|
ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() السحر(1) الشيخ أحمد الزومان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71]. أمَّا بعد: فأُتمُّ ما بدأتُ به في الجمعة الماضية عن الكلام فيما يتعلق بالسحر، فأقول مستعينًا بالله: عن عائشة - رضي الله عنها – قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُحِر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي، دعا الله ودعاه، ثم قال: ((يا عائشة، أعلمتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مَطْبُوبٌ، قال: ومَن طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن أعصم - رجل من بني زُريق حليف ليهود، كان منافقًا – قال: وفِيمَ؟ قال: في مُشْطٍ وَمُشَاطةٍ، قال: وأين؟ قال: في جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، تَحْتَ رَاعُوفَةٍ في بئر ذَرْوان))، قالت: فأتى النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -البئرَ حتى استخرجه، فقال: ((هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين))، قال: فَاسْتُخْرِجَ، قالت: فقلت: أفلا؟ - أي تنشرْتَ - فقال: ((أما الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا))؛ رواه البخاري (5765) (5766)، ومسلم (2189). فسحر النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -بمشط، وهو الآلة المعروفة التي يسرح بها الشعر، ومشاطة وهي الشعر الساقط بعد تسريح الشعر، فجعل المشط والمشاطة في جف طلع، وهو وعاء الطلع، المعروف عندنا بالكافور، فجعلت في البئر تحت حجر ثقيل يوقف عليه. وأكمل الهدي هدي النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -في علاج أمراض القلوب وأمراض الأبدان، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر حينما سُحر، صبر واحتسب ما أصابه، فلما تمادى به الأمر، سعى لمعرفة مكان السحر وإخراجه، وذلك بالإلحاح على الله بالدعاء، وعدم السآمة، فرآه في المنام حينما أتاه ملكان على صورة رجلين، وبعد أن وجده أتْلفه؛ ليبطل السحر، ففي رواية لمسلم "أشارت عائشة على النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -بإحراقه"، لكن تعقب الحافظ ابن حجر هذه الزيادةَ بالشذوذ. فلْيُلحَّ المسحورُ على الله بالدعاء؛ لمعرفة مكان السحر كل وقت، لا سيما الأوقات الفاضلة، التي هي مظِنَّة الإجابة، كآخر الليل، وبين الأذان والإقامة، وآخر ساعة من الجمعة، فيقيض الله له معرفة مكان السحر، إما برؤيا منام، أو يعثر عليه أثناء بحثه، أو يخبر به الجني المتلبس به، أو غير ذلك من الأبواب الجائزة في معرفة مكانه. وكذلك من هدي النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -العلاج بالرقية الشرعية، وهي من أنفع علاجات السحر، ولها تأثير مشاهَد في حل السحر، وزوال أثره - بإذن الله - إذا كانت على يدي راقٍ جمعَ بين التقوى والعلم والخبرة، فالآيات والأذكار والدعوات، تبطل أثرَ السحر، وكلما كانت أقوى وأشد، كانت أبلغَ في الشفاء وأعجلَ. لكن ليس كل ما يصيب الآدميَّ من الآفات، بسبب السحر، فالبعضُ يبالغ في هذا الجانب، فكل مرض يصيبه يعزوه للسحر أو العين. ومن أعراض المسحور - غالبًا - التأثر عند رقيته بالقرآن، سواء بالبكاء، أو الصراخ، أو التقيؤ، أو انتقال المرض من مكان إلى مكان. ويجب الحذر من الذهاب للسحرة والمشعوذين طلبًا للعلاج، وبعضهم يلبس على الناس، ويُظهِر لهم أن رقيته شرعية، ويظهر لهم التنسك والتدين حينما يقابلهم، بكثرة الذكر، أو الاستغفار، ونحو ذلك. ومما يُعرَف به مَن يتعاطى السحر ممن يزعمون أنهم يرقون - سؤالُهم المريضَ عن بعض خصوصياته، كاسمه، أو اسم أبيه، أو أمه، أو يخبره ابتداء باسمه واسم أبيه، ومرضه الذي جاء من أجله، أو يطلب أثرًا من آثاره، كالثوب، أو صورة للمريض أو يطلب من المريض ذبح حيوان معين، أو يتمتم بكلام غير مفهوم، أو يعطي المريض أشياءَ يطلب منه حرقَها والتبخر بها، أو دفنها، أو يَظهَر عليه الفسقُ الظاهر بارتكابه المعاصي الظاهرة، كالدخان، وحلق اللحية، والخلوة بالمرأة الأجنبية، بحُجةِ تطلُّب العلاج ذلك. عباد الله: بعض مَن ابتُلي بالسحر يلجأ للرقية الشرعية أولَ الأمر، وبعد فترة يدب إلى قلبه اليأسُ، ويوسوس الشيطان له أنه لن يشفى إلا بالذهاب لساحر يفك هذا السحر، وهذه هي النُّشْرَة المذكورة في حديث جابر بن عبدالله، قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النشرة، فقال: ((من عمل الشيطان))؛ رواه أحمد (13721) وغيره بإسناد حسن. وعمل الشيطان محرَّم، ولو كان فك السحر بالسحر جائزًا، لما حرم السحر، ولما وجب قتل الساحر، وليتَّقِ اللهَ المسلمُ، فالسحر كغيره مما يبتلى به المؤمن، وهو مِن أقدار الله {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102]، فالواجب الصبر، وعدم اللجوء للمحرم، فكما أن الفقير لا تحل له السرقة لأنه فقير، فكذلك المسحور لا يحل له الذهاب للسحرة، وأقل أحوال الذهاب إليهم كبيرة من كبائر الذنوب - وقد تقدم الكلام في حكم الذهاب إليهم - والعلاج من باب الحاجات، وليس من باب الضرورات، ولم يجعل ربُّنا شفاءَ هذه الأمة فيما حرَّم عليها. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: بعض الجان المتلبسين بالآدميين حين الرقية، يتكلم بكلام، ومِن ذلك إخبارُه باسم مَن سَحَر المريضَ، أو أصابه بالعين، ونظرًا لتشوف المريض وأهله لمعرفة السبب، يُؤخَذ بكلامه ويُصدَّق، وقد يتضرر بذلك أبرياء، وتحصل العداوة والبغضاء بين الناس؛ بل بين أفراد العائلة الواحدة؛ بل بين أهل البيت الواحد، وهذا من مقاصد الشياطين، فعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمُهم فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، قال: ثم يجيء أحدهم، فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نِعْمَ أنت))؛ رواه مسلم (2813). وهؤلاء المتلبسون من الجن بالآدميين - في أحسن أحوالهم - مِن فَسَقة المسلمين، وخبرُ الفاسق المسلم لا يُقبَل مطلقًا، ولا يُردُّ مطلقًا؛ بل يجب التثبُّت فيه، فإن تبيَّن صدقُه أُخذ به، وإلاَّ تُرك، كما أمرَنا ربُّنا بذلك في قوله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]. إخواني: الشرع جاء بأخذ الأسباب؛ لتحصين المسلم، ولمنع حصول الضرر في دين الناس ودنياهم، ومن ذلك التحصن من السحر قبل وقوعه، بفعل الأسباب المانعة - بإذن الله - مِن تسلُّط السحرة وشياطين الجن على بني آدم، ومن أعظم ما يَتحصن به المسلم مِن السحر وغيرِه: حفظُ الله في أوامره ونواهيه، ففي حديث ابن عباس: ((احفظِ اللهَ يحفظْك))؛ رواه الإمام أحمد (2664) وغيره بإسناد حسن، فالجزاء من جنس العمل، فمَن حفظ الله في ما افترضه عليه، فعلاً أو تَركًا، حفظه الله في دينه ودنياه، فلم تضرَّه الشياطين. ومن ذلك: المداومة على الآيات، والأذكار، والأدعية التي يحفظ بها الشخص، فليكن لنا وقت نَذكُر الله فيه، في أول الليل بعد غروب الشمس، وأول النهار بعد طلوع الفجر كل يوم. ومن ذلك: الاستعاذة بالله، والالتجاء إلى الله، ودعاؤه بأن يكفيَه شر السحر والسحرة، وقد أمرنا ربنا - عز وجل - بالاستعاذة به من شر السحر، بقوله - تعالى -: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: 1]. ومن ذلك: أكل سبع تمرات من عجوة المدينة أول النهار، فعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه – يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول: ((مَن تصبَّح سبع تمرات عجوةً، لم يضرَّه ذلك اليوم سُمٌّ ولا سحر))؛ رواه البخاري (5769)، ومسلم (2047)، وفي رواية لمسلم: ((مَن أكل سبع تمرات مما بين لابَتَيْها حين يصبح، لم يضرَّه سم حتى يمسي))، وعن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن في عجوة العالية شفاءً، أو إنها تِرياقٌ أولَ البُكْرة))؛ رواه مسلم (2048)، وشرَّاح السُّنة المتقدمون - كالقاضي عياض، والقرطبي، والنووي، والحافظ ابن حجر - ينصُّون أن هذا خاص بعجوة المدينة، دون غيرها.
__________________
|
#2
|
||||
|
||||
![]() السحر(2) الشيخ أحمد الزومان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 -71]. أمَّا بعد: من أعظم ما أصيبت به البشرية منذ قديم الزَّمان السِّحر؛ فبه يتسلَّط شياطين الجن على بني آدم فيضلُّونَهم ويُوقِعون بهم الأذى في دينِهم ودُنياهم، فتعاطيه وطلبه كبيرة من كبائر الذنوب تصِل إلى الخروج من دائرة الإسلام؛ يقول ربُّنا - عزَّ وجلَّ - مُخبرًا عن مَن قبْلَنا ممَّن يتعاطَون السحر: {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102]. فالساحر الذي يتَّصل بشياطين الجنِّ لا يتعلَّم السحر حتى يجعل دينَه قُربانًا لهم، فلا يخدمونه ويقضون حوائجَه إلا إذا كفر بالله، وتقرَّب لهم بما يخرُج به عن الإسلام، من عبادة الشَّيطان كالذَّبح له أو بعمل عملٍ يخرج به من الإسلام كإهانةِ المصحف. وقد يتساءل سائلٌ: ما الذي يجعل الشياطين يقومون بِخدمة سحرة الإنس وينفذون أمْرَهم؟ فالجواب: إنَّ الشياطين بسبب فساد طبعِهم يبحثون عن الضَّرر وإلْحاقه بالآخرين، لاسيَّما إذا كان يحصل لهم بهذا الضَّرر نفعٌ معنوي، فإذا ناداهم السَّاحر بألفاظ التَّعظيم وأقْسم عليهِم بأسماء عُظمائِهم وتقرَّب لهم بالذَّبح ونحوِه، حصل لهم نفعٌ معنوي وهو شعورُهم بالعزَّة لاحتياج الإنس لهم، وإذلال أنفُسِهم لهم، وهم يعلمون أنَّ الإنس أشرفُ منهم وأعظم قدرًا، فإذا خضعت الإنس لهم واستعاذت بِهم كانوا بمنزلة أكابرِ النَّاس إذا خضعوا لأصاغِرهم ليقضوا لهم حاجاتِهم فأعطَوهم بعض حاجاتهم؛ فلذا كلَّما كان السَّاحر أشدَّ إيغالاً بالكُفْر كانت خِدمة شياطينِ الجِنِّ له أكثرَ، وظهر على يديْه من السِّحْر أشدَّ ممَّا يظهر على يدَيْ غيره. عباد الله: إتيان السحرة وسؤالُهم ضررٌ محض على دين النَّاس ودنياهم، فسؤالُهم كبيرةٌ من كبائِر الذُّنوب؛ فعن بعْضِ أزْواج النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - عن النَّبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم – قال: ((مَن أتى عرَّافًا فسأله عن شيء، لم تُقْبَل له صلاة أربعين ليلة))؛ رواه مسلم (2230). فسائلهم لا تقبل له صلاةٌ أربعين يومًا، وليس معنى هذا أنَّه لا يصلي أو يُؤْمر بالإعادة بعد انقضاء الأربعين، فهذا الحديث ونحوُه محمولٌ عند أهل العلم أنَّه لا ثواب له في صلاته مدَّة الأربعين، وذلك أنَّ الصلاة لها ثواب وإتْيان السَّحرة كبيرةٌ من كبائِر الذُّنوب، فإذا تقابل ثوابُ الصَّلاة وعِظَم ذنب إتْيان السَّحرة ساوى الذَّنب أجرَ الصَّلاة هذه المدَّة، فكأنَّها لم تقبل منه؛ لأنَّه لم ينتفع بِها في رِفْعة درجاتِه بل حطَّت من خطاياه. ومن أتاهُم وصدَّقهم بِما يزعمونه من عِلْم الغيب والنَّفع والضرِّ، فهذا كفرٌ مُخرج من الملَّة؛ فعن أبي هُريرة عن النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم – قال: ((مَن أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بِما أُنْزِل على محمَّد - صلَّى الله عليْه وسلَّم -))؛ رواه أحمد (9252) بإسناد صحيح. ومَن صدَّقهم معتقدًا أنَّ هذا الساحر يتلقَّى ممَّن يسترِق السَّمع من الجِنِّ، ولم يعتقِد معرفتَهم الغيب وقُدْرَتهم على ما لا يقدر عليْه إلا الله، فهو على خطرٍ عظيم، لكنَّه لا يكفر. لكنَّ ممَّا يَجدر التَّنبيه إليه أنَّه ليس كل سحْرٍ كفرًا، بل بعضُه ليس سحرًا على الحقيقة إنَّما يعتمِد على المعرفة بالموادِّ وخصائصِها، أو خفَّة اليد أو استخدام آلات لا تظهر للمُشاهد، مثل إشْعال منديل من غير نار، أو رفع شيءٍ ثقيل لا يُمْكِن للآدمي رفعُه، ومثله استِخْدام العقاقير والأدوية والأعشاب التي تُمرض ولا يجد لها الطبُّ علاجًا؛ لأنَّها لا تُعْلم مادَّتُها، وهذه شعوذة محرَّمة لكنَّها لا تصل للكُفر. والسِّحر أنواع متعدِّدة، والصحيح أنَّه كله أسود فليس فيه سحر أبيض على ما يزعُم بعضهم، فمنه: - سحر الصَّرف، وهو صرف المحبَّة إلى البغض، فيكون المحبوب - زوجة أو أم أو أب أو أخ أو غير ذلك - مبغَّضًا لا يرتاح معه المصروف ولا يهنأ له بال حتى يفارقه، {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102]. وسبب البغض الشَّكُّ والريبة، أو استقباح الهيئة فيراه بِهيئةٍ قبيحة على خِلاف الواقع، ومن أعراض المُصاب بِهذا السحر انقِلاب حال الشَّخص فجأةً من غير أسبابٍ على أحبابِه، وبعْدُه عنهم، وعدم الرَّاحة لمجالستِهم ومحادثتِهم، وسوء الظَّنِّ بِهم، ووقوع المشاكِل معهم من غيْر سبب أو لأتفه الأسباب. - ومن ذلك ربْط الرَّجُل عن امرأتِه، فلا يستطيع جماعها، أو عكس ذلك فتربط المرأة عن زوجها. - ومنه سحرُ العطْف وهو سحر المحبَّة، وهو على ضدِّ الصَّرف فيتعلَّق المسحور بالشَّخص الذي عطف عليْه ولا يرتاح بِمفارقته، فيكون بين الزَّوجين وغيرِهِما، وقد يستخدمه الفجَّار للتوصُّل إلى مَن يريدون وصالَه وصالاً محرَّمًا، ومن أعراض المصاب بِهذا السِّحْر التحوُّل المفاجئ من عداوةِ شَخْصٍ أو حبٍّ طبعي إلى المحبَّة العارمة والطاعةِ التَّامة والانقيادِ للمحبوب وحسْنِ الظن به، والرضا عنه مهما ارتكب، وتلبيةِ مطالبه مهما كانت، وظهور التقصير في دين المعطوف وتساهل في المحرَّمات. ومن أنواعه ما يتسبَّب في مرض المسحور، في جسدِه أو عقْلِه أو في كلَيْهِما، والدَّافع له في الغالب الرَّغبة في الانتقام. الخطبة الثانية الحمد لله الذي أبان الحق وجعل عليه دلالات يستدل بها أولو النُّهى، وهدى خلقَه السَّبيلَ، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وأصحابِه أجمعين، وبعد: إذا كان السَّاحر لا يتوصَّل إلى السِّحْر إلا بالكُفْر بالله، فهو مرتدٌّ يجري عليه حدُّ الردَّة، فيقتل مرتدًّا؛ فعن ابن عباس قال: قال النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((مَن بدَّل دينَه فاقتلوه))؛ رواه البخاري (3017). وعن بجالة بن عبدة قال: أتانا كتابُ عمر قبل موتِه بسنةٍ أن "اقتلوا كلَّ ساحر وساحرة" فقتلنا ثلاثَ سواحر؛ رواه أحمد (1660) وغيرُه بإسنادٍ صحيح. وقد صحَّ عن جندبٍ وحفصةَ قتْلُ السَّاحر، ولا يُعْلَم في الصَّحابة مخالفٌ لهما فكان إجماعا سكوتيًّا، ثم حصل الخِلاف في قتلهم بعد ذلك. إخواني: بعض من أصيبوا بالسحر عُمِلوا بنقيض قصْدِهم، فمثلاً تجِد المرأة تلحُّ على الرَّجُل بِجلب امرأةٍ لتُريحَها في عمل البيت، مع ارتِكاب المحذور الشَّرعي من التسبُّب بقُدومها من غير محرم والخلوة بالرَّجُل أحيانًا، ثمَّ يتحوَّل الأمر فتكون هذه المرأة مصدَرَ شقائِها وتعبِها، فربَّما تسبَّبت في سحْرِها أو بعض أهل البيت، أو أصبحت كالوحْش في البيت يُخْشى منها. وبعض مَن يُسافِر ليمتِّع نفسَه بالمُتْعَة المحرَّمة، وليروِّح عن نفسه ترويحًا محرَّمًا يُعاقب بنقيض قصْدِه، وذلك بتسلُّط مَن يسحره في تلك البلاد فيأتيه العَناء وتكدُّر الخاطر، من أمرٍ كان يظنُّ أنَّه مصدر سعادته وانشِراح صدْرِه، فمن استعجل شيئًا قبل أوانِه عوقب بحرمانِه ولا يظلم ربُّك أحدًا. وليس كل مَن أُصيب بالسِّحر بسبب معصيةِ الله؛ فالسحْر كغيرِه من مصائب الدنيا يُبتلى بها البَرُّ والفاجر، فسيِّد الخلق أتْقى النَّاس لربِّه - عزَّ وجلَّ – سُحِر. فعن عائشةَ - رضي اللهُ عنْها – قالت: "كان رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - سُحِرَ حتَّى كان يرى أنَّه يأتي النِّساء ولا يأتيهِنَّ"، قال سفيان: وهذا أشدُّ ما يكون من السِّحْر إذا كان كذا، فقال: ((يا عائشة، أعلِمْتِ أنَّ الله قد أفتاني فيما استفْتَيْتُه فيه، أتاني رجُلان فقعد أحدُهُما عند رأسي والآخَر عند رجلي، فقال الذي عند رأْسي للآخَر: ما بال الرجُل؟ قال: مطبوب، قال: ومَن طبَّه؟ قال: لبيد بن أعصَم، رجل من بني زريق حليف ليهود، كان منافقًا، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة، قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذرْوان))، قالتْ: فأتى النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليْه وسلَّم - البئر حتَّى استخرجَه فقال: ((هذه البئر التي أُرِيتُها، وكأن ماءها نقاعة الحنَّاء وكأنَّ نخْلَها رؤوس الشَّياطين)) قال: فاستخرج، قالت: فقلت: أفلا، أي تنشَّرْتَ؟ فقال: ((أمَّا الله فقد شفاني، وأكره أن أُثيرَ على أحدٍ من النَّاس شرًّا))؛ رواه البخاري (5765) ومسلم (2189). وسنقف مع هذا الحديث في الخطبة القادمة - إن شاء الله - لكنَّ الذي أحب أن أنبِّه إليه الآنَ أنَّ سحر النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم - لا يخلُّ في مقام النبوة، فما أصابه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - نوعُ مرضٍ، وهو كسائر الخلق يُصيبُه ما يصيب النَّاس من الأذى الدنيوي، فلِذا أُغْمي عليه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وشجَّ رأسُه وكُسِرَت رباعِيَتُه، وكوْنه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يخيَّل إليْه أنَّه يفعل الشيْءَ هذا في ما يتعلَّق بالأمور الدنيويَّة، وأمَّا يتعلَّق بتبليغ الدين فهو معصوم بإجْماع أهل العلم. وقد سُحِرَ موسى - صلَّى الله عليْه وسلَّم - سِحْرَ تخييل قبله، {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] فلم يكن ذلك قادحًا في رسالته - صلَّى الله عليْه وسلَّم.
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |