|
ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() وينزل الغيث (1) الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم؛ وسعت رحمته كل شيء، وعم فضله كل الخلق، فما من مخلوق إلا وناله من رحمة الله تعالى وفضله ما ناله (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهـادة هو الرحمن الرحيم) نحمده على فضله المتتابع، ونشكره على غيثه المبارك، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له (خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دآبة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم، هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظـالمون في ضلل مبين). وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، كأن أكثر الناس استبشارا برحمة الله تعالى، وأشدهم فرقا من عذابه، إن رأى سحابا خاف أن يكون عذابا، فإذا مَطَرت سُرِّي عنه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل، والتابعين لهم بإحسان. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واشكروه على نعمه العظيمة، واعلموا أنكم لن تبلغوا شكره مهما عملتم؛ فإن إحسان الله تعالى إليكم كثير، وفضله عليكم عظيم، وما شكركم بجانب نعمه (الله الذي خلق السمـاوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره وسخر لكم الأنهـار وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار). أيها الناس: من أسماء الله تعالى الحسنى: الرحيم، ومن صفاته العلى: الرحمة، ومظاهر رحمته سبحانه في خلقه كثيرة في خلقهم ورزقهم، وهدايتهم وإعانتهم. وفي كل أزمانهم وأحوالهم تحيط بهم رحمة الله تعالى وعنايته ورعايته . والغيث رحمة يرحم الله تعالى بها العباد والبلاد، والبهائم والطير والحشرات، ويحيي به الله تعالى الأرض بعد موتها، فتهتز الأرض بالغيث المبارك بعد سكونها، وتخضر بعد اصفرارها، وتثمر بعد جدبها، فتنتفع بذلك كل المخلوقات في البر والبحر. وللرب جل جلاله في تقدير الغيث وإنزاله تدبير عجيب لطيف، يدل على حكمة باهرة، ورحمة واسعة، لا يحيط بها العباد وصفا ولا عدا. ومن أعظم مظاهر تلك الحكمة في التقدير، والرحمة بالعبيد: أن الله تعالى جعل إنزال الغيث من خصائص ربوبيته سبحانه، ولم يكل ذلك إلى أحد من خلقه (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ![]() وهذه الخمس استأثر الله تعالى بها، وإن كان كل ما يجري في الكون هو بتقدير الله تعالى ومشيئته، وتحت حكمه وأمره ولكن هذه الخمس استأثر الله تعالى بها فلم يعهد بها لمخلوق. إن الغيث لو كان بيد البشر، يملكون إنزاله ومنعه لحصل فساد عريض في الأرض، ولوقع الخلاف بين الناس حول إنزال المطر وعدم إنزاله؛ فحاجة أهل السائمة والزرع إلى الغيث ليست كحاجة غيرهم، فهم يستبطئونه ويريدونه، وغيرهم يستعجلونه ويؤخرونه، ولربما حصل اقتتال بين بني آدم بسبب ذلك . والناس كذلك يظلم بعضهم بعضا، وفيهم من الأثرة وحب الذات ما يجعلهم يمنعون الرزق عن غيرهم، ولو كانوا يملكون المطر لاستأثر به الأقوياء دون الضعفاء، ولأهلكوهم بالعطش والجدب والجوع، أو بالأعاصير والغرق والفيضان، وقد عايشنا أحدثا اقتصادية كُسرت فيها أُسَرٌ، وأُفقرت بيوت، وأفلس رجال فيما يعرف بخسائر الأسهم، وما هي إلا من ظلم أباطرة المال لغيرهم، وأكل أموالهم بالباطل، ورأينا دولا مستكبرة تحبس مياه الأنهار عن جيرانها للإضرار بها، وإهلاك شعوبها، وسمعنا عن دول ترمي فائض الإنتاج في البحار للحفاظ على ثبات الأسعار في الوقت الذي يموت فيه آلاف البشر من الجوع والمرض والبرد، وشاهدنا دولا تغزو أخرى فتدمرها، وتقتل بشرها، وتهلك حرثها ونسلها من أجل شيء من ثرواتها، وإحكام السيطرة على غيرها، فماذا سيفعل هؤلاء وأولئك بالناس لو كانوا يملكون قطر السماء. فاعرفوا حكمة الله تعالى في تقديره، وتأملوا رحمته بعباده؛ إذ جعل تقدير الغيث ونزوله إليه سبحانه، ولم يكل ذلك إلى خلقه، وهو سبحانه من يقسمه بين عباده، وهذا أعظم أثر من آثار رحمة الله تعالى في الغيث فنحمده سبحانه حمدا يليق بجلاله وسلطانه (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا، لنحيي به بلدة ميتا ونُسْقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا، ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا). وإذا كان تقدير الغيث إلى الله تعالى رحمة منه بعباده؛ فإن الله سبحانه قد جعل الغيث ذاته رحمة من رحماته، كما جعل وقته وقت رحمة، وجعل ما قبله من الرياح والسحب مبشرات بتلك الرحمة العظيمة (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) وفي آية أخرى بين سبحانه أن ذلك آية من آياته الدالة على قدرته وحكمه، فوجب على العباد أن يشكروه على نعمه (ومن آيـاته أن يرسل الريـاح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجرى الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون). وكثيرا ما يبتلي الله تعالى العباد بالقحط والجفاف، فتمسك السماء بأمره سبحانه ماءها، وتمنع الأرض نباتها؛ ليرجع العباد إلى ربهم، ويضطروا إليه، ويوقنوا بحاجتهم له، وأنهم لا غنى لهم عنه، فلا يزالون يسألون ربهم سؤال المضطرين، ويستغفرونه استغفار المذنبين التائبين، حتى إذا ما عظمت محنتهم، واشتدت حاجتهم، ونفدت مواردهم، وهلكت أنعامهم، وماتت أشجارهم، وأقحلت مزارعهم، ويأسوا من المطر عاجلهم الله تعالى برحمته، فأنزل عليهم غيثا مباركا يزيل يأسهم، ويبهج نفوسهم، ويحيي به أرضهم، ويسد حاجتهم. ولا يأتي على الناس عسر شديد، وجدب ممحل إلا أعقبه الله تعالى بيسر وفرج يكون رحمة منه سبحانه لعباده (فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا). وهذا المعنى العظيم في رحمة الله تعالى لعباده بالغيث عقب الشفقة والقنوط واليأس جاء النص عليه في القرآن (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون، وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير) وفي الآية الأخرى (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد) وجاء في حديث أبي رزين العقيلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ![]() قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والمعنى أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم، وقنوطهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده بإنزال الغيث عليهم، وتغيره لحالهم وهم لا يشعرون. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:ولهذا استقر في عقول الناس أنه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة. وقال رجل لعمر رضي الله عنه:يا أمير المؤمنين، قحط المطر، وقنط الناس، فقال عمر رضي الله عنه: مطرتم، ثم قرأ (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته). والغيث كذلك رحمة وقت تنزله، وكم في قلوب البشر من الفرح به بعد الانقطاع، والتبشير به بعد اليأس؛ ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم رحمة؛ كما روى مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت ![]() ولأن الغيث رحمة من الله تعالى شرع للمسلم التعرض له ليصيبه شيء من تلك الرحمة؛ كما روى أنس رضي الله عنه فقال ![]() كما شرع الدعاء حال نزوله؛ لأن وقت تنزله وقت رحمة، وأوقات الرحمة مرجوة الإجابة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والدعاء مستجاب عند نزول المطر. ومن الأدعية الواردة في ذلك: الدعاء ببركة الغيث، وانتفاع الناس به؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى المطر قال:اللهم صيبا نافعا) وفي رواية (اللهم اجعله صيبا هنيئا). كما يشرع للمسلم أن يقر بافتقاره إلى الله تعالى، وحاجته إلى رحمته وغوثه، فينسب الفضل إليه سبحانه، لا إلى غيره؛ ولذلك أثنى الله تعالى في الحديث القدسي على من قال (مطرنا برحمة الله، وبرزق الله، وبفضل الله) وعد من قال ذلك مؤمنا به، كافرا بالكوكب، وذم من نسب المطر إلى النوء، وعده كافرا به، مؤمنا بالكوكب. ومن الرحمة في الغيث: أنه سبب لتخفيف التكاليف الشرعية؛ لأن وقت نزوله مظنة مشقة على الناس؛ فإن كان يشق على الناس بلوغ المساجد جاز لهم الصلاة في بيوتهم، وشرع للمؤذنين أن يؤذنوا فيهم بالصلاة في بيوتهم؛ كما روى ابن عمر رضي الله عنهما ![]() فإن كان الناس في المسجد أثناء المطر فقد خفف عنهم بالجمع بين الصلاتين. وكل هذا التخفيف من رحمة الله تعالى بعباده؛ فهو سبحانه رحم عباده بالغيث المبارك، ثم رحمهم برفع ما قد يسببه المطر من حرج ومشقة عليهم. وبهذا تظهر رحمة الله تعالى لعباده في الغيث بأن جعل إنزاله من خصائصه، وقسمه بين عباده، فأروى به عطشهم، وأحيا أرضهم، وأكمل نقصهم، وسد حاجتهم، وجعله بركة لهم، فشرع لهم التعرض له والدعاء عند نزوله، ورفع عنهم الحرج، وخفف المشقة (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج). بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.... الخطبة الثانية الحمد لله؛ خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - واشكروه على نعمه؛ فإنه سبحانه قد أمر العباد أن يستغيثوا به، وأن يطلبوا الرزق منه؛ لأنه الباسط القابض، المعطي المانع،كما أمرهم أن يشكروه على ما منَّ به عليهم من أنواع الرزق الطيب الحلال المبارك (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون). أيها المسلمون: حاجة الناس إلى الماء ليست تخفى على العقلاء؛ ولذا بالغت كثير من الدول في الاهتمام بمسألة المياه، وحثت الناس على الاقتصاد فيه، وخصته بوزارات تتولى استخراجه وتنقيته وإيصاله إلى الناس تسمى وزارات المياه، وكم تعقد من مؤتمرات وندوات لإيجاد حلول في الدول التي تعاني من مشاكل نقص المياه. بل أضحى الماء سلاحا تلوح به بعض الدول في وجوه جيرانها لتحجز عنهم مياه الأنهار والسيول بإنشاء الحواجز والسدود، وفي الحروب تضرب السدود لإغراق المدن والقرى، وإفساد الزروع، وإهلاك الماشية، كما تضرب خزانات المياه ومحطات تحليته لحمل المضروبين على الاستسلام. ولو قطع الماء عن البيوت يوما أو يومين لرأيتم شدة الزحام والخصام على وسائل نقل المياه، ولو طال ذلك أسبوعا أو أسبوعين لأنتن الناس في أجسادهم وثيابهم وبيوتهم، فكيف لو امتد أشهرا أو سنوات، نسأل الله تعالى الرحمة والعافية. وإذا كان الأمر كذلك فإن علاج مشكلة نقص المياه يكون بطاعة الله تعالى، والانتهاء عن المعاصي؛ لأن الغيث بيد الله سبحانه، وهو من رزقه (وينزل لكم من السماء رزقا) ورزق الله تعالى يطلب بطاعته وشكره (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون). فكيف يريد الناس علاج مشاكل المياه بحوارات وندوات وتوعية وإجراءات، ليس فيها حث على طاعة الله تعالى، والانتهاء عن معاصيه، والماء ماء الله تعالى، والغيث غيثه. بل لا يزال أهل النفاق يبثون سمومهم في المجتمعات، ويعلنون رفضهم لشريعة الله تعالى، ويودون نشر الشهوات، وقسر الناس عليها، والإعلام المفسد بقنواته وصحفه يبارز الله تعالى جهارا نهارا، والساكت في الناس كثير، والمنكر قليل. بل إن كثيرا من الناس يقابلون الغيث المبارك الذي أنعم الله تعالى عليهم بعد شدة الحاجة بأنواع المعاصي والمحرمات، فيسيحون في أرض الله تعالى للتمتع بما أنزل عليهم من رزق السماء، ومعهم آلات لهوهم وطربهم، ولا يبالون بحجاب نسائهم وبناتهم، فيقع من جراء ذلك فتنة وفساد عريض. فأين شكر الله تعالى على نعمه، وأين أهم علاج لقلة المياه وازدياد التصحر، وهو الاستقامة على أمر الله تعالى، والانتهاء عن معاصيه، والله تعالى يقول (وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا) وفي الآية الأخرى (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركـات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذنـاهم بما كانوا يكسبون). إن أعظم مشكلة تجر إلى مشاكل عدة هي ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتراء المنافقين والأراذل على شريعة الله تعالى، وانتهاكهم لحرماته، ونشر الفسوق والعصيان في الناس، حتى لا يبقى من ينكر منكرا،فيستوجب العباد سخط الله تعالى ونقمته وعقوبته، وقد عذب الله تعالى الأمم السابقة بسبب كفرهم وعصيانهم، وقص الله سبحانه أخبارهم في القرآن، فخذوا العبرة منهم، وإياكم أن تسيروا سيرتهم، بل ائتمروا بالمعروف،وتناهوا عن المنكر، وخذوا على أيدي السفهاء منكم، وأطروهم على الحق أطرا، واقصروهم على الحق قصرا، فإنكم إن فعلتم ذلك رضي الله تعالى عملكم، وشكر سعيكم، وأفاض عليكم من خيرات السماء، وأخرج لكم من بركات الأرض ورزقكم من حيث لا تحتسبون، وبارك لكم فيما رزقكم، ودفع عنكم النقم والمصائب. وصلوا وسلموا على نبيكم...
__________________
|
#2
|
||||
|
||||
![]() وينزل الغيث (2) الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل الغيث آية وعبرة الحمد لله الخلاق العليم؛ خلق كل شيء بقدرته، ودبر ما خلق بحكمته {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك: 14] نحمده على نعمه المتتابعة، ونشكره على آلائه المتواترة، لم يعامل عباده بخطئهم وإلا لأخذهم، فكلُ ابنِ آدم خطَّاء، ولم يحبس عطاءه عن الكافرين مع كفرهم، ولا أمسك رزقه عن العاصين رغم معصيتهم، بل نال رزقُه وخيرُه الناسَ كلهم، ووسع حلمه عباده مع جهلهم {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ دلَّ عبادَه عليه سبحانه بآياته السماوية والأرضية، ودلهم على عبادته بآياته الشرعية؛ فأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأبان السبيل، وأقام الحجة {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله تعالى حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أنه سبحانه غني عنكم، وأنكم فقراء إليه، وأنه تعالى قادر عليكم، وأنتم عاجزون أمام قدرته، ولو عاملنا سبحانه بعدله لأهلكنا ولم يظلمنا، ولكنه يملي ويعفو {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} [النحل: 61] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان -يعني الإبهام والتي تليها- لعذبنا ثم لم يظلمنا شيئا)) صححه ابن حبان. أيها الناس: عندما يتفكر المؤمن في الخلق والوجود يدرك عظيم نعمة الله تعالى عليه حين نصب الأدلة الدالة على وجوده وقدرته وعلمه وحكمته، ونوَّع البراهين القاطعة على ربوبيته وألوهيته؛ فكل المخلوقات صغيرها وكبيرها، حقيرها وجليلها، سفليِّها وعلويِّها دلائل وبراهين على وجود الرب جل جلاله وعلى قدرته وربوبيته؛ ولذا كان إنكار ذلك من جحود المكابرة مع يقين النفس به، وليس مجرد جهل من المنكرين {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] وقد ألزمهم الله تعالى بالحجة الباهرة القاهرة حين قال سبحانه {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ} [الطُّور: 35]. إن الله تعالى لما خلقنا زودنا بأدوات العلم والإدراك؛ لندرك بها حقائق الأشياء، ونتوصل به إلى العلم واليقين في أمورنا كلها، وأول ذلك وأعظمه معرفة ربنا جل جلاله، وما يجب علينا له من الإيمان والعمل الذي يوصلنا إلى مرضاته، فنواصينا بيده، وأرزاقنا عنده، ومصائرنا في الدنيا والآخرة إليه، لا ينفعنا أحد دونه، ولا يضرنا مخلوق إلا بقَدَره. ووسائل العلم والإدراك هي الأسماع التي نسمع بها العلوم والمعارف من الوحيِّ وغيره، والأبصار التي نبصر بها الدلائل والآيات، والعقول التي نفكر بها ونستنتج ونحلل، ونصل إلى النتيجة المهمة، وهي أن لهذا الخلق العظيم الكبير المتعدد في السماء والأرض خالقا أحدا أعظم وأكبر وأكمل مما خلق، وفي وسائل العلم هذه يقول ربنا تبارك وتعالى {وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]. وكل شيء في الوجود فهو آية على الموجِد، وكل مخلوق فهو دليل على الخالق، فآيات الله تعالى الدالة عليه لا يحصيها عدٌّ، ولا يحيط بها عقل؛ فكل ما في الوجود سواه تعالى آيات دالة عليه سبحانه، فمن يحصي خلق الله تعالى وآياته عددا، ومن يحيط بها علما سواه سبحانه؟! فويل لمن كفر بالله تعالى وهو يرى آياته سبحانه في كل شيء {وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ الله تُنْكِرُونَ} [غافر: 81] وفي آية أخرى {كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73] وفي آية ثالثة {وَقُلِ الحَمْدُ لله سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل: 93]. والغيث المبارك الذي ينزله الله تعالى من السماء رزقا للعباد، وحياة للأرض وما عليها ما هو إلا آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته وألوهيته، ومظهر من مظاهر رحمته بعباده. وقد جاء في القرآن تأكيد هذا المعنى العظيم بأساليب متنوعة في أكثر من ثلاثين موضعا، مما يدل على عظيم هذه الآية الربانية الكونية، ولزوم التفكر فيها، والاعتبار بها. إن في آيات القرآن الكريم تصريح بأن هذه العملية الكونية من إنشاء السحاب، وهطول الأمطار، وإنبات الأرض آية من آيات الله تعالى، قال الله عز وجل {وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرُّوم: 24] وفي آية أخرى {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الرُّوم: 46] وفي آية ثالثة {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [فصِّلت: 39]. وأحيانا يخاطب الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم بالنظر في هذه الآية الكونية العظيمة؛ لتثبيت قلبه، وتقوية عزمه أمام تكذيب المكذبين، وإنكار المنكرين {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج: 63] وتكرر هذا المعنى في سورتي فاطرٍ والزمر. وفي آيات أخرى يعيب الله تعالى على المكذبين تعطيل عقولهم وأسماعهم وأبصارهم عن رؤية هذه الآية العظيمة كما في قوله عز وجل {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27] وتكرر هذا المعنى في سورة ق. وفي آيات قرآنية أخرى تذييل بذكر وسائل تحصيل العلوم والمعارف وهي الأسماع والأبصار والعقول عند ذكر آية نزول الغيث، وإحياء الأرض به؛ مما يدل على أنها آية محسوسة تدركها الأسماع والأبصار والعقول، قال الله تعالى {وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [النحل: 65] وفي البقرة {لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] وفي النحل {لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 11] وفي طه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 54] وفي الزمر {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ} [الزُّمر: 21] وفي السجدة {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27] وكل هذه الآيات القرآنية المختومة بالتفكر والعقل والسمع والبصر جاء فيها آية إنزال الماء من السماء لإحياء الأرض، وإنبات الزرع. بل جاء ذلك صريحا في قول الله تعالى{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر: 13]. وفي آيات أخرى يعيب الله تعالى على من أشركوا به عز وجل مع إقرارهم بأن الغيث لا ينزله إلا الله تعالى، وأن الأرض لا ينبتها إلا هو سبحانه، ويبين تناقضهم، وتهافت حجتهم، وضعف عقولهم {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] وفي النمل {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ الله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60]. وتكرر هذا المعنى في الزخرف. وفي آيات أُخَرْ يبين سبحانه لعباده ضعفهم وعجزهم وقلة حيلتهم أمام حاجتهم للغيث، فهو سبحانه الذي يملكه، وهو الذي ينزله، وهو الذي يمسكه لهم في الأرض ولو شاء سبحانه لذهب به، وهو الذي جعله عذبا فراتا، ولو شاء لجعله ملحا أجاجا {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22] وفي آية أخرى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 18] وفي ثالثة {أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 68-70] وفي رابعة {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30] ومن كذَّب بالله تعالى مع مشاهدته لآية الغيث فويل له {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا* وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 27-28]. وبهذه الآية البينة -آية إنزال الغيث، وإحياء الأرض به-حاجج موسى عليه السلام فرعونَ في مناظرته له في الخالق سبحانه فقال موسى عليه السلام يصف ربه تعالى {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 53-54]. فيا لها من حجة بالغة، وآىة باهرة، تدل على ربوبية الله تعالى وألوهيته وقدرته وعظمته، وافتقار الخلق إليه في كل شئونهم، فمن ذا الذي يغيثهم ويرزقهم، ويكشف ضراءهم إلا ربهم!! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 10-11]. بارك الله لي ولكم.... الخطبة الثانية الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 131-132]. أيها المسلمون: حاجة الأرض وما عليها لغيث السماء يدركه كل العقلاء، ولا ينكره إلا المبطلون؛ ولذا يخاف الناس حبس القطر، وجدب الأرض؛ لأن نتيجته الجوع والقلة والهلاك. والأصل أن الغيث الذي ينزله الله تعالى قد باركه؛ لأن الله تعالى وصفه بالبركة في قوله سبحانه {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ} [ق: 9]. ولكن هذه البركة قد تُنزع منه فلا ينتفع الناس به ولو كان كثيرا عاما في سائر الأقطار؛ كما جاء في حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَيْسَتْ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا وَلَكِنْ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا ولا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شيئا)) رواه مسلم. وسبب نزع البركة من الغيث المبارك أن يقابل العباد هذه النعمة العظيمة بكفرها، ويقصررا في شكر الله تعالى عليها؛ كما ذكر الله تعالى جملة من النعم في سورة إبراهيم منها نعمة إنزال الغيث، ثم ذيل سبحانه ذلك بقوله عز وجل {وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]. بل جاء في القرآن صريحا أن بركة الغيث، وبركة النبات والزرع تُنال بالتقوى، والتقوى هي فعل الأوامر، واجتناب النواهي، ومقابلة النعم بالشكر لا بالكفر {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] وبركات السماء هي الغيث، وبركات الأرض هي النبات. وبنو إسرائيل لما قصَّروا في شكر ربهم، وتثاقلوا عن إقامة دينهم؛ عُوقبوا بنزع البركة، وجدب الأرض، ونضوب الماء، فقص الله تعالى علينا ما حدث لهم؛ لئلا نقع فيما وقعوا فيه من التقصير في الشكر، وكثرة العصيان، فيصيبنا ما أصابهم {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66]. فلنشكر الله تعالى على ما أعطانا، ولنسأله البركة فيما أنزل علينا، والشكر يكون بالقول والفعل، واجتناب ما حرم الله تعالى في البراري والمتنزهات، والمحافظة على فرائضه التي فرضها؛ فإن الشكر سبب لزيادة النعم ومباركتها، كما أن كفر النعمة يزيلها ويمحق بركتها، وقد قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] ولكن بني إسرائيل لم يشكروا نعمة الله تعالى عليهم فنزعت البركة منهم وأضيفت لكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ونُقلت الخيرية والتفضيل منهم إليكم، فكونوا أهل الخيرية والتفضيل كما منَّ الله تعالى به عليكم، ولا تسيروا سيرة أهل الكتاب فتُنزع منكم إلى غيركم {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]. وصلوا وسلموا....
__________________
|
#3
|
||||
|
||||
![]() وينزل الغيث (3) الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل بين الخوف والطمع الحمد لله العزيز الحكيم، ï´؟ يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ ï´¾ [الشُّورى: 28]، ويُري عباده بعضَ مظاهر قدرته؛ ليعظموه؛ ï´؟ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ ï´¾ [الرُّوم: 54]، نحمَده فهو أهل الحمد، منه الفضْل وإليه، والخير بيديه، والشر ليس إليه، وهو ï´؟ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ï´¾ [يوسف: 64]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحكمة الباهرة في قدره، وله الحجة البالغة على خلقه، فإنْ أعطاهم فبجُوده، وإن منعهم فبعَدله، وإن عافاهم فبعَفوه، وإن عاقبهم فبظلمهم؛ ï´؟ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ï´¾ [الكهف: 49]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أعلم الخلق بالله - تعالى - وأتقاهم له، كان إذا رأى آيةً من آيات ربِّه الكونية تأرجَح قلبه بين الخوف والرجاء، يَخاف أن تكون عذابًا، ويرجو ما فيها من الرَّحمة؛ قالت عَائِشَةُ - رضي الله عنها -: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا كان يَوْم الرِّيحِ وَالْغَيْمِ عُرِفَ ذلك في وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فإذا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عنه ذلك"، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدِّين. أمَّا بعدُ: فاتقوا الله ربَّكم وعظِّموه، تأمَّلوا أسماءَه وصفاتِه ومعانيها العظيمة، وتفكَّروا في أفعاله الحكيمة، وتدبَّروا القرآن حين تقرؤون تفاصيلَ مخلوقاتِه وأفعاله وأقداره، فإنَّ ذلك مما يُحيي القلوب ويزيدها عبوديةً لله - تعالى - وتعظيمًا وإجلالاً؛ ï´؟ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ ï´¾ [المؤمنون: 14]، ï´؟ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ï´¾ [الفرقان: 2]، ï´؟ صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ï´¾ [النمل: 88]، ï´؟ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ï´¾ [السجدة: 7]، ï´؟ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ï´¾ [الملك: 3]. أيها الناس: الخلق كلهم عبيدٌ لله - تعالى - لا قيامَ لهم إلا بأمره - عزَّ وجلَّ - خلقهم ودبرهم، ففي أرضه يَمشون، وتحت قهره يعيشون، وبأمره يسيرون، وفي سُلطانه يتحرَّكون، ومن رزقه يأكلون، لا حول لهم ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. إن استبطَؤُوا رزقه ضجروا ويَئِسوا، وإن قطعه عنهم هلكوا وبادوا، وإن رأوا بوادِرَه فرحوا وطمعوا، فهم بين الطَّمع والخوف يتقلَّبون؛ ï´؟ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ï´¾ [الرعد: 12]، وإذا كان الغيثُ وبوادره وما يصاحبه وما ينتج عنه آيات تدُلُّ على قدرة الله - تعالى - فإنَّ خوف البشر منه، وطمعهم فيه آية على عجزهم وضعفهم، يطلبون رزق الله - تعالى - فإذا رأوا بوادره خافوا، فما أقل حيلتهم! وما أشد ضعفهم وعجزهم! تلك الآية العظيمة فيهم دَلَّ القرآن على أنَّها من آيات الله تعالى؛ ï´؟ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ï´¾ [الرُّوم: 24] فيا لله العظيم، ما أشد عجزنا! وما أحوجنا إلى ربِّنا وقليل منَّا الشكور! إنَّ البشر يفرحون بالسحاب الثِّقال، ويسْتبشرون ببرقه ورعْده، ولكنهم يخافونه، ويعيشون تلك اللحظات بين الطمع والخوف، فلِمَ يخافون؟ ومِمَّ يخافون؟ إنَّهم يخافون مظهر الكون وقد تغير، فحجبت جبال المزن عين الشمس، وأظلمت الأرض، وهز الرعد بصوته أرجاءَ الكون يسبح الله - تعالى - وأضاء البرق يخطف الأبصار، فتسري في القلوب مسارب من الخوف يكتمها الناسُ عن بعضهم، ويتجلدون مظهرين فرحَهم، وكلما اشتدت الظُّلمة، وقَوِي صوت الرعد، وتَتابَعَ البرق، وحركت الريح كلَّ ساكن، ازداد الخوف، ووجل العباد مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم؛ ذلك أنَّ تغيُّر أحوال الكون، واضطراب نظامه، مما يبعث الرهبة في القلوب، ويُثير الرعب في النفوس، لكن خوف المؤمنين يكون من ربهم - جلَّ وعلا - ومِنْ عُقُوبته، جرَّاء ذنوبهم، فينطقون مع الرَّعد مُسَبَّحين لله - تعالى - ومُعَظمين. عَجَبًا لأمر البشر يَخافون الغيث وهم يطلبونه! ويفزعون منه وهم يستسقون لنُزُوله! فلماذا إذًا يستسقون؟ وممَّ يخافون؟ يستسقون لبقاء حياتهم، فشرابهم وطعامهم في غيث ربِّهم، وهذا هو طمعُهم فيه، لكنهم يخافون الغرق، فإذا تتابع المطر تأذوا منه وقد يغرقون، والمطر قد يُلحق الأذى بالناس؛ ï´؟ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ ï´¾ [النساء: 102]، فالبشر لا غنى لهم عن الغيث، لكنَّهم يريدونه بمقدار، فما أضعف حيلتهم! وما أكثر اشتراطهم على ربِّهم! إنَّ البشر يعلمون أنَّ قومًا من السابقين والحاضرين أغرقوا بالمطر، والمؤمنون يقرؤون قصص بعضهم في القرآن الكريم، فيخافون أنْ يُصيبهم ما أصاب غيرهم، وقد قال الله - تعالى - في المعذبين من السابقين؛ ï´؟ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ï´¾ [العنكبوت: 40]. ومن أراد معرفة أوصاف الهلاك بالغرق، فليقرأ قصة قوم نوح في سورتي هود والقمر، فإن فيها مشاهد تخلع القُلُوب، وتستدر الدموع، وتقود إلى الخشْية؛ ï´؟ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ï´¾ [القمر: 12]، تَخيلوا حين تشرع السماء أبوابها؛ لينهمر الماء على الناس بغزارة تجعل الأرض تَتَفَجَّر عُيُونًا مِنْ كثْرة الماء، وإذا ما استمر ذلك تحوَّل إلى طوفان يغرق المدر والوبر، ويجرف ما أمامه، ويَملأ الأودية ويغطي الجبال. تأمَّلوا هذا الوصف القرآني العجيب في قصة غرق قوم نوح - عليه السَّلام -: ï´؟ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ الله إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ ï´¾ [هود: 42 - 43]، وحين انتهتْ مُهمة المطر بإغراق المكذبين كانت أوامر الربِّ - جل وعلا -: ï´؟ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ï´¾ [هود: 44]. وكانت هذه الحادثة آيةً لنا نعتبر بها كلما تَلَوْنا آيات قصة نوح - عليه السَّلام -: ï´؟ وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ï´¾ [الفرقان: 37]. واعجبًا للبشر يطلبون السُّقيا ويَخافون الغرق! واعجبًا لهم حين يرون السُّحب، فيطمعون ويخافون! عجبًا لأمرهم حين يستسقون عند الجدب، ثم يستصحون عند الغرق! يتباشرون بالغيث في مقدماته، ثم لرُبَّما عزَّى بعضهم بعضًا في نهاياته! هذا الضعف كله فيهم، ومع ذلك لا يشكرون الله - تعالى - إلاَّ قليلاً، ويكفرونه كثيرًا! وفي العهد النبوي وقع ذلك، فعجب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من ضعف الناس وسأمِهِم، وقلة حيلتهم، ودعا لهم، كما روى أَنَسٌ - رضي الله عنه - قال: "أَصَابَتِ الناسَ سَنَةٌ على عَهْدِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَبَيْنَا النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَخْطُبُ في يَوْمِ جُمُعَةٍ قام أَعْرَابِيٌّ، فقال: يا رَسُولَ الله، هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ الله لنا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وما نَرَى في السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بيده، ما وَضَعَهَا حتى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لم يَنْزِلْ عن مِنْبَرِهِ حتى رأيت الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ على لِحْيَتِهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذلك، وَمِن الْغَدِ، وَبَعْدَ الْغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ حتى الْجُمُعَة الْأُخْرَى، وَقَامَ ذلك الْأَعْرَابِيُّ أو غَيْرُهُ فقال: يا رَسُولَ الله، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وغرق الْمَالُ، فَادْعُ الله لنا، وفي رواية: ادْعُ الله أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا فَقَدْ غرقْنَا - بالأمس يطلبونه واليوم يصرفونه! - فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فقال: ((اللهم حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا))، فما يُشِيرُ بيده إلى نَاحِيَةٍ من السَّحَابِ إلا انْفَرَجَتْ وَصَارَتْ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الجوبة"؛ (أي: الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفرجة في السحاب؛ أي: صار السحاب محيطًا بالمدينة وهي صحو)، وفي رواية: فقال يا رَسُولَ الله، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، فَادْعُ الله يحبسه فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ قال: ((حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا))، فَنَظَرْتُ إلى السَّحَابِ تَصَدَّعَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ كَأَنَّهُ إِكْلِيلٌ، وَسَالَ الْوَادِي قناة شَهْرًا ولم يَجِئْ أَحَدٌ من نَاحِيَةٍ إلا حَدَّثَ بالجود"؛ رواه الشيخان، فما كان بين استسقائهم واستصحائهم إلا أسبوعًا واحدًا، فكيف لو مطر الناس شهرًا وشهرين، أو سنة وسنتين؟! وقد جاءت روايات عِدَّة في وصف حال الناس لَمَّا زاد المطر، أسوق بعضها لكم، فقارنوا بينها وبين ما أصاب بعضنا ممن كانوا خارجَ منازلهم في مطر الأيام الماضية، ففي رواية للبخاري قال أنسٌ - رضي الله عنه -: "فَمُطِرْنَا فما كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إلى مَنَازِلِنَا"، وفي رواية للبخاري: "فَخَرَجْنَا نَخُوضُ الْمَاءَ حتى أَتَيْنَا مَنَازِلَنَا"، وفي رواية لمسلم: "وَمَكَثْنَا حتى رأيت الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ"، وفي رواية للنسائي: "فما صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ حتى أَهَمَّ الشَّابَّ الْقَرِيبَ الدَّارِ الرُّجُوع إلى أهله، فَدَامَتْ جمعة، فلمَّا كانت الْجُمُعَةُ التي تَلِيهَا، قالوا: يا رَسُولَ الله، تَهَدَّمَت الْبُيُوتُ، وَاحْتَبَسَ الرُّكْبَانُ، قال: فَتَبَسَّمَ رسول الله لِسُرْعَةِ ملالة ابن آدَمَ، وقال بيديه: ((اللهم حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا))، فَتَكَشَّطَتْ عن الْمَدِينَة". إنَّها نفس الأعراض التي أصابت مَن كانوا خارج منازلهم، يفكرون في الرجوع إلى أهْليهم، وأصابَهم الذُّعر والملل من رحمة الله - تعالى - فكيف لو رأوا عذابه، والجامع بين الوصفين: ضعف بني آدم وعجزهم، وقلة حيلتهم؛ كان عمر بن عبدالعزيز في سفر مع سليمان بن عبدالملك، فأصابتهم السماء برعْد وبرق وظلمة وريح شديدة حتى فزعوا لذلك، وجعل عمر بن عبدالعزيز يضحك، فقال له سليمان: ما يضحكك يا عمر، أما ترى ما نحن فيه؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، هذه آثار رحمته فيها شدائد ما ترى، فكيف بآثار سخطه وغضبه؟! اللهم فارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وتجاوز عن زلاَّتِنا، وأَفِضْ علينا مِنْ بركاتك، وعاملنا بعفوك ورحمتك وجودك يا رب العالمين. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يُحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله - تعالى - وأطيعوه، ï´؟ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ï´¾ [البقرة: 223]. أيها الناس: الراصدون لأحوال الأرض وما يَجري فيها من تغيُّرات في باطنها وظاهرها وفي أجوائها يُقرِّرون الزيادة المضطردة للحوادث الكونيَّة المؤثِّرة في تركيب الأرض من زلازل وبراكين وفيضان وغيرها، وهذا مصْداق ما جاء في أحاديث آخر الزَّمان، وعلامات قُرب الساعة، وهذا يستوجب الخوفَ من العذاب، والاستعداد بالعمل ليوم المعاد، فكلُّ موْعود قريب ولو تباعده الناس؛ ï´؟ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحَقُّ أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ï´¾ [الشُّورى: 17 - 18]. ولا بُد أن نوقن بأن ما يقدره الله - تعالى - على الناس وإنْ بدا ضَرَرُه لبعضهم، ففيه خير لغيرهم؛ قال بعضُ المفسِّرين في قول الله - تعالى -: ï´؟ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ï´¾ [الرعد: 12]: كل شيء يَحصل في الدُّنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم، وشر بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حقِّ من يَحتاج إليه في أوانه، وشر في حق من يضره ذلك، إما بحسب المكان أو بحسب الزمان. هذا، وإنَّ من أعظم التعدِّي على الله - تعالى - نفيَ حكمته في أفعاله - سبحانه - أو تجريد الحوادث الكونية من أقداره - عزَّ وجلَّ - كما يفعل مَن ينسبون الأحداث الكونية إلى تغيُّرات في الطبيعة، فمن غيَّرها؟ ومن قدرها؟ ومن أصاب العباد بها؟! أو أولئك الذين ينفون عن السراء والضراء معاني الرحمة والعذاب، ويستدركون على الله - تعالى - في أفعاله، ويعترضون على أقداره، قائلين: لِمَ أصابت هؤلاء دون أولئك؟ لِمَ أصابت الضعفاء دون الأقوياء؟ لِمَ أصابت الأبرار دون الفُجَّار؟ لِمَ أصابت ديار المسلمين وسلمت منها ديار الكافرين؟ كل هذه الأسئلة استدراك على الله - تعالى - واعتراضٌ على مقاديره، وضعف إيمان بحكمته - سبحانه - وجهل فاضح بواقع البشر، وعدم علم بمعاملة الله - تعالى - لخلقه. إنَّ البشر كلهم ظالمون لأنفسهم، مقصرون في شُكرِ ربِّهم، ولو أخذهم جميعًا كان ذلك عدلاً منه - سبحانه - ولكنه يعفو عن كثير، ويذكرهم عذابه، ويخوفهم بآياته، فقد يصيب بها كفارًا عقوبة لبعضهم، وتخويفًا لبعضهم، وقد يُصيب بها مؤمنين عقوبة لهم على معاصيهم، وتخويفًا لغيرهم، وقد يُصيب بها أبرارًا صالحين ابتلاءً لهم، وتخويفًا لغيرهم، وفي الآية الواحدة من آياته - سبحانه - تَجتمع الرحمة والعذاب، والابتلاء والتخويف والإنذار، وذلك أدلُّ ما يكون على حكمته - عزَّ وجلَّ - في أفعاله، ï´؟ وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ ï´¾ [الأنعام: 18]. إنَّ ظُلم العباد يوجب العقوبات، والظلم قد يكون ظلمًا للنفس بالمعاصي والجرأة عليها، والدَّعوة إليها، والمجاهرة بها، وكل ذلك موجب للعذاب، كما أنَّ الظلم يكون للغَيْر ببخس الحقوق، والغش في المعاملات، وتضييع الأمانات، وأكل أموال الناس بالباطل، والكوارث حين تقع، فهي تكشف شيئًا من فساد الذِّمم، وتضْييع الأمانة، والغش في بناء الجسور والطُّرق، وتصريف المياه؛ ليذوقَ الناسُ بعضَ ما عمل الظَّلَمة والمرتشون فيهم، وما هم إلاَّ منهم؛ فلعلَّهم يأخذون على أيدي السُّفهاء، ويتعاوَنون على بَسط العدل ومنع الظُّلم، والقيام بحقوق الله - تعالى - في أنفسهم ومع غيرهم، والنُّصح لبلادهم وأمَّتهم؛ فإنَّ الفساد والظُّلم إذا استشرى في أمة أدَّى إلى انهيارها واضطراب أحوالها؛ ï´؟ إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ï´¾ [يونس: 44]. وصلوا وسلموا على نبيكم.
__________________
|
#4
|
||||
|
||||
![]() وينزل الغيث (4) الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل الشكر على نعمة المطر الحمد لله الخبير البصير الولي الحميد؛ خلق كل شيء بقدر، ورزق عباده بقدر ï´؟ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ï´¾ [الشورى: 27] نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار المذنبين، ونسأله من فضله العظيم؛ فهو سبحانه مبتدئ النعم ومتممها، وهو الذي يباركها ويحفظها ï´؟ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ï´¾ [الأحزاب: 9] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أعلم الناس بالله تعالى، وأكثرهم شكرا له سبحانه، وإقرارا بفضله عز وجل، كان يفتتح صباحه ومساءه بحمد الله تعالى على نعمه، ويملأ ما بين الصباح والمساء شكرا بالأقوال والأفعال، وكان إذا كان في سفر وأسحر يقول: ((سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا)) صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وأكثروا من ذكره وشكره وعبادته، وسلوه سبحانه الإعانة على ذلك؛ فإن من أعين على ذلك أعين على الخير كله، ونال محبة الله تعالى؛ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى من يحب بهذا الدعاء، فقد أخذ بيد معاذ بن جبل رضي الله عنه وقال: ((يا معاذ والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) فكان رواة الحديث من معاذ رضي الله عنه فمن دونه يوصون من يحبون بهذا الدعاء، والشكر وصية الله تعالى لمن أنعم عليهم ï´؟ اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور ï´¾ [سبأ: 13]. أيها الناس: بماء الغيث تحيا الأرض وتزدان، ويفرح الناس به والأنعام، فهو أثر لرحمة الرحمن الرحيم في عباده. به يزيل الله تعالى يأسهم، ويذهب رجزهم، ويجلي همهم، ويكشف كربهم، ويرفع الضر عنهم ï´؟ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ï´¾ [الأنفال: 11]. من غيثه المبارك يشربون، ومن نتاجه يأكلون، وبه يتطهرون ï´؟ هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ï´¾ [النحل: 11]. فحق للناس أن يتحروه وينتظروه، وحق لهم أن يتناقلوا أخباره، وحق لهم إذا سقوا أن يفرحوا، ومن لا يفرح بأثر رحمة الله تعالى في عباده؟! ï´؟ فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون * وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين * فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ï´¾ [الروم: 50]. إن الغيث المبارك رحمة من الله تعالى يرحم بها عباده ليشربوا ويأكلوا ويتطهروا، وواجب عليهم أن يعرفوا لهذه النعمة العظيمة قدرها، ويجتهدوا في شكرها، مستحضرين أثر هذه النعمة العظيمة في مشاربهم ومآكلهم وطهورهم، ومن استقرأ القرآن الكريم وجد فيه تنويها بهذه النعم الثلاث في الغيث مع تذكير الخلق بشكرها في كل موضع: ففي نعمة الشرب: يقول الله تعالى ï´؟ أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون ï´¾ [الواقعة: 70] أي: فهلا شكرتموه على ذلك. وفي نعمة المآكل آيات كثيرة تعلل بالشكر أو فيها بيان قلة الشكر في الناس، أو فيها أمرهم بالشكر. والمآكل إنما تكون من النبات والحيوان، ولا حياة لهما إلا بالغيث؛ ولذا تغبر الأرض بدونه، وتنفق الأنعام بفقده، فيجوع الناس ويموتون، وفي التاريخ سنوات عجاف كثيرة أرخت بسنوات الجفاف والقحط والجوع والموت، قد حبس الغيث فيها عن الناس، ففقدوا المآكل فجاعوا وهلكوا، وانتبهوا للآيات التي فيها ذكر الرزق والأكل تجدوها مذيلة بالشكر ï´؟ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ï´¾ [البقرة: 172] وفي آية أخرى ï´؟ فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون ï´¾ [النحل: 114] وإنما يأكل الناس من نتاج الأرض الذي سببه الغيث، فجعل الله تعالى معاش الناس وأرزاقهم من أرضهم ï´؟ ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ï´¾ [الأعراف: 10] وفي آية أخرى ï´؟ ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ï´¾ [الأنفال: 26] وفي ثالثة ï´؟ فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ï´¾ [العنكبوت: 17] وفي رابعة ï´؟ كلوا من رزق ربكم واشكروا له ï´¾ [سبأ: 15] والخليل إبراهيم عليه السلام حين دعا لنا بالرزق علل ذلك بالشكر؛ لعلمه بمقام الشكر عند ربه سبحانه فقال عليه السلام ï´؟ وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ï´¾ [إبراهيم: 37]، وهو قدوة لمن بعده في شكر النعم؛ إذ وصفه الله تعالى بقوله سبحانه ï´؟ شاكرا لأنعمه ï´¾ [النحل: 121]. وجمع الله تعالى نعمتي الماء والطعام في آية واحدة، جعلها سبحانه دليلا على ربوبيته وألوهيته، مستوجبة لشكره على نعمه ï´؟ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ï´¾ [يس: 35]. أي: لم يعملوا بأيديهم هذه العيون المتفجرة بالماء، ولا هذه الجنات المليئة بالطعام والثمار، وإنما هي من خلق الله تعالى لهم، حين أحيا أرضهم، وفجر ماءهم، وأنبت زرعهم، وأخرج ثمارهم، أفلا يشكرونه على ذلك؟! ï´؟ ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ï´¾. إي وعزة ربنا وجلاله لم تعمله أيدينا، فهلا شكرنا الله تعالى على ما رزقنا وأعطانا؟! لقد كانت نعمتا المشرب والمأكل مستحضرة عند النبي صلى الله عليه وسلم في كل مرة يشرب فيها أو يأكل؛ كما في حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا)) رواه أبو داود. ويستحضر هاتين النعمتين عند الخلود إلى النوم فيشكر الله تعالى عليهما؛ كما في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا آوى إلى فراشه قال: ((الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي)) رواه مسلم. وأما نعمة التطهر بالماء فجاء التنويه بها في آية الوضوء والتيمم حين بين الله تعالى فروضهما وأحكامهما، ثم ختمها بقوله سبحانه ï´؟ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ï´¾ [المائدة: 6] فالماء والتطهر به وبيان أحكام التطهر..كلها نعم تستوجب الشكر، فهلا شكرنا الله تعالى عليها ï´؟ ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ï´¾. إننا مهما عددنا نعم الله تعالى علينا في الغيث المبارك فلن نحصيها، وهي نعم تندرج تحت أصول ثلاثة من النعم: الأكل والشرب والتطهر، وإذا كنا لا نستطيع إحصاءها فنحن عاجزون عن شكرها، ولكن من رحمة الله تعالى بنا أنه لم يكلفنا من الشكر إلا ما نستطيع، فهل يليق أن نقصر فيما نستطيع من الشكر وهو قليل بالنسبة لكثرة النعم وعظمة المنعم سبحانه؟! قال سليمان التيمي رحمه الله تعالى: ((إن الله تعالى أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم)). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ï´؟ يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون ï´¾ [فاطر: 3]. الخطبة الثانية الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ï´؟ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ï´¾ [البقرة: 281] أيها المسلمون: حين ينزل الغيث المبارك تحيا الأرض به بعد موتها، وينتعش الحيوان والشجر والثمر، ويغسل الأجواء من أنواع التلوث، ويكون الهواء نقيا، ويستجم الناس في رياضه وفياضه..وكل أولئك نعم تستوجب الشكر.. ولا يصرف الناس عن الشكر إلا حبائل الشيطان المنصوبة لهم حين وعد بذلك ï´؟ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ï´¾ [الأعراف: 17]. ألا وإن من الشكر كثرة ذكر الله تعالى، وتعداد نعمه علينا ï´؟ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ï´¾ [البقرة: 152] ï´؟ وأما بنعمة ربك فحدث ï´¾ [الضحى: 11] وقال الحسن رحمه الله تعالى: ((أكثروا ذكر هذه النعمة فإن ذكرها شكر)). ومن الشكر المحافظة على فرائض الله تعالى، والاجتهاد في عبادته ï´؟ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ï´¾ [الزمر: 66]. ومن الشكر مجانبة المعاصي، فلا يليق بالعباد أن يقابلوا نعم الله تعالى عليهم بالمعاصي، ولا أن يسخروا ما رزقهم فيما يغضبه سبحانه؛ ولذا قيل: ((الشكر ترك المعاصي)) وقال أبو قلابة رحمه الله تعالى: ((لا تضركم دنيا إذا شكرتموها)). ولنعلم يا عباد الله أنه لا انفكاك لنا عن الحاجة إلى الله تعالى ومدده بالنعم والأرزاق في كل حين، فيجب أن لا نبطر بما رزقنا، وأن لا ننسى بالأمس حاجتنا واستسقاءنا، وشكر النعم يزيدها، كما أن كفرها يمحقها ويذهب بركتها، ويستوجب مقت الله تعالى وعقوبته ï´؟ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ï´¾ [إبراهيم: 7] قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: ((قيدوا النعم بالشكر)). وقد يغيث الله تعالى قوما لاستسقائهم، واستجابة لدعائهم، فلا يشكرونه سبحانه، فينزل عقوبته عليهم، وما بين نعمته وعقوبته مدة يهنئون فيها بما أنعم به عليهم، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن بعض الكفار من النصارى حاصروا مدينة للمسلمين فنفد ماؤهم العذب، فطلبوا من المسلمين أن يزودوهم بماء عذب ليرجعوا عنهم فرأى المسلمون تركهم حتى يضعفهم العطش، فقام أولئك فاستسقوا ودعوا الله تعالى فسقاهم، فاضطرب بعض عامة المسلمين فقال الملك لبعض العارفين: أدرك الناس، فأمر بنصب منبر له وقال: اللهم إنا نعلم أن هؤلاء من الذين تكفلت بأرزاقهم كما قلت في كتابك ï´؟ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ï´¾ [هود: 6] وقد دعوك مضطرين وأنت تجيب المضطر إذا دعاك فأسقيتهم لما تكفلت به من أرزاقهم؛ ولما دعوك مضطرين، لا لأنك تحبهم، ولا لأنك تحب دينهم، والآن فنريد أن ترينا آية يثبت بها الإيمان في قلوب عبادك المؤمنين، فأرسل الله تعالى عليهم ريحا فأهلكتهم. ألا فاتقوا الله ربكم، واشكروه على نعمه يزدكم ï´؟ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ï´¾ [النمل: 40].
__________________
|
#5
|
||||
|
||||
![]() وينزل الغيث (5) الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل غيثاً طهورًا مباركًا الحمد لله الغني الكريم ï´؟ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ï´¾ [الرعد:17] نحمده على مدده وعطائه، ونشكره على فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ï´؟ يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ ï´¾ [غافر:14] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ كان إذا نزل الغيث يتعرض له فيحسر ثوبه عنه حتى يصيبه المطر يرجو بركته، ولما سئل عن ذلك أفاد بأنه حديث عهد بربه؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واشكروه على ما هداكم وأعطاكم؛ فإن الشكر يقيد النعم ويباركها، وإن كفرها يمحقها ويذهب بركتها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَتْ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا وَلَكِنْ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا ولا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شيئا»رواه مسلم. وكل شيء محقت بركته فإن صاحبه لا ينتفع به مهما كان ثمينا كثيرا.. أيها الناس: نعمة الغيث المبارك من أجلِّ النعم وأعظمها.. يستبشر به البشر، وتحيا به الأرض بعد موتها، وينتفع به أهل الزرع والضرع، فيسقون أرضهم ونعمهم.. غيث قد جبل الله تعالى الناس على الفرح به، والاستمتاع بمشاهدة هطوله وجريانه، واستنشاق ريحه وطله، فترى أطفالهم في أفنية البيوت يتراكضون تحت وابله، ويصيب بعضهم بعضا ببلله، وتبحث عن كبارهم فلا تجدهم إلا قد خرجوا يستطلعون فياضه وأوديته، مع ما في ذلك من المخاطرة بأنفسهم، لكن الاستبشار بالغيث أخرجهم.. وفي لحظة هطول المطر يترك الناس ما بأيديهم، ويتحلقون على النوافذ والأبواب، فعين على السماء ترمق نزوله، وعين على الأرض تقيس كثافته ومنسوبه.. ولولا ما غرس في النفوس من محبة الغيث لما فرح به الأطفال وهم لا يدركون ما يدرك الكبار من أهميته للأرض وما عليها. والغيث تكرر ذكره في القرآن كثيرا، في مواضع الاستدلال على الربوبية وقدرة الله تعالى وعظمته، وفي مقامات إثبات البعث بعد الموت، وفي سياق الامتنان على البشر بالنعم؛ ففي الاستدلال على الربوبية ï´؟ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ الله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ï´¾ [النمل:60] وفي إثبات البعث ï´؟ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ï´¾ [الزُّخرف:11] وفي الامتنان على العباد به ï´؟ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ï´¾ [الحجر:22]. والغيث في القرآن قد وصف بوصفين كبيرين جليلين، يكفي أحدهما للاستبشار به، وشكر الله تعالى عليه، فكيف بكليهما؟! هذان الوصفان للغيث هما كونه طهورا، وكونه مباركا، وصف حسي وآخر معنوي.. فأما كونه طهورًا ففي قول الله تعالى: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ï´¾ [الفرقان:48] فلنتأمل هذا الوصف العظيم لنعرف قيمته وأهميته. فمن الناحية الفقهية بنى العلماء أحكام المياه في الأرض، والقول بطهوريته على هذا النص القرآني. فالماء النازل من السماء هو بالغ نهاية الطهارة في جنسه من المياه؛ إذ لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره، وهو مطهر لغيره. ومن الناحية البيئية الصحية فالغيث يغسل الأجواء والأرض، ويزيل منهما أدران التلوث والفساد والنجاسة التي أحدثها البشر والحيوان. قال ثابت البناني رحمه الله تعالى: «دخلت مع أبي العالية في يوم مطير وطرق البصرة قذرة، فصلى، فقلت له، فقال: ï´؟ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ï´¾ [الفرقان:48] قال: طهره ماء السماء». ومن جند الله تعالى في غزوة بدر أنه سبحانه أمد المؤمنين بغيث؛ كان من أجل فوائده تطهيرهم ï´؟ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ ï´¾ [الأنفال:11]. وفي آية الوضوء والتيمم بين الله تعالى أنه يريد بهما تطهير العباد من الأدران ï´؟ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ï´¾ [المائدة:6]. ولو تخيلنا أن المطر غير طهور فكيف يتقيه الناس، وهو ينزل على دورهم ومزارعهم وشوارعهم، ولا يمكن التحرز منه بحال، ولو تخيلنا أنه لا ينظف ولا يطهر شيئاً فماذا نصنع؟! لو تفكرنا في ذلك لعرفنا قيمة هذا الوصف القرآني بكون ماء المطر طهورا، ولأدركنا رحمة الله تعالى بنا وإحسانه إلينا حين دعانا للتطهر، وأنزل علينا ماء طهورا، ولعلمنا قيمة التطهر وأهميته في شرع الله تبارك وتعالى، حتى ليصدق على دين الإسلام أنه دين الطهارة.. كيف والطهارة وصف أهل الجنة، فقد جاء في الحديث أنهم لا يبولون ولا يتغوطون، وفي شرابهم قال الله تعالى: ï´؟ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ï´¾ [الإنسان:21]. وأما الوصف الثاني للغيث وهو كونه مباركا فقد جاء في قول الله تعالى: ï´؟ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ï´¾ [ق:9] وهذا وصف أعم من كونه طهورا، فإنه يستلزم الطهارة وزيادة، وما طهورية ماء الغيث إلا بركة من بركاته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على نيل بركته بأن يتعرض له ليصيبه شيء منه.. ومن بركته حياة الأرض وما عليها به، وشرب الأحياء منه، ولا حياة لهم إلا به ï´؟ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ï´¾ [الفرقان:49]. وكلما كانت الأرض مقفرة مغبرة كانت أحوج إلى الغيث، وكلما كان الناس يعتمدون في أرزاقهم على الزراعة والمواشي كانوا أشد حاجة إلى الغيث المبارك؛ لأن قوام عيشهم عليه، ومن نظر إلى اضطراب أسعار الأنعام وأعلافها أدرك ذلك، فالبلاد التي تكثر فيها الأنهار والعيون، ويعتمد الناس عليها في زرعهم ومواشيهم تتسم بثبات أسعار الثمار والزرع واللحوم فيها، والبلاد التي تعتمد على الأمطار في سقي زرعها ومواشيها تضطرب أسعار الزرع والثمار واللحوم فيها بحسب نزول الغيث وحبسه، وهي غالب بلاد العرب؛ فإنها أقل بلاد الدنيا عيونا وأنهارا؛ ولذا سمي العرب (بنو ماء السماء) لتأثر حياتهم بهطوله وإمساكه، وفي قصة أبوينا إبراهيم وهاجر عليهما السلام قال أبو هريرة رضي الله عنه في ذكر هاجر عليها السلام:«تِلْكَ أُمُّكُمْ يا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ»متفق عليه. وقصائد العرب مليئة بوصف العرب بأنهم بنو ماء السماء، قال الخطابي رحمه الله تعالى:«وإنما نسبوا إلى ماء السماء لأنهم ينزلون البوادي والقفار وحيث لا ماء به من البقاع، إنما يتتبعون مواقع قطر السماء ويعيشون بمائها فصاروا كأنهم أولاده وبنوه». ووصف الغيث بأنه مبارك وصف عام، فتكون بركته عامة ولو وقع منه بعض الضرر كغرق أو هدم أو نحوه ففيه مع هذا الضرر الخاص بركة عامة على الناس. والبركة هي الخير العام النافع، ومن بركة الغيث أنه سبب لإنبات الحبوب والثمار وزيادتها، وتوفر الأطعمة بعد قلتها أو ندرتها، وخضرة الأرض بعد غبرتها، وسمن البهائم بعد عجفها، وكثرة توالدها ونمائها، وإدرار ضرعها، وطيب لحمها ولبنها.. والغيث سبب لرخص الأسعار، والتوسعة على الناس.. ومن بركة الغيث أن نفعه يمتد ليشمل الناس جميعاً، حتى إنه لينتفع به من لم يكن له زرع ولا ضرع، ويكفي في بركته إخبار الله تعالى بأنه سبحانه قد أنزل من السماء ماء مباركا، وهو أعلم بما أنزل، وبحاجة خلقه لما أنزل.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ï´؟ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ï´¾ [النحل:10-11]. بارك الله لي ولكم في القرآن.. الخطبة الثانية الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتفكروا في آياته الكونية، وتدبروا آياته القرآنية ï´؟ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ï´¾ [الرُّوم:24]. أيها المسلمون: ما ننعم به من نعم المآكل والمشارب والملابس والمراكب والمنازل تستوجب شكر المنعم سبحانه وتعالى، وإذا زادت النعم بغيث مبارك استوجب مزيدا من الشكر، وما أحسن تقلب العباد بين النعم وشكرها، وما أجمل مقابلتهم لإحسان ربهم سبحانه وتعالى فيهم بإحسانهم هم لأعمالهم، وما أقبح مقابلتهم النعم بالمعاصي؛ فإن ذلك يؤذن بزوالها، وتبدل حالهم من حسن إلى سيء، وقد أمر الله تعالى بالشكر على نعم المآكل والمشارب والغيث وما ينتج عنه من المنافع ï´؟ وَآَيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُوْنَ * وَجَعَلْنَا فِيْهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيْلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيْهَا مِنَ الْعُيُوْنِ * لِيَأْكُلُوْا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُوْنَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [يَسْ:33-36]. ومن عظيم الشكر: المحافظة على الفرائض، واجتناب المحرمات. ومن الشكر: الإكثار من النوافل، ولا سيما عبادات الوقت الذي يفوت، كالإكثار من الصيام في شهر المحرم؛ فإنه يفوت مع ما فيه من فضيلة عظيمة؛ فهو أفضل شهر يصام بعد رمضان؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ الله الْمُحَرَّمِ»رواه مسلم. وأخص ذلك وأفضله صيام يوم عاشوراء؛ شكرا لله تعالى كما في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ:«قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ»رواه الشيخان. وقصد مخالفة أهل الكتاب فيه بصوم التاسع معه كما قال ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا:«حِينَ صَامَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»رواه مسلم. وَأخبر صلى الله عليه وسلم أن صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ. فاحرصوا رحمكم الله تعالى على صيامه، ومخالفة أهل الكتاب فيه بصيام التاسع معه، واذكروا الله تعالى على ما هداكم، واشكروه على ما أعطاكم.. وصلوا وسلموا على نبيكم...
__________________
|
#6
|
||||
|
||||
![]()
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |