأ الأودية التي تشكل سيولاً جارفة، تحمل معها كل ما تصادفه في طريقها من القش والورق والفضلات وغير ذلك مما لا قيمة له في الحقيقة. ثم إن هذه السيول الجارفة تشكل على سطحها رغوة بيضاء على شكل فقاعات، سرعان ما يتلاشى شكلها، وينطفئ لونها. ويبقى الماء وحده هو الذي ينتفع به الناس، حيث يرفد الأنهار، ويغذي الينابيع، ويحمل معه الخير، فيحلُّ الخصب بعد الجدب، والنماء بعد القحط، والخير بعد الشح .

والمثل الثاني هو قوله تعالى: { ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله } ضربه سبحانه للنار الحامية التي تعرض عليها المعادن بأنواعها، ومنها الذهب والفضة، بقصد إزالة شوائبها وما خبث فيها، وفي أثناء عرضها على تلك النار تطفو على سطحها طبقة سائلة أشبه بالرغوة البيضاء التي تطفو على سطح الماء، لكنها سرعان ما تتلاشى في الهواء وتضمحل هنا وهناك، ويبقى جوهر المعدن الأصيل الذي ينتفع به الناس، فيصنعون منه أدواتهم، ويستعينون به على قضاء حوائجهم .

كذلك الحق والباطل في هذه الحياة؛ فالباطل قد يظهر، ويعلو، ويبدو أنه صاحب الجولة والكلمة، لكنه أشبه ما يكون بتلك الرغوة البيضاء التي تطفو على سطح ماء السيل، والمعدن المذاب، سرعان ما تذهب وتغيب، من غير أن يلتفت إليها أحد. في حين أن الحق، وإن بدا لبعضهم أنه قد انزوى أو غاب أو ضاع أو مات، لكنه هو الذي يبقى في النهاية، كما يبقى الماء الذي تحيى به الأرض بعد موتها، والمعدن الصافي الذي يستفيد منه الناس في معاشهم حلية أو متاعاً .

على أن في الآية الكريمة - غير ما تقدم - وجهاً آخر من التمثيل، ذكره بعض أهل العلم، وهو أن الماء الذي ضرب الله به المثل في هذه الآية، إنما المراد منه العلم والهدى الذي يبعثه الله على عباده عن طريق أنبيائه ورسله ودعاته، فيأخذ الناس منه حظهم، بقدر ما ييسرهم الله له، ويوفقهم إليه. فتكون عناصر التمثيل في هذه الآية - بحسب هذا الوجه - وفق التالي: الماء مراد به العلم والهدى. والأودية مراد منها القلوب التي تتلقى العلم والهدى. وسيلان الأودية بقدرها مراد منه حظ القلوب في قبول وتلقي ذلك العلم. والزبد الذي يطفو على سطح الماء والمعادن مراد منه الأباطيل والشكوك والشبهات والشهوات التي تنتاب الإنسان. وما يبقى من الماء الصافي بعد مضي السيل، والمعدن النقي بعد عرضه على النار مراد منه الحق الذي يبقى على مر الأيام والسنين؛ لأن من صفاته الثبات ومن خصائصه البقاء .

ووجه التمثيل - وفق هذا المسلك - أن السيل الجارف والمعدن المذاب كما يذهب زبدهما هنا وهناك، من غير اكتراث ولا اهتمام، فكذلك الأباطيل والشكوك تذهب من قلب المؤمن وتتلاشى ليحل مكانها الإيمان والهدى، الذي ينفع صاحبه، وينتفع به غيره .

وقد روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله في هذه الآية: هذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها. فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: { فأما الزبد فيذهب جفاء }، وهو الشك، { وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض }، وهو اليقين، كما يجعل الحلي في النار، فيؤخذ خالصة، ويترك خبثه في النار. فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك .

وعلى نحو هذا التمثيل في الآية جاء قوله صلى الله عليه وسلم: ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) متفق عليه .

والذي يستفاد من التمثيل الوارد في الآية جملة أمور:

أولها: أن العاقبة للمؤمنين، وأن الحق منتصر لا شك في ذلك، وإن كان الواقع يدل على غير ذلك؛ وأن الباطل لا محالة زائل، وإن كان في يوم من الأيام ممسكاً بالراية ورافعاً لها .

ثانيها: أن العمل الصالح هو الذي يبقى لصاحبه، وهو الذي يرجى منه الخير في الدنيا والآخرة، وأن العمل السيئ يذهب ولا يفيد صاحبه شيئاً .

ثالثها: أن العلم والهدى هو الذي ينفع المؤمن في هذه الحياة، وأن الشك والباطل لا يغنيا ولن يغنيا من الحق شيئاً .

أخيراً، يقول ابن القيم : إن من لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما .

وقد قال بعض السلف: كنت إذا قرأت مثلاً من القرآن فلم أفهمه، بكيت على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: { وما يعقلها إلا العالمون } (العنكبوت:43) .

لنا الله
30-11-2008, 10:19 PM
مختارات من تفسير الآيات


من المعلوم بالضرورة في شرائع السماء عموماً، وفي شريعة الإسلام على وجه الخصوص، أن الإنسان لا يعاقب على ذنب فعله غيره، ولا يحاسب على جرم اقترفه إنسان آخر؛ ونصوص القرآن في تقرير هذا المعنى عديدة، من ذلك قوله تعالى: { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } (البقرة:286)، وقوله سبحانه: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } (الأنعام:164)، وقوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } (طه:15)، ونحو ذلك من الآيات .

ومقابل هذه الآيات التي تقرر أن المسؤولية العقابية لا يتحملها إلا الفاعل نفسه، نجد من الآيات التي تقرر أن صاحب الذنب قد يعاقب على ذنب فعله غيره؛ من ذلك قوله تعالى: { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم } (النحل:25)، وقوله سبحانه: { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } (العنكبوت:13)، فهاتان الآيتان يفيد ظاهرهما أن بعض الناس سوف يعاقبون على أفعال ارتكبها غيرهم، ولم يرتكبوها أنفسهم، الأمر الذي يوحي بأن ثمة تعارضاً بين الآيات النافية لتحمل آثام الآخرين، والآيات المثبتة لذلك .

ولا شك، فإن كتاب الله أجلُّ وأعظم من أن يتضمن تعارضاً بين آياته؛ إذ هو من عند الله سبحانه، { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } (فصلت:42). وما يبدو من تعارض بين آياته إنما مرده لمحدودية عقل الإنسان فحسب، وواقع الأمر ألا تعارض .

وقد أجاب العلماء على ما يبدو من تعارض بين الآيات بأن قالوا: إن الأصل في الحساب والعقاب يوم القيامة أن لا يحمل الإنسان تبعات غيره؛ لأن هذا يتنافى مع مبدأ العدل الذي أقرته شرائع السماء كافة، غير أن هذا الأصل قد يطرأ عليه ما يكون استثناء منه لسبب يقتضي ذلك، على ما سنبينه قريباً .

ونحن نمثل لذلك بمثال من واقع الناس فنقول: لو أن شخصاً ما حرَّض شخصاً آخر على قتل إنسان ما، فاستجاب هذا الشخص لهذا التحريض، وقام بقتل ذلك الإنسان، فإن القضاء هنا يعاقب الفاعل المباشر وهو القاتل، ويعاقب الفاعل غير المباشر أيضاً، وهو المحرض على القتل. وليس من العدل أن يقال هنا: إن العقاب يجب أن ينصب على الفاعل المباشر دون المحرض؛ لأن المحرض - باعتبار ما - يُعتبر متسبباً في القتل من جهة أنه حرض ذلك الشخص، ودفعه إلى مباشرة القتل، ولولا ذلك التحريض لما وقع القتل. وعليه فلا يصح إسناد فعل القتل هنا للفاعل المباشر دون المحرض؛ إذ لو صح ذلك لكان ذلك الحكم جائراً غير عادل .

وما نحن فيه من الآيات لا يبعد كثيراً عما مثلنا به آنفاً؛ وذلك أن تلك الآيات تفيد تحمل العقاب على فعل فعله آخرون؛ وذلك باعتبار أن هؤلاء الحاملين لأوزار غيرهم إنما نالوا هذا العقاب من جهة أنهم كانوا السبب وراء من ضل عن سبيل الله، فنالهم العقاب بهذا الاعتبار، فكان العدل تحميلهم تبعات ما قاموا به من إضلال لغيرهم .

ولا ينبغي أن يُفهم من هذا أن ما يحمله المضلون من أوزار غيرهم يعفي الضالين من الحساب والعقاب، بل كلا الفريقين محاسب جراء عمله، فالمضلون يحملون أوزار من أضلوهم، ويعاقبون على ذلك بسبب إضلالهم إياهم، والضالون يحملون أوزار أنفسهم جراء اتباعهم لأولئك المضلين .

وقد روي عن مجاهد في قوله تعالى: { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم }، قال: ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئاً .

على أننا لو دققنا النظر في الأمر لتبين لنا أن ما يحمله المضلون من أوزار الضالين هو في الواقع نتيجة عملهم وكسبهم؛ إذ لما كان هؤلاء المضلون سبباً مباشراً لضلال أولئك الأتباع، صح أن يعاقبوا ويحاسبوا على فعل كانوا هم السبب في وجوده وتحقيقه، فكان ما حملوه من عقاب ليس بسبب فعل قام به غيرهم، وإنما بسبب فعل قاموا به بأنفسهم، فوضح بذلك أن العقاب نالهم بما كسبت أيديهم، لا بما كسبه غيرهم .

وقد ورد في السنة ما يدل على ما تقدم بيانه؛ فقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة فأبطؤوا عنه، حتى رئي ذلك في وجهه، ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرة من وَرِق - فضة -، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عُرف السرور في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء؛ ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء ) .

وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً قال: ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) رواه مسلم .

فهذا الحديثان يدلان دلالة واضحة على ما كنا بيناه سابقاً، من أن الإنسان يتحمل مسؤولية عمله، إذا كان لعمله أثر مباشر أو غير مباشر على غيره .

وتأسيساً على ما سبق بيانه، فمن كان إماماً في الضلالة ودعا إليها، واتبعه الناس عليها، فإنه يحمل يوم القيامة وزر نفسه، ووزر من أضله من الأتباع، من غير أن ينقص من وزر الضالين شيء .

وعلى ضوء ما تقدم، يتبين أن الأصل الذي ذكرناه بخصوص الحساب والعقاب ليس على إطلاقه، وإنما هو مقيد بحيث لا يكون لفعل الإنسان أثر على غيره، فإن كان ذلك كذلك كان مشتركاً في الحساب والعقاب، من جهة أنه كان سبباً. فوضح بهذا التقرير ألا تعارض حقيقي بين تلك الآيات .

لنا الله
04-12-2008, 05:59 PM
مختارات من تفسير الآيات


من الأساليب الفنية التي استعملها الخطاب القرآني لتوصيل خطابه وكشف معانيه، وإبراز مقاصده، أسلوب ضرب المثل، وهو أسلوب قرآني بارز وملحوظ في القرآن الكريم، ووقفتنا اليوم مع آية قرآنية سيقت مساق ضرب المثل لمن يعمل بطاعة الله، ويلتزم حدوده وشرعه، ومن يُعرض عن ذلك فلا يكترث بشرع، ولا يقيم وزنًا لدين .

يقول جلا علاه في محكم تنزيله: { ضرب الله مثلاً عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سرًا وجهرًا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } (النحل:75) والآية - كما هو ظاهر - مثَّلت لحالين، وإن شئت قل: أبرزت موقفين متباينين متعارضين؛ الأول: حال العبد الذي لا يملك من أمره شيئًا، بل هو في موقف المنفعل، والمتأثر، والمتلقي لما يلقى عليه من أوامر ونواهٍ؛ والثاني: حال الحر المالك لأمره، الفاعل وفق هدي ربه، والمؤثر فيمن حوله .

قال أهل التفسير في معنى الآية: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن، فالكافر رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيرًا، ولم يعمل فيه بطاعة الله، بل أخذ ينفقه فيما لا يرضي الله سبحانه، ويستخدمه فيما لم يُشرع المال لأجله؛ والمؤمن الذي رزقه الله رزقًا حسنًا، فهو يعمل فيه بطاعة الله، ويؤدي به شكره، ويعرف حق الله فيه، فشتان بين الموقفين؛ موقف المعرض عما أمر الله به، والجاحد لما أنعم به عليه، وموقف المقبل على أمر ربه، والعارف لما أسبغ عليه من نعمه، فشتان ما هما { هل يستويان مثلاً } ولكن أكثر الناس لا يعلمون، بل هم عن ذلك غافلون .

ولا بأس أن تعلم، أن بعض المفسرين رأى أن المقصود في المثل المضروب في الآية، بيان الفرق بين خالق العباد ومدبر أمرهم، وبين الأصنام التي تعبد من دون الله، ولا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، فضلاً عن أن تملك ذلك لغيرها .

وحاصل المعنى وفق هذا التفسير: أنه كما لا يستوي - عقلاً ولا عادة - عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء، ورجل حر قد رزقه الله رزقًا حسنًا فهو ينفق منه، كذلك لا يستوي الرب الخالق الرازق، والأصنام التي تعبد من الله، وهي لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع، ولا تخفض ولا ترفع .

ثم إن لهذه الآية ارتباط وثيق بالآية التي تليها مباشرة، وهي قوله تعالى: { وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كَلُّ على مولاه أينما يوجهه لا يأتِ بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } (النحل:76) و ( الكَلُّ ) في الآية - بفتح الكاف - العالة على الناس، وفي الحديث: ( من ترك كَلاً فإليَّ ) رواه البخاري ، أي من ترك عيالاً فأنا كفيلهم، وأصل ( الكَلِّ ) الثقل .

و ( الأبكم ) هو الكافر، شُبِّه بذلك لعجزه عن إدراك الحق، والانقياد له، وتعذر الفائدة منه في سائر أحواله .

و ( العدل ) الحق والصواب الموافق للواقع؛ والذي { يأمر بالعدل } هو مثل للمؤمن الذي وُفِّق لإدراك الحق، وهُدي إليه، فعمل به، وجاهد لأجله، وعاش صابرًا ومصابرًا تحت لوائه .

على أننا نفهم من هذا المثل الثاني، المضروب للتفريق بين الكافر والمؤمن، ما هو أعم من ذلك وأشمل، وهو أن يكون مثالاً لبيان الفارق بين المؤمن العامل والمؤمن الخامل، والمؤمن الفاعل والمؤمن المنفعل، والمؤمن الإيجابي والمؤمن السلبي، والمؤمن المتفائل والمؤمن المتشائم، والمؤمن المؤثر والمؤمن المتأثر ... إلى غير ذلك من الصفات الفارقة والفاصلة بين الموقفين؛ موقف مقدام غير هيَّاب، كل همه العمل بما يرضي الله، والسير على نهج خالقه، لا ينفتل إلى غير ذلك؛ وموقف متردد خوار لا يدري ما هو فاعل، ولا إلى أين هو يتجه؛ وشتان بين أن يكون المؤمن كَلاًّ، وبين أن يكون عدلاً، فالأول قاعد ينتظر من السماء أن تمطر عليه ذهبًا أو فضة، والثاني ساع في الأرض في مناكبها، آخذ بأسباب الرزق والعمل، متوكل على الله في أمره كله .

فالعمل العمل عباد الله، والجد الجد أخي المؤمن، فاعرف دورك في هذه الحياة، وحدد وجهتك التي هي مقصدك، وتوكل على الله فهو حسبك، واستعن بالله ولا تعجز، إنه نعم المولى ونعم النصير .

خديجة
04-12-2008, 06:19 PM
:eek:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:eek:
بارك الله فيك وجزاك خيرا على ماتقدمه لنا وعلى مجهودك الدائم وعملك الدؤوب دائما دون كلل ولا ملل لكي تنشر التفسير لخير كلام نزل على خير الانام نسال الله ان يجعل كل ذلك في موازين حسناتك وان يجزيك الجنة ويجزيك عنا خير الجزاء

لنا الله
13-12-2008, 08:09 PM
جزاكم الله خيرا أختنا الفاضله للمرور

نفع الله بكم .

لنا الله
13-12-2008, 08:12 PM
مختارات من تفسير الآيات


بين الصدقة على النفس والإيثار عليها


جاء في القرآن الكريم، في سياق مدح الأنصار وموقفهم من إخوانهم المهاجرين، قوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } (الحشر:9)، والآية وإن وردت في شأن الأنصار، إلا أنها أيضًا تخاطب المؤمنين عمومًا، وتحثهم على التحلي بهذا الخُلق الكريم خُلُق الإيثار، لأنه من طرق الفلاح والنجاح .

لكن بالمقابل، نجد نصوصًا من السنة النبوية، تخاطب المكلفين وتأمرهم بأن يبدؤوا بالإنفاق على أنفسهم أولاً، ثم على أهليهم، ثم على الأقرب فالأقرب؛ وفي هذا السياق نقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول ) رواه البخاري و مسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أراد أن يتصدق بكل ما يملك: ( ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا ) رواه مسلم ؛ وقد روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم متصدقًا بجميع ما يملك، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقول لهم: ( يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ) رواه أبو داود ، وجملة: ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ) في الصحيحين. ونحو ذلك من الأحاديث .

وقد يبدو وجود نوع من التعارض، بين آية سورة الحشر، التي مدحت الذين يؤثرون على أنفسهم، ولو أدى بهم هذا الإيثار إلى الفقر والحاجة، وبين الأحاديث الصريحة، التي تأمر بالبدء بالإنفاق على النفس والأهل أولاً، وتنهى عن التصدق بجميع المال. فكيف جمع العلماء بين هذه الآية والأحاديث السابقة ؟

ذكر العلماء في وجوه الجمع أن الإيثار إنما يكره في حق من لا يملك الصبر على الفقر، ويخاف أن يتعرض لسؤال الناس، والطلب منهم، إذا آثر غيره على نفسه؛ أما إذا كان يصبر على الفقر، ويعلم من نفسه أنه لن يصل به الأمر إلى حد سؤال الآخرين، فالإيثار في حقه أفضل. وهذا حال الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم، فقد كانوا كما قال الله تعالى: { والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس } (البقرة:177)؛ فكان الإيثار في حقهم أفضل من الإمساك .

وذكروا أيضًا أن الإيثار من باب الفضل والإحسان المستحب، والصدقة على النفس والأهل من باب العدل الواجب؛ وفعل الواجبات هو الذي ينبغي على المكلف القيام به أولاً، أما فعل ما هو مستحب فيأتي تاليًا لما هو واجب، وبشرط ألا يتعارض معه، أو يزاحمه .

وقد وردت أحاديث عديدة، تفيد أن الواجب على الإنسان أن يبدأ بالإنفاق على نفسه أولاً، ثم على أهله، ثم على الأقرب فالأقرب؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ( ابدأ بنفسك، فتصدق عليها ) رواه مسلم ، وقوله: ( وابدأ بمن تعول ) رواه البخاري و مسلم ، وقوله: ( كفى بالمرء إثمًا، أن يضيع من يقوت ) رواه أبو داود .

وإذا كان الأمر كذلك، فلا يكون الإيثار، ولا يصار إليه، إلا بعد أداء الواجبات، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، فإن أديت الواجبات، كحقوق النفس والأهل والأقارب، فحينئذ يكون الإيثار مستحبًا .

وعلى ضوء ما سبق، يمكننا فهم الأحاديث والوقائع الدالة على إنفاق بعض الصحابة، ومن بعدهم، كل ما يملكونه من مال، كفعل أبي بكر رضي الله عنه، عندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متصدقًا بجميع ماله، وسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أبقيت لأهلك )، فأجاب أبو بكر رضي الله عنه: ( أبقيت لهم الله ورسوله ) رواه أبو داود و الترمذي ؛ فلم ينكر صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه تصدقه بجميع ماله؛ لما علمه من صحة نيته، وقوة يقينه وصبره؛ لذلك لم يخف عليه الفتنة .

ومن هذا القبيل أيضًا فعل عائشة رضي الله عنها، ( أن مسكينًا سألها وهي صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فأمرت خادمتها أن تعطيه إياه ). رواه مالك ؛ فأمثال هذه الأخبار، إنما تصح في حق من علم من نفسه القدرة على الصبر، والتكفف عن سؤال الناس، وعدم تفريطه أيضًا بحقوق الآخرين، وهذا ما كان عليه حال الصحابة رضي الله عنهم .



وحاصل القول، أن الخطاب في آية الإيثار، وارد على سبيل الاستحباب والأفضلية، وفي حق من علم من نفسه القدرة على الصبر وتحمل الضيق، ومن غير أن يضيع حقوق الآخرين، ومن غير أن يدفعه الإيثار إلى سؤال الناس .

أما الأحاديث الآمرة بالإنفاق على النفس والأهل، فالخطاب فيها وارد على القدر الواجب من النفقة على النفس، والأهل، وأداء حقوق الآخرين. وعلى ضوء ذلك تتوافق النصوص، وتتفق ولا تختلف .

لنا الله
14-12-2008, 08:06 PM
مختارات من تفسير الآيات


دعوة القرآن إلى الدعاء والحث عليه وردت في مواضع عديدة من كتاب الله، نختار منها قوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان }(البقرة:186) وقوله سبحانه: { ادعوا ربكم تضرعًا وخفية } (الأعراف:55) وقوله جلا وعلا: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } (غافر:60) وغير ذلك من الآيات الداعية إلى الدعاء .


والدعاء من جهة اللغة يطلق على سؤال العبد من الله حاجته، ويطلق من جهة الشرع على معان عدة، منها العبادة، وعلى هذا فُسر قوله تعالى: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } أي: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني؛ وعن ثابت، قال: قلت لأنس رضي الله عنه: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة ؟ قال: لا، بل هو العبادة كلها .

وإذا كان الدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث، فإن العبادة أيضًا هي الدعاء، إذ لا تخلو عبادة من الدعاء، ولكن ما نريد إدارة الحديث حوله هنا، هو أهمية الدعاء بمعناه الأصلي واللغوي، ونقصد بذلك توجه العباد إلى الله تعالى طلبًا لقضاء الحاجات وكشف الكربات، وهو أمر يكاد يغفل عنه كثير من المسلمين، مع ندب الشرع إليه، وشدة احتياجهم إليه .

فمن فضل الله تبارك وتعالى وكرمه أن ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة؛ ففي الحديث: ( يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني } رواه مسلم . وفي حديث آخر: { إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبتين } رواه أحمد .

ويلاحظ أن طلب الدعاء في الخطاب القرآني جاء مقرونًا ومرتبًا عليه الإجابة؛ فالعلاقة بينهما علاقة السبب بالمسبَّب، والشرط بالمشروط، والعلة بالمعلول، فليس على العبد إلا الالتجاء إلى الله - بعد الأخذ بالأسباب - وطلب العون منه في كل عسر ويسر، وفي المنشط والمكره، ووقت الفرج ووقت الكرب؛ ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث؛ إما أن يعجل له دعوته، وإما إن يدخر له، وإما إن يكف عنه من السوء بمثلها. قالوا: إذن نكثر ؟ قال: الله أكثر ) رواه أحمد .

وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي ) رواه البخاري و مسلم .

قال السدي في تفسير قوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع } ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به هو له رزق في الدنيا أعطاه الله، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا ذخره له إلى يوم القيامة، ودفع عنه به مكروها .

ولسائل أن يسأل: فما لنا ندعو فلا يُستجاب لنا؟ وفي الجواب على هذا نختار ما أجاب به القرطبي عن هذا الإشكال، إذ قال رحمه الله: الجواب أن يُعْلَم أن قوله الحق في الآيتين { أُجيب } و { أستجب }لا يقتضي الاستجابة مطلقًا لكل داع على التفصيل، ولا بكل مطلوب على التفصيل، فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى: { ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين } (الأعراف:55) وكل مصر على كبيرة عالمًا بها أو جاهلاً فهو معتد، وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين، فكيف يُستجاب له؛ وأنواع الاعتداء كثيرة .

ويمكن أن يقال أيضًا: إن إجابته سبحانه متعلقة بإرادته، فيجيب لمن يشاء من عباده، ويُعْرِض عمن يشاء، لحكمة يريدها الله، يؤيد هذا قوله تعالى: { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } (الأنعام:41) والقرآن يفسر بعضه بعضًا .

إذا تبين هذا كان من اللازم القول: يمنع من إجابة الدعاء موانع لا بد من مراعاتها والتحفظ منها؛ وهي على العموم فعل كل ما لا يرضي الله سبحانه، كأكل الحرام وما كان في معناه، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ذكر ( ...الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب } وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من كانت هذه صفته؛ فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي، وفي الدعاء، وفي الشيء المدعو به. فمن شرط الداعي أن يكون عالمًا أنه لا قادر على قضاء حاجته إلا الله، وأن يدعو بنية صادقة وقلب حاضر، فإن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه، وأن يكون مجتنبًا لأكل الحرام، وألا يمل من الدعاء. وغير ذلك من الشروط التي فصل العلماء القول فيها .

والذي نخرج به مما تقدم، أن أمر الدعاء في حياة المسلم لا ينبغي أن يُقَلِّل من شأنه، ولا أن يحرم المسلم نفسه من هذا الخير الذي أكرمه الله به، والمسلم حريص على الخير، أولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( واحرص على ما ينفعك ) وتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام: ( احرص ) ليتبين لك قيمة هذا الهدي النبوي. ولا شك فإن النفع كل النفع في الدعاء، وخاصة إذا استوفى أسبابه؛ ولعل فيما خُتمت فيه آية البقرة: { لعلهم يرشدون } ما يؤكد هذا المعنى؛ كما أنَّ فيما خُتمت به آية غافر: { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } ما يشد من أزر هذا المعنى، والله أعلم .

غربة روح
15-12-2008, 09:10 PM
جزاكم الله خيرا أخي الفاضل
بارك الله في جهودكم

لنا الله
15-12-2008, 09:50 PM
من علوم القرآن


مقدمة حول التعارض في القرآن


يَعْرِضُ أحيانًا لقارئ كتاب الله الكريم بعض الآيات التي تدل بظاهرها على تعارض وعدم توافق مع آيات أُخر؛ فيشكل الأمر على القارئ لكتاب الله - وخاصة إذا كان زاده من علم التفسير يسيرًا - وربما أورث ذلك شكًا في نفسه، فيقف حائرًا في ذلك، ومتسائلاً عن وجه التوفيق بين ما بدا له من تعارض .

والحادثة التالية تلقي مزيدًا من الضوء على صورة هذه المشكلة .

رويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما - وأصل الحديث في البخاري - أن رجلاً جاءه، فقال: رأيت أشياء تختلف عليَّ من القرآن، فقال ابن عباس : ما هو؟ أشك؟ قال: ليس بشك، ولكنه اختلاف، قال: هات ما اختلف عليك من ذلك، قال: أسمع الله يقول: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } (الأنعام:23) وقال: { ولا يكتمون الله حديثًا } (النساء:42) فقد كتموا؛ وذكر له أشياء أخر اختلفت عليه؛ وقد أجاب ابن عباس رضي الله عن إشكالات السائل، ثم قال له: فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرتُ لك، وإن الله لم يُنَّزل شيئًا إلا وقد أصاب الذي أراد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

فقد يبدو - للوهلة الأولى - أن ثمة تعارضًا بين بعض آيات الكتاب الكريم، لكن إذا أمعنا النظر، وأعملنا البحث، بدا لنا وجه الحق في الأمر، وعلمنا أن آيات القرآن لا تعارض بينها البتة، وأن ما يبدو فيها من تعارض واختلاف، إنما هو تعارض واختلاف في أذهاننا فحسب، أما في حقيقة الأمر فليس هناك تعارض ولا اختلاف؛ إذ كيف يكون ذلك، ومصدر الكتاب واحد، وهو رب العالمين: { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا } (النساء:82) والآية الكريمة تدل بمفهومها، أن القرآن الكريم ما دام من عند الله فليس من المعقول عقلاً، ولا من المقبول شرعًا أن يكون فيه اختلاف أو تعارض؛ إذ إن مثل هذا الأمر مما يقبح في كلام البشر، فكيف يليق بكلام رب البشر .

وكشفًا لحقائق الأمور، وإزالة لما يُرى من تعارض واختلاف، فقد قام العلماء بوضع علم خاص، أدرجوه ضمن علوم القرآن، وأسموه علم ( مشكل القرآن ) على غرار ما فعل علماء الحديث، في التأليف في علم ( مشكل الحديث ) والغاية من هذا العلم إزالة ما يوهم التعارض والاختلاف بين آيات الكتاب العزيز .

وقد أُفردت لهذا العلم كتب عديدة، نذكر منها على سبيل المثال: كتاب ( الفوائد في مشكل القرآن ) لـ ابن عبد السلام المتوفى ( 660هـ ) وهو كتاب قيِّم في بابه؛ ومن الكتب المهمة في هذا الجانب أيضًا كتاب ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) للشيخ الشنقيطي (1393هـ) حيث جمع فيه جملة من الآيات الكريمة التي يفيد ظاهرها التعارض والاختلاف، ووفَّق بينها بما يزيل الإشكال؛ كذلك تعرَّض كثير من المفسرين لبعض مباحث هذا العلم، أثناء تفسيرهم لكتاب الله تعالى .

وانطلاقًا من أهمية هذا العلم وغايته، فإننا في محور القرآن الكريم ستكون لنا وقفة مع بعض الآيات التي يفيد ظاهرها التعارض والاختلاف، نحاول فيها بيان أوجه التوفيق والجمع بينها، معتمدين في ذلك على أقوال أهل العلم في هذا الشأن؛ واللهَ نسأل الرشد والصواب في الأمر كله، فهو حسبنا ونعم الوكيل .

لنا الله
16-12-2008, 05:15 PM
مختارات من تفسير الآيات


في ظل هيمنة الباطل وانتشار سطوته على الأمم والشعوب، مع ما يقابله من استضعافٍ للأمم المسلمة، وانحسار نورها وخفوته، تتطلع كل نفس مؤمنة إلى ذلك اليوم الأبلج، الذي ترتفع فيه راية التوحيد خفاقةً في أرجاء المعمورة، وتنتشر فيه أنوار الحق تضيء للعالم الذي أثقلته قيود الكفر والطغيان .

ولكي تتحقق هذه الأماني الغالية يجب علينا أن نتلمّس طريق النصر والخلاص من هذا الواقع الكئيب، ولا يكون ذلك إلا بالعودة إلى كتاب الله تعالى؛ لنأخذ منه السنن الكونية والنفسية لتحقيق الأمل المنشود؛ فلذلك: اخترنا في هذا الصدد آيةً عظيمةً من كتاب الله تعالى، تصور حال الفئة المؤمنة وقت الشدة والأزمات، وهي قوله تعالى: { متى نصر الله } (البقرة:214) لتكون منطلقاً للحديث عن هذه القضية المهمة .

يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } (البقرة:214) هذه الآية الكريمة نزلت يوم الخندق، حينما عانى المسلمون أقسى لحظات الأذى النفسي والجسدي من البرد وضيق العيش، وتكالبت قوى الكفر عليهم لتزيل وجودهم، وتجعلهم أثراً بعد عين، وليس أبلغُ في وصف حالهم من قوله تعالى: { إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتليَ المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً } (الأحزاب:10-11) وبالرغم من ذلك الهول الذي واجهه المسلمون فقد صبروا على ما أصابهم، وأدّوا ما أمرهم الله حتى جاءهم النصر المبين، واندحرت جيوش الكفر تجرّ أذيال الهزيمة، وتتجرّع كؤوس المهانة، وكانت تلك الواقعة درساً عظيماً للأمة المسلمة، كشفت بجلاء عن حقيقة النصر، والسبل التي تؤدي إليه .

ومن خلال فَهْمنا لذلك الدرس، نستطيع أن نجيب على تلك التساؤلات التي يرتفع صوتها بين الحين والآخر قائلةً: " أما آن للظلم أن يندحر ؟ أما آن للقيد أن ينكسر ؟ متى يأتي ذلك اليوم الذي يبزغ فيه فجر الإسلام، ويزول فيه ليل الظلم والطغيان ؟ " أسئلة كثيرة تدور في الأذهان، وجوابها أن الله تعالى قضى بحكمته أن تكون المواجهة بين الحق والباطل سنةً كونيةً من سنن الحياة منذ عهد أبينا آدم عليه السلام وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، لكن العاقبة للمتقين، والغلبة لله ولرسوله وللمؤمنين، وفي هذا يقول الله تعالى: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } (المجادلة:21) وقال تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون } (الصافات:171-173) وبشّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بذلك، فعن تميم الداري رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ الا أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر ) رواه أحمد في " مسنده " و البيهقي في " سننه " .

وهذا النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين ليس مقتصراً على الدنيا فحسب، كما دلّ عليه قوله تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } (غافر:51) وقد يتساءل البعض فيقول: " قد عُلِمَ أن بعض الأنبياء قتله قومه، كيحيى و زكريا عليهما السلام، ومنهم من ترك قومه مهاجراً كإبراهيم عليه السلام، فهل يتعارض ذلك مع ما جاء في الآية السابقة ؟ " والجواب البديهي والسريع على ذلك أن نقول: لا تعارض في ذلك أبداً؛ وذلك لأن الانتصار لأولئك الأنبياء قد حصل بعد مماتهم، كما فعل الله بقتلة يحيى و زكريا عليهما السلام، فقد سلّط الله عليهم من أعدائهم من يهينهم ويسفك دمائهم، وأما النمرود فقد أخذه الله أخذ جبّار منتقم، وانتصر الله لنبيه إبراهيم عليه السلام، وتحقق بذلك موعود الله تبارك وتعالى، وفي " صحيح البخاري " عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي ولياً فقدآذنته بالحرب ) رواه البخاري ، وهكذا نصر الله أنبياءه على من خالفهم وكذبهم، وجعل كلمته سبحانه هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وأنجى الله تعالى المؤمنين من بين أظهرهم، ونصرهم على عدوهم .

ما سبق كان جواباً سريعاً وبدهيّاً يحسنه كل أحد، ولكن ليس هذا هو مكمن الأمر، وحقيقة السر، لقد أخبرنا الله عزوجل بقصة أصحاب الأخدود، حين قال تعالى في محكم كتابه: { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } (البروج:10) إنها نهاية مؤلمة يتفطّر لها قلب كل مؤمن، ولا يملك عينه من الدمع عندما يتراءى له ذلك المشهد أمام مخيّلته، وبالرغم من ذلك لم يخبرنا الله تعالى بأنه أرسل جنوداً من السماء على أولئك القتلة المجرمين، ولم يخبرنا أيضاً بأنه خسف بهم الأرض أو أرسل عليهم حاصباً، كل هذا لم يخبرنا الله به، فأين النصر؟!! إن الله عزوجل يريد أن يعلم الأمة درساً عظيماً، وأمرا جليلاً، ألا وهو: أن النصر لا يكون بالأسباب الظاهرة، والعقوبات العاجلة فحسب، لكن حقيقة النصر الثبات على المبادئ .

إن أولئك الشهداء المؤمنين قد انتصروا في حقيقة الأمر؛ لأنهم استطاعوا أن يثبتوا على مبدأ الإيمان مع كل تلك الخطوب العظيمة، والآلام الجسيمة، تلك هي حقيقة النصر التي يجب أن تتعلمها الأمة وتعيها جيداً .

على أن هذا النصر الظاهر قد يتأخر، ويستبطئه المؤمنون؛ لحكمة يريدها الله، ولأسباب لا يعقلها إلا من وهبه الله نظراً ثاقباً وفهماً عميقاً للأمور والأحداث، ومن تلك الأسباب كون الأمة الإسلامية غير مؤهلة لحمل راية الإسلام، فلو نالت النصر لفقدته سريعاً، لعدم قدرتها على حمايته طويلاً، وقد يبطيء النصر لأن الله سبحانه يريد من المؤمنين أن يزيدوا صلتهم بالله، ويجردوا نواياهم من كل ما يشوبها من حب

لنا الله
18-12-2008, 01:52 AM
مختارات من تفسير الآيات

نقف في هذا المقال عند لفظ ( السوء ) لنرى المعاني المتعددة والمختلفة التي يفيدها هذا اللفظ، باختلاف ضبط حركة السين فيه، ووفق اختلاف السياق الذي سِيق فيه .

في القواميس اللغوية نقرأ حول هذه المادة ما يلي:

( السَّوء ) بفتح السين: مصدر ساءَه يسوُءه سَوْءًا، فعل به ما يكره، وهو نقيض سرَّه، فهو مصدر، وغلب عليه أن يضاف إليه ما يراد ذمُّه، تقول: هذا رجل سَوْء، وهذه امرأة سَوْء، ونحو هذا؛ ويقال: ساء ما فعل فلان صنيعًا، يسوء: أي قبح صنيعه صنعًا، وفي التنـزيل: { ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآيتنا } (الأعراف:177) .

و ( السُّوء ) بضم السين: الاسم من السَّوء، جرى مجرى الشر، وكلاهما في الأصل مصدر؛ فتقول من السُّوء: استاء فلان في الصنيع، كما تقول في الغم: اغتم .

وهذا اللفظ في القرآن الكريم ورد بمعان عدة، نستعرض بعضًا منها فيما يلي:

( السُّوء ) بالضم: بمعنى الشدة، ومنه قوله تعالى: { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَاب } (البقرة:49) .

و ( السُّوء ) بالضم: بمعنى العَقْر - وهو الجرح للبعير - ومنه قوله تعالى في قصة ناقة صالح عليه السلام: { ولا تمسوها بسوء } (هود:64) .

و ( السُّوء ) بالضم أيضًا: يطلق على البرص، وعليه قوله تعالى: { تخرج بيضاء من غير سوء } (طه:22) .

و ( السُّوء ) بالضم: الشر، قال تعالى: { ما كنا نعمل من سوء } (النحل:28) .

و ( السُّوء ) بالضم: الشتم والكلام القبيح، ومنه قوله تعالى: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } (النساء:148) .

و ( السُّوء ) بالضم: الذنب، وعليه قوله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } (النساء:17) .

و ( السُّوء ) بالضم: الضر، ومنه قوله تعالى: { أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السُّوء } (النمل:62) .

و ( السُّوء ) بالضم: القتل والهزيمة، وبه فُسِّر قوله تعالى: { لم يمسسهم سُوء } (آل عمران:174) .

و ( السُّوء ) بالضم: بمعنى بئس، قال تعالى في حق الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، قال: { ولهم سوء الدار } (الرعد:25) .

و ( السَّوء ) بالفتح: الزنا، ومنه قوله تعالى، مخاطبًا مريم عليها السلام: { ما كان أبوك امرأ سَوء } (مريم:28) ولا يصح بحال ضم السين في الآية، ولا في قوله تعالى: { وظننتم ظن السَّوء } (الفتح:12) لأن السُّوء لا يضاف إلى الرجل، ولا إلى الظن، وإنما يضاف إلى الأفعال، فتقول: عَمِل عَمَل سُوء .

و ( السُّوأى ) في قوله تعالى: { ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى } (الروم:10) تأنيث الأسوأ، خلاف الحسنى؛ أو مصدر، كالبشرى، وهي في الآية بمعنى جهنم، أعاذنا الله منها .

و ( السوأة ): العورة والفاحشة، قال تعالى: { بدت لهما سوآتهما } (الأعراف:22) قال ابن الأثير : السوأة في الأصل الفرج، ثم نُقل إلى كل ما يُستحيا منه إذا ظهر وبدا، من قول وفعل .

وقال الفراء في سورة براءة عند قوله تعالى: { عليهم دائرة السوء } (التوبة: 98) قال: قرأ القُراء بنصب السين { السَّوء } والمراد بالسوء المصدر، من سُؤْته سَوْءًا، ومساءَة؛ فهذه مصادر؛ قال: ومن قرأ بضم السين { السُّوء } جعله اسمًا، كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، والمعنى هنا: عليهم الهزيمة والشر .

وكما تلحظ - قارئي الكريم - فإن المعاني المتعددة والمتنوعة للفظ ( السوء ) تفيد معنى الشر والأذى، والسياق هو الذي يحدد نوعًا خاصًا ومعينًا من أنواع الأذى والشر. فكن على بينة من هذا، ففي ذلك عون لك على فهم كتاب الله، وبه تعرف - فوق ذلك - وجهًا من وجوه اختلاف القراءات القرآنية .

لنا الله
21-12-2008, 02:12 AM
مختارات من تفسير الآيات

قوله تعالى (( لا نسألك رزقا ))


خطاب القرآن خطاب صدق وعدل، وإخباره إخبار حق وفصل، إذ هو الجد ليس بالهزل { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } (فصلت:42) { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا } (النساء:82) .

وحديثنا - في مقالنا هذا - يدور حول آية مفتاحية من آيات الكتاب الكريم، وهي قوله جلَّ وعلا: { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقًا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } (طه:132) .

والآية وإن جاءت خطابًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا إنها خطاب لأمته من بعده؛ تأمر الأهل خاصة، وولاة الأمور عامة، بأمر مَنْ كان تحت ولايتهم وعهدهم بالصلاة، إقامة لها ومحافظة عليها .

والشريعة طافحة بالأدلة الحاثة على الصلاة إقامة وحفظًا، إذ هي عمود الدين ودعامته، فبإقامتها إقامة الدين، وبالإعراض عنها فلا قائمة له .

غير أن الأمر المهم في الآية توجيه الخطاب إلى أولياء الأمور بتعهد أبنائهم ومن كان تحت رعايتهم، بإقامة الصلاة والمحافظة عليها، تهيئة لهم إليها، وتعويدًا عليها، وفي الحديث الصحيح: ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ) رواه أبو داود .

وروي أن عمر رضي الله عنه كان إذا استيقظ من الليل أيقظ أهله، وقرأ قوله تعالى: { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } .

ولما كانت النفوس ميَّالة إلى طلب الراحة، ومتثاقلة عن أداء ما كُلِّفت به، جاء الأمر الإلهي بالاصطبار على تحمل أداء الصلاة { واصطبر عليها } والضمير يعود إلى الصلاة، والمعنى: تزود بالصبر للقيام بما كُلِّفت به؛ من أداء للصلاة، وأمرٍ لأهلك بها، ولا تتثاقل عما كُلِّفت به؛ والاصطبار فيه معنى الانحباس لأمر مهم، وذي شأن، ومستمر .

وحيث إن الخطاب القرآني قد يُتبادر منه أن طلب العبادة والتوجه إليها يكون عائقًا أو مانعًا من تحصيل الرزق، أبان الخطاب أن أمر الرزق موكول إلى رب العباد ومدبر الأرزاق، فقال: { لا نسألك رزقًا نحن نرزقك } أي: لا نسألك أن ترزق نفسك وإياهم، وتشتغل عن الصلاة بسبب الرزق، بل نحن نتكفل برزقك وإياهم، وقريب من هذا المعنى قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } (الذاريات:56-58) .

وإياك - أخي الكريم - أن تفهم من هذا الخطاب القرآني التقاعد عن طلب الرزق، وترك الأسباب، طلبًا لتحصيل أسباب الحياة؛ فليس ذلك بمراد وهو فهم قاصر لهذه الآية؛ ويكفيك في هذا المقام قوله تعالى: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه } (الملك:15) والآيات المقررة لهذا المعنى ليست قليلة، فلا يلتبس الأمر عليك؛ فالمحظور إنما الانشغال بأسباب الرزق عن عبادة الله سبحانه، وخاصة الصلاة، إذ هي أكثر العبادات تكررًا في حياة المسلم، فإذا قام الإنسان بالأسباب المتاحة فقد حصل المطلوب، أما إن انشغل بالأسباب، وشُغل بتحصيل الرزق، وترك أو قصَّر فيما كُلِّفه من واجبات فقد وقع فيما هو محظور وممنوع .

وإذ تقرر هذا، كان معنى الآية: إذا أقمت الصلاة - في نفسك وأهلك - وعملت بأسباب الرزق الميسرة دون تكلف، أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجًا * ويرزقه من حيث لا يحتسب } (الطلاق:2-3) .

وعلى هذا، فلا عذر اليوم لمن قصَّر في إقام الصلاة في نفسه وأهله، بدعوى طلب الرزق، وتعدد مطالب الحياة، بحيث تجد أحدهم يلهث صباح مساء لتأمين مطالب الحياة، غافلاً أو متغافلا عن شؤون أبنائه، ثم تكون النتيجة لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، ولات ساعة مندم .

وينفع في هذا المقام، أن نذكر بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: ( يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسدُّ فقرك، وإن لم تفعل، ملأت صدرك شغلاً، ولم أسدَّ فقرك ) رواه الترمذي و ابن ماجه وغيرهما. وبما رواه ابن مسعود رضي الله عنه، قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم، يقول: ( من جعل الهموم همًا واحداً، همَّ المعاد، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبالِ الله في أي أوديتها هلك ) رواه ابن ماجه ، وبما روي أيضًا عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ( من كانت الدنيا همَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ) رواه الترمذي و أحمد وغيرهما .

نخلص من قراءة هذه الآية الكريمة، أن أمر الأهل بأداء العبادات الشرعية عمومًا، والصلاة خصوصًا، ومتابعتهم على أدائها، واجب أساس من واجبات الأبوين، والأب على وجه الأخص؛ وأن هذا الواجب يحتاج إلى صبر ومصابرة ومتابعة وحكمة أيضًا، ينبغي أن يتحلى بها كل من الأبوين؛ ودلت الآية الكريمة أيضًا على أنه لا ينبغي للوالدين أن يقصرا في هذا الواجب بحجة تأمين الرزق لأبنائهم، فإن هذا أمر قد تكفل الله به، لكن مع الأخذ بالأسباب، والسعي في طلبها، والقيام بكل واجب وفق أهميته، ومكانته في سلم الواجبات الشرعية، والله أعلم .

لنا الله
21-12-2008, 05:25 PM
آيات ظاهرها التعارض


في القرآن الكريم آيات كثيرة ترشد إلى أن الإنسان لا يتحمل عقاب ذنب فعله إنسان غيره، ولا يحاسب على جرم ارتكبه شخص آخر، من تلك الآيات قوله تعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } (الأنعام:164)، وقوله سبحانه: { كل امرئ بما كسب رهين } (الطور:21)، ونحو ذلك من الآيات التي تقرر هذا المعنى .

بالمقابل ثمة آيات أخرى، تفيد أن العقاب يلحق بمن ليس له يد في فعله أو ارتكابه، نقرأ في ذلك قوله تعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } (الأنفال:25)، ونحو هذا قوله تعالى: { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } (الإسراء:16). فهاتان الآيتان تدلان على أن العقاب يعمُّ الناس جميعاً، مع أن الذنب والمعصية لم يكن منهم جميعاً، بل كان من فئة خاصة ومحددة، فئة الظالمين في الآية الأولى، وفئة المترفين في الآية الثانية .


وقد يبدو للقارئ العَجِل أن بين هذه الآيات تعارضاً وتناقضاً، من جهة أن بعضها يخصص العقاب بفاعل الذنب فحسب، والبعض الآخر يعمم العقاب على الفاعلين وعلى غير الفاعلين، وذلك لا يستقيم في شرائع البشر، فكيف يستقيم في شريعة خالق البشر؟ هذا وجه التعارض بين الآيات الآنفة الذكر .

وقد أجاب أهل العلم على هذا السؤال جواباً يزيل الإشكال، ويرفع ما يبدو من تعارض وتناقض بين تلك الآيات، فقالوا:

إن الأصل في العقاب أن يكون خاصاً، لكن لما كان الناس يعيشون في مجتمع واحد، ويتقاسمون معاً أفراح الحياة وأتراحها، كان عليهم أن يتحملوا المسؤولية الجماعية في بناء هذا المجتمع، ووضعه على مساره الصحيح، فإذا حاول البعض أن يخرق هذا المسار، أو أن يغير من اتجاهه، فإنه يتعين على الآخرين الأخذ على يده، وإعادته إلى جادة الصواب والرشاد، فإذا لم يفعلوا ذلك كان عليهم أن يتحملوا نتيجة ذلك التقصير .

إذن العقاب من حيث الأصل شخصي وفردي وهو جار كذلك، إذا لم يكن للذنب المرتكب تأثير على المجتمع، أما إذا كان الذنب يتعدى حدود الشخص وحدود الفرد، فإن على المجتمع في مثل هذه عليه الحالة أن يتحرك ليحفظ جانبه، ويحمي أمنه، فإن لم يفعل ذلك كان مقصراً، وبالتالي عليه أن يتحمل عاقبة هذا التقصير .

ونمثل لذلك بمثال يقرِّب الأمر، ويوضح المسألة، فنقول: إن الولد إذا فعل فعلاً مضراً بالآخرين، كأن يسب أو يشتم أهل الحي الذي يقيم فيه، أو يسرق بيتاً من بيوت ذلك الحي، أو يفعل شيئاً من هذا القبيل، فلا يمكن والحالة هذه أن نحاسب الولد فحسب، من غير أن نحاسب أباه أيضاً، فإن أباه مشارك له في كل ما فعل، ويتحمل قسطاً من المسؤولية والمحاسبة على فعل ولده؛ لأنه قصر في توجهيه توجيهاً سلمياً، وأهمل تنشئته تنشئة صالحة، وبالتالي كان عليه أن يتحمل جزاء ما قام به ولده، وليس له أن يقول: إن هذا من فعل ولدي، ولا أتحمل جزاء ما فعل .

وعلى هذا النحو يقال فيما نحن بصدده من الآيات، وذلك أن الناس إذا قصَّروا في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان ذلك مدعاة لعموم العقاب، وسبباً لنـزول العذاب، وليس لهم أن يقولوا: ليس الذنب ذنبنا، وليس من العدل عقابنا؛ لأنا نقول: ما داموا مسلمين، ويعيشون في هذا المجتمع معاً، ويتحملون جزءاً من التبعة والمسؤولية، كان عليهم ألا يدعوا الظالم يتمادى في ظلمه، وألا يتركوا أهل الغيِّ يسترسلون في غيهم، بل عليهم أن يأمروا بكل ما هو معروف، وأن ينهوا عن كل ما هو منكر، فإذ هم لم يفعلوا ذلك، فعليهم أن يتحملوا عاقبة أمرهم .

قال ابن العربي القرطبي مقرراً هذا المعنى: " إن الناس إذا تظاهروا بالمنكر، فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عليه فكلهم عاص. هذا بفعله وهذا برضاه. وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضيَ بمنـزلة العامل " .

وهذا المعنى الذي قررناه آنفاً، تشهد له أحاديث عديدة، تشد من أزره، وتأخذ بيده إلى مصافِّ السنن الكونية التي أقام الله عليها أمر الحياة، { ولن تجد لسنة الله تبديلا } (الأحزاب:62) .

فمن تلك الأحاديث التي تؤكد على هذا الواجب الاجتماعي، واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قوله صلى الله عليه وسلم: ( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها، إذا استقوا من الماء، مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ) رواه البخاري. ومعنى ( استهموا ): اقترعوا، أي: اقترعوا من يجلس في أعلى السفينة، ومن يجلس في أسفلها .

قال القرطبي بعد أن ساق هذا الحديث: " ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة. وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال علماؤنا: فالفتنة إذا عملت هلك الكل. وذلك عند ظهور المعاصي، وانتشار المنكر وعدم التغيير " .

ومنها ما ورد في "الصحيحين" عن زينب بنت جحش رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه فزعاً، وهو يقول: ( لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج... )، قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ( نعم، إذا كثر الخبث )، و( الخبث ): الزنى .

ومنها ما صحَّ عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } (المائدة:105)، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يده، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه )، رواه أصحاب السنن إلا النسائي .

ومنها ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا! اتق الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحلُّ لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك، ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم } (المائدة:78)، إلى قوله: { فاسقون } (المائدة:81)، ثم قال: كلا، والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً ) رواه أبو داود. ومعنى ( لتأطرنه ): أي لتحملنه على الحق والصواب، ولو عن غير إرادة منه .

وفي لفظ آخر عند الترمذي: ( والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم )، قال الترمذي: حديث حسن .

وفي مسند الإمام أحمد أن عديًّا رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك، عذَّب الله الخاصة والعامة ) .

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة }، قال: أمر الله المؤمنين أن لا يُقرُّوا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بالعذاب. قال ابن كثير معقباً على قول ابن عباس: وهذا تفسير حسن جداً .

وقد يقال أيضاً: إن الآيات التي خصت الجزاء بفاعل الذنب فحسب دون غيره محمولة على عذاب الآخرة، فالأمر يومئذ ينطبق عليه قوله تعالى: { كل امرئ بما كسب رهين }، وينطبق عليه كذلك قوله سبحانه: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون } (انحل:111)، فكل إنسان يوم القيامة، يوم الحساب والجزاء، مرتهن بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر .

أما الآيات التي نصت على عموم العذاب، فمحمولة على العقاب الدنيوي، وينطبق عليها الآيات الناصة على عموم العقاب، كقوله سبحانه: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } (الأعراف:96)، وقوله تعالى: { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } (النحل:112) .

يرشد لهذا المعنى ما ثبت في "الصحيحين" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ( إذا أنزل الله بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم )، فالعذاب في الدنيا مشترك، أما في الآخرة فالحساب يكون بحسب الأعمال والنيات .

ويرشد له أيضاً ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب جسمه، وتحركت أطرافه في منامه، فقالت: يا رسول الله! صنعت شيئاً في منامك لم تكن تفعله، فقال: ( العجب: إن ناساً من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم )، فقلنا: يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس، قال: ( نعم، فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل، يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم )، فالمَهْلَك واحد للجميع، أما المرجع والمآب فبحسب الأعمال والنيات .

والمهم في الأمر، أن على الناس أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويبذلوا غاية الوسع في القيام بهذا الواجب الاجتماعي، ولا ينبغي أن يَدَعُوا أهل الفساد يمرحون في المجتمع ويسرحون من غير أن يأخذوا على أيديهم، فإن لم يفعلوا ذلك، فإن العذاب لا شك نازل بهم. فهذه سنة الله في الأولين والآخرين { فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا } (فاطر:43) .

لنا الله
24-12-2008, 07:35 PM
آيات ظاهرها التعارض


جاء في القرآن الكريم آيات تدل على أن عمل الإنسان وسعيه في هذه الدنيا له وحده، وأنه لا ينفع الإنسان إلا عمله وتحصيله فحسب. من ذلك قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } (النجم:39) فالآية صريحة في أن الإنسان لا ينفعه إلا كسبه، ويفهم منها أنه لا ينتفع أحد بعمل أحد .



وبالمقابل، فقد جاءت آيات أُخر، تدل على أن الإنسان ربما انتفع بعمل غيره؛ من ذلك قوله تعالى: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } (الطور:21) فَرَفْعُ درجات الذرية - سواء قلنا: إنهم الكبار أو الصغار - نفع حاصل لهم، وإنما حصل لهم بعمل آبائهم لا بعمل أنفسهم. وإذا كان الأمر كذلك، فقد يبدو أن ثمة تعارضًا بين مدلول الآيتين الكريمتين .



وإذا رجعنا إلى تفسير قوله تعالى: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } نجد أن حاصل معنى الآية الكريمة: أن المؤمنين بالله حق الإيمان، وكانت ذريتهم متبعين لهم في نهجهم القويم، وسائرين على دربهم المستقيم، فإنهم سوف يلحقون بآبائهم يوم القيامة، ويكون الجميع سوية في درجات الجنة، وإن قصرت أعمال الأبناء عن أعمال الآباء؛ وذلك إكرامًا لآبائهم، وقرة عين لهم، دون أن ينقص ذلك من أجر الآباء شيئًا .



ويدل على هذا المعنى، ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية، قال: إن الله تبارك وتعالى يرفع للمؤمن ذريته، وإن كانوا دونه في العمل؛ ليقر الله بهم عينه؛ وفي رواية أخرى عنه: قال: إن الله تبارك وتعالى ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل؛ ليقر بهم عينه .



فمعنى آية الطور إذن، أن الذين آمنوا بالله، تتبعهم ذريتهم المؤمنة، وتكون معهم في الجنة إتمامًا لسعادتهم، وإكرامًا لمكانتهم، إذ من تمام سرور المؤمن وكمال سعادته، أن يكون قريبًا من أقربائه، وأقرباؤه قريبين منه .



أما آية النجم { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } فيفيد ظاهرها، أنه ليس للإنسان إلا أجر سعيه وجهده، وجزاء عمله وتحصيله، ولا ينفع أحداً عملُ أحد؛ فالآية بيان لعدم إثابة الإنسان بعمل غيره، مهما كان هذا الغير. وقد جاءت هذه الآية إثر آية بينت عدم مؤاخذة الإنسان بذنب غيره، وهي قوله تعالى: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } (النجم:38) أي: لا يفيد الإنسان إلا سعيه وعمله، ولا يحاسب الإنسان بعمل غيره. فهذا المعنى الإجمالي للآيتين الكريمتين .



والآية التي معنا قد وردت أدلة توضح المقصود منها، وتبين أن الإنسان قد يستفيد وينتفع بأعمال غيره، من ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } قال: أنزل الله بعد هذا: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } قال: فأدخل الأبناء بصلاح الآباء الجنة .



وقد ثبت بالنصوص المتواترة، وإجماع سلف الأمة، أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه في بعض الأعمال والطاعات؛ كالدعاء له والاستغفار، كما في قوله تعالى: { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } (غافر:7) وأيضًا دعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم، كما في قوله تعالى: { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم }(التوبة:) وقوله سبحانه: { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } (محمد:19) .



وأيضًا فقد ثبت بصريح الآحاديث أن ما يُعمل للميت من أعمال البر، كالصدقة ونحوها، فإن هذا ينتفع به؛ ففي "الصحيحين" أنه صلى الله عليه وسلم، قال: ( من مات وعليه صيام، صام عنه وليه ) وثبت مثل ذلك في صوم النذر، والحج .



وفي هذا المعنى يأتي قوله صلى الله عليه والسلام: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) رواه النسائي و الترمذي ؛ فالحديث صريح في ثبوت ما ذكرنا. والأدلة في هذا المعنى كثيرة .



ونزيد الأمر وضوحًا، فنقول: إذا كان ظاهر الآية يدل على أن الإنسان لا يملك ولا يستحق إلا سعي نفسه - وهذا حق لا ريب فيه - فإن هذا لا يمنع أن ينتفع الإنسان بسعي غيره، كما أن الله يرحم عباده ويفتح عليهم من أبواب رحمته، بأسباب خارجة عن طوقهم ومقدورهم، ويرزقهم ويغدق عليهم من عطائه، بأسباب يجريها على أيدي عباده؛ يرشد لهذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: ( من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان، أصغرهما مثل أحد ) متفق عليه، وما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم، قال: ( ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل ) رواه مسلم ؛ وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفعوا فيه ) رواه أبو داود فهو سبحانه يرحم المصلي على الميت، كما ينتفع بصلاة المصلين عليه، ودعائهم له عند قبره؛ وأيضًا فإن أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع آبائهم، بلا سعي ولا عمل. فكل هذا وغيره يدل على أن الإنسان قد ينتفع بعمل غيره، ولا ينافي ذلك صريح الآية حسب ما ذكرنا .



على أنك إذا أعدت النظر في الآية، وأعملت الفكر فيها، علمت أن الإنسان لا يملك أن يقول لشيء: هو لي، أو يصف شيئًا بأنه له، إلا إذا سعى إليه بعمله، وحازه بجهده وكسبه؛ أما ما وراء ذلك من أمور، من رحمة وتوفيق ومضاعفة أجر ونحو ذلك، فلا يوصف بالتملك إلا على سبيل التجوز، والإلحاق بما هو من كسبه وسعيه .



ثم يقال أيضًا: إن العبد إن لم يسع ويجد ويكد ليكون من المؤمنين الصالحين، ومن عباد الله المتقين، لا يمكن أن ينال منـزلة القرب من آبائه المؤمنين. فإيمان العبد وطاعته - كما ترى - سعي منه في انتفاعه بعمل غيره من المسلمين؛ كما يقع في صلاة الجماعة، فإن صلاة المصلين في جماعة بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاتهم فرادى، وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير، سعى فيه المصلي بإيمانه، وصلاته مع الجماعة، ولم يكن ليحصل له من الأجر لو صلى منفردًا، ما يحصل له لو صلى في جماعة. وإذا كان الأمر كذلك، تبين أن تلك المنزلة لم تنل إلا بسعي العبد نفسه ليلحق بآبائه، وإلا فمجرد الانتساب إليهم، والقرابة منهم لا يرفعه ولا يؤهله لنيل منـزلتهم بحال من الأحوال، فثبت بهذا أن المعول عليه أولاً وقبل كل شيء سعي العبد وكسبه .



وأمر آخر تفيده الآية الكريمة، حاصله أن الآية أثبتت أن الإنسان ليس له في هذه الحياة إلا سعي نفسه، ونفت أن يكون له سعي غيره؛ لكن ليس في الآية ما يفيد أن الإنسان لا يجوز له أن ينتفع بعمل غيره، فالآية لا دلالة فيها على هذا من قريب أو بعيد؛ وليس كل ما لا يملكه الإنسان لا يحصل له من جهته نفع، بل ثمة أمور لا يملكها الإنسان، ومع ذلك يحصل له من جهتها نفع؛ كما أشرنا قبل من الانتفاع بدعاء الغير له، والصدقة عليه، والحج عنه، وغير ذلك من أمور العبادات. ومثل ذلك يقال في مسائل المعاملات؛ كالدَّين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، فما وُفِّي به الدين ليس له، وكان الواجب عليه أن يكون هو الموفي له. وكذلك إذا تبرع إنسان لغيره بمال، جاز لذلك الغير أخذه، وحيازته، والانتفاع به على الوجه المأذون به شرعًا .



ويمكن أن يقال - بعد كل ما تقدم -: إن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد، ليس للأولاد، كما هو نص قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ولكنه من سعي الآباء، فهو سعي للآباء أقر الله عيونهم بسببه، بأن رفع إليهم أولادهم، ليتمتعوا في الجنة برؤيتهم. فالآية تصدق الأخرى ولا تنافيها؛ لأن المقصود بالرفع إكرام الآباء ثم الأولاد، فانتفاع الأولاد تَبَع، فهو بالنسبة إليهم تفضل من الله عليهم بما ليس لهم، كما تفضل بذلك على الولدان، والحور العين، والخلق الذين ينشئهم للجنة .



ومما يدعم كل ما تقدم ويؤكده - وبه نختم الحديث - ما قاله بعض أهل العلم، وقد سئل عن قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } مع قوله: { والله يضاعف لمن يشاء } (البقرة:261) قال: ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بالفضل ما شاء الله تعالى. وهذا حاصل ما ذكرنا وقررنا .



وإذا كان الأمر على ما تبين، عُلم أن الآيتين الكريمتين تصدق إحدهما الأخرى، ولا تنافي بينهما بحال؛ إذ هذا هو شأن آيات القرآن الكريم خصوصًا، ونصوص الشرع عمومًا .

لنا الله
27-12-2008, 12:52 AM
التناسب بين الآيات

جاء في كتب الصحاح أن مروان بن الحكم - الخليفة الأموي - أشكل عليه قوله تعالى: { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم } (آل عمران:188)، فقال لبوابه: اذهب إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً، لنعذبن أجمعون! فقال ابن عباس رضي الله عنهما: وما لكم ولهذه، إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم .

هذا الخبر الثابت يدلنا على أهمية معرفة منهج السياق لفهم نصوص القرآن الكريم، فما هو هذا المنهج، وما أنواعه، وما موقف المفسرين منه، ثم أخيراً لا آخراً ما هي الثمرة المرجوة منه ؟

و(السياق) من حيث المدلول العام، يُقصد به: الإطار العام الذي تنتظم فيه عناصر النص، ووحدته اللغوية، ومقياس تتصل بوساطته الجُمل فيما بينها وتترابط، بحيث يؤدي مجموع ذلك إلى إيصال معنى معيَّن، أو فكرة محددة لقارئ النص .

وإن شئت قل: (السياق) هو الصورة الكلية التي تنتظم الصور الجزئية، ولا يفهم كل جزء إلا بحسب موقعه من الكل؛ وقد أثبت العلم أن الصورة الكلية تتكون من مجموعة كبيرة من الجزئيات المتشابهة أو المتباينة، تدخل كلها في تركيب الصورة .

ونوضح ذلك بمثال محسوس، فنقول: إن الإنسان إذا دخل مدينة ما لأول مرة لا يمكنه أن يشكل تصوراً كلياً عن تلك المدينة إلا بعد أن يكون قد تعرف على أجزاء غير قليلة منها، ووقف على أهم معالمها، وأن يكون كذلك قد خبر عادات أهلها، فعندئذ يستطيع أن يطلق حكماً أو تصوراً عن تلك المدينة، أما قبل ذلك فإنه لو فعل لكان ناطقاً بما لا يعلم .

ثم إن اعتبار (السياق) منهج عام، اعتمد عليه المفسرون في تفسيرهم لكتاب الله العزيز، ووظفوه في فهم دلالات ألفاظ القرآن الكريم، وإن لم يلتزموه دائماً. وقد تجلى اعتماد المنهج السياقي أكثر ما تجلى في تفسير القرآن بالقرآن .

ولما كانت دلالة السياق من أهم القرائن التي تدل على مراد المتكلم، وإثبات المعنى المراد دون غيره، فإن المفسرين اهتموا بمنهج السياق، واعتبروا كل قول لا يؤيده السياق لا عبرة به، ولا يعول عليه .

فأنت إذا رجعت إلى كتب التفسير، وجدت المفسرين يقولون: " وهذا أحسن وأقوى؛ لأن السياق..."، ويقولون: " ولكن السياق أدلُّ على المعنى "، ويقولون: " وتركيب السياق يأبى ذلك "، ويقولون: " فإن السياق يقتضي.."، ويقولون: " لا نأباه إذا صلح له السياق "، ويقولون: " وهو الذي يؤذن به السياق "، وأخيراً لا آخراً يقولون: " وهو بعيد عن السياق "، إلى آخر عباراتهم .

ولا بأس في هذا المقام أن نسوق كلاماً للشاطبي يبين أهمية معرفة السياق، واعتماد منهج السياق لفهم مقصود الكلام عموماً، ومقصود القرآن خصوصاً، يقول الشاطبي: " المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل ... فالذي يكون على بال من المستمع والمتفهم والالتفات إلى أول الكلام وآخره، بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها، لا يُنظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها، فإن القضية وإن اشتملت على جُمل، فبعضها متعلق بالبعض؛ لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرَّق النظر في أجزائه، فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض " .

فإذا تبين معنى ( السياق ) وأهميته لفهم الكلام، وموقف العلماء منه، كان لا بد من الانتباه إلى أن السياقات على أنواع عديدة، ونحن نقصر الحديث على تلك الأنواع التي تتعلق بالسياق القرآني، الذي هو مجال حديثنا، فنقول:

إن السياقات القرآنية؛ إما أن تكون سياقات مكانية، أو سياقات زمانية، أو سياقات تاريخية، أو سياقات موضوعية، أو سياقات مقاصدية، أو سياقات لغوية، وإليك التفصيل مع التمثيل:

يتبع

لنا الله
28-12-2008, 02:22 PM
السياق المكاني

يقصد بالسياق المكاني في القرآن: إما علاقة السورة القرآنية بما قبلها من السور وبما بعدها، أو علاقة الآية الواحدة ضمن السورة بما قبلها وبما بعدها من الآيات، والعلماء يطلقون على هذا النوع من السياق اسم ( المناسبات )، ولهم فيه بعض المؤلفات، وقد يتعرض إليه المفسرون في أثناء تفسيرهم للقرآن الكريم؛ فتجدهم يقولون: " مناسبة الآيات لما قبلها.."، ويقولون: " ووجه مناسبتها للسورة التي قبلها.."، ويقولون: " فإن مناسبتها لما معها من الآيات.."، ونحو هذا غير قليل .

السياق الزماني

يُقصد بالسياق الزماني معرفة ما نزل من القرآن أولاً، وما نزل آخراً، وتفيد معرفة ذلك عند التعارض بين بعض الآيات، فيحكم ما نزل آخرًا على ما نزل أولاً؛ فمثلاً قوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم } (البقرة:240)، فلا يمكن معرفة المقصود من هذه الآية إلا بعد معرفة وقت نزولها، وأنها سابقة في النزول لقوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير } (البقرة:234)؛ قال ابن العربي: " المتوفى عنها زوجها كانت بالخيار بين أن تخرج من بيتها وبين أن تبقى بآية الإخراج، ثم نسخها الله تعالى بالآية التي فيها التربص، ثم أكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وكذلك قوله تعالى: { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } (النساء:15)، فهذه الآية لا يمكن بيان المقصود منها إلا إذا عرفنا ما نزل بعدها من آيات، كقوله تعالى: { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } (النور:2)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنزل الله سبحانه بعد ذلك { الزانية والزاني }، فمن كان محصناً رُجم، ومن كان بكراً جُلد. قال ابن كثير بعد أن ساق قول ابن عباس: " وكذا روي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء...أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه ". وقل مثل ذلك في غير ذلك من الآيات المتقدمة والمتأخرة في النـزول .

السياق التاريخي

وهذا ما يُعرف عند علماء التفسير بأسباب النـزول، ومعرفته أمر مهم للمفسر، وتتوقف على معرفته فهم الآيات، وما ينبني عليها من أحكام؛ فمثلاً قوله تعالى: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } (البقرة:195)، لا يمكن أن نفهم منه التقاعد والتقاعس عن واجب الجهاد، وعدم اقتحام ميادين القتال، فهذا فهم غير مراد من الآية، بل ينبغي أن نفهم هذا الخطاب القرآني على ضوء سبب النزول الذي نزلت الآية بسببه؛ وإنما المعنى كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله .

يوضح هذا المعنى، ما رواه الطبري عن المغيرة رضي الله عنه، قال: بعث عمر رضي الله عنه جيشاً، فحاصروا أهل حصن، وتقدم رجل فقاتل فقُتل، فأكثر الناس الكلام فيه، يقولون: ألقى بيده إلى التهلكة! قال: فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فقال: كذبوا! أليس الله عز وجل يقول: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } (البقرة:207) .

وأيضاً قوله تعالى: { إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } (التغابن:14)، لا ينبغي أن يفهم من هذه الآية كراهة الأزواج الأولاد والبعد عنهم، وإنما ينبغي أن تفهم على ضوء سبب النـزول الذي وردت فيه؛ وهو أن أناساً من قبائل العرب كان يسلم الرجل أو النفر من الحي، فيخرجون من عشائرهم، ويدعون أزواجهم وأولادهم وآباءهم عامدين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتقوم عشائرهم وأزواجهم وأولادهم وآباؤهم، فيناشدونهم الله أن لا يفارقوهم، ولا يؤثروا عليهم غيرهم، فمنهم من يرق ويرجع إليهم، ومنهم من يمضي حتى يلحق بنبي الله صلى الله عليه وسلم. فنـزلت الآية لتخبر أن الأزواج والأولاد بقدر ما هم نعمة من الله يمنُّ بها على الإنسان، فهم في الوقت نفسه امتحان واختبار له؛ ليُعلم أيضحي بدينه لأجلهم، أم يضحي بهم لأجل دينهم في حال استدعى الأمر منه التضحية .

السياق الموضوعي

يُقصد به دراسة الآية أو الآيات بحسب الموضوع الذي تندرج تحته، كآيات الجهاد مثلاً، وآيات النفاق، وآيات الدعوة، وآيات الموالاة، ونحو ذلك من الآيات التي ينظمها موضوع واحد؛ فمثلاً حكم شرب الخمر لا يمكن أن نأخذه من قوله تعالى: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } (البقرة:219)، ولا من قوله سبحانه: { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } (النساء:43)، وإنما لا بد أن نضع هاتين الآيتين إلى جانب قوله تعالى: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } (المائدة:90)، ليتبين لنا حكم شرب الخمر، وانه حرام يجب اجتنابه، وعدم قربانه .

واعتباراً لهذا النوع من السياقات، ظهر ما يسمى بالتفسير الموضوعي للقرآن، فقد أُلفت بعض التفاسير المعاصرة التي تنطلق في تفسيرها للقرآن الكريم، من خلال تفسير كل موضوع على حده، فيتم تجميع الآيات ذات الموضوع الواحد تحت وحدة موضوعية واحدة، ويُربط أجزاؤها بعضها ببعض، ليستخرج منها المفسر فهماً عاماً لمجموعها .

السياق المقصدي

يُقصد بالسياق المقصدي النظر إلى الآية القرآنية من خلال مقاصد القرآن الكلية، وعلى ضوء الرؤية القرآنية للموضوع المعالَج. فمثلاً قوله تعالى: { لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } (آل عمران:130)، لا يمكن أن نفهم هذا النص فهماً صحيحاً إلا إذا نظرنا إليه على ضوء موقف القرآن عموماً من الربا، وإلا لأدى بنا الأمر إلى القول بجواز أكل الربا القليل، كما ذهب إلى القول بذلك بعض المعاصرين. وأيضاً فإن الآيات الدالة على قتال المشركين لدخولهم في الإسلام، لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء النصوص الأخرى الداعية إلى الدعوة بالحسنى والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن .

السياق اللغوي

ويقصد به قراءة النص وفهمه على ضوء علاقات ألفاظه بعضها ببعض، وخير مثال هنا لبيان المقصود من السياق اللغوي الألفاظ المشتركة الدلالة، فإن تلك الألفاظ لا يمكن تحديد معناها المقصود إلا من خلال السياق الذي وردت فيه؛ فمثلاً لفظ ( الأمة ) في قوله تعالى: { وإذ قالت أمة } (الأعراف)، معناه غير ما هو في قوله تعالى: { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة } (هود:8)، وكلاهما معناهما غير ما هو في قوله تعالى: { إنا وجدنا آباءنا على أمة } (الزخرف:22)، والشيء نفسه يقال في كثير من الألفاظ المشتركة الواردة في القرآن الكريم، فإن تحديد المقصود منها تماماً لا يحكمه إلا السياق اللغوي الذي وردت فيه .

فإذا تبيَّنت أنواع السياقات القرآنية، وعرفت أهميتها في بيان فهم نصوص القرآن الكريم، نزيدك مثالاً يبين أن الجهل بسياق النص قد يدفع إلى فهمه فهماً غير مستقيم، والمثال المختار قوله تعالى: { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } (يوسف:53)، فقد شرَّق المفسرون وغربوا في المقصود بهذه الآية، فذهب بعضهم أن هذا من كلام يوسف عليه السلام، والصواب أن هذا من قول امرأة العزيز، وليس من قول يوسف عليه السلام؛ لأن السياق يفيد أن كلام يوسف عليه السلام قد انقطع، وبدأ كلام امرأة العزيز أمام الملك، ولم يكن يوسف حاضراً وقتئذ، ولكنه استدعي فيما بعد .

يقول ابن كثير في بيان هذا الوجه: " تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى؛ ولهذا راودته؛ لأن { النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي }، أي: إلا من عصمه الله تعالى " ثم قال: " وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام. وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره ابن تيمية رحمه الله، فأفرده بتصنيف على حدة " .

فأنت ترى أن توجيه الآية وفق سياقها العام حَمَلَ على تفسيرها محملاً يليق بعصمة الأنبياء، فكان الالتفات إلى السياق مهماً في توجيه الآية وتفسيرها بما هو أوفق وأولى .

ثم ها هنا أمر لا بأس أن يشار إليه، وهو أن بعض المفسرين يعبر عن لفظ السياق بالقول: " وهو الذي يقتضيه السياق والسباق "، وهم يقصدون بـ ( السباق ) ما يأتي قبل الكلام، ويقصدون بـ ( السياق ) ما يأتي بعده، وأكثر من يستعمل هذا التعبير الآلوسي في تفسيره، لكن أغلب المفسرين يكتفون بالتعبير بلفظ ( السياق )، وهم يقصدون بالطبع ما قبل الكلام وما بعده، ولا مشاحة في الاصطلاح .

أخيراً نقول: إن الالتفات إلى السياق ليس مهماً في معرفة المقصود من النص القرآني فحسب، وإنما أيضاً معرفة السياق مهمة لفهم نصوص السنة الشريفة، ولفهم كل كلام مقروء أو مسموع .

لنا الله
02-01-2009, 11:47 PM
التناسب بين الآيات


المناسبة في قوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض...}


موضوع الآية التي هي عنوان هذا المقال، قصر الصلاة في السفر عمومًا، وحال الخوف من فتنة العدو خصوصًا، وحديثنا فيها يدور حول مناسبتها لما قبلها وما بعدها من آيات؛ وفي ذلك نقرأ قوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } (النساء:101) .

و( الضرب ): هو السفر والسعي في الأرض، طلبًا لرزق، أو تحصيلاً لعلم، أو جهادًا لعدو، ونحو ذلك مما هو جائز أو مطلوب شرعًا. فجاءت الآية هنا صريحة في الترخيص في قصر الصلاة حال السفر، تخفيفًا على المؤمنين، ورفعًا للحرج عنهم .



وليس مقصودنا هنا الخوض في تفاصيل الأحكام الفقهية، المتعلقة بهذه الآية، وإنما وجهتنا هنا بيان مناسبة هذه الآية لما سبقها وما جاء بعدها من آيات، فنقول:



بعد الرجوع إلى الآيات السابقة لهذه الآية، يتبن لنا أن موضوع تلك الآيات الجهاد في سبيل الله، والهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإيمان؛ فنحن نقرأ قبل هذه الآية، قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } (النساء:94) وقوله سبحانه: { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } (النساء:97) ونقرأ أيضًا قبل الآية مباشرة قوله عز وجل: { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله } (النساء:100). فالقاسم المشترك الذي تدور حوله هذه الآيات، الخروج من الديار، والسعي في الأرض لسبب من الأسباب، ومفارقة حال الحضر، والدخول في حالة السفر .



ولما كان السفر والسعي في الأرض من مستلزمات الجهاد في سبيل الله غالبًا، بيَّن سبحانه أن الصلاة لا تسقط بعذر الجهاد، ولا بعذر الهجرة، ولا بغير ذلك من الأعذار، غير أنه سبحانه وتعالى بيَّن لنا - تخفيفًا على عباده، ورفعًا للحرج عنهم - مشروعية قصر الصلاة والتخفيف فيها، لما يلحق المكلف من مشقة وحرج في أدائها حال السفر على الصفة المطلوبة حال الحضر .



ومعلوم أن الضارب في الأرض، والساعي فيها، هو في أمسِّ الحاجة إلى الصلة الدائمة بربه وخالقه، إنه بحاجة إلى هذه الصلة التي تعينه على مشاقِّ سفره، ومصاعب أمره. والصلاة - كما لا يخفى - خير معوانٍ للمؤمن في درب الحياة الطويل؛ ألم يخاطب سبحانه عباده بقوله: { واستعينوا بالصبر والصلاة } (البقرة:45) أَوَ ليست الصلاة هي ملجأ المؤمن، وملاذه في كل ما يصيبه من همٍّ وغم، وبلاء ومحن، تصادفه في هذه الحياة .



فإذا كانت مكانة الصلاة في حياة المسلم على هذا النحو، كان من المناسب أن تذكر عند الحديث عن الهجرة في سبيل الله، وفي حال الالتحام مع العدو؛ إذ ما أحوج الخائف في الطريق إلى أن يطمئن قلبه بذكر الله. وما أحوج المهاجر من أرضه إلى أن يلتجىء إلى حمى الله. وما أحوج الساعي في الأرض إلى أن يطلب العون من الله، وكل ذلك طريقه الصلاة، التي هي صلة بين العبد وربه .



وإذا نظرنا إلى ما بعد قوله سبحانه: { وإذا ضربتم في الأرض } فسنجد تناسبًا أيضًا بين هذه الآية الكريمة وما تبعها من آيات؛ فنحن نقرأ بعد هذه الآية مباشرة آيات تتحدث عن مشروعية صلاة الخوف، وهي الصلاة التي تشرع حال الالتحام مع العدو، وعند اشتداد وقع المواجهة، يقول تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأتِ طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم } (النساء:102) فإذا كانت الآية السابقة لهذه الآية قد ذكرت مشروعية قصر الصلاة - القصر في عدد ركعاتها - حال الهجرة وخوف الفتنة؛ فإن هذه الآية قد جاءت لتبيِّن مشروعية صلاة من نوع خاص، إنها صلاة الخوف، تلك الصلاة التي تشرع حال المواجهة والالتحام مع العدو، فكان وجه التناسب بين الآيات في غاية الظهور والوضوح؛ فآية: { وإذا ضربتم في الأرض } تحدثت عن قصر الصلاة عمومًا، وهو قصرٌ في عدد ركعاتها - كما آشرنا آنفًا - في حين أن آية: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } تتحدث عن قصر الصلاة بوجه خاص، وهو حال المواجهة وقتال العدو، والقصر هنا - إضافة إلى أنه قصر في عدد ركعات الصلاة - هو قصر في هيئتها وكيفيتها، كما هو معلوم في موضعه من كتب أهل العلم .



فالصلاة الكاملة وَفَقَ الصفة التي شُرعت عليها - من قيام وركوع وسجود - قد تعوق المجاهد في سبيل الله عن مواجهة عدوه حال الالتحام والمواجهة، أو ربما لفتت إليه أنظار ذلك العدو فانتهز الفرصة للانقضاض عليه والنيل منه؛ ولما كان من الممكن كل ذلك، جاءت الرخصة في قصر الصلاة - عددًا أو كيفية - حال السفر عمومًا، وعند لقاء العدو على وجه أخص .



وبما تقدم، يظهر لنا وجه المناسبة بين الآية مدار البحث، وهي قوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } وما سبقها وتبعها من آيات، الأمر الذي يدل على الترابط المتين، والتناسق المحكم بين آيات الكتاب العزيز، وأن كل آية منه تشد من أزر أختها، وتأخذ بيدها لبيان المقصود والمراد من تنـزيلها .

خديجة
03-01-2009, 04:04 PM
baraklah fik akhi wajazaka khairan 3ala ma to9adimoh lana

لنا الله
12-01-2009, 08:01 AM
جزاكم الله خيرا أختي للمرور
نفع الله بكم .

لنا الله
12-01-2009, 08:06 AM
التناسب بين الآيات


المناسبة في قوله تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض...}


في آواخر سورة آل عمران جاء قوله تعالى: { ولله ملك السموات والأرض والله على كل شيء قدير * إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } (آل عمران:189-190) .



وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فرآه يبكي فقال: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فقال: يا بلال، أفلا أكون عبدًا شكورًا، ولقد أنزل الله عليَّ الليلة آية : { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ) رواه ابن حبان في "صحيحه" .



ثم من مناسبة هاتين الآيتين لما تقدمهما من آيات، أنَّ فيها رد على اليهود، الذين قالوا: { إن الله فقير ونحن أغنياء } (آل عمران:181) وفيها أيضًا بيان لهم ولسائر خلقه، بأنه سبحانه هو المدبر لهذا الكون، والمتصرف فيه، وَفْقَ إرادته ومشيئته؛ لا رادَّ لمشيئته وقضائه، ولا معقِّب لحكمه وإرادته، وأن الإغناء والإفقار إليه وحده، وبيده مقاليد الأمور كلها، لا شريك له في ذلك: { ألا له الخلق والأمر } (الأعراف:54) .


فمعنى الآيات ومناسبتها لما سبق هو: تدبروا أيها الناس واعتبروا، فيما أنشأته فخلقته من السماوات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما يتعاقب فيكم من ليل ونهار، تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في ذاك راحة لأجسادكم، إذ في ذلك كله مُعْتَبَرٌ ومُدَّكر وآيات وعظات. فمن كان منكم ذا لب وعقل، يعلم أن من نسبني إلى أني فقير وهو غني، كاذب مفتر، فإن ذلك كله بيدي، أقلِّبه وأصرِّفه، ولو أبطلت ذلك لهلكتم، فكيف يُنسب فَقْر إلى من كان بيده عيش من وما في السماوات والأرض ؟ بل كيف يكون غنيًا من كان رزقه بيد غيره، إذا شاء رزقه، وإذا شاء حَرَمه ؟ فاعتبروا يا أولي الألباب .



فالآيتان الكريمتان تقرير لما قبلهما من الآيات، تفيدان أن لله وحده السلطان القاهر في جميع العالم، يتصرف فيه كيف يشاء، وبالطريقة التي يشاء، ويختار ما يشاء، إيجادًا وإعدامًا، إحياءًا وإماتة، تعذيبًا وإثابة، وَفْق حكمة بالغة، وتقدير محكم .



ثم في هذه الآيات - علاوة على ما تقدم من الرد على اليهود ومن قال بقولهم - دليل على أن هذا الكون الواسع الشاسع كتاب مفتوح، يحمل بذاته دلائل الإيمان وآياته؛ وإشارة أيضًا إلى أن ثمة وراء هذا الكون قوة قاهرة تدبره بحكمة وانفراد، وتسيِّر أمره بانتظام واقتدار؛ وفيها كذلك ما يوحي بأن وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى، غير هذه الحياة، وحسابًا وجزاء دونهما أي جزاء. لكن لا يدرك هذه الدلائل، ويقرأ هذه الآيات الكونية، ويرى هذه الحكمة الربانية، ويسمع هذه الإيحاءات إلا { أولوا الألباب } الذين فتح الله أبصارهم للهدى والإيمان به، وأنار بصائرهم لمعرفة الحق واتباعه؛ أما من سواهم من الناس، الذين لا يتفكرون بهذا الكتاب المفتوح، ويمرون بهذه الآيات الباهرة وهم عنها معرضون، فليس للهدى إليهم سبيل، ولا لمعرفة الحق إليهم مدرك !



وحاصل ما تقدم، أن في الآيتين الكريمتين إبطال لدعوى اليهود من أساسها، وتقرير لحقيقة هذا الوجود، وما بثَّ فيه سبحانه من مخلوقات، تدل على أنه هو الأول والآخر، وأنه هو القابض والباسط، وأنه هو المغني والمفقر، وأنه على كل شيء قدير، وتعالى الله عن كل قول يناقض ذلك ويخالفه .



هذا هو التصور الإسلامي الصحيح لخالق هذا الكون، ولا تصور سواه، وهو التصور الذي تقر به الفِطَر السليمة، ولا تقبل بسواه من التصورات والمعتقدات .

لنا الله
25-01-2009, 01:11 AM
التناسب بين الآيات

المناسبة في قوله تعالى: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه...}


الآيتان الكريمتان - عنوان المقال - وردتا في سياق الاستدلال العقلي والعملي على وجود الخالق سبحانه وتعالى؛ إذ بيَّنتا وأكدتا أنه سبحانه هو المتصرف الأول والأخير في خلقه، وأنه لا أحد من خلقه يملك لنفسه - ومن باب أولى لغيره - نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. فالأمر إليه من قبلُ ومن بعدُ، كما أخبر عن نفسه سبحانه بقوله: { لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ } (الروم:4) وقال أيضًا: { ألا له الخلق والأمر } (الأعراف:54) .

وفي الآية الأولى - موضوع مقالنا - نقرأ قوله تعالى: { ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربيَ الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإنا الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب فبهت الذي كفر } (البقرة:258) هذه المحاجَّة التي جرت بين إبراهيم عليه السلام، وبين ذاك الملك الذي ادعى القدرة على الخلق والإيجاد، والإماتة والإعدام، فطلب منه إبراهيم دليلاً على دعواه، بأن يأتيَ بالشمس من المغرب، خلافًا لما جرت عليه السنن الكونية، فلم يستطع لذلك جوابًا، وأُسقط في يده؛ وأقام عليه إبراهيم الحجة البالغة، مبينًا له أن ما ادعاه في دعواه، ليس له فيه من الأمر شيء، بل ذلك لله وحده، لا ينازعه في ذلك أحد من خلقه مهما أوتي من قدرة وسلطة ومكانة .



ثم تأتي الآية الثانية، وهي قوله تعالى: { أو كالذي مرَّ على قرية } (البقرة:259) تأكيدًا وتوكيدًا لسابقتها، لتبين أن أمر الحياة والموت ليس شأنًا من شوؤن العباد، ولا خاصية من خواصهم، بل مرجع ذلك لله وحده، لا شريك له في ذلك، ولا منازع له في حكمه وأمره .


وقد وضَّحت الآية الثانية تلك الحقيقة بمثال حسي لا يختلف في حقيقته ومضمونه عن المثال في الآية السابقة؛ فقوله سبحانه: { أو كالذي مرَّ على قرية } نظير الذي عنى بقوله سبحانه: { ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه } ففي كلا المثالين تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده، من أمر من يدعي خاصة من خصائص الألوهية والربوبية، وفيهما تبيان أن سر الحياة والموت هو من أمر الله وحده، وليس لأحد غيره في ذلك من شيء .



وقد قال أهل التفسير هنا: قوله سبحانه: { أو كالذي مر على قرية } عطف على قوله تعالى: { ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه } وإنما عطف قوله: { أو كالذي مرَّ على قرية } على قوله: { ألم ترَّ إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه } وإن اختلف لفظاهما، لتشابه معنييهما؛ لأن قوله: { ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه } بمعنى: هل رأيت، يا محمد، كالذي حاج إبراهيم في ربه ؟ ثم عطف عليه بقوله: { أو كالذي مر على قرية } قالوا: لأن من شأن العرب العطف بالكلام على معنى نظير له قد تقدمه، وإن خالف لفظُه لفظَه .



ثم ليس ثمة فائدة هنا من الخوض في الخلاف الذي ذكره بعض المفسرين حول اسم ذلك الملك الذي حاجَّ إبراهيم في ربه، ولا في اسم ذلك الشخص الذي مرَّ على تلك القرية الخاوية على عروشها؛ إذ ليس في ذكر شيء من هذا كبير فائدة، ولو كان فيه فائدة لذكره القرآن، ولَمَا سكت عنه، وإذ لم يذكره دلَّ على أن المقصود من ذلك هو أمر أهم، ومقصد أولى بالاعتبار والالتفات إليه .



ثم إن هاتين الآيتين تقرران - إلى جانب حقيقة الموت والحياة وردهما إلى الله سبحانه - حقيقة ثانية، وهي حقيقة طلاقة المشيئة، التي يُعنى القرآن عناية فائقة بتقريرها في قلوب المؤمنين، لتتعلق بالله مباشرة، من وراء الأسباب الظاهرة، والمقدمات المنظورة. فالله تعالى فعَّال لما يريد. ولهذا ختمت الآية الأولى بقوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين } وهذا كقوله تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } (القصص:56). وكذلك خُتمت الآية الثانية، بقول ذاك الرجل الذي مرت به التجربة: { أعلم أن الله على كل شيء قدير } فكانت خاتمة الآيتين تقريرًا لحقيقة المشيئة الإلهية، وأنها مشيئة خاصة به سبحانه وتعالى، دون أن يعني ذلك سلب الحرية عن الإنسان بحال .

لنا الله
29-01-2009, 07:23 AM
التناسب بين الآيات


المناسبة في قوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله...}

في هذا المقال، نتابع حديثنا حول هذا الموضوع، ونتوقف عند بيان وجه المناسبة في قوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذاب عظيم } (البقرة:114) .

بعد الرجوع إلى أهم كتب التفسير، نجد أنها ذكرت عدة أقوال لأسباب نزول هذه الآية؛ فبعضهم يرى أنها نزلت في قريش، مستدلاً بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن قريشًا منعوا النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام، في ابتداء الإسلام؛ ومن قائل: إنها نزلت في خراب بيت المقدس على يد الروم النصارى، وقيل: إنها نزلت في مشركي العرب الذين صدوا المسلمين عن البيت الحرام يوم الحديبية؛ وقيل غير ذلك في سبب نزول هذه الآية .


وقد رجح الطبري القول الذي يقول: إن النصارى هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، بدليل أن مشركي العرب لم يسعوا في خراب البيت الحرام، إذ كانوا يعظمونه ويتعبدون به، لكنهم منعوا المسلمين من أداء عبادتهم فيه. وعلى هذا القول، فإنه يظهر وجه المناسبة بين هذه الآية، والآيات التي قبلها .

وبيان ذلك؛ أن الآيات السابقة وردت في سياق كشف دسائس أهل الكتاب وكيدهم للإسلام والمسلمين، فقبل هذه الآية نطالع موقف أهل الكتاب من دعوة الإسلام، إذ أخبر سبحانه وتعالى عن موقفهم بقوله: { ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبيَّن لهم الحق } (البقرة:109) ونقرأ أيضًا قولهم: { لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى } (البقرة:111) فرد عليهم سبحانه بقوله: { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } (البقرة:112) فبيَّن القرآن أن العبرة بالإخلاص والعمل، وليس بالأقوال والمسميات. ثم جاء ادعاء كل فريق منهم أنه على الحق، وأن غيره ليس على شيء: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } (البقرة:113) وجاء الرد القرآني مبينًا أن الحكم في هذا مرده إلى الله، إذ هو وحده سبحانه من يفصل بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون .

ورجح الشيخ ابن عاشور قول من قال: إن الآية نزلت في مشركي العرب، وبنى على هذا الاختيار وجه مناسبة الآية، فقال: " فالمناسبة أنه بعد أن وفَّى أهل الكتاب حقهم من فضح نواياهم في دين الإسلام وأهله، وبيان أن تلك خصلة متأصلة فيهم مع كل من جاءهم بما يخالف هواهم، وكان قد أشار قبلُ إلى أن المشركين شابهوهم في ذلك عند قولهم: { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم } (البقرة:105) عطف الكلام إلى بيان ما تفرع عن عدم وِدادة المشركين نزول القرآن، فبيَّن أن ظلمهم في ذلك لم يبلغه أحد ممن قبلهم، إذ منعوا مساجد الله، وسدوا طريق الهدى، وحالوا بين الناس وبين زيارة المسجد الحرام، الذي هو فخرهم وسبب مكانتهم، وليس هذا شأن طالب صلاح الخلق، بل هذا شأن الحاسد المغتاظ " .

على أنه لا يبعد هنا أن يكون وجه المناسبة مسألة تحويل القبلة، وهذا الذي مال إليه سيد قطب رحمه الله، إذ إن أهل الكتاب - واليهود منهم خاصة - سعوا لصد المسلمين عن التوجه إلى القبلة، أول بيت وُضع للناس. ويرشح هذه المناسبة الآيتان التاليتان لهذه الآية، وهما قوله تعالى: { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثَمَّ وجه الله إن الله واسع عليم * وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون } (البقرة:115-116) فهاتان الآيتان توحيان بأنهما جاءتا ردًا على تضليل اليهود في ادعائهم، إن صلاة المسلمين إلى بيت المقدس كانت باطلة، وضائعة، ولا حساب لها عند الله، والآية ترد عليهم زعمهم وادعاءهم، وتقرر أن كل اتجاه قبلة، فثَمَّ وجه الله حيثما توجه إليه عابد، وإنما تخصيص قبلة معينة هو توجيه من عند الله فيه طاعة .

ومن أوجه مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه جرى ذكر النصارى، في قوله تعالى: { وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } (البقرة:113) وجرى ذكر المشركين في الآية نفسها، في قوله تعالى: { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم } (البقرة:113) وعليه، فسواء قلنا: إن الآية نزلت في حق النصارى، الذين سعوا في خراب المسجد الأقصى الذي باركه الله؛ أم قلنا: إن الآية نزلت في حق المشركين الذين منعوا المسلمين من المسجد الحرام، نقول: إن كان سبب النزول هذا أو ذاك فإن وجه المناسبة بين هذه الآية، والآية التي قبلها ظاهر كما لا يخفى .

على أننا إذا غضضنا الطَّرْفَ عما قيل في أسباب نزول هذه الآية، فإن إطلاق النص يوحي بأنه حكم عام في ذم من منع مساجد الله أن يُتَعَبَّد فيها، وأن يُذكر اسم الله فيها؛ وأن الظلم كل الظلم في هذا المنع، الذي يعادل في حقيقته خرابها ودمارها وإزالتها، وهو ما تشهده كثير من مساجد الله اليوم، على أيدي كثير من الحاقدين على هذا الدين وأهله .

لنا الله
31-01-2009, 09:53 PM
التناسب بين السور

سورة الفاتحة وموقعها بين سور القرآن


لسورة الفاتحة مكانة مميزة في كتاب الله المجيد، إذ هي فاتحة ذلك الكتاب، وهي ( أم القرآن ) وهي ( أم الكتاب ) وهي ( الأساس ) ولها غير ذلك من الأسماء التي سُميت بها، والتي تدل على مكانة هذه السورة بين سور القرآن الكريم؛ حيث جمعت في آياتها السبع مقاصد القرآن وكلياته .

وفي مقالنا هذا، نطالع بعضًا مما جاء في فضل هذه السورة الكريمة، وموقعها من سور القرآن الكريم، وما ذكره أهل العلم من مناسبات بين آياتها، مستفتحين مقالنا بهذا الحديث:

روى الإمام مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ( قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد : { الحمد لله رب العالمين } قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال : { الرحمن الرحيم } قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال : { مالك يوم الدين } قال: مجدني عبدي ، وقال مرة: فوَّض إلي عبدي، فإذا قال : { إياك نعبد وإياك نستعين } قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال : { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل ) .

والمراد بـ ( الصلاة ) في الحديث - كما قال شرَّاحه - سورة الفاتحة، سُميت بذلك لأن الصلاة لا تصح إلا بها؛ والمراد: قسمتها من جهة المعنى، لأن نصفها الأول: تحميد لله تعالى، وتمجيد وثناء عليه، وتفويض إليه، والنصف الثاني: سؤال وطلب، وتضرع وافتقار .

ثم قال بعض أهل العلم: أشير في ( الفاتحة ) إلى جميع النعم، فإنها - أي النِعَم - ترجع إلى إيجاد وإبقاء في الحياة الدنيا، وإلى إيجاد وإبقاء في الحياة الآخرة؛ أما إيجاد الدنيا، فيدل عليه قوله سبحانه: { الحمد لله رب العالمين } فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية، وأما إبقاء الدنيا، فيدل عليه قوله تعالى: { الرحمن الرحيم } أي: المنعم بجلائل النعم ودقائقها التي بها البقاء؛ وأما إيجاد الآخرة، فيدل عليه قوله سبحانه: { مالك يوم الدين } وهذا ظاهر، وأما إبقاء الآخرة، فيدل عليه قوله تعالى: { إياك نعبد } إلى آخر السورة، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة .

وقالوا أيضًا: وكانت سورة الفاتحة ( أم القرآن ) لأن القرآن جميعه مفصَّل من مجملها؛ فالآيات الثلاث الأُول، شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى، والصفات العلى؛ فكل ما في القرآن من ذلك، فهو مفصَّل من جوامعها، والآيات الثلاث الأُخر، شاملة لكل ما يحيط بأمر الخَلْق... فكل ما في القرآن فهو تفصيل لما جاء مجملاً فيها .

وقريب من هذا قولهم: وجميع ما في القرآن تفصيل لما أجملته الفاتحة، فإنها بُنيت على إجمال ما يحويه القرآن مفصَّلاً، فإنها واقعة في مطلع التنـزيل، والبلاغة فيه: أن يتضمن ما سيق الكلام لأجله .

وقد أخرج البيهقي في " شعب الإيمان " عن الحسن البصري أنه قال: " إن الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن، ثم أودع علوم القرآن في المفصَّل، ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة، فمن عَلِم تفسيرها، كان كمن عَلِم تفسير جميع الكتب المنـزلة " .

ورغم تعدد أقوال أهل العلم فيما اشتملت عليه هذه السورة من علوم ومقاصد وحِكَم، بَيْدَ أن كلمتهم قد أجمعت على شمول هذه السورة لكل ما جاء في القرآن، واحتوائها لمقاصد الشريعة في الدنيا والآخرة، ومن هنا كانت فاتحةً لهذا الكتاب، وعنوانًا عامًا يدل على ما جاء فيه من تفصيل وتبيين؛ وبهذا يظهر وجه المناسبة في تصدير هذه السورة لباقي سور القرآن .

ويُسعفنا في هذا المقام، نَقْلُ بعضٍ مما ذكره ابن القيم حول هذه السورة الكريمة، قال رحمه الله: " اشتملت هذه السورة على أمهات المطالب العالية أتمَّ اشتمال؛ فاشتملت على التعريف بالمعبود بثلاثة أسماء: مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارها عليها؛ هي: الله، الرب، الرحمن؛ وبُنيت السورة على الإلهية، والربوبية، والرحمة...والحمد يتضمن الأمور الثلاثة، فهو المحمود في إلهيته، وربوبيته، ورحمته .

وتضمنت السورة إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، وتفرد الرب سبحانه بالحكم إذ ذاك بين الخلائق، وكون حُكْمُه بالعدل .

وتضمنت إثبات النبوات .

وتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة؛ توحيد العلم والاعتقاد، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية .

واشتملت على شفاء القلوب، وشفاء الأبدان؛ فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم، وفساد القصد، ويترتب عليهما داءان قاتلان، وهما: الضلال والغضب؛ فالضلال نتيجة فساد العلم، والغضب نتيجة فساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها .

والتحقُّق بـ { إياك نعبد وإياك نستعين } علمًا ومعرفة، وعملاً وحالاً، يتضمن الشفاء من فساد القلب والقصد .

واشتملت السورة على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل والنِّحَل، والرد على أهل البدع والضلال " ول ابن القيم في هذا المقام كلام قيِّم، يمكن الرجوع إليه في كتابه ( مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ) .

نسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وأن يعلِّمنا منه ما ينفعنا، وأن يرزقنا العمل بما فيه .

لنا الله
06-02-2009, 12:29 AM
التناسب بين السور


من أوجه المناسبة بين سورتي البقرة وآل عمران



روى الإمام مسلم في "صحيحه" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( اقرؤوا الزهراوين: البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صوافّ، تحاجَّان عن أصحابهما ) ففي هذا الحديث، وغيره من الأحاديث الواردة في حق هاتين السورتين، ما يدل على ترابط وتناسب وتلازم بين هاتين السورتين الكريمتين، نطلع عليه من خلال ما وقفنا عليه من أقوال لأهل العلم في هذا الصدد .


فمن أوجه المناسبات بين السورتين، إضافة لتسميتهما بالزهراوين، أنهما افتتحتا بذكر الكتاب - وهو القرآن - فجاء في سورة البقرة مجملاً في قوله تعالى: { ذلك الكتاب لا ريب فيه } بينما جاء ذكر الكتاب في سورة آل عمران مؤكِّدًا ومفصِّلاً لما في البقرة، قال تعالى: { نزَّل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه } (آل عمران:3) .

ومن وجوه المناسبات بين السورتين، ما رواه أصحاب السنن إلا النسائي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } (البقرة:163) وفاتحة آل عمران: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } (آل عمران:2) فقد اشتملت السورتان الكريمتان على اسم الله الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب .



ولما كانت سورة البقرة قد عالجات شبهات اليهود وادعاءاتهم بشيء من البسط والتفصيل، وتعرضت لشبهات النصارى على وجه الإجمال؛ جاءت - بالمقابل - سورة آل عمران تواجه وتعالج شبهات النصارى بشي من التفصيل، وبخاصة ما يتعلق منها بـ عيسى عليه السلام، وما يتعلق بعقيدة التوحيد الخالص، كما جاء به دين الإسلام. وتصحح لهم ما أصاب عقائدهم من انحراف وخلط وتشويه. وتدعوهم إلى الحق الواحد الذي تضمنته كتبهم الصحيحة التي جاء القرآن بتصديقها؛ مع إشارات وتقريعات لليهود، وتحذيرات للمسلمين من دسائس أهل الكتاب .



وقد قال أصحاب كتب أسباب النزول: إن الآيات الأُوَل من سورة آل عمران نزلت في وفد نجران، وكانوا يدينون بالنصرانية، وكانوا من أصدق قبائل العرب تمسكًا بدين المسيح عليه السلام .



وذكر الإمام السيوطي بناء على قاعدته، أن كل سورة تالية شارحة لمجمل ما جاء في السورة قبلها، العديد من أوجه المناسبات، نختار منها الأوجه التالية:



- أنه سبحانه ذكر في سورة البقرة إنزال الكتاب مجملاً، في قوله: { ذلك الكتاب } (البقرة:2) بينما ذكره في سورة آل عمران مفصلاً، قال تعالى: { منه آيات محكمات هنَّ أم الكتاب وأُخَرُ متشابهات } (آل عمران:7) .



- جاء في سورة البقرة قوله سبحانه: { وما أُنزل من قبلك } (البقرة:4) مجملاً، في حين جاء في سورة آل عمران مفصلاً، قال تعالى: { وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس } (آل عمران:4) فصرح هنا بذكر الإنجيل؛ لأن السورة خطاب للنصارى، ولم يقع التصريح بالإنجيل في سورة البقرة، وإنما صرح فيها بذكر التوراة خاصة؛ لأنها خطاب لليهود .



- أنه تعالى ذكر الشهداء في سورة البقرة على وجه الإجمال، فقال تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } (البقرة:154) بينما فصَّل القول في أحوالهم، وما صاروا إليه في سورة آل عمران، فقال سبحانه: { بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل } (آل عمران:169-171) .


- أنه سبحانه افتتح سورة البقرة بقصة آدم وخلقه من تراب، دون أب ولا أم؛ وذكر فى سورة آل عمران نظيره فى الخلق من غير أب وهو عيسى عليه السلام؛ ولذلك ضَرَب له المثل بـ آدم . قالوا: وقد اختصت سورة البقرة بذكر آدم عليه السلام؛ لأنها أول السور، وهو أول فى الوجود وسابق؛ ولأنها الأصل، وهذه كالفرع والتتمة لها، فاختصت بالأغرب، ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم عليها السلام ما قالوا، وأنكروا وجود ولد بلا أب؛ ففُوتحوا بقصة آدم ؛ لتثبت فى أذهانهم، فلا تأتى قصة عيسى عليه السلام، إلا وقد ذُكِر عندهم ما يشهد لها من جنسها، ولأن قصة عيسى عليه السلام قيست على قصة آدم ، والمقيس عليه لا بد وأن يكون معلومًا، لتتم الحجة بالقياس، فكانت قصة آدم ، والسورة التى هي فيها، جديرة بالتقديم .



- ومما يقوي المناسبة والتلازم بين السورتين الكريمتين، أن خاتمة سورة آل عمران جاءت مناسبة لفاتحة سورة البقرة؛ وبيان ذلك أن سورة البقرة افتتحت بذكر المتقين، وأنهم هم المفلحون، بينما خُتمت سورة آل عمران بقوله تعالى: { واتقوا الله لعلكم تفلحون } (آل عمران:200) وأيضًا افتتحت سورة البقرة بقوله سبحانه: { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } (البقرة:4) وختمت سورة آل عمران بقوله سبحانه: { وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم } (آل عمران:199) .



وقد ورد أن يهود لما نزل قول الله جلَّ وعلا: { من ذا الذى يقرض الله قرضًا حسنًا } (البقرة:245) قالوا: يا محمد، افتقر ربك يسأل عباده القرض، فنزل ردُّ الله عليهم: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } (آل عمران:181) وهذا مما يقوي التلازم بين السورتين أيضًا .



وقريب منه، أنه وقع فى سورة البقرة، حكاية قول إبراهيم عليه السلام: { ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك } (البقرة:129) ووقع في سورة آل عمران قوله سبحانه: { لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم } (آل عمران:164) والتلازم بين الآيتين هنا في غاية الظهور .



ولا شك أن وراء ما ذكرنا من مناسبات بين السورتين، أمورًا أُخر، لكن حسبنا ما أتينا عليه من أوجه المناسبات، كدلالة على التلازم والتناسب بين سور القرآن الكريم، والذي يدل قبل هذا على أن القرآن الكريم تنزيل من رب العالمين

لنا الله
15-02-2009, 06:04 PM
التناسب بين السور


من أوجه المناسبة بين سورتي المائدة والأنعام


سورة المائدة سورة مدنية، وسورة الأنعام سورة مكية، وقد يُظن أنه ليس ثمة تناسب بين السورتين الكريمتين، إذ إحداهما مدنية والأخرى مكية، وقد قرر كثير من أهل العلم، أن ثمة فارقًا واضحًا بين موضوعات سور القرآن المكي، وموضوعات سور القرآن المدني .

ومع هذا، فقد ذكر بعض أهل العلم بعض وجوه المناسبات بين السورتين الكريمتين، نحاول في مقالنا هذا أن نستجلي هذه الوجوه، اعتمادًا على ما ذكره أصحاب هذا الشأن، فنقول:

- خُتمت سورة المائدة بإثبات سلطان الله تعالى الكامل، وقدرته الشاملة، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؛ إذ قال سبحانه: { لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير } (المائدة:120) وافتتحت سورة الأنعام ببيان السبب في كمال سلطانه، والمظهر الأعظم لكمال قدرته، وهو خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان؛ فإن هذا من أسباب السلطان الكامل على السموات والأرض ومن فيهن، وهو مظهر كامل لكمال قدرته سبحانه، وهو قوله تعالى: { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } (الأنعام:1) .

- لما ذكر سبحانه في آخر المائدة قدرته على سبيل الإجمال، فقال: { لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير } افتتح سورة الأنعام بشرح ذلك الإجمال وتفصيله؛ فبدأ سبحانه بذكر أنه خلق السماوات والأرض { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } ثم فصَّل في هذا الخلق فقال: { وجعل الظلمات والنور } (الأنعام:1) وهذا بعض ما تضمنه قوله تعالى: { وما فيهن } في آخر سورة المائدة .

- ثم ذكر تعالى أنه خلق النوع الإنساني، وقضى له أجلاً آخر للبعث، وأنه أنشأ القرون قرناً بعد قرن، فقال: { هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون } (الأنعام:2) وهذا تفصيل آخر لقدرته سبحانه .

- ثم قال سبحانه: { قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله } (الأنعام:12) فأثبت لنفسه سبحانه ملك جميع ما في السموات والأرض، وهذا يشمل الحيز المكاني، ثم قال: { وله ما سكن في الليل والنهار } (الأنعام:13) فأثبت له تعالى ملك الأزمنة والأوقات، وهذا يشمل الحيز الزماني .

- ثم ذكر سبحانه في سورة الأنعام خلق سائر الحيوان من الدواب والطير، ثم خلق النوم، واليقظة، والموت والحياة، وذكر خلق الشمس والقمر والنجوم، وفلق الإصباح، وفلق الحب والنوى، وإنزال الماء، وإخراج النبات والثمار بأنواعها، وإنشاء جنات معروشات، وغير معروشات، وبيَّن تعالى أنه جعل الأنعام حمولة وفرشًا. وكل ذلك تفصيل لملكه سبحانه، وبيان لقدرته تعالى، التي أجمل القول فيها في سورة المائدة .

- ثم لما كان المقصود من هذه السورة بيان الخلق والملك، فقد أكثر سبحانه فيها من ذكر الرب، الذي هو بمعنى المالك والخالق والمنشئ، كما في قوله سبحانه: { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء } (الأنعام:102) وقوله: { قد جاءكم بصائر من ربكم } (الأنعام:103) واقتصر فيها على ما يتعلق بذلك من بدء الخلق بكل أنواعه وصفاته .

- فقد جمعت هذه السورة جميع المخلوقات بأسرها، وما يتعلق بها، وما يرجع إليها، وفصلت ما أجمل في قوله تعالى: { لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير } (المائدة:120) .

- ثم تضمنت السورة العديد من الوصايا، وهي كلها متعلقة بالمعاش، والقوام الدنيوي، وهذا تفصيل لمقتضيات الخلق .

- وأشارت سورة الأنعام إلى أشراط الساعة والبعث، قال تعالى: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك } (الأنعام:158) وهذا أيضًا تفصيل لما أُجمل في سورة المائدة، في قوله: { لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير } ومشاكلة لما ورد في أواخر سورة المائدة، من قوله تعالى: { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } (المائدة:109) .

- ومن وجوه المناسبة بين السورتين، أنه سبحانه لما ذكر في سورة المائدة، قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا } (المائدة:87) ثم ذكر بعد ذلك، قوله: { ما جعل الله من بحيرة } (المائدة:103) فأخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء مما رزقهم الله، افتراء على الله، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئًا مما أحل الله، فيشابهوا بذلك الكفار في صنيعهم، وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز، نقول: لما ذكر سبحانه ذلك في سورة المائدة، ساق في سورة الأنعام تفصيلاً ما حرمه الكفار في صنيعهم؛ فأتى به على الوجه الأبين، والنمط الأكمل، ثم جادلهم فيه، وأقام الدلائل على بطلانه، وعارضهم وناقضهم إلى غير ذلك مما فصلته السورة في هذا الشأن؛ فمن ذلك قوله تعالى: { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنـزير فإنه رجس أو فسقًا أُهلَّ لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } (الأنعام:145) وقوله أيضًا: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظُفُر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } (الأنعام:146) وقوله كذلك: { وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا } (الأنعام:139) .

- ومن وجوه المناسبات أيضًا بين السورتين، أن سورة المائدة اختتمت بفصل القضاء، قال تعالى: { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } (المائدة:119) وسورة الأنعام افتتحت بالحمد، قال تعالى: { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } وهما متلازمان، كما قال سبحانه: { وقُضيَ بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين } (الزمر:75) .

- ثم يضاف إلى ما تقدم، أنه لما كان قطب سورة الأنعام دائرًا على إثبات الخالق ودلائل التوحيد، ناسب ذلك ما جاء في سورة المائدة من إبطال ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام، وتوبيخ الكفرة على اعتقادهم الفاسد وافترائهم الباطل .

وبما ذكرناه من وجوه، يتضح قوة المناسبة بين السورتين الكريمتين، ويتأكد بذلك البيان أيضًا، أن سور القرآن الكريم يبيِّن بعضها بعضًا، ويفصِّل بعضها ما أُجمل في بعض، وصدق الله القائل: { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } (هود:1) .

لنا الله
22-02-2009, 09:08 PM
كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}

يخبر الله تعالى إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت ، فهو تعالى وحده الحي الذي لا يموت ، والجن والإنس يموتون ، وكذلك الملائكة وحملة العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخرا كما كان أولا . وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت ، فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية ، أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها ، كثيرها وقليلها ، كبيرها وصغيرها . فينبغي لمن أيقن بهذا أن يعد لهذا اليوم زادا من الأعمال الصالحة التي تنجيه ، وأن يجتنب الأعمال السيئة التي ترديه.

BLAAL
26-02-2009, 05:22 PM
جزاكم الله خيرا
وأنا رايي أنكم تقللون التعليق وتخلونها مختصر حتى ما تتعبون وتملون وتنقطعون بعد فترة.. وكذلك لئلا يمل بعضنا من طول التعليق

لنا الله
26-02-2009, 06:24 PM
جزاكم الله خيرا أخي للمرور

أثابك الله

أعتقد أن التعليق ليس بالطول الممل أخي .

لنا الله
26-02-2009, 06:29 PM
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ‏}


يظن بعض الناس أنهم لكي يكونوا زهادا ونساكا فلا بد أن يلبسوا ما خشن من الثياب، ويأكلوا ما خشن من الطعام، وتعتبر هذه الآية ردا حاسما على مثل هؤلاء. قال الإمام الطبري في تفسيره: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقة؛ ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على ابن مظعون فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، إذ كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء. فإن ظن ظان أن الخير في غير الذي قلنا لما في لبس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ؛ وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن التبتل وترك اللذات أفضل عند فساد الدين، قال ابن العربي: قال علماؤنا : هذا_أي التنعم بما أحل الله من الطيبات_ إذا كان الدين قواما، ولم يكن المال حراما؛ فأما إذا فسد الدين عند الناس وعم الحرام فالتبتل أفضل، وترك اللذات أولى، وإذا وجد الحلال فحال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأعلى.

لنا الله
10-03-2009, 02:21 AM
{فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ . أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ}

يقول تعالى مخبراً عن المشركين المكذبين المعاندين: إنهم كلما أتتهم من دلالة من الدلالات على وحدانية اللّه وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها، قال اللّه تعالى: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون}، وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب،وليذوقُنَّ وَبَاله. ثم قال تعالى واعظاً لهم ومحذراً لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعاً، وأكثر أموالاً وأولاداً واستعلاء في الأرض، وعمارة لها فقال: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} أي من الأموال والأولاد والأعمار والجاه العريض والسعة والجنود، ولهذا قال: {وأرسلنا السماء عليهم مدراراً} أي شيئاً بعد شيء، {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض أي استدراجاً وإملاء لهم، {فأهلكناهم بذنوبهم} أي بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترحوها، {وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين} أي جيلاً آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم فأهلكوا كإهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على اللّه منهم والرسول الذي كذبتموه أكرم على اللّه من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه.

لنا الله
12-03-2009, 05:51 PM
{قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}

سورة الانعام ايه ( 40/41)

يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء، ولهذا قال: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللّه أو أتتكم الساعة} أي أتاكم هذا أو هذا {أغير اللّه تدعون إن كنتم صادقين} أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال: {إن كنتم صادقين} أي في اتخاذكم آلهة معه. {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} أي في وقت الضرورة لا تدعون أحداً سواه وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كقوله: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} الآية ، ورغم كل هذا فإن المشركين يتعامون عنه ، ويعودون إلى ضلالهم وشركهم.

اخت الاسلام
16-03-2009, 12:02 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هده بعض الاوراد اليومية اتمنى ان افيدكم بها فهي فقط تدكيرباثره وفضله


آية الكرسي



حارس من الملائكة يحرسه ، وطارد للشياطين


عند النوم ، وبعد كل صلاة مفروضة


آخر آيتين من سورة البقرة


تكفي من شرور كل شيء وطارد للشيطان لمدة ثلاث ليال


قبل النوم أو مرة بعد المغرب


الإخلاص والمعوذتين


تكفي من شرور كل شيء وتحفظ من شر الجان وعين الإنسان


ثلاث مرات في الصباح وثلاث في المساء وقبل النوم وبعد كل صلاة مفروضة


قول : لا حول ولا قوة إلا بالله


كنز من كنوز الجنةودواء من 99 داء ، أيسرها الهم


الإكثار منها بدون تحديد


قول: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السمبع العليم


حامية من كل ضرر ، ولا تصيبه فجأة بلاء ، ولا يضره شيء مع ذكرها


ثلاث مرات في الصباح وثلاث في المساء


قول : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق


مضاد لسم العقرب ومحصنة للأماكن والدور من شر ما يدب فيها


ثلاث مرات في المساء ومن نزل منزلا


قول : حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم


الكافية من هم الدنيا والآخرة


سبع مرات في الصباح وسبع في المساء


قول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير..... وإذا دخل السوق زاد بعد ( له الحمد ) ( يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير)ا


حرز عظيم تكتب له مائة حسنة وتمحى عنه مائة سيءة وله عدل عشر رقاب ، وإذا دخل السوق كتب له ألف ألف حسنة ومحي عنه ألف ألف سيئة وفي وراية يبنى له بيت في الجنة


عشر مرات صباحا وعشر مرات مساء أو مائة مرة في اليوم أو أكثر أو عند دخول السوق


قول : بسم الله ، توكلت على الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله


قوة ثلاثية تحصينية من الشيطان وتجعل الشيطان يتنحى عنه


مرة بعد كل خروج من البيت


قول : أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم


تحفظه من الشيطان ليوم كامل




مرة واحدة عند دخول المسجد


استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه


غفرت ذنوبه وإن كان فارا من الزحف


الإكثار منها دون تحديد


الإكثار من الصلاة على النبي


كفاية الهموم وغفران الذنوب وإدراك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة


عشر مرات في الصباح وعشر في المساء أو أكثر من ذلك


المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد


تحصن وتحفظ من شياطين الإنس والجن ومن شر كل ذي شر


جميع الصلوات


قول : أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه




حفظ الأموال والأولاد وغيرهما من السرقة والتعدي


كل شيء يراد حفظه مرة واحدة






أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه

لنا الله
16-03-2009, 07:10 PM
شكرا للمشاركه أختي

لنا الله
16-03-2009, 07:11 PM
{وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}

سورة الانعام ايه ( 42 - 44 )

إن الله تعالى إذا لم يدعه العبد يغضب عليه ، فالله تعالى يحب العبد الذي يطرق بابه مرات ومرات ولكن قسوة قلب العبد تنسيه ربه وتنسيه أن يرفع له يديه ويتذلل إليه ويفتقر له، إن الله تعالى أهلك أمما من قبل ، ضيق عليهم أرزاقهم ، وابتلاهم بالأوجاع والأسقام ولكن قست قلوبهم فلم يرفعوا أكف الضراعة إلى مولاهم ولم يلهجوا بدعاء خالقهم ، فاستدرجهم الله عز وجل ففتح عليهم أبواب الرزق الواسعة والخير العميم، حتى إذا فرحوا بما أوتوا واطمأنوا به أخذهم الله عز وجل بغتة . قال الإمام أحمد عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إذا رأيت اللّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج)، ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} ""رواه أحمد. فاللهم ذكرنا بك دوما ، ولا تنسينا ذكرك أبدا ، وأعنا اللهم على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

لنا الله
28-03-2009, 09:29 AM
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}
الانعام 93


قال اللّه تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} أي في سكراته وغمراته وكرباته، {والملائكة باسطوا أيديهم} أي بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، ولهذا يقولون لهم: {أخرجوا أنفسكم}، وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصى وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحق} الآية، أي اليوم تهانون غاية الإهانة كما كنتم تكذبون على اللّه وتستكبرون اتباع آياته والانقياد لرسله.

*عبوري*
04-04-2009, 03:43 PM
جزاك الله خير وفقك اينما كنت

منهاج الصالحين
08-04-2009, 09:37 AM
جزاك الله خير

في ميزانك

**

لنا الله
14-04-2009, 10:55 AM
جزاكم الله خيرا للمرور .

لنا الله
14-04-2009, 11:05 AM
{وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ . وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ . إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ. إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا . وَأَكِيدُ كَيْدًا . فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}
سورة الطارق ..الايات ( 11/17)

تصور لنا هذه الآيات مشهدا للحياة في صورة من صورها، حياة النبات ونشأته الأولى : ماء يتدفق من السماء ، ونبت ينبثق من الأرض . والرجع: هو المطر ترجع به السماء مرة بعد مرة ، والصدع: هو النبت يشق في الأرض وينبثق .. يقسم الله بهذين الكائنين وهذين الحدثين .. يقسم بأن هذا القول الذي يقرر الرجعة والابتلاء - أو بأن هذا القرآن عامة - هو القول الفصل الذي لا يتلبس به الهزل . القول الفصل الذي ينهي كل قول وكل جدل وكل شك وكل ريب . وفي ظل هذا القول الفصل بالرجعة والابتلاء يتجه الخطاب إلى الرسول وهو ومن معه من القلة المؤمنة في مكة يعانون من كيد المشركين ومؤامراتهم على الدعوة والمؤمنين بها .. يتجه الخطاب إلى الرسول بالتثبيت والتطمين ، وبالتهوين من أمر الكيد والكائدين . وأنه إلى حين . وأن المعركة بيده هو - سبحانه - وقيادته . فليصبر الرسول وليطمئن هو والمؤمنون : ( إنهم يكيدون كيدا ، وأكيد كيدا ، فمهل الكافرين ، أمهلهم رويدا ) .. فهذا كيد . وهذا كيد . وهذه هي المعركة .. ( فمهل الكافرين ) .. ( أمهلهم رويدا ) .. لا تعجل . ولا تستبطئ نهاية المعركة . وقد رأيت طبيعتها وحقيقتها .. فإنما هي الحكمة وراء الإمهال . الإمهال قليلا .. وهو قليل حتى لو استغرق عمر الحياة الدنيا

عاشق البيان
14-04-2009, 11:27 AM
الاخت لنا الله
بارك الله فيك على هذه الطرح الرائع في ظلال آيه
واصلي بورك فيك ولاحرمتي الاجر من الله

لولي المصونه
15-04-2009, 06:06 PM
بارك الله فيكِ وجزاكِ كل خير
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
الحمدلله والله اكبر ولا اله الا الله وحده لاشريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير

لنا الله
21-04-2009, 02:23 PM
الاخت لنا الله

بارك الله فيك على هذه الطرح الرائع في ظلال آيه

واصلي بورك فيك ولاحرمتي الاجر من الله



جزاكم الله خيرا أخي للمرور

أنا أخ ولست بأخت .

لنا الله
21-04-2009, 02:26 PM
بارك الله فيكِ وجزاكِ كل خير
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
الحمدلله والله اكبر ولا اله الا الله وحده لاشريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير

جزاكم الله خيرا للمرور .

لنا الله
21-04-2009, 02:32 PM
{أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} سورة النساء اية 77

إن الناس جميعا _ مهما طالت أعمارهم _ صائرون إلى الموت لا محالة ولا ينجو منه أحد منهم ، سواء جاهد أو لم يجاهد فإن له أجلا محتوما، ومقاما مقسوما، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من شيء من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء. وقوله: {ولو كنتم في بروج مشيدة} أي حصينة منيعة عالية رفيعة أي لا يغني حذر وتحصن عن الموت كما قال زهير بن أبي سلمى: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ** ولو رام أسباب السماء بسلم وقوله تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند اللّه} أي إن يصبهم خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك، {وإن تصبهم سيئة} أي قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو نتاج أو غير ذلك {يقولوا هذه من عندك} أي من قِبَلك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} وكما قال تعالى: {ومن الناس من يعبد اللّه على حرف...} الآية. وهكذا قال هؤلاء المنافقون، الذين دخلوا في الإسلام ظاهراً وهم كارهون له في نفس الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى اتباعهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ويقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمداً أصابنا هذا البلاء، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {قل كل من عند اللّه} فقوله: قل كل من عند اللّه أي الجميع بقضاء اللّه وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر والمؤمن والكافر. ثم قال تعالى منكراً على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب وقلة فهم وعلم وكثرة جهل وظلم {فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً}؟ فكيف يفقه من قال هذا الكلام، وكيف يعقل من صدرت عنه هذه المقالة؟!!

لنا الله
08-06-2009, 10:24 PM
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65)

يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يحكِّم الرسول صلى اللّه عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً. فثلاث شرائط للإيمان حددتها الآية الكريمة، لا يكتمل إيمان أحد إلا إذا تحققت فيه، وهي: تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم حال حياته، وسنته بعد وفاته، فيما ينشأ بين المسلمين من خلاف واشتجار. ثم الانقياد لحكم الله ورسوله طوعا، ودون أن يجد المسلم في قلبه أدنى ضيق أو حرج لهذا الحكم ، ولو أتى على غير هواه. وأخيرا التسليم المطلق والإذعان التام لها الحكم والانقياد له في الظاهر والباطن. وإن من أعظم التمسك والعمل بسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الرجوع إليها مع كتاب الله تعالى عند التنازع وردّ الأمور إليها , لا إلى قوانين البشر , ولا يتحقق إيمان لأحد إذا لم يكن احتكامه للكتاب والسنة , كما قال تعالى : (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ) [النساء:59].

خديجة
09-06-2009, 03:51 PM
**لنا الله**
جزاك الله خيرا وكتب أجرك
طوبى لك هذا العمل
نسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتك
ويجزيك عنا خير الجزاء

لنا الله
15-06-2009, 07:15 AM
جزاكم الله خيرا أختي للمرور

أثابكم الله .

لنا الله
15-06-2009, 07:16 AM
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}

سورة الأحزاب ايه ( 36 )


لقد ضرب لنا الصحابة الكرام المثل والقدوة في امتثال تلك الآيات , وفي تحري طاعته - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به على الفور في كل ما يصدر منه , فقد أخرج البخاري - رحمه الله - عن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال : "اتخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتماً من ذهب , فاتخذ الناس خواتيم من ذهب , ثم نبذه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : إني لن ألبَسه أبداً , فنبذ الناس خواتيمهم". وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : "بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى بأصحابه , إذ خلع نعليه , فوضعهما عن يساره , فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم , فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته قال : ما حملكم على إلقاء نعالكم ؟ , قالوا : رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن جبريل (عليه السلام) أتاني فأخبرني أن فيها قذراً - أو قال أذى -" . وبهذا فاز الصحابة الكرام وكانت لهم الدنيا كما كانت لهم الآخرة ، فمن أراد اللحاق بهم فليسر على دربهم، وليفع فعلهم.

لنا الله
06-07-2009, 10:30 AM
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)

إن العلم يراد للعمل، وإن سعادة العبد في الدنيا والآخرة في التمسك بما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم القائل: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً , كتاب الله وسنتي , ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" , والقائل أيضا : "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة , قالوا : مَن هي يا رسول الله ؟ , قال : ما أنا عليه وأصحابي"(24) . فمِن أعظم التمسك والعمل بسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الرجوع إليها مع كتاب الله تعالى عند التنازع وردّ الأمور إليها , لا إلى قوانين البشر , ولا يتحقق إيمان لأحد إذا لم يكن احتكامه للكتاب والسنة , قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ) [النساء:59] , وكما قال العلماء فالرد يكون إليه - صلى الله عليه وسلم - في حياته وإلى سنته بعد مماته , وقال - تعالى - : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [النساء:65] , وقال - جل وعلا - : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً) [الأحزاب:36] .

طقس
16-07-2009, 12:14 AM
جزاك الله خيراً
وجعله في موازين حسناتك

ما زلنا متابعين مستفيدين

محمد حسين يعقوب
01-08-2009, 03:57 PM
http://www.abuaseel.net/dam3at_7ozn/ekccwarat/gzak.gif

http://hajisqssu.jeeran.com/a7.gif

لنا الله
10-08-2009, 11:28 AM
جزاك الله خيراً
وجعله في موازين حسناتك

ما زلنا متابعين مستفيدين

جزانا وإياكم خيراً

لنا الله
10-08-2009, 11:28 AM
http://www.abuaseel.net/dam3at_7ozn/ekccwarat/gzak.gif

http://hajisqssu.jeeran.com/a7.gif

جزاكم الله خيراً للمرور.

لنا الله
10-08-2009, 11:31 AM
{فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ. إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}



أي فلينظر الإنسان من أي شيء خلق وإلى أي شيء صار .. إنه خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ، خلق من هذا الماء الذي يجتمع من صلب الرجل وهو عظام ظهره الفقارية ومن ترائب المرأة وهي عظام صدرها العلوية.. والمسافة الهائلة بين المنشأ والمصير .. بين الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب وبين الإنسان المدرك العاقل المعقد التركيب العضوي والعصبي والعقلي والنفسي .. توحي بأن هنالك يدا خارج ذات الإنسان هي التي تدفع بهذا الشيء المائع الذي لا قوام له ولا إرادة ولا قدرة .. حتى تنتهي به إلى هذه النهاية الماثلة .. وتؤكد الحقيقة الأولى التي أقسم عليها بالسماء والطارق . كما تمهد للحقيقة التالية .. حقيقة النشأة الآخرة التي لا يصدقها المشركون . ( إنه على رجعه لقادر . يوم تبلى السرائر . فما له من قوة ولا ناصر ) إنه - الله الذي أنشأه ورعاه - إنه لقادر على رجعه إلى الحياة بعد الموت ، وإلى التجدد بعد البلى ، تشهد النشأة الأولى بقدرته ، كما تشهد بتقديره وتدبيره . ( يوم تبلى السرائر ) .. السرائر المكنونة ، المطوية على الأسرار المحجوبة .. يوم تبلى وتختبر ، وتتكشف وتظهر . ( فما له من قوة ولا ناصر ) .. ما له من قوة في ذاته ، وما له من ناصر خارج ذاته .

لنا الله
19-08-2009, 08:15 AM
{وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا}

إن من تدبير الله للبشر أن جعل النوم سباتا يدركهم فيقطعهم عن الإدراك والنشاط، ويجعلهم في حالة لا هي موت ولا هي حياة، تتكفل بإراحة أجسادهم وأعصابهم وتعويضها عن الجهد الذي بذلته في حالة الصحو والإجهاد والانشغال بأمور الحياة ..وهي سر من أسرار تكوين الحي لا يعلمه إلا من خلق هذا الحي وأودعه ذلك السر ؛ وجعل حياته متوقفة عليه . فما من حي يطيق أن يظل من غير نوم إلا فترة محدودة . فإذا أجبر إجبارا بوسائل خارجة عن ذاته كي يظل مستيقظا فإنه يهلك قطعا . وكما أودع الإنسان سر النوم والسبات ، بعد العمل والنشاط ، فكذلك أودع الكون ظاهرة الليل ليكون لباسا ساترا يتم فيه السبات والانزواء . وظاهرة النهار ليكون معاشا تتم فيه الحركة والنشاط .. بهذا توافق خلق الله وتناسق . وكان هذا العالم بيئة مناسبة للأحياء

لنا الله
12-09-2009, 08:26 PM
{وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا. وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا. وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا. لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا . وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا}


السبع الشداد التي بناها الله فوق أهل الأرض هي السماوات السبع ، وهي الطرائق السبع في موضع آخر.. وقد تكون غير هذه وتلك مما يعلمه الله من تركيب هذا الكون ، الذي لا يعلم الإنسان عنه إلا القليل . إنما تشير هذه الآية إلى أن هذه السبع الشداد متينة التكوين ، قوية البناء ، مشدودة بقوة تمنعها من التفكك والانثناء .. ( وجعلنا سراجا وهاجا ) .. وهو الشمس المضيئة الباعثة للحرارة التي تعيش عليها الأرض وما فيها من الأحياء . والتي تؤثر كذلك في تكوين السحائب بتبخير المياه من المحيط الواسع في الأرض ورفعها إلى طبقات الجو وهي المعصرات : ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ) .. يتساقط ما فيها من الماء .. ومن السراج الوهاج .. ومن المعصرات ما يعتصر منها من ماء ثجاج ، ينصبّ دفعة بعد دفعة .. مرة بعد مرة ، وهو الثجاج ، من هذا الماء .. يخرج الحب والنبات الذي يؤكل هو ذاته ، والجنات الألفاف: الكثيفة الكثيرة الأشجار الملتفة الأغصان. أفبعد كل هذه النعم التي تتوالى من الرب المنعم نجد من عباده من يعبد غيره ، ويشكر سواه ؟!!

خديجة
12-09-2009, 11:27 PM
لنا الله
أسأل الله العظيم ان يجزيك خيرا
ماشاء الله مازلت مستمر
وفقك الله واعانك وسدد خطاك
ماشاء الله اقتربت من الختم
اسال الله ان يكون ذلك في ميزان حسناتك
بورك فيك وفي جهودك

يكفي ما فيني
11-11-2009, 11:55 PM
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا

سميرعاشور
07-01-2010, 08:28 PM
فتح الله عليك يااخى0

nour3iny
19-01-2010, 11:44 PM
جزاك الله خيرا اخى الكريم جعله الله فى ميزان حسناتك ولا تبخل علينا بمثل هذة المواضيع

أم غيث الماضي
11-02-2010, 08:21 PM
جزاك الله خيراعلى هذه الوقفات الرائعة وسددالله خطاك ونفع بك الامة اللهم آميييييييييين

لنا الله
16-05-2012, 12:30 AM
جزاكم الله خيراً للمتابعة
وعذراً للانقطاع .

مُناي الج ـنة
19-05-2012, 03:18 PM
جزاك الله على هذا الجهد الطيب
نأمل الإستمرار